الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
هل كان انتهاء الحرب الإسرائيلية الإيرانية بهذه السرعة نتيجة حوارات ومفاوضات سابقة؟
من سلسلة «الحرب الإسرائيلية الإيرانية» – كُتب في حزيران 2025
ومن الجهات التي أدّت دوراً في ذلك؟ وما حججها وقوتها التي جعلت الطرفين الإسرائيلي والإيراني يخضعان لإنهاء الحرب؟
نعم، يمكن القول إن التوقف المفاجئ للحرب بين إسرائيل وإيران لم يكن مجرد رد فعل فوري على تطورات ميدانية فحسب، بل كان نتيجة لعدة مسارات حوارية وتنسيقية سرية جرت قبل الحرب وفي أثنائها، بتدخّل مكثف من قوى دولية وإقليمية مؤثرة، بعضه علني وبعضه بقي في الكواليس.
وفيما يلي تفصيل العوامل والجهات التي أدّت دوراً حاسماً في إنهاء الحرب الإسرائيلية الإيرانية.
أولاً: القنوات الخلفية والحوارات السرية
سلطنة عُمان:
كانت عُمان تاريخياً وسيطاً موثوقاً لدى إيران، وحتى لدى إسرائيل والغرب. وخلال الأزمة أعادت تشغيل قنوات الاتصال القديمة التي كانت تُستخدم في محادثات الاتفاق النووي، ووفّرت بيئة سرية لمحادثات غير مباشرة بين طهران وتل أبيب عبر وسطاء أميركيين وأوروبيين.
قطر وتركيا:
- قطر لديها علاقات قوية مع إيران والغرب، واستخدمت علاقاتها لتشغيل قناة موازية بين واشنطن وطهران.
- تركيا، بوصفها عضواً في حلف الناتو وتحتفظ بعلاقات رسمية مع إسرائيل وإيران، قدّمت عروضاً لتقريب وجهات النظر، وأدّت دوراً مهماً في الضغط السياسي على طهران بعد القصف الإسرائيلي المكثف.
القنوات الأوروبية الخلفية:
كانت لفرنسا وألمانيا مصالح كبرى في منع نشوب حرب إقليمية واسعة، لأن أي تصعيد كبير سيضرّ مباشرة بالاقتصاد الأوروبي ويهدد تدفق النفط والغاز. وقد قادتا جهوداً دبلوماسية مع طهران وتل أبيب بالتنسيق مع بروكسل.
ثانياً: الدور الحاسم للولايات المتحدة الأميركية
رغم أن واشنطن أيّدت إسرائيل سياسياً وعسكرياً في بداية الحرب، فإنها كانت تدير في الوقت ذاته خطاً دبلوماسياً مزدوجاً:
- طلبت أميركا من إسرائيل عدم تجاوز «الخط الأحمر» الذي قد يستفز إيران إلى الرد الواسع.
- استخدمت أميركا نفوذها العسكري والسياسي للضغط على الطرفين، وأبلغت إيران بأنها لن تسمح بانهيار الاستقرار الإقليمي.
- أرسلت أميركا رسائل واضحة إلى طهران بأن استمرار الحرب سيعني انهياراً اقتصادياً شاملاً وإجراءات عسكرية إضافية من القوات الأميركية في الخليج.
وكانت الحجة الأميركية المركزية لإيران:
«نحن نعرف أنكم تستطيعون الرد، ولكننا نعرف أيضاً أنكم لا تستطيعون تحمّل تبعات المواجهة الموسعة».
ثالثاً: التفاهم الروسي الصيني مع إيران
رغم أن روسيا والصين لم تتدخلا عسكرياً، فإنهما مارستا ضغطاً سياسياً هائلاً على طهران لوقف الحرب، للأسباب التالية:
- روسيا لا تريد حرباً في الشرق الأوسط تُضعف موقفها العالمي، خاصة أنها منخرطة في أوكرانيا.
- الصين تعتمد على النفط الإيراني والخليجي، واستمرار الحرب يهدد تدفق الطاقة والاقتصاد الصيني.
وقد مارست بكين وموسكو الضغط على طهران عبر قنوات رسمية، مع رسالة ضمنية مفادها: «إذا استمرت الحرب فلا تتوقعوا منا دعماً مفتوحاً، ولن نوقف عقوبات جديدة تُفرض عليكم».
رابعاً: ضغوط اقتصادية دولية مباشرة على إيران
مع تدهور سعر صرف العملة الإيرانية أثناء الحرب، وارتفاع أسعار السلع، وانخفاض احتياطي العملات الأجنبية، خافت إيران من:
- تفاقم الاضطرابات الاجتماعية.
- عجز النظام عن دفع الرواتب أو دعم الجيش.
- اندلاع احتجاجات شاملة شبيهة بأحداث 2019.
وقد توقعت التقارير الاستخبارية الغربية هذا الانهيار الاقتصادي إذا استمرت الحرب أسبوعين، ووصلت هذه المعلومات إلى قادة طهران، مما عجّل بالقبول بالتهدئة.
خامساً: حجج أميركا وأوروبا لإقناع إسرائيل
رغم تفوق إسرائيل العسكري، فإن الضغط الأميركي والأوروبي عليها تمحور حول هذه النقاط:
- الاستمرار في القصف سيُفقد إسرائيل دعم بعض الحكومات الأوروبية.
- حزب الله قد يدخل الحرب بقوة.
- الاقتصاد الإسرائيلي (وخاصة قطاعا التكنولوجيا والسياحة) بدأ يتأثر.
- القبة الحديدية الإسرائيلية لن تصمد إلى الأبد، وأي ضربة مباشرة كبيرة على تل أبيب ستكون ضربة نفسية ضخمة.
وكانت الحجة الأقوى من واشنطن:
«لقد أوصلتم الرسالة إلى إيران، ولكن أي تصعيد الآن سيُفقدكم هذا النصر السياسي، ويجرّ المنطقة إلى كارثة لن تنجو منها إسرائيل ولا حلفاؤها».
سادساً: دور الأمم المتحدة والضغط الدبلوماسي الدولي
خلال الساعات الأخيرة قبل التهدئة، عقد مجلس الأمن جلسة طارئة غير معلنة، جرى فيها ما يلي:
- طلب الأمين العام للأمم المتحدة من الجانبين الإسرائيلي والإيراني القبول بـ«هدنة تقنية» مدتها 48 ساعة.
- تهديد مبطّن من فرنسا وبريطانيا بأنهما ستدعمان قراراً دولياً بفرض حظر سلاح على الطرف الذي يرفض الهدنة.
- مناشدة الدول العربية والإسلامية الكبرى (مثل السعودية ومصر وإندونيسيا) الضغط على طهران وتل أبيب.
الخلاصة
نعم، لم يكن وقف الحرب صدفة أو مفاجأة بلا خلفية، بل كان نتيجة:
- حوارات سابقة وقنوات خلفية بين الأطراف.
- ضغط اقتصادي هائل على إيران، وتهديد إسرائيل بفقدان الدعم الغربي إذا استمرت الحرب.
- وساطات متعددة من دول ذات مصداقية إقليمية (عُمان، قطر، تركيا).
- تهديد روسي صيني لإيران بأن استمرار الحرب سيجعلهما يتخليان عن دعمها.
- رغبة الطرفين (إسرائيل وإيران) في حفظ ماء الوجه دون خسائر كارثية.
- اقتناع الجميع بأن الحرب لم تعد وسيلة ناجعة لتحقيق أهدافهم الاستراتيجية، وأنها قد تتحول إلى حريق إقليمي واسع.
وبهذا الشكل جاء وقف الحرب المفاجئ استجابةً لحسابات دقيقة، أكثر من كونه مفاجأة عشوائية.