الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

هل نتوقع تأثير المجتمع الدولي (أمريكا وأوروبا) في إسرائيل لإنهاء الحرب في غزة؟

من سلسلة «الحرب على غزة» – كُتب في أيار 2025

هل يمكن أن نتوقع تأثيرات للمجتمع الدولي (أمريكا وأوروبا) في إسرائيل لإنهاء الحرب مع حماس في غزة؟ وكيف تكون النتائج؟ أم تبقى إسرائيل تتنكّر لكل الجهود والضغوط الدولية عليها؟

المقدمة

تُعدّ الحرب الإسرائيلية الفلسطينية في غزة واحدة من أكثر الحروب إثارة للجدل دوليًّا، لما تحمله من أبعاد إنسانية وقانونية وسياسية معقدة. وبينما تصرّ إسرائيل على أنها تخوض «حربًا دفاعية» ضد الإرهاب، يرى المجتمع الدولي، وخاصة الرأي العام العالمي، أن ما يحدث في غزة تجاوز كل الخطوط الحمراء في تدمير المدنيين والمستشفيات والبنية التحتية.

وفي هذا السياق تُطرح أسئلة شديدة الأهمية: هل تستطيع القوى الكبرى، مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، التأثير فعلًا في القرار الإسرائيلي؟ وهل يمكن أن تؤدي هذه الضغوط إلى وقف الحرب أو تغيير مجراها؟ أم أن إسرائيل قادرة على تجاوز هذه الضغوط والاستمرار في حربها، كما فعلت في مرات سابقة؟

وللإجابة الدقيقة نقسّم التحليل إلى خمسة محاور، هي:

أولًا: مواقف الولايات المتحدة وأوروبا من الحرب الإسرائيلية على غزة حتى الآن.

ثانيًا: أدوات الضغط التي يملكها المجتمع الدولي على إسرائيل.

ثالثًا: احتمالات تجاوب إسرائيل مع هذه الضغوط أو رفضها.

رابعًا: السيناريوهات المتوقعة لتطور الموقف الدولي.

خامسًا: النتائج المحتملة على الأرض لحرب إسرائيل على غزة.

أولًا: المواقف الحالية لأمريكا وأوروبا من الحرب الإسرائيلية على غزة

1- الموقف الأمريكي

  1. في بداية الحرب الإسرائيلية على غزة في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 وقفت الولايات المتحدة بشكل شبه مطلق إلى جانب إسرائيل، معتبرة ما جرى في ذلك اليوم (عملية طوفان الأقصى) «أبشع هجوم إرهابي منذ هجمات 11 سبتمبر 2001».

  2. دعمت واشنطن إسرائيل سياسيًّا وعسكريًّا، وأرسلت حاملات طائرات لحمايتها، وزوّدتها بالقنابل الذكية والصواريخ.

  3. رفضت أمريكا مرارًا تمرير قرارات في مجلس الأمن تطالب بوقف فوري لإطلاق النار في غزة.

لكن مع مرور الوقت، وبخاصة مع تزايد أعداد الضحايا المدنيين الفلسطينيين في غزة، بدأ الموقف الأمريكي يتحول تدريجيًّا نحو ما يُسمّى «الدعم المشروط»، ويتجلى ذلك في:

  1. انتقادات إدارة بايدن لاستمرار العمليات في غزة ورفح.

  2. الدعوة الأمريكية إلى ضرورة حماية المدنيين الفلسطينيين، وتسهيل دخول المساعدات الإنسانية إلى غزة.

  3. استخدام أمريكا أدوات ضغط خفية، مثل تأخير شحنات الأسلحة الثقيلة، أو ربطها بموافقة الكونغرس الأمريكي.

2- الموقف الأوروبي

  1. كان الموقف الأوروبي أكثر تنوعًا وتذبذبًا؛ فبعض الدول، مثل ألمانيا وفرنسا، دعمت إسرائيل في البداية، بينما كانت دول أخرى، مثل أيرلندا وإسبانيا، أكثر انتقادًا لحرب إسرائيل على غزة.

  2. ومع مرور الوقت تصاعد الغضب الأوروبي بسبب المجازر والتدمير الشامل في غزة، وبدأت بعض الدول الأوروبية تتحدث عن:

    • فرض عقوبات اقتصادية محددة على شركات السلاح المرتبطة بإسرائيل.

    • تعليق اتفاقات التعاون العلمي والأكاديمي مع إسرائيل.

    • دعم الدعاوى القضائية ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية.

    • الاعتراف بالدولة الفلسطينية من جانب واحد (كما فعلت إسبانيا والنرويج وأيرلندا في أيار/مايو 2024).

ثانيًا: أدوات الضغط التي يملكها المجتمع الدولي على إسرائيل

1- الأدوات الأمريكية

  1. الدعم العسكري: تزوّد أمريكا إسرائيل بنسبة كبيرة من أسلحتها، خصوصًا الذخائر الذكية والقبة الحديدية.

  2. الدعم المالي: تقدّم لإسرائيل مساعدات سنوية بقيمة 3.8 مليار دولار.

  3. الغطاء الدبلوماسي: تُعدّ أمريكا صمام الأمان لإسرائيل في مجلس الأمن، إذ تستخدم حق النقض (الفيتو) لحمايتها بشكل مستمر ودائم.

  4. النفوذ السياسي على القيادات الإسرائيلية: تملك الولايات المتحدة علاقات مباشرة وعميقة مع أجهزة الأمن والسياسة الإسرائيلية.

2- الأدوات الأوروبية

  1. العلاقات الاقتصادية: الاتحاد الأوروبي هو أكبر شريك تجاري لإسرائيل.

  2. اتفاقات التعاون الأكاديمي والتكنولوجي: تقدّم أوروبا لإسرائيل امتيازات مهمة في مجال البحث العلمي والابتكار.

  3. الضغط الدبلوماسي الأوروبي: عبر الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية.

  4. الرأي العام الداخلي الأوروبي: تضغط الشعوب الأوروبية بقوة على حكوماتها بسبب صور الدمار والضحايا في غزة.

ثالثًا: هل تستجيب إسرائيل لهذه الضغوط؟ أم ترفضها كليًّا؟

يعتمد ردّ إسرائيل على هذه الضغوط الدولية على مجموعة من العوامل، هي:

1- في الظروف الطبيعية تستجيب إسرائيل للضغوط الأمريكية، خاصة عندما تكون مرتبطة بالمساعدات العسكرية أو بحماية إسرائيل في مجلس الأمن الدولي.

2- لكن حكومة نتنياهو الحالية تميل إلى التصعيد في غزة، وهي تتكوّن من تحالفات يمينية دينية يهودية ترفض أي مساومة مع حماس، وتؤمن بأن حسم المعركة معها أولوية وطنية.

3- لذلك فإن تجاوب إسرائيل مع الضغط الأمريكي قد يكون محدودًا، ويتجلى في ما يلي:

  1. «تجميد» العمليات في مناطق معينة (مثل رفح)، دون وقف الحرب على غزة كليًّا.

  2. قبول إسرائيل بممرات إنسانية، لا بوقف دائم لإطلاق النار في غزة.

  3. تنصّل إسرائيل من التهدئة الطويلة أو الحلول السياسية، والإصرار على «تجريد غزة وحماس من السلاح».

4- أما الضغوط الأوروبية فغالبًا ما تستمع إليها إسرائيل بأذن واحدة، نظرًا لاعتمادها الأكبر على أمريكا، واستهانتها بالقوة العسكرية الأوروبية.

لكن من جهة أخرى، إسرائيل ليست دولة معزولة كليًّا، وهي تدرك أن استمرار الحرب في غزة قد يؤدي إلى:

  1. فرض عقوبات دولية عليها.

  2. ملاحقة قادتها أمام المحكمة الجنائية الدولية.

  3. انزلاق المنطقة إلى حرب إقليمية (مع حزب الله أو إيران).

  4. تراجع علاقات إسرائيل الاستراتيجية مع دول عربية كالسعودية ومصر.

رابعًا: السيناريوهات المستقبلية لموقف المجتمع الدولي من إسرائيل

1- سيناريو الضغط الفعّال (احتمال متوسط)

  1. تتضافر الضغوط الأمريكية والأوروبية والأممية لفرض وقف إطلاق النار في غزة.

  2. يُضغط على إسرائيل عبر تجميد بعض شحنات السلاح، أو التهديد بعقوبات فردية.

  3. تُجبَر إسرائيل على الدخول في مفاوضات غير مباشرة مع حماس، بوساطة مصرية قطرية.

  4. ويحتاج هذا السيناريو إلى إرادة أمريكية صارمة، وتنسيق أوروبي موحد.

2- سيناريو الضغط الرمزي فقط على إسرائيل (الأكثر احتمالًا)

  1. تستمر التصريحات الأمريكية والأوروبية المنتقدة، لكن دون خطوات عملية وجادة.

  2. تبقى إسرائيل حرة في متابعة الحرب على غزة، ما لم تعبر «خطوطًا حمراء» في نظر أمريكا وأوروبا والأمم المتحدة، مثل الإبادة الجماعية للفلسطينيين في غزة.

  3. وتستخدم إسرائيل ذلك ورقةً سياسية داخلية لإطالة عمر الحرب في غزة.

3- سيناريو القطيعة الجزئية مع إسرائيل (احتمال ضعيف)

  1. يحدث تحول جذري في المواقف الدولية بعد مجزرة كبرى أو تطور كارثي في غزة.

  2. تقطع بعض الدول الأوروبية علاقاتها مع إسرائيل أو تستدعي سفراءها.

  3. يُجمَّد التعاون مع إسرائيل في بعض المجالات، وتفرض الدول الأوروبية عقوبات على أفراد إسرائيليين.

  4. وقد تصاحب ذلك محاولات أوروبية للاعتراف بالدولة الفلسطينية، وطرح مبادرات للسلام بديلةً عن الرؤية الأمريكية.

خامسًا: النتائج المتوقعة بناءً على المواقف الدولية من إسرائيل

1- إذا نجحت الضغوط الدولية في وقف الحرب في غزة

  1. التوصل إلى اتفاق تهدئة طويل الأمد.

  2. إدخال مساعدات إنسانية واسعة إلى غزة.

  3. احتمال تشكيل إدارة مدنية دولية لغزة بدعم أممي.

  4. تهدئة الجبهات الأخرى، مثل لبنان وسوريا.

2- إذا استمرت إسرائيل في التنكّر للضغوط عليها

  1. زيادة عزلة إسرائيل سياسيًّا وأكاديميًّا وثقافيًّا.

  2. تعمّق الانقسام الداخلي الإسرائيلي بسبب الكلفة البشرية والاقتصادية.

  3. ارتفاع وتيرة الدعم للمقاومة الفلسطينية دوليًّا، خاصة في أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا.

  4. خطر تصاعد جبهة المقاومة مع حزب الله في شمال إسرائيل، أو مع إيران.

الخاتمة

لا شك أن للمجتمع الدولي، وتحديدًا الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، تأثيرًا كبيرًا في مسار الحرب الإسرائيلية في غزة، لكن هذا التأثير الأمريكي الأوروبي يبقى مرهونًا بالإرادة السياسية الحقيقية، لا بالتصريحات فقط.

وإسرائيل، وإن كانت قادرة على مقاومة الضغوط لفترة معينة، ليست بمنأى عن التأثر بالعزلة الدولية وبالتكاليف الاستراتيجية لحرب طويلة الأمد.

إن نهاية الحرب الإسرائيلية على غزة لن تأتي عبر الميدان فقط، بل عبر مزيج من الضغط الدولي الأمريكي والأوروبي، والتحركات السياسية الأخرى، والاعتبارات الإنسانية التي أصبحت واضحة أمام العالم أجمع.

وكلما طالت الحرب الإسرائيلية على غزة أصبح ثمن استمرارها باهظًا، ليس على غزة فقط، بل على إسرائيل والمجتمع الدولي برمّته أيضًا.