الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
هل يخطط بوتين لإسقاط المنتصرين في الحرب العالمية الثانية؟
من سلسلة «الحرب الروسية الأوكرانية» – الجزء 12، كُتب في نحو آذار 2022
قال الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في أحد تصريحاته حول ما يجري في أوكرانيا: «بوتين أثبت نفسه قائداً ذكياً، وقادتنا أغبياء للغاية»، يقصد قادة أمريكا وأوروبا.
ويقول ترامب: لم تختبروا حجم ذكاء بوتين بعد؛ فهو يلاعبكم باستراتيجية «الفخ داخل الفخ»، فيُشعركم أنه وقع في الفخ الذي نصبتموه له، بينما هو يستدرجكم إلى فخه غير المرئي لكم.
إن مجموعة «بريكس» باتت تملك اليوم الذريعة لإطلاق عملتها الموحدة وبنكها الدولي.
وأعتقد أن هذا ليس رأي جمهور النخبة الأمريكية، ولا رأي المنبهرين بالسياسات الأمريكية أو المراهنين على ذكاء أصحابها.
فهناك وزير خارجية مشرقي كتب معلقاً على الواقعة بشكل مختلف تماماً، إذ اعتبر أن الأمريكي استدرج بوتين إلى حفرة عميقة لن ينجو منها بسهولة. فكتب هذا الوزير، صاحب اللغة الإنجليزية الأمريكية، قائلاً: «ليس من العقل أن تواجه الدب بالاصطدام به مباشرة، فهو قادر على تحطيمك، بل الذكي هو من يجرّه إلى فخ ليقع في حفرة المواجهة، فيُشعره أنه المنتصر، ثم يُغرقه في شباك تلك المواجهة. وهذا ما فعله الغرب ببوتين».
وثمة من استحضر مقال هنري كيسنجر عن أوكرانيا عام 2014، الذي تحدث فيه مطولاً عن هذا النفَس وهذا النهج، معتبراً أن الحل يكمن في ترك أوكرانيا تختار معسكرها وسياستها، دون أن تبتلعها روسيا، ودون أن يضمها حلف شمال الأطلسي (الناتو) إليه بالقوة.
إن مقاربة كلا المنظّرين المذكورين، التلميذ المهذّب الأول (الوزير المشرقي) وأستاذه المتذاكي الثاني (هنري كيسنجر)، تقوم على مبدأ أن سيد العالم هو الولايات المتحدة الأمريكية، وأن ديمقراطيتها وخياراتها السياسية هي العنوان.
والأهم من ذلك أن المطلوب، حين ينطلق لهيب المعارك دون إذن واشنطن وخلافاً لمصالحها، أن يلبس قادة أمريكا وأذنابها وتلامذتها والمراهنون عليها القفازات الحريرية، وأن يُظهروا أنفسهم بمظهر المعادين للحرب الكارهين لها، المتعاطفين مع خيارات الشعوب الطامحة إلى الحرية.
إن ما يجري في أوكرانيا من مواجهة محتومة في ميدان المعركة يتلخص في جوهره على النحو الآتي:
في إطار الحشد الاستراتيجي الذي تقوده واشنطن ضد روسيا، بلداً ونظاماً سياسياً بقيادة بوتين، كانت أمريكا تخطط لدور تؤديه أوكرانيا.
وهو أن تكون أوكرانيا بمثابة الخنجر الأخير والمنصة الأقرب إلى أبواب موسكو وأسوار الكرملين، الذي كان سيُغرز في قلب الاتحاد الروسي لتفتيته.
ومن ثم جعل أوكرانيا منصة تشبه تركيا، يتدفق من خلالها كل أنواع المقاتلين والأسلحة لتدمير روسيا الآسيوية وفصلها عن أجزائها الأوروبية.
فالغرب عموماً وأمريكا خصوصاً لم يكونا يطيقان روسيا الأوروبية، ولم ينظرا إليها عبر التاريخ القديم والحديث إلا بوصفها مساحة للتوسع والغزو.
ولم تنظر أوروبا وأمريكا إلى روسيا في كل حوادث التاريخ إلا بوصفها لقمة سائغة ينبغي تسهيل ابتلاعها.
بل إن حروباً كثيرة خيضت ضد روسيا، وكان هدفها دائماً شطب روسيا، ثم الاتحاد السوفيتي السابق، من على الخريطة.
وآخر حرب خاضها الأوروبيون ضد روسيا شنّها الرايخ الثالث الألماني، وكان من أهدافها القضاء على الاتحاد السوفيتي السابق.
وفي نظرة أولية إلى نوع الاصطفاف الجيوسياسي الجاري حول روسيا، نرى ما يشبه إعادة إحياء الرايخ الثالث: من حكم كييف النيونازي، إلى بولندا النازية في العمق، إلى ألمانيا التي تحنّ إلى ماضيها، إلى سائر القوى المتحالفة ميدانياً مع حكومة كييف.
ولكن ذلك دائماً بقيادة أمريكية غير مستعدة لخوض المواجهة المباشرة ولا لدفع أثمانها.
وإنما تريد بالتأكيد أن تخرج منها الطرف الوحيد الرابح وقاطف النصر، كما فعلت في الحرب العالمية الثانية، بعد أن تكون أوروبا قد ضعفت وتفككت أيضاً.
لكن استعدادات بوتين السياسية والاستراتيجية، ومجمل التحالفات التي نسجها منذ مدة حول العالم، وآخرها ما يشبه الوحدة مع الصين الشعبية، أحبطت جبهات خصومه، أمريكا وأوروبا، ولا تزال تفتّتها، ولا تكاد تدعهم يستريحون في أية محطة.
والأهم من كل ذلك أن بوتين خرج عليهم على قاعدة: «والله ما غُزي قوم في عقر دارهم إلا ذلّوا».
فقد قرر بوتين تحويل أوكرانيا إلى منصة مضادة، أي عكس ما أراده الغرب وأمريكا لها، وخوض المعركة الأكبر والأهم في العالم؛ أي استكمال ما أنجزه مع محور المقاومة في سوريا، والانتقال من مواجهة تحالف المنتصرين في تلك الحرب على المستوى الإقليمي، إلى حرب كرّ وفرّ مع الأحادية القطبية الأمريكية على مستوى العالم.
وهكذا ستكون نتائج العملية الجراحية الأوكرانية على يد الجيش الروسي نقطة تحول في خريطة العالم الجديد.
ولن يُعيد إلى الغرب وأمريكا المهزومين، من واشنطن إلى النورماندي، ما خسراه، لا صراخُهما ولا عقوباتهما ولا حتى تأهّبُ قواتهما.
إن الروس مستمرون في القتال والمواجهة السياسية على المسرح الأوكراني لتحقيق ما يأتي:
نزع سلاح أوكرانيا الاستراتيجي.
استسلام أوكرانيا «النيونازية»، وإعادة تشكيل السلطة والحكومة فيها من جديد، على أن تكون سياستها الحياد.
إعلان حياد أوكرانيا الكامل.
وبعد ذلك سيتفرغ بوتين لخطط حلف شمال الأطلسي (الناتو) في التوسع شرقاً، بهدف إخراج الحلف من أوروبا الشرقية، ما يعني خسارة أمريكا هيمنتها على أوروبا أيضاً، وإعادة تشكيل أوروبا جديدة خارج إرادة واشنطن وهيمنتها.
وهذا يعني خسارة أمريكا للمعركة الكبرى على قيادة العالم، وتحولها إلى إمبراطورية هرمة عجوز، كما حصل لبريطانيا بعد حرب السويس عام 1956م.
وفي هذه الأثناء تجري الاستعدادات على قدم وساق بين الدول وارثة الإمبراطوريات الكبرى، الصينية والروسية والإيرانية، للتصدي وإعادة تشكيل العالم من جديد.
وهذا ما يشير إليه دونالد ترامب كما ورد في بداية المقال، وهو ما تدركه أوروبا العجوز أيضاً وتهابه كثيراً، لكنها تكابر وتجبن أمام تحدي واشنطن لها.
عالم ينهار ويأفل نجمه، وعالم ينهض ويتقدم بثبات.