الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

هل يعيد التاريخ نفسه؟ من بطرس الأكبر إلى بوتين والهدف واحد

من سلسلة «الحرب الروسية الأوكرانية» – الجزء 36، كُتب في نحو آذار 2022

  • بدأ الكيان السياسي لروسيا بالظهور من خلال دوقية موسكو الناشئة في النصف الثاني من القرن الخامس عشر، ولم تكن لهذه الدوقية حدود طبيعية تقف عندها.

  • ولكن الإمبراطورية السويدية، الدولة القوية في ذلك الوقت، كانت تسيطر على بحر البلطيق.

  • وكانت بولندا الكاثوليكية تقف حاجزاً قوياً في وجه أي توسع لدوقية موسكو.

  • وكانت الإمبراطورية العثمانية تسيطر على مداخل القرم، وتغلق الطريق إلى البحر الأسود.

  • وهذا ما جعل دوقية موسكو تتوسع نحو الشرق بعد انهيار الإمبراطورية المغولية.

  • ولم يكن لدى موسكو سوى ميناء أرخانغيلسك الواقع على البحر المتجمد الشمالي، الذي لا فائدة كبيرة منه.

  • فكانت روسيا الوليدة محاصرة من جميع الجهات، مما يعيق طموحها في الاتصال بأوروبا ونهضتها الحديثة.

  • إلى أن ظهر بطرس الأكبر قيصراً لروسيا في أواخر القرن السابع عشر، فأقام حكماً مطلقاً قوياً، وسعى إلى انفتاح روسيا على النهضة الأوروبية.

  • ووجد القيصر بطرس الأكبر أنه لا يستطيع تحقيق هدفه في النهوض بروسيا وحمايتها من أعدائها إلا بالسيطرة على البحر الأسود وبحر البلطيق.

  • فأصبح الوصول إلى المياه الدافئة هدفاً رئيسياً لروسيا منذ أن وُجدت دولةً.

  • لذلك هاجم بطرس الأكبر قلعة أزوف العثمانية الحصينة على بحر أزوف المتصل بالبحر الأسود، بعد سنة واحدة فقط من تسلّمه الحكم، مستغلاً انشغال الدولة العثمانية بحربها مع الإمبراطورية النمساوية.

  • ثم نجح بطرس الأكبر في إقناع العثمانيين الأقوياء بعقد الصلح معه عام 1700م، فتركوا حصن أزوف للروس.

  • فأصبح حصن أزوف للروس موطئ قدم يقودهم إلى البحر الأسود، ومنه إلى البحر الأبيض المتوسط وأوروبا.

  • وكان الهدف الثاني للقيصر بطرس الأكبر هو بحر البلطيق، الذي كانت الإمبراطورية السويدية القوية تسيطر على مياهه وشواطئه.

  • فتحالف بطرس الأكبر مع بولندا والدنمارك، وخاض في البداية معركة خاسرة مع الإمبراطورية السويدية، فكّك بعدها ملك السويد الشاب شارل الثاني عشر ذلك التحالف، فتراجع بطرس الأكبر إلى عاصمته.

  • لكن بطرس الأكبر عاد فاحتل مساحة من سواحل البلطيق المحاذية لروسيا، مستغلاً انشغال السويد بقيادة شارل الثاني عشر بحربها مع بولندا.

  • فشن ملك السويد عام 1707م هجوماً كاسحاً على روسيا.

  • فاتبع بطرس الأكبر خطة الانسحاب أمام زحف الجيش السويدي، الذي لم يتمكن من الصمود أمام قسوة شتاء روسيا.

  • فاندحرت الإمبراطورية السويدية وتراجعت، وأصبحت السويد دولة صغيرة.

  • بينما سيطرت روسيا على سواحل البلطيق المجاورة لها ولفنلندا، وثبّتت معاهدةُ نيستاد عام 1721م ذلك.

  • ولم يبقَ أمام القيصر بطرس الأكبر سوى السيطرة على بحر قزوين، فاستغل الغزو الأفغاني لبلاد فارس، وزحف إليها بحجة إنقاذها من الأفغان.

  • فوقفت الإمبراطورية العثمانية في وجهه، مما أجبر الطرفين، العثمانيين والروس، على التفاوض عام 1724م، لتحصل روسيا على سواحل بحر قزوين وبعض الولايات الفارسية الشمالية الواقعة على نهر آراس.

  • إن هذه الاستراتيجية الروسية في الوصول الآمن إلى المياه الدافئة في البحر الأسود وبحر البلطيق،

  • التي ابتدأها القيصر بطرس الأكبر منذ مئات السنين، تمثل الجذور التاريخية لطموحات بوتين الآن في النهوض بروسيا اليوم من جديد.

  • فإذا كان بطرس الأكبر قد أراد التواصل مع الغرب الأوروبي عن طريق بحر البلطيق، للانفتاح على نهضة أوروبا في جميع المجالات من أجل بناء روسيا الحديثة،

  • فإن بوتين قد أكمل تلك المهمة بالتواصل مع الغرب الأوروبي في مشروع الغاز «نورد ستريم 2» عبر بحر البلطيق، للنهوض باقتصاد روسيا. وفي كلتا الحالتين كان الهدف واحداً.

  • وإذا كان بطرس الأكبر قد استغل انشغال العثمانيين بحروبهم مع النمساويين، فسيطر على قلعة أزوف للوصول إلى البحر الأسود،

  • فإن بوتين يستثمر الآن أزمة أوكرانيا؛ فهو لم يكتفِ بالاعتراف باستقلال منطقتين أو ثلاث من مناطق أوكرانيا المحاذية لروسيا، بعد ضم القرم من قبل.

  • وإنما سيسعى للسيطرة على الساحل الأوكراني كله على بحر أزوف، وصولاً إلى البحر الأسود.

  • وذلك من خلال مقاطعة دونيتسك، التي تُعدّ جزءاً من إحدى المنطقتين الأوكرانيتين اللتين أعلن بوتين اعترافه باستقلالهما، واستعداده لإرسال الجيوش الروسية لحمايتهما إذا تعرضتا لأي عدوان خارجي.

  • وفي كلتا الحالتين فإن الهدف واحد أيضاً.

  • وهكذا بدأت العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، لتحتل أوديسا وتسيطر على سواحل البحر الأسود،

  • ولتمنع الولايات المتحدة من الوصول إلى حدود روسيا البرية من خلال حليفتها أوكرانيا، الملتزمة باتفاق مينسك لعام 2014،

  • بل التي تطلب علانية الانضمام إلى حلف الناتو (حلف شمال الأطلسي).

  • وقد ينجح بوتين في مهمته مثلما نجح بطرس الأكبر من قبل.