الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

هل يمكن أن نتوقع هجومًا إسرائيليًّا على إيران؟ وما دور أميركا في ذلك؟

من سلسلة «الحرب الإسرائيلية الإيرانية» – كُتب في نيسان 2025

المقدمة

تُعدّ العلاقة بين إسرائيل وإيران واحدة من أكثر العلاقات الدولية توترًا خلال العقود الأخيرة؛ فبينما تَعُدّ إسرائيل إيران «التهديد الوجودي الأكبر» لها، ترى إيران أن إسرائيل «كيان غير شرعي قائم على الاحتلال» لأراضي فلسطين، وتدعم بقوة قوى المقاومة، مثل حزب الله في لبنان، وحماس والجهاد الإسلامي في فلسطين.

وقد ظل هذا التوتر بين إسرائيل وإيران في نطاق الحرب غير المباشرة والضربات المحدودة، لكنه بلغ ذروته بعد ازدياد الحديث عن «ضربة إسرائيلية محتملة» تستهدف منشآت إيران النووية والأماكن العسكرية الحساسة.

ومن هنا تبرز أسئلة استراتيجية خطيرة: هل ستنفذ إسرائيل فعلًا هجومًا على إيران؟ وما موقف الولايات المتحدة من ذلك؟ وكيف سيبدو هذا الهجوم في حال حدوثه؟ هذه الأسئلة سنجيب عنها في هذا التحليل التفصيلي للوضع الحالي.

أولًا: الخلفية التاريخية للتوتر الإيراني الإسرائيلي

  1. منذ الثورة الإيرانية في شباط عام 1979، تحولت إيران إلى واحدة من أبرز الدول المعادية لإسرائيل على مستوى الخطاب والمواقف السياسية والدعم العسكري لحركات المقاومة العربية ضد إسرائيل.
  2. أما إسرائيل فتَعُدّ امتلاك إيران للسلاح النووي «خطًّا أحمر»، وترى أنه يهدد وجود الدولة العبرية.
  3. شنّت إسرائيل في السنوات الماضية عدة عمليات سرية ضد إيران، منها:
    1. اغتيال علماء نوويين (مثل محسن فخري زاده عام 2020).
    2. تخريب منشآت نووية عبر فيروسات إلكترونية (مثل فيروس ستاكس نت).
    3. غارات جوية متكررة على مواقع مهمة لإيران وحلفائها في سوريا.
    4. دعم الحركات المناوئة للنظام الإيراني، ولا سيما الأكراد والبلوش.

ثانيًا: هل يمكن أن تهاجم إسرائيل إيران عسكريًّا؟

الاحتمال موجود، لكنه محفوف بالمخاطر، ويرتبط بعوامل متعددة، منها:

1. احتمال الهجوم الإسرائيلي على إيران

  1. دأبت إسرائيل على التهديد بأنها «لن تسمح لإيران بامتلاك القنبلة النووية»، وهي ترى أن المحادثات الدولية في فيينا حول الملف النووي الإيراني فشلت.
  2. تقول التقديرات الاستخباراتية الإسرائيلية إن إيران باتت على بُعد أسابيع فقط من إنتاج «قنبلة نووية غير معلنة»، لكنها لم تصنعها حتى الآن.
  3. وفي ضوء هذا، هناك حديث متزايد في إسرائيل عن توجيه «ضربة استباقية» لمواقع تخصيب اليورانيوم والمفاعلات الإيرانية، مثل نطنز وفوردو وأصفهان.

2. العوامل المساعدة على ضرب إسرائيل لإيران

  1. وصول حكومة يمينية متشددة إلى السلطة بقيادة بنيامين نتنياهو، المعروف بتشدده تجاه إيران.
  2. تعزيز التنسيق العسكري الإسرائيلي مع دول الخليج (مثل الإمارات العربية المتحدة والسعودية) من خلف الكواليس.
  3. حصول سلاح الجو الإسرائيلي على طائرات (F-35) الأميركية القادرة على تنفيذ مهمات بعيدة المدى.

3. العراقيل التي تواجه ضرب إسرائيل لإيران

  1. إيران دولة إقليمية كبرى، ولديها شبكة دفاع صاروخي متطورة وأسلحة باليستية.
  2. منشآت إيران النووية مدفونة تحت الأرض، وبعضها محصّن ضد القصف الجوي.
  3. الخطر الأكبر هو الرد الإيراني، المباشر أو عبر حلفاء إيران (حزب الله، والحوثيين، والميليشيات في العراق وسوريا).
  4. أي هجوم إسرائيلي سيُشعل المنطقة بأكملها، من الخليج العربي حتى البحر الأبيض المتوسط.

ثالثًا: ما دور الولايات المتحدة في الهجوم الإسرائيلي المحتمل على إيران؟

1. الدعم السياسي والعسكري لإسرائيل

  1. لن تُقدم إسرائيل على مثل هذا الهجوم على إيران من دون تنسيق مع واشنطن، أو على الأقل تشاور معها.
  2. لا تؤيد الولايات المتحدة رسميًّا هجومًا عسكريًّا على إيران، لكنها أيضًا لا تمنعه، وتزوّد إسرائيل بما تحتاجه من معلومات وتسليح لهذه المهمة.
  3. في عدة مناسبات أجرت القوات الأميركية والإسرائيلية تدريبات عسكرية مشتركة تحاكي «ضربة استراتيجية ضد أهداف بعيدة» (والمقصود إيران).

2. الانقسام الداخلي في الإدارة الأميركية

  1. بعض الأجنحة السياسية في واشنطن (ولا سيما الجمهوريون والمحافظون الجدد) تدعم إسرائيل في توجيه ضربة لإيران، وترى أن كبح نفوذ إيران في المنطقة لا يتم إلا بالقوة.
  2. في المقابل، يفضّل جناح آخر (مثل إدارة بايدن) الحل الدبلوماسي، ويخشى تورط أميركا في حرب جديدة قد تهدد أمن الخليج العربي وإمدادات النفط إليها.

3. السيناريوهات المحتملة للدور الأميركي في إسناد الهجوم الإسرائيلي على إيران

  1. الضوء الأخضر الأميركي الصامت: أن تقوم إسرائيل بالهجوم منفردة، وتتغاضى الولايات المتحدة عن ذلك، وربما تقدم لها دعمًا لوجستيًّا واستخباراتيًّا من خلف الكواليس.
  2. التدخل الأميركي غير المباشر مع إسرائيل لضرب إيران: توفر أميركا المعلومات الدقيقة، وتزوّد إسرائيل بقنابل خارقة للتحصينات، لكنها تبقى خارج ساحة المعركة العلنية.
  3. التدخل الأميركي المباشر في حال توسّع الصراع الإسرائيلي الإيراني: إذا ردّت إيران باستهداف القواعد الأميركية في منطقة الخليج العربي، فقد تجد واشنطن نفسها مجبرة على دخول الحرب مع إسرائيل ضد إيران.

رابعًا: كيف يمكن أن يكون شكل الهجوم الإسرائيلي على إيران؟

1. أهداف الهجوم

  1. منشآت التخصيب النووي الإيرانية في نطنز وفوردو وأراك.
  2. مراكز البحث النووي والعسكري الإيرانية.
  3. قواعد الحرس الثوري الإيراني.
  4. منشآت الدفاع الجوي الإيراني.
  5. مخازن الصواريخ الباليستية الإيرانية.

2. الوسائل الإسرائيلية المستخدمة لضرب إيران

  1. طائرات (F-35) الشبحية القادرة على التسلل عبر أنظمة الرادار الإيرانية.
  2. صواريخ كروز بعيدة المدى (لتصل إلى إيران).
  3. وحدات الكوماندوز الخاصة لتخريب الأهداف من داخل إيران.
  4. هجمات سيبرانية إسرائيلية مرافقة لتعطيل أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية.

3. توقيت الضربة والتنسيق لها

  1. سيكون الهجوم الإسرائيلي على إيران مفاجئًا، ويُنفّذ في ساعات الفجر لتقليل فعالية الدفاعات الإيرانية.
  2. قد يتزامن الهجوم مع عمليات عسكرية في سوريا ولبنان لتشتيت الرد الإيراني.
  3. قد تستخدم إسرائيل، بشكل غير معلن، القواعد الجوية الأميركية أو الأردنية أو قواعد في أذربيجان في الهجوم على إيران.

خامسًا: ما الرد الإيراني المحتمل على الهجوم الإسرائيلي؟

1. الرد المباشر

  1. إطلاق صواريخ باليستية نحو العمق الإسرائيلي.
  2. استهداف مفاعل ديمونة النووي الإسرائيلي.
  3. قصف القواعد الأميركية في الخليج العربي والمنطقة.

2. رد إيران عبر حلفائها

  1. حزب الله في لبنان، الذي قد يفتح جبهة شمال إسرائيل بصواريخ دقيقة.
  2. الحوثيون في اليمن، الذين قد يستهدفون الموانئ الإسرائيلية بصواريخ كروز أو طائرات مسيّرة.
  3. الميليشيات في العراق وسوريا، التي قد تستهدف المصالح الغربية.

3. الرد الإلكتروني على إسرائيل

  1. شنّ هجمات سيبرانية واسعة على البنية التحتية الإسرائيلية (الكهرباء، والمياه، والمستشفيات).

4. تأثيرات الهجوم الإسرائيلي على إيران

  1. ارتفاع أسعار النفط عالميًّا نتيجة التوتر في مضيق هرمز.
  2. انهيار التفاهمات بين إيران ودول الخليج العربي.
  3. انفجار الأوضاع في فلسطين نتيجة التضامن الفلسطيني مع إيران.
  4. تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر.

سادسًا: هل الهجوم الإسرائيلي على إيران واقعي ووشيك؟

رغم كل ما سبق، فإن احتمال تنفيذ هجوم إسرائيلي على إيران في المستقبل القريب يبقى «ممكنًا، لكنه غير مرجّح»، والسبب:

  1. الكلفة الباهظة لأي مواجهة إقليمية، ولا سيما بين إسرائيل وإيران، واحتمال خروجها عن السيطرة.
  2. عدم وجود دعم علني كامل من واشنطن لإسرائيل، ولا سيما في ظل انتخابات أميركية قريبة.
  3. انشغال إسرائيل بجبهات داخلية وخارجية أخرى، وعلى رأسها غزة ولبنان.
  4. إدراك إسرائيل أن إيران ليست كالعراق أو سوريا؛ فهي قوة إقليمية قادرة على الرد.

ومع ذلك، فإن التصعيد الإسرائيلي المستمر والعمليات التخريبية المتبادلة يُبقيان خطر المواجهة بين إسرائيل وإيران قائمًا، ولا سيما إذا تجاوزت إيران عتبة إنتاج السلاح النووي.

الخاتمة

الهجوم الإسرائيلي على إيران احتمال خطير ومعقّد، لا يمكن استبعاده تمامًا، ولا سيما مع التوتر الإقليمي وتآكل المسارات الدبلوماسية. لكن اتخاذ قرار كهذا ستكون له تبعات جسيمة على أمن المنطقة (الشرق الأوسط) واستقرار الاقتصاد العالمي.

وتظل الولايات المتحدة المتحكم الأكبر في كبح هذا السيناريو أو تسريعه؛ فمتى أعطت الضوء الأخضر، فقد تتجه الأمور نحو حرب واسعة النطاق.

أما إذا استمرت أميركا في سياسة «الاحتواء»، فإن الردع المتبادل والمناوشات المحدودة سيبقيان السمة الغالبة على العلاقة الإسرائيلية الإيرانية في المستقبل القريب.