الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

وجهة نظر في تخلي سويسرا عن حيادها وتجميدها أموال روسيا

من سلسلة «الحرب الروسية الأوكرانية» – الجزء 21، كُتب في نحو آذار 2022

  • يتفاجأ البعض بأن سويسرا تخلّت عن حيادها وقرّرت تجميد أموال روسيا.

  • وبأن فنلندا، التي أرسلت رسالة حياد إلى بوتين قبل أسبوع، قد ألغت حيادها، وقرّرت الانضمام إلى حلف الناتو (حلف شمال الأطلسي)، وإرسال أسلحة إلى أوكرانيا.

  • وبأن ألمانيا، بعد 77 سنة، خرجت من قيود الحرب العالمية الثانية، وبدأت عسكرة الصناعة الألمانية إلى مستويات كالتي كانت عليها عام 1939م.

  • وبأن السويد، التي بقيت محايدة منذ عام 1814م، قرّرت إلقاء حيادها في البحر والانضمام إلى حلف الناتو.

كل هذا لم يفاجئني شخصياً، للأسباب الآتية:

  1. من خلال اطلاعي على الاقتصاد العالمي، وجدت أن الاقتصاد العالمي في حالة ركود لم يخرج منها منذ عام 2008م، وأن كل ما اتُّخذ من إجراءات كان إجراءات ترقيعية لتمشية الأمور.
  • وصل الاقتصاد الرأسمالي إلى نقطة التوقف، خصوصاً بعد كارثة كورونا، وكان الحل الوحيد هو تصغير النظام، وهذا لا يحدث إلا بحرب كبرى.

  • قبل سنوات قرأت كتاباً عن الحرب العالمية الأولى، لا أتذكر كل تفاصيله، ولكن ما أذكره منه أن رئيس نقابات العمال في فرنسا حذّر، في سلسلة مقالات في الجرائد، من أن البنوك الرأسمالية وصناعيي أوروبا، من روسيا إلى ألمانيا إلى النمسا إلى فرنسا وبلجيكا وبريطانيا وأمريكا، اتفقوا على خوض الحرب فيما بينهم.

  • وأنهم اتفقوا على أن تصبح سويسرا أرضاً محايدة، لتكون ملجأً آمناً لأرباحهم من الحرب.

  • وبعد أن نشر هذه المقالات اغتيل رئيس نقابات العمال في فرنسا، وأُعلنت الحرب العالمية الأولى عام 1914م.

  • وتكرّر الشيء نفسه عام 1939م، في الحرب العالمية الثانية، بعد الانهيار العالمي في بداية الثلاثينيات من القرن الماضي.

  • والأوضاع الآن مشابهة لتلك، والعالم من وجهة نظر النظام الرأسمالي بحاجة إلى الحرب لتصغير النظام.

  1. يلاحظ الجميع أن الغرب وأمريكا يسيران بخطوات منتظمة، لا كردّ فعل، وإنما كأنهما يسيران على خطة مرسومة سلفاً ومخطط لها بدقة.
  • كان بإمكان الغرب وأمريكا قبول أوكرانيا في حلف الناتو منذ يوم دمّرت أوكرانيا سلاحها الاستراتيجي النووي وقاذفاتها وصواريخها العابرة للقارات، كما فعلا مع دول البلطيق.

  • ولكن الغرب وأمريكا تركا أوكرانيا وحيدة في حضن الدب الروسي، منتظرين أن تقوم القيادة الروسية بتهديد أوكرانيا، فيتخذوا ذلك ذريعة وحجة لجرّ روسيا إلى الحرب.

  • هناك فرق كبير بين مراكز الأبحاث الاستراتيجية عندنا في دول الشرق وبين مراكز الأبحاث الغربية والأمريكية. ففي مراكز أبحاثنا الشرقية والعربية يأتون بضباط سابقين أو بسياسيين، يقرؤون الكتب والمنشورات، ويتابعون الأخبار، ويكتبون التقارير التي يقرؤها السياسي، أو يهملها صاحب القرار السياسي.

  • لكن مراكز الأبحاث الغربية والأمريكية تختلف؛ إذ يأتون بخريجي الجامعات في الإحصاء والتخمين والحاسوب، فيعملون جنباً إلى جنب مع العسكريين والاقتصاديين والسياسيين، ويقومون بشيء مهم جداً هو «السيموليشن» (Simulation)، أي إجراء محاكاة على الحاسوب لحالة معيّنة.

  • ويعني «السيموليشن» أن يصنعوا في الحاسوب إمكانات كل دولة العسكرية والاقتصادية، ويجرّبوا وضعاً معيّناً، مثل اجتياح روسي لأوكرانيا أو لدول البلطيق، أو اجتياح العراق للكويت مثلاً.

  • وتوضع مخرجات هذه المحاكاة في دراسة، يُوضع فيها خطة مرسومة بالخطوات والتوقيتات لكل خطوة تُتّخذ، استناداً إلى تلك الحقائق.

  • وتوضع هذه الخطة في خزانة فيها كل الخطط، لكل وضع ممكن أن يحصل خطته الخاصة به.

  • وحين يتحقق هذا السيناريو تُسحب الخطة وتُطبّق، أو تُدخل عليها بعض التعديلات الصغيرة قبل التطبيق إن احتاجت إلى ذلك.

  • لذلك نرى أن خطواتهم متتابعة ومحسوبة، وليست ردّ فعل سريعاً أبداً.

  1. كانت العقوبات الاقتصادية مفاجأة، لا لبوتين وحده، وإنما للعالم كله.
  • وأشدّ من وضع العقوبات هي بريطانيا.

  • فمنذ عام 1991م، حين سقط الاتحاد السوفيتي، قدّمت بريطانيا نفسها جنّةً لأصحاب الأموال الروس.

  • بالضبط كما فعلت مع حرامية العراق وسرّاقه، إذ وفّرت للأموال المسروقة ملاذاً آمناً. ومنحت الحرامية الروس جنسيات بريطانية وإقامات ذهبية، ومنعت عنهم الملاحقات القضائية، لكي تشجّعهم على جلب أموالهم إلى لندن.

  • وفي الوقت نفسه، وبعد أن لاحظت بريطانيا تكالبهم على العقارات، رفعت أسعار العقارات فيها، وفي لندن خصوصاً، إلى مستويات فلكية؛ فالشقة التي كانت في التسعينيات بمئة ألف جنيه أو أقل أصبحت اليوم (أي في ذلك الوقت) بأكثر من مليون جنيه، أي بأكثر من عشرة أضعاف، إن لم يكن عشرين ضعفاً.

  • وبذلك سحبت بريطانيا أموال حرامية الروس طوال ثلاثين سنة، كما تفعل الآن مع حرامية بغداد.

  • وتضمنت عقوبات بريطانيا اليوم ضد روسيا قائمةً بثمانمئة اسم من أصحاب الأموال الروس في بريطانيا، اتضح أنهم كانوا تحت المراقبة البريطانية منذ سنوات طويلة، وربما من قبل أن يتوجّهوا إلى بريطانيا. وقد سُحبت منهم الجنسية البريطانية والإقامة، وحُجزت أموالهم المنقولة وغير المنقولة، وكذلك طائراتهم ويخوتهم وسياراتهم الخاصة. هذه هي العدالة البريطانية والغربية والأمريكية مع الآخرين.

  • ومما سمعته كذلك أن الشرطة البريطانية اقتحمت قصورهم وشققهم، وأمرتهم بالخروج بالملابس العادية، بلا فراء ولا ملابس ثمينة، وبلا حليّ أو ساعات ثمينة، ونقلتهم إلى أماكن سكن عادية، وستصرف لهم راتباً أسبوعياً بحدود 500 جنيه، وهم تحت المراقبة وممنوعون من السفر خارج بريطانيا.

  • لا توجد حتى الآن إحصائية عن حجم الأموال المصادرة والمحجوزة لهؤلاء الروس، ولكنها تُقدَّر بمئات المليارات من الجنيهات.

  • هذا فقط ما حدث في بريطانيا، وكذلك في أمريكا وباقي أوروبا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا واليابان، والغريب أنه حدث في سويسرا أيضاً!

الغرب موّل الحرب الروسية الأوكرانية من أموال روسيا المودعة لديه:

  1. طوال الفترة السابقة، وخلال مناقشات يومية بيني وبين بعض الأصدقاء، كنا ننتظر من سيبدأ الهجوم أولاً، وكانت لدينا ثلاثة احتمالات، هي:

    1. إما أن تهاجم روسيا أوكرانيا.
    2. أو أن تهاجم الصين تايوان.
    3. أو أن تهاجم إسرائيل إيران، وكان هذا أضعف الاحتمالات.
  • وهذه الاحتمالات الثلاثة كلها يمكن أن تكون مدخلات لمواجهة دولية.

  • يعتقد البعض أن بوتين أخطأ في حساباته، لكن رأيي الشخصي أنه لم يخطئ فيها. فقد توقّع أنه حين تهاجم روسيا أوكرانيا فإن الغرب وأمريكا سيتراجعان ويتفاوضان معه، معتمداً على أن الغرب وأمريكا لا يريدان المواجهة.

  • وأن الصين ستستغل الفرصة لتهاجم تايوان.

  • وأن ألمانيا لن تتمكن من التخلي عن غاز روسيا ونفطها، وخاصة خط أنابيب الطاقة نورد ستريم 2.

  • وأن السويد وفنلندا ستحافظان على حيادهما.

  • وأن سويسرا لن تحجز أموال روسيا لديها.

  • كل هذا لم يحصل ولن يحصل.

  • وأن القيادة الصينية، وهي قيادة جماعية لا فردية، لن تخاطر باقتصادها لاسترجاع تايوان، التي ستعود إلى الصين عاجلاً أو آجلاً.

  • واتضح أن الغرب وأمريكا يسعيان إلى المواجهة أكثر مما يسعى إليها بوتين.

  • وأنه حتى التهديد بالسلاح النووي لم يدفع الغرب وأمريكا إلى التراجع.

  • ما زال بإمكان بوتين أن يتراجع، ولا عار في ذلك؛ فالإصرار على الاستمرار سيؤدي إلى الكارثة. وسيدفع بوتين وروسيا ثمناً للتراجع، ولكن الثمن الذي سيدفعه العالم لاستمرار الحرب الروسية الأوكرانية سيكون موتاً شاملاً ودماراً هائلاً للعالم كله، لا لأوروبا وأمريكا وحدهما. فهل يستمع بوتين إلى صوت العقل؟

ولكن باعتقادي ورأيي الشخصي، لن يتراجع بوتين أبداً مهما كلّف الأمر، لسبب بسيط هو أنه صاحب حق في ذلك، ومؤمن بما يقوم به من أجل روسيا والعالم أجمع؛ لأنه لا يمكن القبول بقطب واحد يتحكم في العالم حسب رأيه فقط. والدليل الحالي قضية فلسطين وتدمير غزة، وكذلك لبنان، وسيأتي الدور على الآخرين، وكل هذا بسبب القطب الواحد. وعليه فإن نجاح روسيا نجاح لكل الشعوب المضطهدة، التي عانت ما عانت من الاستعمار سابقاً ولاحقاً.

  • درس الغرب نفسية بوتين، ورأى أنه منفرد بالسلطة، حسب رأيهم، وليس حوله من ينصحه بعكس ما يريد، حتى قيل إن مدير مخابراته، الذي ألمح له بأقل ما يمكن إلى التفاوض، زجره بوتين وهدّده على رؤوس الأشهاد.

وباعتقادي أيضاً أن هذا غير صحيح وغير واقعي؛ فروسيا بلد المؤسسات. نعم، بوتين قائد وزعيم وشديد، لكن لا يمكن أن يضحّي بروسيا وتاريخها بالتنازل كما يرى البعض، ولا أنه أخطأ. إنه بعيد النظر، وقائد شجاع، وصاحب القرار، ومصيب جداً فيما يقوم به.

  • يريد الغرب وأمريكا أن يستفزا بوتين ويمنعاه من التراجع، لأن الغرب وأمريكا الرأسماليين المجرمين يريدون الحرب. وهم درسوا نفسيته، ويستفزونه بما لا يستطيع تحمّله، ليجعلوه يمضي في طريق رسمه الغرب وأمريكا له، وهذا من وجهة نظرهم. وباعتقادي أن بوتين أذكى مما يراه الآخرون؛ فهو سيقوم باستفزازهم بحيث يقومون بأعمال غير محسوبة وليست في صالحهم، والدليل أن شعوبهم أصبحت ضد حكوماتهم، وأن اقتصادهم نفسه قد دُمّر.

  • لا ملجأ لنا اليوم إلا الدعاء بألّا يصرّ بوتين على السير في طريقه، وأن يستمع إلى صوت العقل، لا أن يمضي في طريق الدمار العالمي الشامل.

  • لكنني أعتقد أن بوتين سيصرّ على خطته المدروسة بدقة، ويجب ألّا يبقى قطب واحد، هو أمريكا، يحكم العالم.