الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
أدوار الأمم المتحدة ومنجزاتها وقراراتها في حل المشاكل الدولية
من سلسلة «عصبة الأمم والأمم المتحدة» – كُتب في أيار 2025
مقدمة
منذ تأسيسها في 24 تشرين الأول / أكتوبر عام 1945، شكّلت منظمة الأمم المتحدة حجر الزاوية في إدارة النظام العالمي الحديث.
وُلدت الأمم المتحدة من رحم الحرب العالمية الثانية أداةً لمنع تكرار تلك الكارثة، لكنها سرعان ما تطورت لتصبح أوسع نطاقًا في مهامها، إذ شملت أهدافها حفظ السلم والأمن الدوليين، والتنمية المستدامة، وحماية حقوق الإنسان، ومكافحة الفقر والجوع، والاستجابة للكوارث والنزاعات، ودعم القضايا الإنسانية في جميع أنحاء العالم.
وقد أصبحت الأمم المتحدة ساحة أساسية للنقاشات الدولية وصناعة القرارات، وأداة عمل جماعي تقودها الدول الأعضاء لمواجهة التحديات العالمية.
وفي هذا المقال سنستعرض أدوار الأمم المتحدة المتعددة في حل النزاعات والأزمات الدولية، ونناقش منجزاتها في المجالات السياسية والإنسانية والاقتصادية، مع تحليل لأهم قراراتها التاريخية، ونوضح كذلك حدود فاعليتها والتحديات التي تواجهها.
أولًا: الدور السياسي للأمم المتحدة في حل النزاعات
1- الوساطة والدبلوماسية الوقائية
من أبرز أدوار الأمم المتحدة قدرتها على التدخل دبلوماسيًّا قبل تفاقم الأزمات، من خلال جهود الوساطة السياسية والبعثات الأممية. وقد قامت الأمم المتحدة بعدة وساطات فعالة، من أبرزها:
وساطتها في أزمة قناة السويس عام 1956 بين مصر وبريطانيا وفرنسا وإسرائيل.
جهودها في الوساطة بين العراق وإيران خلال الحرب العراقية الإيرانية التي اندلعت عام 1980.
مفاوضاتها لرسم اتفاق الطائف في لبنان عام 1989.
رعايتها لاتفاق دايتون في يوغوسلافيا السابقة عام 1995.
2- عمليات حفظ السلام
من أبرز أدوات الأمم المتحدة السياسية والعسكرية عمليات حفظ السلام، التي بدأت عام 1948 عندما أرسلت أول بعثة إلى فلسطين لمراقبة الهدنة. وتوالت بعدها البعثات في مناطق النزاع حول العالم، ومنها:
قوات اليونيفيل في جنوب لبنان.
قوات حفظ السلام في الكونغو، والسودان (دارفور)، ومالي، وجمهورية إفريقيا الوسطى.
بعثات دعم اتفاقيات السلام، مثل بعثة المينورسو في الصحراء الغربية.
ويتراوح دور هذه القوات التابعة للأمم المتحدة بين مراقبة وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، والمساعدة في نزع السلاح، وتنظيم الانتخابات، وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
3- فرض العقوبات الدبلوماسية والاقتصادية
يملك مجلس الأمن صلاحية فرض عقوبات اقتصادية أو دبلوماسية على الدول أو الكيانات التي تهدد الأمن والسلم الدوليين. ومن الأمثلة البارزة:
العقوبات على نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا قبل سقوطه.
العقوبات على العراق بعد غزوه الكويت في 2 آب عام 1990.
العقوبات على إيران بشأن برنامجها النووي.
العقوبات المفروضة على كوريا الشمالية.
تجميد أصول جماعات إرهابية وتمويلاتها، مثل القاعدة وتنظيم الدولة.
4- قرارات مجلس الأمن في النزاعات الدولية
من أبرز القرارات التي أدّت دورًا محوريًّا:
القرار 242 لعام 1967، الذي طالب بانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة.
القرار 678 لعام 1990، الذي سمح باستخدام القوة لتحرير الكويت.
القرار 1325 لعام 2000 بشأن المرأة والسلام والأمن.
القرارات المتعلقة بسوريا، مثل القرار 2254 بشأن العملية السياسية.
ثانيًا: منجزات الأمم المتحدة في التنمية المستدامة ومكافحة الفقر
1- أهداف التنمية المستدامة (SDGs)
في عام 2015 تبنّت الأمم المتحدة «أجندة 2030» التي تضم 17 هدفًا و169 غاية، تهدف إلى القضاء على الفقر، وتحقيق المساواة، وضمان التعليم والصحة للجميع، وتحقيق التنمية الاقتصادية والبيئية المستدامة.
وتسترشد بهذه الأهداف السياساتُ الوطنية والدولية، ويُراقَب تقدمها من خلال تقارير سنوية.
2- القضاء على الأمراض والأوبئة
ساهمت الأمم المتحدة، من خلال منظمة الصحة العالمية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي وصندوق الأمم المتحدة للطفولة، في:
القضاء على مرض الجدري.
الحد من انتشار فيروس نقص المناعة (الإيدز).
دعم مكافحة جائحة كورونا من خلال برنامج كوفاكس.
محاربة الملاريا وشلل الأطفال في إفريقيا وآسيا.
3- التعليم وتمكين المرأة
عملت منظمة اليونسكو على نشر التعليم والثقافة عبر:
محو الأمية في المناطق الفقيرة.
حماية التراث الثقافي العالمي.
دعم حقوق الفتيات في التعليم.
أما هيئة الأمم المتحدة للمرأة فقد دعمت مشاريع التمكين الاقتصادي والسياسي للنساء في المجتمعات التقليدية، خصوصًا في جنوب آسيا وإفريقيا.
4- برامج دعم الدول النامية
من خلال برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) قدّمت الأمم المتحدة دعمًا لمشاريع بناء القدرات، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز الحكم الرشيد، في أكثر من 170 دولة.
ثالثًا: الأدوار الإنسانية: اللاجئون والكوارث
1- دعم اللاجئين والمشردين
تؤدي المفوضية السامية لشؤون اللاجئين (UNHCR) أدوارًا محورية في إغاثة أكثر من 100 مليون لاجئ ونازح حول العالم، خصوصًا:
اللاجئين السوريين في تركيا والأردن ولبنان.
اللاجئين الروهينغا من ميانمار في بنغلاديش.
النازحين من أوكرانيا بسبب الحرب الروسية.
2- مكافحة المجاعات والكوارث الطبيعية
يُعدّ برنامج الأغذية العالمي (WFP) من أكبر المنظمات التي تقدم مساعدات غذائية فورية لمناطق الكوارث، ومن أبرز جهوده:
الاستجابة لمجاعة اليمن.
دعم اللاجئين في جنوب السودان.
توزيع المساعدات الغذائية في غزة خلال الحصار والحروب.
تأمين الطعام خلال الزلازل والفيضانات (مثل باكستان وهايتي).
3- الاستجابة لكوارث المناخ
دعمت الأمم المتحدة الجهود العالمية لمكافحة التغير المناخي، وأطلقت عدة مبادرات، منها:
مؤتمر باريس للمناخ (2015)، الذي وُقّعت فيه اتفاقية باريس.
مؤتمر غلاسكو للمناخ (COP26).
دعم الانتقال إلى الطاقة النظيفة في إفريقيا وآسيا.
رابعًا: دعم القانون الدولي وحقوق الإنسان
1- إصدار المعاهدات والاتفاقيات الدولية
قادت الأمم المتحدة إلى إنشاء منظومة قانونية دولية غير مسبوقة، ومن أبرز معاهداتها:
الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948).
اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (CEDAW).
اتفاقية حقوق الطفل (CRC).
معاهدة حظر الأسلحة النووية.
اتفاقيات جنيف المتعلقة بحماية المدنيين في الحروب.
2- المحكمة الجنائية الدولية
رغم أن المحكمة الجنائية الدولية لا تتبع الأمم المتحدة مباشرة، فإن مجلس الأمن يستطيع إحالة القضايا إليها، وقد تم ذلك من خلال:
محاكمة مجرمي الحرب في رواندا ويوغوسلافيا.
إصدار مذكرة توقيف بحق الرئيس السوداني السابق عمر البشير.
إصدار مذكرة توقيف بحق فلاديمير بوتين في قضية ترحيل أطفال أوكرانيين.
3- لجان حقوق الإنسان
أنشأت الأمم المتحدة مجلس حقوق الإنسان، الذي يحقق في الانتهاكات ويناقش أوضاع الحريات في الدول. وقد قام بما يلي:
فتح تحقيقات في ممارسات الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية.
مناقشة أوضاع مسلمي الروهينغا.
متابعة انتهاكات الأنظمة الاستبدادية في كوريا الشمالية وسوريا وإيران.
خامسًا: قرارات تاريخية أثّرت في العالم
كانت بعض قرارات الأمم المتحدة محورية في تغيير الواقع الدولي، نذكر منها:
القرار 181 (1947): تقسيم فلسطين إلى دولتين، عربية ويهودية.
القرار 3379 (1975): عَدّ الصهيونية شكلًا من أشكال العنصرية (ثم أُلغي لاحقًا).
القرار 1514 (1960): إعلان منح الاستقلال للشعوب المستعمَرة.
القرار 688 (1991): حماية الشعب الكوردي في شمال العراق (كوردستان العراق) من النظام العراقي السابق.
القرار 1441 (2002): مطالبة العراق بنزع أسلحته، وهو ما أدى إلى غزوه من قِبل قوات التحالف عام 2003.
قرارات دعم إنشاء دولة فلسطين ورفع علمها في الأمم المتحدة.
سادسًا: نقد الأداء وحدود الفاعلية
رغم نجاحات الأمم المتحدة لا يمكن إغفال بعض أوجه القصور فيها، وهي:
شلل مجلس الأمن بسبب الفيتو، كما في سوريا وأوكرانيا.
ضعف قدرة الأمم المتحدة على إلزام الدول القوية.
اختلال موازين القوى بين الشمال والجنوب العالمي.
عدم تمثيل الدول الإفريقية واللاتينية تمثيلًا عادلًا في مجلس الأمن.
استغلال بعض الدول الكبرى المنظمة لتحقيق مصالحها.
الاتهامات بسوء إدارة بعض بعثات حفظ السلام، مثل قضايا التحرش والفساد.
سابعًا: إصلاح الأمم المتحدة لتعزيز فاعليتها
تتعدد المقترحات لإصلاح منظمة الأمم المتحدة، ومنها:
توسيع عضوية مجلس الأمن ليضم الهند وألمانيا واليابان والبرازيل.
إلغاء حق النقض (الفيتو) أو تنظيمه.
تعزيز صلاحيات الجمعية العامة ومجلس حقوق الإنسان.
زيادة تمويل البرامج الإنسانية بشكل مستقل عن الضغوط السياسية.
تحسين الشفافية والمساءلة داخل الأمانة العامة.
الخاتمة
تمثل الأمم المتحدة، برغم جميع نقائصها، التجسيد الأرقى لفكرة التعاون الدولي الجماعي في عالم تسوده المصالح المتشابكة والمخاطر العابرة للحدود.
لقد ساهمت الأمم المتحدة عبر قراراتها ووكالاتها في منع اندلاع حروب كبرى، ومساعدة مئات الملايين من البشر في أوقات الكوارث والأزمات، وتطوير إطار قانوني عالمي ينظم العلاقات بين الدول.
غير أن فاعليتها تظل رهينة إرادة الدول الكبرى وتوازنات القوى العالمية، مما يجعل إصلاحها ضرورة حتمية كي تتمكن من مواصلة أداء دورها في عالم سريع التغير. فالأمم المتحدة تواجه تحديات غير مسبوقة، من تغير المناخ إلى الذكاء الاصطناعي، إلى أزمات اللاجئين والنزاعات المسلحة.
وستظل الأمم المتحدة، بكل ما تحمله من أمل وألم، المؤسسة التي تنعكس فيها صورة العالم كما هو، وكما يمكن أن يكون.