الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

كيف يُختار رئيس هيئة الأمم المتحدة، وما صلاحياته؟

من سلسلة «عصبة الأمم والأمم المتحدة» – كُتب في أيار 2025

مقدمة

عندما نتحدث عن رئيس هيئة الأمم المتحدة يجب التمييز بين المناصب العليا في المنظمة، إذ لا يوجد منصب رسمي يُدعى «رئيس هيئة الأمم المتحدة» بهذا المعنى الحرفي.

ومع ذلك فإن أقرب ما يُقصد بهذا العنوان، سواء في التعبير العام أو في الفهم السياسي، منصبان رئيسيان:

  1. الأمين العام للأمم المتحدة: وهو أعلى موظف إداري في المنظمة، ويُنظر إليه باعتباره الوجه العام للأمم المتحدة وأهم شخصية تنفيذية فيها.

  2. رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة: وهو رئيس الهيئة التداولية التي تضم جميع الدول الأعضاء، ويُنتخب سنويًّا.

وسنتناول كلا المنصبين بالتفصيل، من حيث طريقة الاختيار والمدة والصلاحيات، ليتضح المشهد الكامل للقيادة العليا في الأمم المتحدة.

أولًا: الأمين العام للأمم المتحدة

1- طريقة اختيار الأمين العام للأمم المتحدة

يُعدّ الأمين العام الشخصية الأهم في منظومة الأمم المتحدة، ويُختار وفق عملية معقدة ذات طابع دبلوماسي عالي الحساسية، وهي على النحو التالي:

  1. يُرشَّح الأمين العام للأمم المتحدة من قِبل مجلس الأمن الدولي، الذي يجتمع في جلسات مغلقة لمناقشة أسماء المرشحين.

  2. يجب أن يحصل المرشح لمنصب الأمين العام على دعم 9 أعضاء على الأقل من أعضاء مجلس الأمن الخمسة عشر، دون أن يستخدم أيٌّ من الأعضاء الدائمين (الولايات المتحدة، وروسيا، والصين، وبريطانيا، وفرنسا) حق النقض (الفيتو).

  3. بعد ترشيح مجلس الأمن تصوّت الجمعية العامة للأمم المتحدة (193 دولة) لتعيين الأمين العام، ويُعتمد التعيين عادةً بالإجماع أو بأغلبية بسيطة.

2- مدة بقاء الأمين العام للأمم المتحدة في المنصب

  1. تستمر ولاية الأمين العام 5 سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة، ويمكن استثناءً أن يُعاد تعيينه لأكثر من ولايتين، وإن كان هذا غير معتاد.

  2. شغل المنصب حتى اليوم 9 أشخاص منذ عام 1946.

3- الشروط والمعايير غير المكتوبة للأمين العام للأمم المتحدة

  1. أن يكون شخصية سياسية ودبلوماسية مقبولة دوليًّا.

  2. ألّا يكون من دولة كبرى دائمة العضوية في مجلس الأمن، وهذا تقليد غير رسمي.

  3. أن يُراعى في اختياره التوازن الجغرافي، وقد اختير أمناء عامّون من أوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية وإفريقيا.

  4. أن يتسم بالنزاهة والاستقلالية، مع القدرة على العمل في بيئة دولية معقدة.

4- صلاحيات الأمين العام للأمم المتحدة

بحسب المادة 97 من ميثاق الأمم المتحدة فإن الأمين العام هو «الرئيس الإداري للمنظمة»، لكن مهامه تتخطى الجانب الإداري لتشمل ما يلي:

أ- المهام السياسية والدبلوماسية:

  • يمكنه أن يلفت نظر مجلس الأمن إلى أي مسألة تهدد السلم والأمن الدوليين (المادة 99 من ميثاق الأمم المتحدة).

  • يتوسط في النزاعات الدولية، ويرسل مبعوثين خاصين إلى مناطق الأزمات.

  • يمثل الأمم المتحدة في المحافل الدولية.

  • يُلقي كلمة افتتاحية سنوية أمام الجمعية العامة تلخّص وضع العالم وتحدياته.

ب- المهام الإدارية والتنفيذية:

  • يشرف على عمل الأمانة العامة ووكالات الأمم المتحدة.

  • يعيّن كبار الموظفين الأمميين بعد موافقة الجمعية العامة.

  • يقدّم ميزانية الأمم المتحدة وخطط العمل السنوية.

  • يرفع تقارير دورية عن أداء المنظمة ومهامها.

ج- القيادة الأخلاقية والمعنوية:

  • يُنظر إلى الأمين العام للأمم المتحدة بوصفه «ضمير العالم»، إذ يعبّر عن المبادئ العالمية، ويُصدر بيانات بشأن حقوق الإنسان والحروب والقضايا الإنسانية.

  • يُطالَب بأن يكون محايدًا، لكن يُتوقع منه أن يتحدث بقوة عند وقوع انتهاكات جسيمة.

5- أمثلة على أمناء عامّين بارزين ودورهم

  • داغ همرشولد (السويد): لُقّب بـ«أعظم أمين عام» للأمم المتحدة، وقُتل في حادث غامض أثناء مهمة سلام في الكونغو عام 1961.

  • كوفي عنان (غانا): عمل على إصلاح منظمة الأمم المتحدة، وقاد جهود منع انتشار الإيدز، ونال جائزة نوبل للسلام عام 2001.

  • بان كي مون (كوريا الجنوبية): تبنّى قضايا التغير المناخي، ودافع عن حقوق الإنسان.

  • أنطونيو غوتيريش (البرتغال)، الأمين العام الحالي للأمم المتحدة: عمل سابقًا في شؤون اللاجئين، ويقود المنظمة حاليًّا في ظل أزمات متعددة، كالحرب في أوكرانيا وتغير المناخ والذكاء الاصطناعي، ومن قبلها جائحة كورونا.

ثانيًا: رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة

1- طريقة اختيار رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة

  • يُنتخب رئيس الجمعية العامة كل عام من قِبل الدول الأعضاء (193 دولة)، ويجري الاختيار بالتوافق غالبًا، أو بالتصويت إذا لم يحصل التوافق.

  • تُدوَّر الرئاسة بين المجموعات الإقليمية (آسيا، وإفريقيا، وأوروبا الشرقية، وأمريكا اللاتينية، وأوروبا الغربية وغيرها).

2- مدة بقاء رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة في المنصب

  • تستمر ولاية رئيس الجمعية العامة عامًا واحدًا فقط، وهي غير قابلة للتجديد.

3- صلاحيات رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة

رغم أن المنصب شرفي بدرجة كبيرة، فإن لرئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة أدوارًا مهمة، منها:

  1. يترأس الجلسات العامة للجمعية ويدير أعمالها.

  2. يُعِدّ جدول أعمال الدورة ويقترح تنظيم النقاشات.

  3. يُعلن القرارات التي تعتمدها الجمعية العامة، ويشرف على سير الانتخابات داخلها.

  4. قد يؤدي رئيس الجمعية العامة دورًا سياسيًّا رمزيًّا في إطلاق مبادرات تتعلق بالتنمية أو السلام أو حقوق الإنسان، لكن دون تأثير تنفيذي حقيقي.

4- أبرز من تولّوا منصب رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة من العالم العربي

  1. عبد السلام المجالي (الأردن).

  2. أحمد مختار أمبو (السنغال، أفريقي مسلم).

  3. علي التريكي (ليبيا، 2009).

  4. الشيخ نصر بن حمد الصباح (الكويت، نائب للرئيس).

ثالثًا: الفرق بين الأمين العام ورئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة

الجانب الأمين العام للأمم المتحدة رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة
طريقة الاختيار مجلس الأمن + الجمعية العامة انتخاب مباشر من الجمعية العامة للأمم المتحدة
مدة الولاية 5 سنوات قابلة للتجديد سنة واحدة فقط
المهام التنفيذية يدير المنظمة ويقودها فعليًّا دور شرفي وتنظيمي
التأثير السياسي مرتفع ومهم يمارس دبلوماسية مباشرة محدودة، ويقتصر على رمزية المنصب
الشخصية يُختار بعناية كبيرة يمثل غالبًا منطقة جغرافية

رابعًا: العلاقة بين الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس مجلس الأمن ورئيس الجمعية العامة

  1. يتعاون الأمين العام مع مجلس الأمن، ويعمل تحت سلطته في قضايا السلم والأمن.

  2. يقدّم تقاريره إلى الجمعية العامة، ويطلب منها الميزانية والقرارات الكبرى.

  3. لا يستطيع فرض إرادته على الدول، لكن صوته ذو وزن أخلاقي عالمي.

  4. في أوقات الأزمات يتدخل وسيطًا ويحاول خلق توافق دولي، لكن فاعليته تتوقف على إرادة الدول الأعضاء، خصوصًا الكبرى منها التي تملك حق النقض (الفيتو).

خامسًا: صلاحيات رمزية ومهمة أخرى للأمين العام للأمم المتحدة

  1. إعلان «حالة طوارئ إنسانية دولية»، كما حدث في سوريا واليمن والسودان.

  2. دعم إطلاق مفاوضات السلام، كما في ليبيا وقبرص.

  3. إدارة الأزمات البيئية والمناخية على الصعيد العالمي.

  4. تعيين مبعوثين خاصين إلى المناطق الساخنة (مثل سوريا وليبيا وأفغانستان).

  5. دعم هيئات الأمم المتحدة، كاليونيسف ومفوضية اللاجئين وبرنامج الأغذية العالمي.

سادسًا: التحديات التي تواجه الأمين العام للأمم المتحدة

  1. تضارب المصالح بين الدول الكبرى يمنعه من اتخاذ مواقف قوية (خاصة في فلسطين وسوريا وأوكرانيا).

  2. اعتماد المنظمة على تمويل الدول الأعضاء، مما يجعلها عرضة للضغوط المالية والسياسية.

  3. بيروقراطية الأمانة العامة للأمم المتحدة وضعف قدرتها على التحرك السريع.

  4. استغلال بعض الحكومات المنصة الأممية للترويج لمواقفها دون التزام حقيقي بقرارات المنظمة.

الخاتمة

تُعدّ القيادة في الأمم المتحدة، سواء عبر منصب الأمين العام أو منصب رئيس الجمعية العامة، رمزًا للعمل التعاوني الدولي في مواجهة التحديات المشتركة للبشرية.

فبينما يتمتع الأمين العام للأمم المتحدة بصلاحيات أوسع ومسؤولية تنفيذية، يظل محكومًا بمحدودية قدرة المنظمة ككل، خاصة في ظل انقسامات مجلس الأمن والصراعات الجيوسياسية.

أما رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة فبإمكانه، رغم دوره البروتوكولي، أن يترك بصمة معنوية من خلال مبادرات استراتيجية وإدارة النقاشات الكبرى.

وفي النهاية تبقى فاعلية القيادة الأممية مرهونة بإرادة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، وبقدرة القيادة على التوفيق بين المبادئ والمصالح، وبين القانون الدولي والسياسة الواقعية.