الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

الأزمة بين العراق وبريطانيا خلال شهر مايس 1941م

من محاضرات «حركة مايس 1941» – 2017

تعالج هذه المحاضرة موضوعاً مهماً هو الأزمة بين العراق وبريطانيا خلال شهر مايس 1941م؛ إذ قرر رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل في حزيران 1940م إرسال قوات عسكرية برية إلى البصرة، وزيادة عدد الطائرات المقاتلة في قاعدة الحبانية لضمان استخدامها لاحقاً. واستجابت حكومة رشيد عالي الكيلاني لمذكرة السفارة البريطانية (بموجب معاهدة عام 1930م)، وكان شرطها أن تغادر القوة البريطانية الموجودة على الأرض قبل نزول القوة الجديدة. وأدرك رشيد عالي الكيلاني مغزى إلحاح السفارة البريطانية على مذكرتها، فطلب من الوزير المفوض الإيطالي جبرييللي أن تقوم دول المحور بدورها في تحجيم الوجود البريطاني في الخليج، بما في ذلك قاعدتا الشعيبة والحبانية في العراق.

وفي الجانب العسكري، شكلت وزارة الدفاع العراقية قيادة الجبهة الغربية بقيادة العقيد الركن صلاح الدين الصباغ، وقيادة الجبهة الجنوبية بقيادة العقيد رشيد جودت. وطُلب من القائد البريطاني في قاعدة الحبانية الجنرال سمارت إيقاف الطلعات الجوية من القاعدة وإليها، وهو ما عدّه الجنرال سمارت عملاً من أعمال الحرب.

وتذرع الجانب البريطاني بعدم قدرته على تسليح الجيش العراقي، وبأن لبريطانيا حلفاء في حاجة إلى السلاح أكثر من العراق الذي ماطل في قطع علاقاته مع إيطاليا، ولم يُبدِ استعداده للوقوف إلى جانب بريطانيا. فكانت هذه أسباباً ظاهرية للحرب، في الوقت الذي كانت فيه بريطانيا تخشى وصول قوات دول المحور، ولا سيما ألمانيا، إلى العراق والسيطرة على نفطه، فيما رأت رئاسة أركان الجيش العراقي أن هدفها دفاعي، وهو صد أي هجوم من جهة الجنوب (البصرة)، أو من الغرب عبر استخدام بريطانيا لقاعدة الحبانية.

بدأت الحرب بين العراق وبريطانيا بتحذير وُجّه إلى القائد العراقي العقيد الركن صلاح الدين الصباغ في قاطع الحبانية بإخلاء كل الوحدات العراقية شرق الفلوجة في الأول من مايس 1941م. وفي اليوم الثاني من مايس/أيار قرأ أهالي بغداد المنشورات البريطانية الملقاة من الجو، وفيها تهجم على حكومة رشيد عالي الكيلاني والعقداء الأربعة، وقرر البريطانيون مهاجمة مواضع وحدات الجيش العراقي حول معسكر الحبانية في الثاني من مايس 1941م. وسارت العمليات العسكرية في الحبانية والبصرة ومناطق أخرى حتى دخلت القوات البريطانية العاصمة بغداد في الثلاثين من مايس 1941م. وبانتهاء الحرب هرب رشيد عالي الكيلاني ومعه العقداء الأربعة وباقي قيادة الحكومة إلى إيران، فيما تسلم أرشد العمري (أمين العاصمة) رئاسة لجنة الأمن الداخلي، وأعلن الدخول في مفاوضات مع السفير البريطاني في بغداد كورنواليس، ووقف إطلاق النار بين الطرفين الذي تم التوصل إليه في الحادي والثلاثين من مايس 1941م.

وفي الأول من حزيران عام 1941م عاد الوصي على العرش الأمير عبد الإله إلى بغداد، وقد تحرر من ضغوط العقداء الأربعة في الجيش العراقي، غير أنه واجه انهياراً للأمن في العاصمة بغداد في بداية شهر حزيران 1941م، أدى إلى نهب بيوت اليهود ومقتل أعداد منهم.

وكُلّف جميل المدفعي، العائد من هروبه إلى بغداد، بتشكيل الوزارة في الثالث من حزيران 1941م، وكان على استعداد للتعاون مع السلطات البريطانية تعاوناً كاملاً، إلا أنه اصطدم بالسفير البريطاني كورنواليس حين اقترح عليه حل الجيش العراقي.

أما في طهران، وقد لجأ إليها رشيد عالي الكيلاني والعقداء الأربعة وباقي القيادة، فقد حاولوا الاتصال بالاتحاد السوفيتي لتشكيل حكومة عراقية في المنفى، إلا أن جهودهم ضاعت بعد أن دخل السوفييت الحرب حلفاءً لبريطانيا ضد دول المحور. ولم يكن المآل الذي وصلت إليه ثورة مايس 1941م في العراق حافزاً للعرب الآخرين، إذ قاد إلى انهيار معنويات الرموز القيادية التي تشجعت لإعلان الثورة على المحتل ونيل الاستقلال.

أسباب انفجار الأزمة بين العراق وبريطانيا في مايس 1941م

تعود التحضيرات لحرب مايس 1941م إلى عام 1939م، إذ وضعت بريطانيا خطط التدخل السياسي والعسكري مع فرنسا، غير أن انهيار فرنسا في السادس عشر من حزيران عام 1940م أجبر بريطانيا على التنسيق مع الولايات المتحدة. وكان ونستون تشرشل، رئيس وزراء بريطانيا، عازماً على إرسال قوات بريطانية إلى العراق في حزيران 1940م، لضمان أمن البصرة وفيها قاعدة الشعيبة، وأمن قاعدة الحبانية في غرب العراق.

تعاطف الألمان مع أماني الشعب العراقي في التخلص من بريطانيا، وطلب رئيس الوزراء العراقي رشيد عالي الكيلاني من دول المحور إجهاض حركة الوحدات البريطانية في الخليج والعراق، واستثمار النفط المخزون في العراق. ولم تكن استعدادات العراق العسكرية أكثر من تحضيرات هدفها الدفاع عن استقلال البلاد ومواجهة أي هجوم من جنوب العراق (وتحديداً من إنزال القطعات البريطانية في الفاو والشعيبة)، أو من غربه (وتحديداً باستغلال قاعدة الحبانية غرب بغداد لهذا الغرض).

وتذرعت بريطانيا، بعد أن عرفت ميول رشيد عالي الكيلاني والعقداء الأربعة إلى جانب دول المحور، بأن عدم تسليح الجيش العراقي يعود إلى الأسبقيات، وبأن العراق لم يقطع علاقاته مع إيطاليا، ولم يقف مع بريطانيا في الحرب. وبدأت الحرب على العراق بهجوم جوي على مواضع الوحدات العراقية حول معسكر الحبانية (سن الذبان) في الثاني من مايس 1941م، وسارت العمليات العسكرية بين الطرفين حتى دخلت القوات البريطانية بغداد في الثلاثين من مايس 1941م، فتخلصت بريطانيا من رشيد عالي الكيلاني والعقداء الأربعة وباقي القيادة بعد هروبهم إلى إيران، وبذلك أمّنت نفط العراق من محاولات الألمان للحصول عليه.

وجاءت سيطرة رشيد عالي الكيلاني ومعه العقداء الأربعة على مقاليد الأمور في بغداد في شهر نيسان 1941م متزامنة مع بداية هجوم القائد الألماني رومل في شمال إفريقيا (1)، ومع الهجوم الألماني على يوغسلافيا واليونان (2).

واعتقدت هيئة التخطيط المشتركة في رئاسة الأركان البريطانية أن توقيت الثورة في العراق جاء متزامناً عن قصد مع الهجوم الألماني على يوغسلافيا واليونان (3). وعلى الرغم من المشاكل التي كانت تشكل ضغطاً على الحكومة البريطانية، فإنها ضاعفت اهتمامها بالوضع العراقي.

ورأى رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل أن عليه معرفة رأي الجنرال ويفل، قائد القوات البريطانية في الشرق الأوسط ومقره في القاهرة، لتهيئة القوة المناسبة، كما شاور سفيره في بغداد كورنواليس، الذي لم يقدم أوراق اعتماده إلى حكومة رشيد عالي الكيلاني، حول دور مفتي القدس محمد أمين الحسيني والعقداء الأربعة في تأليب العراقيين على الوجود البريطاني (4). وتباينت مواقف السفير كورنواليس والجنرال ويفل ورئيس الوزراء ونستون تشرشل حول الطريقة المناسبة لإجهاض حكومة رشيد عالي الكيلاني؛ فكتب كورنواليس إلى وزيره في لندن إيدن بضرورة “الإطاحة بالحكومة العراقية الجديدة (حكومة رشيد عالي الكيلاني) بالقوة، ورفض الاعتراف بها وإرهاقها، وممارسة أقصى ما يمكن من وسائل الضغط على شخص رشيد عالي الكيلاني، أو تبني الخيار الصعب: الاعتراف بالحكومة” العراقية برئاسة رشيد عالي الكيلاني (5).

أما الجنرال ويفل، قائد القوات البريطانية في الشرق الأوسط، فقد بيّن موقفه صراحة في السابع من شهر نيسان 1941م، بعد تدهور الموقف في ليبيا واليونان ويوغسلافيا، وهو أنه إذا أُجبر على إرسال قوة إلى العراق فإن أقصى ما يمكن الاستغناء عنه كتيبة واحدة تخرج من فلسطين لتحافظ على القاعدة الجوية في الحبانية (غرب العراق)، وأن القوة الجوية الملكية قادرة على إنجاز ذلك الواجب في بغداد (6).

ولم يأخذ تشرشل بمشورة قائد قواته في الشرق الأوسط الجنرال ويفل، بل كتب إلى وزيره لشؤون الهند يذكّره بأن الحالة في العراق أصبحت سيئة، وأن الضرورة تقضي بتهيئة فرقة عسكرية من قوات الحدود لضمان السيطرة على البصرة، ولضمان وصول الإمدادات العسكرية البريطانية إليها مباشرة (7).

ووجدت القيادة البريطانية في الهند أن هناك قوة على ظهر السفن في كراتشي على وشك التحرك إلى الملايو، يمكن تحويل وجهتها إلى العراق (8).

الاستعدادات البريطانية للحرب ضد حكومة رشيد عالي الكيلاني

اتخذت بريطانيا التحضيرات اللازمة لمواجهة أية عملية عسكرية عراقية قد تحدث في منطقة قاعدة الحبانية؛ فقد جرى تحوير حمولة طائرات (أوداكس) من قنبلة واحدة زنة (20) باوند إلى قنبلتين زنة (25) باوند، وتحوير طائرات (أوكسفورد)، التي لم تكن تحمل أية قنبلة، لتكون قادرة على مهاجمة أهداف محددة، وكذلك تدريب طلبة مدرسة تدريب الطيران على العمليات الجوية والتصويب والرمي بالرشاشة جواً وإلقاء القنابل. أما المناطق المؤدية إلى قاعدة الحبانية، فقد عمد الجيش البريطاني إلى استخدام قوة تتألف من ثماني عشرة مدرعة لتقوم بواجب الدوريات على الطريق بين الحبانية والفلوجة، لغرض الاستطلاع البري للمنطقة بين الرمادي والفلوجة (9).

وفي البصرة زادت نشاطات القطعات البريطانية في معسكراتها منذ بداية شهر نيسان 1941م، ومنها الاستطلاعات الجوية المستمرة، ودعم نشاط قوات الليفي (10)، مما عزز في نفوس هذه القوات روح التعصب والاستعلاء، وعبّروا عن ذلك بالتعرض للعراقيين، ولا سيما بالاعتداء على الشرطة في ميناء البصرة والمناطق المجاورة (11).

وقرر القائد العام للقوة الجوية البريطانية في السابع من نيسان 1941م إرسال تعزيزات إلى العراق مؤلفة من ست طائرات (كلاديتر) ترافقها طائرة (ولنكتون) واحدة تحمل أدوات احتياطية. ووصل عدد طائرات (كلاديتر) في الحبانية يوم 19 نيسان 1941م إلى تسع طائرات. وبين السابع والعشرين والثلاثين من شهر نيسان 1941م نُقل نحو (390) شخصاً من الكتيبة الملكية البريطانية جواً من الشعيبة إلى الحبانية (12). وتعود زيادة هذه القوة إلى التحديات الجديدة التي ظهرت في العراق خلال هذه الفترة.

وبعث وزير خارجية ألمانيا ريبنتروب في الثلاثين من نيسان برقية إلى السفارة الألمانية في إيطاليا، يقترح فيها على الحكومة الإيطالية إبلاغ الحكومة العراقية بأن “قوى المحور تقف إلى جانب الحكومة العراقية الحالية والجيش العراقي، وتتعاطف بشكل كامل مع أماني الشعب العراقي في نضاله ضد إنكلترا، وستعمل كل ما يمكن عمله في هذا المجال” (13).

غير أن هذا التعاطف كان لرفع المعنويات دون أن يتحقق على أرض الواقع. وفي الثامن والعشرين من نيسان 1941م طلبت السفارة البريطانية في بغداد الموافقة على إنزال قوة بريطانية جديدة في البصرة، وفي اليوم التالي (29 نيسان 1941م) اجتمع مجلس الدفاع الأعلى للبحث في هذا الطلب المفاجئ، واتخذ قراره بعدم السماح بقدوم قوة بريطانية جديدة قبل مغادرة القوة الموجودة على الأرض، وأيد مجلس الوزراء قرار مجلس الدفاع الأعلى (14).

1. شكاوى الحكومة العراقية من الإجراءات البريطانية

عُقد اجتماع في وزارة الخارجية العراقية بحضور السفير البريطاني كورنواليس، اتهمت فيه الحكومة العراقية الحكومة البريطانية بأنها لا تريد مخالفة أحكام المعاهدة العراقية البريطانية لعام 1930م فحسب، بل وجهت إليها تهمة السعي إلى احتلال العراق صراحة (15). وطرح الجانب العراقي المخالفات التي ارتكبها البريطانيون دون علم الحكومة العراقية، وتتلخص بما يأتي (16):

  1. نقل قوات من خارج العراق بالطائرات إلى مطار الشعيبة في البصرة.

  2. نقل جنود من قاعدة الشعيبة بالطائرات إلى قاعدة الحبانية.

  3. تحليق بعض الطائرات البريطانية فوق معسكر الرشيد.

  4. إقامة استحكامات في الرطبة.

  5. تجول الضباط البريطانيين، من القوة التي وصلت مؤخراً إلى البصرة، في نواحي البصرة بسلاحهم وموسيقاهم، مما أحدث عدم ارتياح في الرأي العام العراقي، وخصوصاً في البصرة.

  6. وصول البوارج الحربية إلى مياه شط العرب دون إعلام الحكومة العراقية.

أجاب السفير البريطاني كورنواليس بأنه يجهل كل هذه الأمور، لكنه سعى في هذا الاجتماع إلى تبرير دخول القوات البريطانية إلى العراق، فأُجيب بأن “مذكرة الخارجية العراقية في 19 نيسان 1941م كانت صريحة بعدم موافقة الحكومة العراقية على إنزال أية قوة جديدة ما لم تغادر القوة الموجودة حالياً في البصرة إلى خارج الحدود العراقية” (17).

وعادت وزارة الخارجية العراقية فذكّرت السفارة البريطانية بالأحداث والمذكرات، وأضافت أن عدم تقديم السفير البريطاني الجديد كورنواليس أوراق اعتماده، مع تقدمه باسم حكومته بطلبات وأمور تتعلق بتطبيق معاهدة عام 1930م، أمر غير طبيعي، ولا ينسجم مع الأسس والمبادئ الدبلوماسية الصحيحة التي تقوم عليها علاقات دولتين متحالفتين مرتبطتين بمعاهدة واجبة التنفيذ من قبل الطرفين (18).

2. التدابير العسكرية العراقية

اتخذ مجلس الوزراء في بغداد يوم الثامن والعشرين من نيسان 1941م قراراً أبلغ بموجبه وزارة الدفاع “أن تقوم بإجراء التحضيرات العسكرية المقتضاة في هذا الشأن” (19). واستناداً إلى ذلك القرار شكلت وزارة الدفاع قيادة الجبهة الغربية بقيادة العقيد الركن صلاح الدين الصباغ، وتضم الفرقة الأولى والفرقة الثالثة والقوة الآلية (20).

واقترح رئيس الوزراء رشيد عالي الكيلاني على الوزير المفوض الإيطالي في بغداد جبرييللي أن تقوم طائرات المحور بضرب الوحدات البريطانية في الخليج العربي وفي قاعدتي الحبانية والشعيبة، وأن بإمكانها استخدام مطاري الموصل وبغداد، واستثمار النفط المخزون في العراق (21).

وأوضح رئيس الدائرة السياسية في وزارة خارجية ألمانيا فيرمان أن القيام بأية مقاومة لا تؤدي إلى هزيمة بريطانيا سيكون تأثيره محدوداً، بل سيعزز سمعة بريطانيا ويقويها. وأكد فيرمان أيضاً أنه يتوجب على العراق أن يُنزل ضربته ببريطانيا عندما يكون الموقف العسكري والسياسي مساعداً على ذلك، وسيكون ذلك ممكناً عندما تقترب القوات الألمانية من الهلال الخصيب، أو عندما تكون لحظة سقوط بريطانيا في كل مكان في العالم وشيكة (22).

وشهدت الساحة العراقية في التاسع والعشرين من نيسان 1941م اجتماعاً ضم العقيد الركن صلاح الدين الصباغ مع كل من رئيس أركان الجيش وكالةً الفريق أمين زكي، ومدير الحركات العقيد الركن نور الدين محمود، وتمخض عنه تحريك القوة الآلية إلى منطقة الحبانية، ولواء المشاة الأول إلى الرمادي لأغراض التدريب. كما تشكلت قيادة الجبهة الجنوبية من قطعات الفرقة الرابعة والقوة النهرية وقيادة شط العرب بقيادة العقيد رشيد جودت (23).

ونصح السفير البريطاني في بغداد كورنواليس في التاسع والعشرين من نيسان 1941م جميع النساء والأطفال البريطانيين بمغادرة بغداد، فنُقل (230) منهم براً وبحراسة إلى الحبانية (24). كما التجأ نحو (350) بريطانياً من قوميات أخرى إلى السفارة البريطانية، ولجأ إلى المفوضية الأمريكية في بغداد أكثر من (150) شخصاً. ولتبرير الحدث القادم أقدمت بريطانيا على طلب وساطة تركيا لحل الأزمة، وهو إجراء لم يكن يهدف إلا إلى كسب الوقت (25)؛ ذلك أن بريطانيا كانت تحاول استغلال الوقت حتى تتضح الأمور وتُعرف نتيجة الصراع المسلح مع دول المحور، الذي كان محتدماً في العديد من المعارك بين الطرفين.

وإزاء تطور تلك الأحداث، قدمت الحكومة العراقية يوم الثلاثين من نيسان 1941م مذكرة احتجاج إلى السفارة البريطانية في بغداد، لفتت فيها نظر السفارة إلى المسؤولية المترتبة على نتائج خرق بريطانيا لمعاهدة 1930م. ولم تجب السفارة البريطانية على تلك المذكرة، بل استمرت في أعمالها العدوانية، فكان ذلك إنذاراً صريحاً للحكومة العراقية بعزم بريطانيا على التدخل في الشؤون الداخلية للعراق وإنهاء أي أثر باقٍ لاستقلاله (26).

وفي صباح يوم الثلاثين من شهر نيسان 1941م أُرسل إلى قاعدة الحبانية ضابط عراقي يحمل رسالة من قائده العقيد الركن محمد فهمي سعيد، يطلب فيها توقف جميع عمليات الطيران من الحبانية، وعدم خروج أي فرد من المعسكر. فرد القائد الجوي البريطاني سمارت بأن أي تدخل في التدريب الاعتيادي الذي يجري في الحبانية سيُعامل باعتباره عملاً من أعمال الحرب. وفي الساعة الحادية عشرة والنصف من اليوم نفسه قام الضابط العراقي بزيارة ثانية للقاعدة، واتهم البريطانيين هذه المرة بانتهاك معاهدة 1930م، فكان رد القائد الجوي البريطاني سمارت بأن هذه القضية سياسية، وأنه سيحيلها إلى السفير البريطاني في بغداد.

ونهض العقيد الركن فهمي سعيد، قائد القوة الآلية، من مقعده خلال اجتماع مجلس الدفاع الأعلى في بغداد ليقول: “يتوجب احتلال قاعدة سن الذبان (الحبانية) حالاً وخلال الأربع والعشرين ساعة المقبلة، وإلا أصبح احتلالها فيما بعد أمراً متعذراً، وأصبحت بغداد معرضة للخطر المحقق”. وأبدى العسكريون تأييدهم للفكرة، ولكن رشيد عالي الكيلاني قال: “إن للأمور السياسية والدبلوماسية الأفضلية على الأمور العسكرية، لذلك فإن حكومتي لا يمكنها بأي وجه من الوجوه القيام بعمل هجومي يفسر بأنه خرق لمعاهدة عام 1930م بيننا وبين بريطانيا العظمى” (27).

وأرسل السفير البريطاني في بغداد كورنواليس برقية إلى وزير خارجيته يبين فيها أن التهديد العراقي للحبانية يُعد عملاً من أعمال الحرب، يبرر اتخاذ عمل مقابل من القوة الجوية البريطانية. فجاء الرد مبكراً في الأول من مايس 1941م، مؤكداً ضرورة استعادة الموقف في العراق، وخُوّل السفير كورنواليس صلاحية اتخاذ أية خطوات ضرورية لضمان مصالح بريطانيا (28).

وأكملت القوات العراقية تطويقها لمعسكر الحبانية من جهة الضفة الشمالية لنهر الفرات إلى هضبة سن الذبان في الأول من مايس 1941م. وكان رأي رئيس الوزراء رشيد عالي الكيلاني أن إعطاء فرصة للسياسة أفضل من اللجوء إلى الحل العسكري، لأن حكومته لا يمكنها بأي وجه من الوجوه القيام بعمل هجومي على القطعات البريطانية يفسر بأنه خرق لمعاهدة 1930م، وأن كل ما بوسعه فعله هو “أن يطلب من الجيش اتخاذ التدابير الدفاعية اللازمة لصد أي هجوم معادٍ بريطاني يُشن على العراق من جهة البصرة أو من جهة الغرب”، وقد وافق وزير الدفاع العراقي ناجي شوكت على ذلك (29).

المصادر

  1. تمكنت القوات الألمانية بقيادة رومل من السيطرة على مدينة بنغازي الليبية في (3) نيسان 1941م، وبعد عشرة أيام تمكن رومل من إخراج القوات البريطانية من ليبيا باستثناء ولاية (طبرق) الواقعة على ساحل البحر الأبيض المتوسط، حيث حاصرتها القوات الألمانية من جهة البر، وتمكنت في الخامس عشر من نيسان 1941م من احتلالها. أما الحرب في يوغسلافيا واليونان، فقد تمكن الجيش الألماني منهما في الفترة بين (6-13) نيسان 1941م، واستسلمت قوات الجيش اليوغسلافي في (17) نيسان 1941م، وتبعتها القوات اليونانية في مقاطعة (إيبيروس) في الشمال الغربي من اليونان، ومقدونيا في (20) من شهر نيسان 1941م، وأُجبرت القيادة البريطانية على سحب قواتها من اليونان وتمركزها في جزيرة (كريت) في البحر الأبيض المتوسط. انظر: جفري ورنر، العراق وسوريا 1941م، ج1، دراسة وثائقية في الأبعاد القومية والعسكرية والسياسية لثورة نيسان – مايس في العراق خلال الحرب العالمية الثانية، ترجمة د. محمد مظفر الأدهمي، بغداد، 1986م، ص178. وكذلك: لطفي جعفر فرج، المصدر السابق، ص45-46. وكذلك: محمود الدرة، المصدر السابق، ص247.

  2. صلاح العقاد، المشرق العربي المعاصر، مكتبة الأنجلو المصرية، مصر، 1970م، ص236.

  3. المصدر نفسه، ص237.

  4. العقاد، المصدر نفسه، ص237-238.

  5. محمود الدرة، المصدر السابق، ص199-200.

  6. ركز الجنرال ويفل في رسالته إلى رئيس الوزراء تشرشل بالقول: إن المسألة الجوهرية في مثل هذه الفترة الحرجة أن نركز على مواردنا المحدودة ومصالحنا العسكرية الجوية، وهي في العراق:

  • تجنب الصراع الواسع مع العرب.
  • ضمان تدفق الموارد النفطية من عبادان.
  • ضمان السيطرة على المخزونات النفطية في العراق.
  • المحافظة على طرقنا البحرية إلى الهند.
  1. جفري ورنر، ج2، المصدر السابق، ص206-207. وكذلك: Churchill, Second World War, vol, op.cit, p.225.

  2. كانت القوة البريطانية تشتمل على لواء مشاة وفوج ميدان واحد، إضافة إلى قوات مساعدة. واقترحت القيادة البريطانية في الهند كذلك إرسال (400) جندي مشاة عن طريق الجو للمساعدة في تأمين حماية قاعدة الشعيبة. أما القيادة في لندن فكانت تريد إيصال القوة إلى فرقة كاملة. انظر: جفري ورنر، ج1، المصدر السابق، ص180.

  3. البياك، المصدر السابق، ص40.

  4. قوات الليفي (Levy): قوة متطوعة من العرب والأكراد والتركمان والآثوريين لخدمة الجيش البريطاني، تشكلت عام 1915م، واقتصرت أخيراً على الآثوريين فقط. انظر: جي. جلبرت براون، الليفي العراقي، ترجمة مديرية التطوير القتالي، (غير منشورة)، بغداد، وزارة الدفاع، 1965م، ص2. وكذلك: لطفي جعفر فرج، المصدر السابق، ص45-46.

  5. حاول ضابط الاستخبارات البريطاني الرائد (أميلنك) وزميله (كوتس) التدخل في شؤون عمل شرطة العشار بتاريخ 25/4/1941م، على أثر استدعاء شخصين عراقيين للتحقيق معهما في إحدى الجرائم الموجهة ضدهما. وطلب الرائد (أميلنك) إطلاق سراحهما بحجة أنهما يعملان في دائرته، مصرحاً بأنه ليس للشرطة حق إحضارهما، وأنه يقدم احتجاجاً شفوياً طالباً معرفة الجريمة التي أُحضرا من أجلها. انظر: السهروردي، الكتاب الأبيض، ط1، المصدر السابق، ص46.

  6. البياك، المصدر السابق، ص40. وكذلك انظر: محمود الدرة، المصدر السابق، ص216.

  7. أسامة عبد الرحمن الدوري، قلق بريطاني من شبح حكومة الدفاع الوطني، مجلة آفاق عربية، بغداد، ع4، 1989م، ص53-54.

  8. جعفر عباس حميدي، التطورات السياسية في العراق 1941-1953م، المصدر السابق، نقلاً عن الحكومة العراقية، ص49. وكذلك انظر: نجم الدين السهروردي، الكتاب الأبيض، المصدر السابق، ص27.

  9. نجم الدين السهروردي، التاريخ لم يبدأ غداً، المصدر السابق، ص63-65.

  10. السهروردي، الكتاب الأبيض، المصدر السابق، ص26.

  11. وزارة الدفاع والمقر العام، المصدر السابق، ج3، ص129.

  12. المصدر نفسه، ص129.

  13. عبد الرزاق الحسني، تاريخ الوزارات العراقية، ج5، ص255.

  14. وزارة الدفاع والمقر العام، المصدر السابق، ج3، ص129. وكذلك: محمود الدرة، المصدر السابق، ص212، أمر الحركات رقم 1. وانظر كذلك: ستيفن همسلي لونكريك، المصدر السابق، ج2، ص46.

  15. لوكاز هيرزويز، المصدر السابق، ص195-196. وكذلك: فريتز غروبا، المصدر السابق، ج2، ص383-386. كما طلب الوزير الإيطالي المفوض في بغداد من المحور: أسراباً من الطائرات، و50 مدرعة خفيفة، و400 مدفع مقاومة الدبابات مع (80) ألف إطلاقة، و60 مدفع مقاومة الدبابات من نوع آخر، و(60) ألف قنبلة يدوية، و600 رشاشة خفيفة طراز (80 عيار 303)، و84 رشاشة متوسطة طراز (فيكرس عيار 303) مع ثلاثة ملايين إطلاقة. لوكاز هيرزويز، المصدر السابق، ص196.

  16. وليد محمد سعيد الأعظمي، المصدر السابق، ص66.

  17. وزارة الدفاع والمقر العام، المصدر السابق، ج3، ص129. وكذلك انظر: عبد الرزاق الحسني، الأسرار الخفية، ج1، المصدر السابق، ص239.

  18. إديث وإي. إف. بينروز، المصدر السابق، ص40. وكذلك: ستيفن همسلي لونكريك، المصدر السابق، ج2، ص168. وانظر كذلك: Connell, John, op. cit., p. 344. وانظر كذلك: عبد الرزاق الحسني، الجزء الأول، المصدر السابق، ص242.

  19. لوكاز هيرزويز، المصدر السابق، ص208-209. وكذلك: عبد الرزاق الحسني، الأسرار الخفية في حركة مايس سنة 1941م التحريرية، الجزء الأول، المصدر السابق، ص258-259.

  20. المصدر نفسه، ص238-239. وكذلك: لوكاز هيرزويز، المصدر السابق، ص189.

  21. عثمان كمال حداد، المصدر السابق، ص110.

  22. أرسلت بريطانيا (10) طائرات من طراز (ولنكتون) ليلة 30 نيسان/1 مايس 1941م، كما وضعت (10) أخرى من الطراز نفسه في (فلسطين - العقير) تقويةً لدعم الطائرات المرسلة إلى قاعدة الشعيبة، أو حلاً بديلاً لمهاجمة طائرات نقل القطعات الألمانية إذا ما هبطت في سوريا أو الرطبة. انظر: وليد محمد سعيد الأعظمي، المصدر السابق، ص96-97. وكذلك: البياك، المصدر السابق، ص40-42. وكذلك: وزارة الدفاع والمقر العام، المصدر السابق، ج3، ص129. وكذلك انظر: محمود الدرة، المصدر السابق، ص242.

  23. The New Encyclopaedia Britannica, Macropaedia, op. cit., p. 987.