الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
الجيش العراقي: تأسيسه وتطور تشكيلاته والصراع العراقي البريطاني حول توسيعه
من محاضرات «محاضرات عن الجيش العراقي» – 2008
تمّ مشروع تشكيل الجيش العراقي بعد تشكيل الحكومة العراقية المؤقتة سنة 1920م، حين كان عبد الرحمن النقيب رئيساً لوزراء العراق، والفريق جعفر العسكري وزيراً للدفاع.
إلا أن علاقة المواطن العراقي بالجيش والعسكرية تعود إلى ما قبل ذلك التاريخ، وذلك كما يلي:
أ. كان العراق في أواخر العهد العثماني مقرّاً لجيش عثماني كبير، مقرّه في بغداد.
ب. وكان لهذا الجيش دور كبير في فرض السيطرة على الولايات الثلاث (بغداد والموصل والبصرة)، وذلك لمنع نجاح أي حركة من حركات الاستقلال.
ج. وكانت الدولة العثمانية تولي العراق اهتماماً خاصاً، فنلاحظ أنها أنشأت فيه المدارس العسكرية بقسميها:
- الرُّشدية.
- الإعدادية.
- إضافة إلى مدرسة لتدريب نواب الضباط.
وبسبب هذا الاهتمام قُبل كثير من أبناء الولايات العراقية الثلاث (بغداد والموصل والبصرة) في الكلية الحربية في إسطنبول، ونلاحظ أن أعداد العراقيين فيها كانت أكبر من أعداد غيرهم قياساً بالولايات العربية الأخرى.
وتدرّج كثير منهم إلى أعلى الرتب والمناصب بفضل كفاءتهم ومقدرتهم العسكرية.
وفي أواخر الدولة العثمانية انضم الضباط العراقيون والعرب إلى الجمعية القحطانية.
ثم شكّلوا جمعية أخرى أكثر سرّية هي «جمعية العهد»، التي كانت لها فروع في بعض الولايات العربية، كما كانت لها علاقات واتصالات مع الحركات السياسية والمدنية.
ومن أشهر رجالها:
أ. عزيز علي المصري، ويقال إنه من أصل عراقي من البصرة.
ب. جعفر العسكري.
ج. نوري السعيد.
د. ياسين الهاشمي.
وغيرهم كثيرون.
وعند قيام الانقلاب العثماني سنة 1908م لجأ الانقلابيون من أعضاء جمعية الاتحاد والترقي إلى اضطهاد الضباط العرب والعراقيين وتشريدهم ونقلهم إلى الولايات البعيدة في الدولة العثمانية، لإبعادهم عن طموحاتهم القومية والوطنية.
فاضطر بعض الضباط إلى ترك الخدمة في الجيش العثماني والالتحاق بالشريف حسين بن علي، شريف مكة، في الحجاز، لما كان يتمتع به من نفوذ ومكانة، إضافة إلى معارضته للاتحاديين (جمعية الاتحاد والترقي) ومطالبته بمكانة متميزة للعرب في الدولة العثمانية.
ولهذا نرى أن الضباط العراقيين شكّلوا نسبة كبيرة في الجيش العربي، ومنهم:
أ. الفريق جعفر العسكري، الذي أصبح قائداً عاماً لجيش الحجاز.
ب. وكان معظم هؤلاء الضباط في الجيش العربي (جيش فيصل بن الحسين) الذي دخل سوريا وحرّرها في الحرب العالمية الأولى، وأقيمت فيها أول حكومة عربية.
ونلاحظ هنا عدم إدراك الشريف حسين لنوايا الحلفاء الحقيقية عند إقامة علاقاته معهم على أساس منح العرب استقلالهم التام؛ إذ اتفقوا على معاهدة سايكس – بيكو لتقسيم البلاد العربية دون علم الشريف حسين، وأقنعوه بأن هذه الاتفاقية لا تتعارض مع الاتفاقية المعقودة معه.
وعليه لم يطل الأمر بحكومة فيصل في سوريا، إذ سرعان ما أخرجه الفرنسيون منها.
وعندما انتهت الحرب العالمية الأولى لم يكن أمام الضباط العرب، والعراقيين خاصة، أي مجال للعمل. وعلى الرغم من ذلك نراهم شاركوا في إسناد ثورة 1920م، مثل جميل المدفعي وآخرين (في تلعفر ودير الزور)، ثم عادوا إلى سوريا بعد أن خسروا أمام البريطانيين.
تشكيل الدولة العراقية وخفض القوات البريطانية
قامت الثورة العراقية (ثورة العشرين) في 30 حزيران 1920.
وواجهت بريطانيا صعوبات في السيطرة على الموقف، بعد أن تكبّدت خسائر كبيرة في الأرواح والمعدات والخزينة.
وهذا ما جعل الرأي العام البريطاني يعارض سياسة حكومته في العراق ويطالب بالانسحاب منه.
لذلك سارع المندوب السامي البريطاني في العراق برسي كوكس إلى إخماد ثورة 1920، وتشكيل حكومة مؤقتة ذات طبيعة انتقالية برئاسة السيد عبد الرحمن النقيب (الكيلاني).
وأسند وزارة الدفاع إلى الفريق جعفر العسكري، الذي أخذ على عاتقه استدعاء زملائه الضباط المتشتتين في سوريا والحجاز، والذين انسحبوا مع الجيش العثماني من العراق أمام الحملة البريطانية، أو الذين تركوا الجيش العثماني وبقوا في العراق.
وبدأ وزير الدفاع جعفر العسكري بتشكيل مقر صغير للوزارة مكوّن من عشرة ضباط، وبدأ بهؤلاء أول الأمر، ومعهم عدد من الجنود الذين كانوا في الجيش العثماني وتطوعوا عندما فُتحت مراكز التطوع.
كان العراق في ذلك الوقت تحت إشراف حكومة الهند، إلا أن الحكومة البريطانية حوّلت الإشراف عليه إلى وزارة المستعمرات بتأثير «المدرسة المصرية – البريطانية» التي كان يمثلها كلايتون ولورنس. وكانت هناك مدرسة ثانية معارضة هي «المدرسة الهندية – البريطانية». وكانت الأولى (المصرية) تطالب بنوع من الاستقلال للعراق تحت إشراف وزارة المستعمرات البريطانية، وكان وزيرها حينئذٍ ونستون تشرشل.
وبسبب الأوضاع الاقتصادية خلال الحرب وبعدها بدأ التفكير في شكل إدارة العراق، ورأى وزير المستعمرات تشرشل عقد مؤتمر في القاهرة في أوائل سنة 1921م لرسم السياسة البريطانية الجديدة في المنطقة. وكان اختيار القاهرة بسبب هدوء الأوضاع الداخلية فيها، ولوجود القيادة المركزية البريطانية للشرق الأوسط هناك بقيادة الجنرال ويفل. وانعقد المؤتمر في المدة من 12 إلى 30 آذار 1921م، وكان كما يلي:
أ. حضره السياسيون والقادة العسكريون البريطانيون لدراسة أوضاع المناطق الخاضعة للاحتلال البريطاني ومستقبل المصالح البريطانية فيها.
ب. وجرى ذلك في ضوء نتائج هذه المناقشات، وبعد مؤتمر الصلح وردود الفعل التي برزت في تلك المناطق ضد نظام الانتداب.
ج. ونوقشت فيه أوضاع العراق في ضوء الهدف العام للمؤتمر، وظهر في جدول أعمال اللجنة الخاصة بأوضاع العراق هدف أساسي هو وجوب خفض القوات البريطانية إلى الثلث.
د. لذلك نوقش هل يمكن تخفيض القوات البريطانية إلى الثلث، وكان هذا الرأي يستند إلى ما يلي:
أولاً: يجب على نظام الانتداب أن يحمي المصالح البريطانية في المناطق الخاضعة له.
ثانياً: إن إقامة حكم محلي برئاسة ملك عربي وبموافقة الشعب يجعل الوضع السياسي مستقراً بعض الشيء.
ثالثاً: التأكد من عدم وقوع أي هجوم خارجي على العراق من تركيا أو إيران أو نجد.
هـ. وأحيلت هذه الاعتبارات إلى لجنتين هما:
أولاً: اللجنة السياسية.
ثانياً: اللجنة العسكرية.
وكُلّفتا بدراسة موضوع العراق في ضوء أهداف المؤتمر.
- وكانت نتيجة تقرير اللجنتين صعوبة إعادة الأوضاع في العراق إلى نصابها ما لم يتم ما يلي:
أ. تشكيل حكومة محلية تتمتع بسلطة كافية. وعلى هذا الأساس نوقشت مسألة الحكومة التي ستُشكَّل، ومن سيكون الملك فيها.
ب. وظهر الاتجاه واضحاً إلى أن يكون الملك من عائلة الشريف حسين، شريف مكة، وسُمّي فيصل بن الحسين بالذات.
وتم الاتفاق معه على ما يلي:
أ. أن يعلن فيصل من على المنبر الذي سيقف عليه أنه مستعد لقبول شروط الانتداب.
ب. أن يقبل كذلك قيام الحكومة البريطانية بإضافة نص لاحق يسمح بإجراء تعديلات في شروط الانتداب بعد إعلان الدستور ومصادقة مجلس عصبة الأمم عليها، على أن يكون ذلك في صيغة معاهدة تؤمّن المساعدة ودعم الانتداب، والحفاظ على مصالح بريطانيا وموقعها في العراق.
تأسيس الجيش العراقي
عندما شُكّلت الحكومة المؤقتة برئاسة عبد الرحمن النقيب تولّى الفريق جعفر العسكري وزارة الدفاع.
وقام جعفر العسكري باستدعاء رفاقه من الضباط العراقيين الأكفاء للعمل معه.
وبعد تشكيل الحكومة المؤقتة طرح المندوب السامي كوكس فكرة تشكيل لجنة تُناط بها مهمة دراسة الوضع العسكري في العراق، وكانت أهم واجباتها:
أ. وضع القوانين والنظم العسكرية.
ب. وضع الخطط اللازمة وتقديرات للموقف توضح الحالة العسكرية في العراق.
ج. معرفة ما يحتاجه العراق من العدد والعُدد العسكرية.
أما مسألة التجنيد فكانت موضع نقاش بين الوزارة وكوكس.
إذن فقد بدأ التفكير الأولي في تأسيس الجيش العراقي في مؤتمر القاهرة (مؤتمر الشرق الأوسط) سنة 1921م، الذي حضره من العراق كلٌّ من:
أ. المندوب السامي البريطاني برسي كوكس، والمس بيل، وبعض مستشاريه.
ب. وزير الدفاع العراقي جعفر العسكري.
ج. وزير المالية العراقي ساسون حسقيل (يهودي الأصل).
العوامل الأساسية لتشكيل الجيش العراقي
- لا شك في أن هناك عوامل واعتبارات ساعدت على التفكير في تأسيس الجيش العراقي، وكان في مقدمتها:
أ. الاتفاق الذي ظهر في مؤتمر الشرق الأوسط في القاهرة على استخدام الوسائل السياسية لتأمين المصالح البريطانية في العراق والبلاد الخاضعة لبريطانيا.
ب. وقد تبلورت هذه الوسائل السياسية بالنسبة إلى العراق في شكل حكومة مؤقتة.
ج. وعليه كان طبيعياً أن يكون لهذه الحكومة المؤقتة جيش وطني يسندها ويدعم مركزها السياسي.
د. والأهم من ذلك القرار البريطاني بخفض القوات البريطانية في العراق إلى الثلث، للتخفيف عن كاهل دافعي الضرائب البريطانيين، الذين بدأوا يضغطون على حكومتهم من أجل تقليل نفقاتها خارج بريطانيا وتخفيف الضرائب عن المواطن البريطاني.
هـ. ولا سيما أن حكومة الهند أظهرت عدم قدرتها على المساهمة في تعهدات بريطانيا للعراق، بسبب معارضة أكثرية الرأي العام الهندي أيضاً.
على هذا الأساس بُحثت مسألة تشكيل جيش عراقي. وقد عبّر برسي كوكس في مؤتمر القاهرة عن وجهة النظر البريطانية في طبيعة هذا الجيش، عندما أشار إلى أن طموحه لا يتعدى فتح باب التطوع الاختياري وتشكيل قوة من المجندين العرب.
وعندما احتلت بريطانيا ولايات بغداد والموصل والبصرة لم يكن العراق دولة واضحة الحدود والمعالم، ولا كياناً سياسياً واضحاً، وإنما كان اسماً يُطلق على تلك الولايات الثلاث.
لهذا كانت عملية رسم حدود العراق مسألة على قدر كبير من الأهمية، لعلاقتها بأقطار مجاورة مثل تركيا وإيران ونجد.
وعلى هذا الأساس كانت بريطانيا تدرك الحرج الذي يسببه انسحابها من العراق قبل تأمين حدوده وتطوير قدراته العسكرية، وكان هذا سبباً في تخفيض قواتها بشكل تدريجي ومتوازن، خوفاً من هجوم دول الجوار عليه. وكان عليها أن:
أ. تؤمّن حدود العراق وتنظّم علاقاته بجيرانه.
ب. تؤمّن المصالح البريطانية وترسيها على أسس مضمونة.
ج. تؤسس الجيش العراقي وتطوّره.
العلاقة البريطانية – العراقية الجديدة
نُظّمت العلاقات البريطانية – العراقية بعد إقامة الحكم الملكي بمعاهدة التحالف التي عُقدت بين الحكومتين سنة 1922م. وتضمّنت المادة (7) من المعاهدة تعهّداً بريطانياً بتقديم الإمداد والمساعدة للقوات العراقية، على أن تُنظَّم صيغة التعاون في هذا المجال باتفاقية منفردة.
وفي سنة 1924م وُقّعت الاتفاقية العسكرية، وحُدّد هدفها بأن يصل العراق بعد أربع سنوات من تاريخ الاتفاقية إلى تحمّل المسؤولية التامة في الدفاع عن أمنه من الاعتداءات الخارجية وحفظ الأمن الداخلي.
ولتحقيق هذا الهدف نظّمت الاتفاقية صيغة التعاون العراقي – البريطاني في (14) مادة، ومعها منهاج مقترح لتوسيع الجيش العراقي خلال السنوات الأربع المحددة في الاتفاقية.
وحُدّد شكل المساعدة فيما يلي:
أ. تدريب ضباط الجيش العراقي.
ب. تجهيزه بالأسلحة والذخائر.
ج. إمداده بضباط بريطانيين لسدّ حاجته.
- وفي المقابل احتفظت بريطانيا بحقها في:
أ. تفتيش الجيش العراقي من قِبل قائد القوات البريطانية.
ب. استشارة المندوب السامي في حركات الجيش العراقي وتوزيعه.
ج. التشاور في كل ما له علاقة بالأعمال العسكرية الخاصة بحفظ الأمن الداخلي أو الدفاع الخارجي.
- لقد حدّدت الظروف التي شُكّل فيها الجيش العراقي نوع العوامل المؤثرة في مستقبله وتطوره، ومنها:
أ. تناسب حجم التخفيض البريطاني مع الحاجة إلى القوات المحلية.
ب. نمو الموارد المالية للعراق بالشكل الذي يسمح بتوسيع الجيش.
ج. الموازنة بين رغبة بريطانيا في تأمين مصالحها وبين مقدرة العراق العسكرية على حماية المصالح البريطانية.
تطور تشكيلات الجيش العراقي والصراع العراقي البريطاني حول توسيعه 1921–1932م
على الرغم من وجود حكومة في العراق وعلى رأسها ملك، فقد ظل العراق في هذه المدة خاضعاً بشكل مباشر للسياسة البريطانية التي تمثلها دائرة المندوب السامي، ويساعده على تنفيذها حامية بريطانية قوية، وهو ما ثبّتته المعاهدة العراقية – البريطانية لسنة 1922م وما تلاها من اتفاقيات.
وقد شهدت هذه المرحلة تشكيل نواة الجيش العراقي في 6/1/1921م من عشرة ضباط عراقيين ممن كانوا في جيش الحجاز العربي، وقاتلوا ضد الدولة العثمانية بعد إعلان الثورة العربية الكبرى عام 1916م، تحت قيادة الأمير فيصل بن الحسين (شريف مكة).
وأخذت هذه النواة تنمو مع قدوم بقية الضباط العراقيين الذين كانوا مع فيصل في الحجاز حتى بلغ عددهم (206) ضباط، ومعهم الضباط الذين كانوا في الجيش العثماني وبقوا في العراق أو عادوا من الأسر، وكان عددهم (313) ضابطاً، وهكذا أصبح عدد ضباط الجيش العراقي (519) ضابطاً.
وأُنشئت مدرسة تدريب الضباط الأقدمين في نيسان 1921م لتؤمّن حاجة الجيش العراقي من الضباط، ولترفع مستوى ضباطه القدماء.
وتأسست الكلية العسكرية عام 1921م من عدة أجنحة: جناح المستجدين، وجناح الرمي، وجناح المخابرة، وكذلك جناح القادة الأحداث.
وكان المقدم الركن محمد أمين زكي آمراً لمدرسة تدريب الضباط الأقدمين، وكان هدفها تدريب الضباط الذين عادوا من تركيا.
وفي 21 حزيران 1921م بدأ تسجيل المتطوعين.
وشُكّل الفوج الأول من الجيش العراقي في بغداد في تموز 1921م، وحمل اسم «فوج موسى الكاظم»، وكان مقره في الكاظمية في خان الكابولي، ثم نُقل إلى الحلة ليحلّ محل الحامية البريطانية هناك، التي تقرر سحبها وفق خطة تخفيض القوات البريطانية في العراق.
كما شُكّلت كتيبة الخيالة الأولى، وكان من بين تشكيلاتها الحرس الملكي.
وشُكّل الفوج الثاني في المدة من تشرين الثاني 1921 إلى نيسان 1922م.
ثم شُكّلت قطعات عسكرية مكوّنة من بطرية جبلية وسرية نقلية وكتيبتي خيالة، إضافة إلى الفوج الثالث، وأُرسلت جميعها إلى الموصل.
وبلغت تشكيلات الجيش (4000) متطوع.
وعليه أصبحت هناك ثلاث حاميات عسكرية للجيش العراقي هي: الموصل وبغداد والحلة، ثم أُلحقت بكل منها مفرزة طبية.
إن اتخاذ القوات العراقية المشكّلة أماكنها في المناطق التي انسحبت منها القوات البريطانية، وفقاً لسياسة خفض القوات البريطانية في العراق، يشير إلى أن القوة العراقية ستكون مسؤولة عن أمن المصالح البريطانية؛ بدليل أن توزيعها جرى على الصيغة نفسها التي توزعت بها القوات البريطانية عند احتلالها للعراق. وهي سياسة لا تهدف بالضرورة إلى أمن العراق نفسه، وإنما كانت مجرد سدّ للأماكن التي خلت بانسحاب القوات البريطانية.
وكانت خطة الحكومة العراقية سنة 1923 زيادة حجم القوة العراقية إلى (6000) جندي، لتأليف القوة الكافية لحماية شمال العراق بعد انسحاب بريطانيا منه.
ولم تُسهم القوات البريطانية إسهاماً حقيقياً في تدريب الجيش والارتقاء بقدراته حتى نيسان 1924م، أي بعد شهر من توقيع الاتفاقية العسكرية بين العراق وبريطانيا.
ولم تُسدّ حاجة القوات العراقية المشكّلة إلى التدريب إلا في سنة 1925، عندما أُنشئت ثلاثة مراكز لتدريب المشاة في المناطق الثلاث (بغداد والموصل والبصرة) التي استقرت فيها الوحدات، ثم أُنشئ مركز تدريب الخيالة في بغداد.
وكان الحاكم البريطاني مسيطراً على الجيش العراقي عن طريق المفتش العام (ديلي) وضباط التدريب وضباط هيئة الأركان.
وكانت طلبات الحكومة العراقية مستمرة لزيادة حجم الجيش العراقي وتنويع صنوفه بإدخال المدفعية والطيران والخيالة، وبذلت في ذلك جهوداً كبيرة، وكانت مبرراتها متعددة:
أ. شعور الحكومة العراقية بأن النظام قد استقر.
ب. أن التوترات الحدودية قد خفّت أو حُلّت.
ج. أنه على المستوى الداخلي تأسس نظام سياسي، وأصبحت للدولة مؤسساتها الضرورية: حكومة لها مجلس أمة ولها قوانين.
د. الشعور بعدم جواز الإبقاء على القوات البريطانية للدفاع عن حدود العراق وأمنه الداخلي، أو الاعتماد على قوات الليفي التابعة لبريطانيا، مما يُشعر المواطن بأن العراق غير مستقل.
ولهذا أكّد وزير الدفاع جعفر العسكري فكرة تأليف جيش وطني يقوده أبناء البلاد، ويعرف كيف يموت ويدافع في سبيلها. ولذلك أبدى عدم رضاه، عند تشكيل الحكومة المؤقتة سنة 1920م، عن أن يتسلّم قوات الليفي كما هي وبشرط ألّا يكون له حق تفتيشها أو مراقبة أعمالها، وصرّح بذلك عند اعتداء جنود الليفي على الأهالي في كركوك.
لا يمكن أن تتأسس الحكومة العراقية وتنهض على أسس متينة ما لم تأخذ بنظر الاعتبار نمو جيشها الوطني وتقويته.
وأن التجنيد الإجباري هو الدواء الوحيد لمعالجة هذه الأمور وتخليص البلاد من جميع القيود، وكان هذا رأي اللجنة في حينها.
إن إثارة مشكلة الموصل بين الحين والآخر، وآخرها في مؤتمر الأستانة، جعلت التفكير جدياً في زيادة الجيش وتوسيعه للمحافظة على كيان البلاد من الضياع. وكانت بريطانيا تقف موقفاً معارضاً لوجهة نظر الحكومة العراقية في توسيع الجيش وتنويعه.
واستغلت بريطانيا موقف المعارضة المضادة لقانون التجنيد، ووقفت مع القبائل والعشائر التي عارضته، وكان هذا سبباً في:
أ. التلكؤ في تسليح الجيش العراقي.
ب. احتفاظ بريطانيا بقوة جوية وفوجين من الليفي (من الآثوريين).
ج. أن يشتري العراق «المهمات الزائدة»، أي التجهيزات المستعملة، من الوحدات البريطانية عند تخفيضها.
د. أن تقدّم بريطانيا المساعدات بشرط بقاء الضباط البريطانيين المسيطرين على الجيش العراقي فيه.
ووافقت الحكومة العراقية على ذلك حرصاً منها على الدخول في عصبة الأمم ليصبح العراق مستقلاً، ولو شكلياً.
التناقض بين الجيش العراقي والسيطرة البريطانية
كان الاعتقاد السائد لدى أطراف الحركة الوطنية والقيادات السياسية في العراق أن الجيش سيُستخدم لخدمة أغراض الانتداب البريطاني.
فالأمن الداخلي الذي أُنيط بالجيش العراقي حفظه كان يعني أحد أمرين:
أ. أن يكون الجيش نوعاً من الشرطة العسكرية يقوم بحماية الأمن الداخلي، فهو إذن ليس جيشاً دائمياً بل شرطة.
ب. أو أن يكون المقصود بالأمن الداخلي منع تحرك القوى الوطنية المعارضة للانتداب البريطاني.
إذن فالجيش قوة لتنفيذ المخططات البريطانية (الانتداب)، والراجح أن السلطات البريطانية أرادت ذلك، غير أنها لم توفَّق فيه.
لذا اجتمعت عوامل متعددة أسهمت حقاً في أن يكون الجيش العراقي مركزاً لنمو قوى مضادة للسيطرة البريطانية. وإذا كانت هذه القوى محدودة الأثر في البداية، بسبب ضعف العلاقة بين الجيش والقوى الوطنية ومحدودية حجم الجيش في حينها،
فإنها مع نمو حجمه بدأت تنمو بينه وبين الشعب علاقة إيجابية. وقد اجتمعت عوامل متعددة هيّأت الظروف لأن يصبح الجيش العراقي قوة وطنية، منها:
أ. أن خلفية الضباط العراقيين وتكوينهم الاجتماعي تفرض التناقض مع بريطانيا، لأن هؤلاء الضباط عرب وعراقيون مسلمون نشأوا في ظل تربية اجتماعية وأسرية وفي مدارس إسلامية، ثم تلقّوا تربية عسكرية توازنت فيها المبادئ الأساسية للدولة العثمانية مع مبادئ الدين الإسلامي.
ب. أن هؤلاء الضباط نشأوا وتكوّنوا عسكرياً في مدارس عسكرية جمعت لديهم، إضافة إلى المبادئ العامة للدولة، الخبرة العسكرية الألمانية. وهم، على الرغم من هزائمهم في الحرب، يعدّون أنفسهم أبناء الدولة العثمانية التي نشّأتهم، وفلسفتهم العسكرية تتناقض مع فلسفة بريطانيا في بناء الجيش العراقي على النظام البريطاني، ولا سيما عند شعورهم بسلبية تصرف بريطانيا نحوهم.
ج. وكان معظم هؤلاء الضباط أعضاء في الجمعيات السرية المطالبة بتحرر العرب واستقلال بلدانهم.
د. وكانت مشاركتهم هذه تعبّر عن وعي قومي لا يمكن التخلي عنه أو نسيانه بسهولة.
هـ. وكانت بريطانيا آنذاك أكثر الدول الأوروبية تستّراً بمساعدة الشعوب في جهودها الرامية إلى التخلص من السيطرة العثمانية، غير أن نتائج الحرب العالمية الأولى ومؤتمرات الصلح كشفت عدم التزام بريطانيا بوعودها للعرب، فلم يبقَ أمام هؤلاء الضباط ما يغريهم بالاتفاق معها.
و. كما أن السلطات البريطانية ألغت الرتب السابقة للضباط الذين كانوا في الجيش العثماني، وأعادت تقييمهم برتب أقل، باستثناء من وردت أسماؤهم بتوصية خاصة من جهة بريطانية. ولا بد أن يترك هذا الأمر أثره السلبي في نفوس هؤلاء الضباط.
- غير أن هذا لا يعني أن الجيش العراقي كان قوة وطنية خالصة، فقد كانت فيه عناصر متعاونة مع الإنكليز ومرتبطة بهم.
تواريخ مهمة
6 كانون الثاني 1921م: تأسيس الجيش العراقي.
1 نيسان 1921م: تشكيل الكلية (المدرسة) العسكرية.
1924م: صدور أول نظام لوزارة الدفاع.
1927م: تشكيل كلية الأركان.
1929م: قيام الجيش بأول مناورة عسكرية (تمرين) على نطاق واسع.
1931م: تشكيل القوة الجوية.
1934م: تشريع قانون التجنيد الإجباري.
1935م: تشكيل القوة النهرية.
وكانت في العراق، في العهد العثماني، مدرستان عسكريتان:
مدرسة رشدية عسكرية، في موضعين: واحدة في بغداد، والثانية في السليمانية.
مدرسة إعدادية عسكرية واحدة في بغداد، تستقبل خريجي المدارس الرشدية لتعدّهم للكلية الحربية في إسطنبول.