الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
البعثة الجيولوجية الفنية الألمانية (البتك) للبحث عن النفط في العراق عام 1871م
من محاضرات «حركة مايس 1941» – 2017
“كان التيار الاستعماري الذي تفشى في أوربا في القرن التاسع عشر قد خلق نمواً من التطلعات نحو الشرق الأدنى، سرعان ما تجسد بالتحرك الألماني الهادف إلى استكشاف الثروات المعدنية. فكانت بعثة الخبراء الألمان التي جابت العراق بحثاً عن النفط عام 1871م بداية جادة لإلهاب بواعث الصراع الدولي على النفط في العراق؛ فقد عمدت ألمانيا القيصرية، في ضوء التقرير الذي رفعته البعثة الفنية الألمانية (البتك)، إلى رسم السبل الكفيلة بالنفاذ إلى الشرق”.
ولكن المؤرخين تضاربوا في الرأي حول هذه البعثة الألمانية (البتك) وطبيعة مهمتها؛ فذهب بعضهم إلى أنه في سنة 1871م جاءت إلى العراق بعثة من الفنيين الألمان، كانت مهمتها معرفة ما إذا كان من المستطاع استثمار موارد بلاد الرافدين، وفي مقدمتها النفط، للأغراض التجارية. وبعد أن جابت هذه البعثة أهم المناطق التي يُظن أن النفط موجود فيها، رفعت تقريراً أوضحت فيه غزارة نفط العراق وجودته، ولكنها ذكرت من ناحية ثانية أن فقدان وسائل النقل لإيصال النفط إلى ساحل البحر الأبيض المتوسط يحول دون نجاح أية شركة تريد استخراج هذا النفط ومنافسة النفط الروسي والأمريكي في ميدان التجارة.
وهناك آراء أخرى متباينة حول هذه البعثة الفنية الألمانية (البتك)؛ فالدكتور راشد البراوي يذهب إلى أن الخبراء الألمان زاروا لوائي بغداد والموصل، وقدموا عنهما تقارير مشجعة للغاية.
ومن الغريب جداً أن تكون تقارير هذه البعثة الفنية الألمانية (البتك) مشجعة عند فريق من المؤرخين، وغير مشجعة عند فريق آخر. ونحن، رغم الإشارات المتواترة عن هذه البعثة الفنية الألمانية، نشك في وجودها، إذ لم نجد فيما بين أيدينا من المصادر ما يؤيد أي تلميح، ولو من بعيد، إلى خبراء ألمان رفعت بعثتهم تقريراً سنة 1871م إلى حكومة ألمانيا القيصرية. وإنما نستطيع القول فقط إن مدحت باشا (والي بغداد في ذلك العهد العثماني) قد وطّد بإصلاحاته السيطرة العثمانية في العراق، أي في ولايات بغداد والبصرة والموصل (كوردستان)، بموافقة السلطان عبد العزيز الأول بن محمود الثاني.
وبهذه الإصلاحات أبعد الوالي العثماني في بغداد مدحت باشا العراقيين عن إدارة بلدهم، وأسند إلى الأتراك العثمانيين جميع المناصب المهمة في جهاز الدولة في العراق (الولايات الثلاث)، وسمح لعدد من العراقيين، في أفضل الحالات، بإشغال المناصب الدنيا في سلم التدرج البيروقراطي. ورغم تفشي الكوليرا في عهده وفتكها بالمواطنين، كان مدحت باشا والي بغداد من أشد المناصرين لمشاريع المهندسين الأوربيين الفنية التي كان هدفها تطوير الدولة العثمانية. وهو أول شخص عثماني اهتم بموضوع النفط العراقي اهتماماً بالغاً خلال قيامه بالمشاريع العمرانية المشهورة في العراق (الولايات العثمانية الثلاث) سنة 1871م؛ إذ استخدم بعض الخبراء الألمان لإنماء وتطوير منابع النفط الخام الذي كان ينبثق من سطح التربة ويسيل كالزفت الأسود فوق الأرض في منطقة مندلي. ومن هنا جاء الالتباس الذي انزلق فيه أغلب المؤرخين، إذ لم تكن هناك بعثة من الخبراء الألمان رفعت تقريراً إلى حكومتها، وإنما كل ما في الأمر أن مدحت باشا والي بغداد استخدم فريقاً من الخبراء في مشاريعه النفطية، ولا سيما بعد إنشائه مصفى لتكرير النفط الخام وتصفيته في مدينة بعقوبة سنة 1872م.
والجدير بالتنويه في هذا الصدد أن كتاب «النفط العراقي من منح الامتياز إلى قرار التأميم» جعل تقرير هذه البعثة الفنية الألمانية المزعومة (البتك) بداية جادة لإلهاب بواعث الصراع الدولي على النفط العراقي، بحيث عمدت ألمانيا القيصرية في ضوء التقرير إلى رسم السبل الكفيلة بالنفاذ إلى الشرق. وهذا حكم أقل ما يقال فيه إنه يتخطى السياق التاريخي للحوادث، لأن الواقع غير ذلك. ونحن ثابتون على رأينا رغم الاقتراح الذي أطلقه فون مولتكه (Von Moltke)، العالم العسكري الألماني، في إحدى مقالاته في القرن التاسع عشر؛ فهذا الرجل الاستعماري الألماني العسكري اقترح يومذاك إنشاء سكة حديدية عبر الإمبراطورية العثمانية كلها، وكتب أنه يجب أن تكون الإمبراطورية الألمانية الكتف الذي تمتد منه هذه اليد (السكة الحديدية)، فتجتاز بعدها آسيا الصغرى، ثم تمتد أصابعها إلى تخوم القفقاس والعراق (الولايات الثلاث) والهند.