تحليلات .. وحوارات .. ومناقشات .. عن مواضيع الساعة .. من وجهة نظر البعض .. وهناك وجهة نظر معاكس آخر ..
الدكتور / عبدالعزيز المفتي
((الحرب الروسية الأوكرانية .. قراءة عسكرية في الأبعاد التعبوية والعملياتية والاستراتيجية)) ج58
  • أَعجبني ما قراءته من تقرير الأخ اللواء الركن (عماد علو) ويجب الإطلاع عليه ومناقشتة مع بعضنا البعض.
  • شنت روسيا الإتحادية عملية عسكرية واسعة النطاق في الأراضي الأوكرانية بتاريخ 24 شباط 2022، لتعلن أن نظام الأمن والاستقرار في أوروبا الذي كان سائداً منذ الحرب العالمية الثانية (1939-1945) لم يعد موجودا ولا فعال، وأن هذا الأمر سيبقى مجهولاً على المدى القريب والبعيد.
  • خصوصاً أن هذه العملية العسكرية الروسية واسعة النطاق في أوكرانيا امتد تأثيرها بسرعة إلى أبعد من أمن وسيادة أوكرانيا نفسها.
  • فهي شكلت نقطة انعطاف كبيرة في ميزان القوى العالمي.
  • إذ ستحدد نتيجة الحرب علاقات القوة على المستوى الاستراتيجي الدولي لعقود عدة مقبلة.
  • كما أنها أدت إلى انعكاسات ضخمة على الإقتصاد العالمي.
  • والسؤال المطروح هو عن الأبعاد التعبوية والعملياتية والاستراتيجية لهذه الحرب؟
  • المعركة في المستوى التعبوي:
  • في المستوى التعبوي قامت القوات الروسية بتدمير وحدات القيادة والسيطرة الخاصة بالجيش الأوكراني، بالضربات الجوية والصاروخية والهجمات الإلكترونية.
  • إلا أنه من الصعب على الروس تدمير كل هياكل القيادة والسيطرة الأوكرانية.
  • والملاحظ أن المعارك البرية تركزت حول السيطرة على الأراضي، بأسلوب الاختراق العميق وتخطي المدن والاكتفاء بتطويقها وتجنب الانخراط بقتالات خاصة في المدن.
  • والهدف من ذلك حرمان القيادات العسكرية الأوكرانية من المناورة بالقطعات العسكرية في الجغرافيا الأوكرانية لمواجهة التفوق التكنولوجي بالأسلحة والمعدات والتجهيزات للقوات الروسية المهاجمة، التي تسعى للوصول إلى سيناريو استسلام الجيش الأوكراني دون قتال أو احتكاك كبير بين القوات ملف أزمة أوكرانيا وتداعياتها على الأمن الدولي.
  • الحرب في أوكرانيا على المستوى العملياتي:
  • بات واضحاً اليوم بعد وصول القوات الروسية إلى مشارف العاصمة الأوكرانية (كييف)، وحجم القوات الروسية المشاركة في هذه العملية، إن هدف العملية لم يكن لغرض الاعتراف باستقلال جمهوريتي (دونيتسك و لوهانسك)، وإن الحرب الروسية على أوكرانيا ذات أهداف قصيرة المدى على المستوى العملياتي، كذلك لها (روسيا) أهداف بعيدة المدى، على المستوى الاستراتيجي.
  • ولهم تأثير الحرب في أوكرانيا على المستوى العملياتي، فمن الواضح أن العمليات العسكرية بين القوات الروسية والقوات الأوكرانية اتسمت باستخدام أسلحة القتال التقليدية، ولم تذهب إلى استخدام الأسلحة فوق التقليدية أو الاستراتيجية أو النووية.
  • على الرغم من تلويح الرئيس الروسي (فلاديمير بوتين) بررفع درجة استعداد القوات النووية الروسية في حال تدخل (حلف الناتو) في الحرب.
  • كما أن حجم العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا مقارنة مع القدرة الكاملة للقوات المسلحة الروسية.
  • فبالنظر إلى القوات البرية الكثيفة التي دفع بها الجيش الروسي في أوكرانيا، والتي تتراوح بين (180-150) ألف جندي وتعد الأكبر حجماً من جميع التدخلات العسكرية الروسية السابقة في (أفغانستان والشيشان وجورجيا)، فإن هذه القوات تمثل أقل بقليل من ثلث إجمالي القوات البرية العاملة من دون احتساب قوات الاحتياط.
  • وهذا يشير إلى أن الخطة العسكرية الروسية لهذه العملية قد تحسبت لصراع محتمل مع (حلف الناتو)، قد يندلع في اتجاهات أو ساحات قتال أخرى مثل (منطقة القوقاز) التي تحدث فيها جورجيا وتركيا نفوذ روسيا الماضي أو في مناطق آسيا الوسطى مثل (كازاخستان)، أو في شرق روسيا مثل (جزر الكوريل) التي استولت عليها روسيا حين أعلنت الحرب على اليابان في نهاية الحرب العالمية الثانية المقاتلون الأجانب في أوكرانيا التداعيات المحتملة على الأمن الأوروبي.
  • أن الملاحظ لخريطة محاور تقدم الأرتال الروسية وانتشارها شرق (نهر الدنيبر) تؤشر إلى نجاح الهجوم الروسي في اختراق حدود أوكرانيا بأكملها.
  • وإن (روسيا) لم تتمكن من التقدم بعمق في أوكرانيا في كثير من الأماكن، نتيجة الجهد الدفاعي الأوكراني القوي ضد الهجوم الروسي حتى الآن.
  • إلا أن هذا دليل على عدم قدرة أوكرانيا على الاحتفاظ بقدرة عسكرية دفاعية نشطة على الضفاف الشرقية (لنهر الدنيبر)، مع تقدم القوات الروسية بشكل أعمق في أوكرانيا.
  • مما دفع الجيش الأوكراني للتخلي عن أجزاء مهمة من المواقع الدفاعية واستبدالها بمواقع دفاعية جديدة لوقف تقدم القوات الروسية، التي تراهن (القوات الروسية) من الناحية العملياتية على استنزاف الجهد الدفاعي الأوكراني بمرور الوقت.
  • وهو ما سيمثل ضغطاً مستمراً على المدافعين الأوكرانيين الذين يحاولون درء خطر الانهيار التدريجي المحتمل للخطوط الدفاعية الأوكرانية.
  • وقد يؤدي هذا إلى انسحابات أوكرانية إضافية إلى خطوط دفاعية أخرى إلى الوراء توفرها الجغرافيا الطبيعية لأوكرانيا مثل (نهر الدنيبر)، ما سيحقق الهدف العملياتي الكبير للمعركة الحاسمة على الضفاف الشرقية (لنهر الدنيبر) التي ستشكل الحصيلة الجيوسياسية الكاملة لهذا الصراع بتقسيم أوكرانيا إلى قسمين شرق نهر الدنيبر وقسم آخر إلى الغرب من نهر الدنيبر.
  • كل ذلك تؤشره الإنجازات العسكرية الروسية على المستوى العملياتي مثل تثبيت استقلال الانفصاليين الأوكران الذي هم من أصل روسي في جمهوريتي (دونيتسك و لوهانسك)، وكذلك تحقيق اتصال جغرافي بين الأراضي الروسية وشبه جزيرة القرم، على طول البحر الأسود وسواحل بحر أزوف.
  • والتقدم نحو تحقيق اتصال بري من شبه جزيرة القرم عبر أوديسا إلى ترانسنيستريا (إقليم ذو أغلبية روسية في جمهورية مولدوفا) شرق أوكرانيا، وهو هدف كبير للعملية الروسية (الحرب الروسية - الأوكرانية).
  • الحرب في أوكرانيا في بعدها الاستراتيجي:
  • لا شك أن البعد الاستراتيجي للحرب الروسية الأوكرانية يكمن في المتغير الجيوسياسي الذي سينجم عن النتائج التي ستنتهي إليها العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا.
  • وقبل ذلك سيدفع الغرب ولا سيما حلف الناتو والولايات المتحدة الأمريكية إلى إعادة النظر في تقييم القدرات العسكرية والإقتصادية الروسية التي تستهدف من وراء عملياتها في أوكرانيا النيل من المصلحة الجوهرية للولايات المتحدة وحلف الناتو في ضمان احتفاظ أوكرانيا بوجود عسكري قوي شرق (نهر الدنيبر).
  • في وقت يسعى فيه الغرب لتحقيق توازن بين التأثير على مسار هذه المعركة وتجنب التصعيد الخطير بعدها الأسلحة البيولوجية في النزاعات والحروب (أزمة أوكرانيا أنموذج).
  • وقد انعكس ذلك بوضوح في تردد (حلف الناتو) والولايات المتحدة في المشاركة المباشرة في الصراع داخل أوكرانيا، فقد رفض (حلف الناتو) فرض حظر طيران فوق أوكرانيا، لأن من شأن أي مشاركة عسكرية مباشرة في أوكرانيا المخاطرة بانتشار الصراع العسكري، بما في ذلك امتداده إلى صراع نووي محتمل.
  • بخاصة بعد قرار روسيا وضع قواتها النووية في حالة تأهب قصوى، الأمر الذي كان إشارة واضحة إلى الغرب بأن روسيا مستعدة لمزيد من التصعيد إذا ما كانت الولايات المتحدة أو حلفاؤها في (حلف الناتو) سيشاركون بشكل مباشر في الحرب في أوكرانيا.
  • البعد الاستراتيجي الآخر للحرب الروسية الأوكرانية تمثل بالضربة القوية التي تلقاها الإقتصاد العالمي، تمثلت بشكل سريع وواضح في تفاقم أزمة الطاقة، وتوسع أزمة الغذاء وانهيار سلاسل الإمداد ودخول العالم في موجة جديدة من التضخم.
  • في وقت عبرت مؤسسات دولية وخبراء من تداعيات الأزمة على الإقتصاديات العالمية.
  • حيث سيكون للصراع الجاري (تأثير جسيم) على الأسواق المالية العالمية، التي لم تتخط بعد التداعيات السلبية التي خلفاتها جائحة كورونا.
  • المؤشرات الإقتصادية العالمية:
  • إن تغير العديد من المؤشرات الإقتصادية العالمية دفع الأسواق العالمية إلى حالة متشكة وقللقة بشأن المستقبل، خصوصاً إذا ما طال أمد الحرب.
  • أن العواقب الإقتصادية للحرب ستكون كبيرة بالنسبة لروسيا وأوكرانيا.
  • ولكنها ستكون مختلفة لكل منطقة في العالم.
  • حيث سيؤدي ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء إلى زيادة التضخم في البلدان الناشئة بنسبة كبيرة وفي بعض البلدان التي تصارع حالياً مع التضخم، لا سيما في أوروبا الوسطى وأمريكا اللاتينية.
  • حيث تحاول البنوك المركزية محاربة التضخم عن طريق رفع أسعار الفائدة.
  • وفي البعد الاستراتيجي فأن روسيا إذا نجحت في تحقيق أهدافها في أوكرانيا ستستمر في توجيه التهديدات السياسية والعسكرية والإقتصادية إلى عمق أوروبا وخارجها.
  • وسيصل الأمر بمرور الوقت إلى استهلاك قدر أكبر من الموارد الغربية أكثر مما يتطلبه أي مستوى من الدعم لأوكرانيا في هذه اللحظة.
  • ويبدو أن الإتحاد الأوروبي غير قادر على اتخاذ موقف موحد حيال ما يجري، فالحل الأمثل لحل القضية الأوكرانية هو التوسط الفرنسي الألماني، برغم وجود صعوبات في إقناع السلطات الأوكرانية كي تغير من وجهة نظرها.
  • المختبرات البيولوجية والكيمياوية في أوكرانيا مصدر تصنيع فيروس (كوفيد 19) هو من أوكرانيا ومنها أرسل إلى مدينة (يوهان) الصينية بتزامن مع تركيز إعلامي على اتهام الصين أنها مصدر كورونا.
  • على ما يبدو أن الحرب مع أوكرانيا تسير كما تم التخطيط لها من الروس (بوتين) وبمساعدة الصين.
  • فالرئيس (بوتين) حالياً يفاوض الغرب (حلف الناتو) لا على إيقاف الحرب وإعادة أوكرانيا دولة مستقلة بل على إرجاع دول البلطيق (ليتوانيا ولاتفيا واستونيا) إلى السيطرة الروسية.
  • كذلك فإنه يفاوض على إخراج دول أوروبا الشرقية من (حلف الناتو / الشمال الأطلسي)، وإنهاء نفسه (حلف الناتو) كي لا يشكل خطورة على روسيا عسكرياً والصين إقتصادياً.
  • منهياً بذلك هيمنة الدولار والهيمنة الأمريكية كقوة إقتصادية وعسكرية عظمى.
  • اليوم روسيا تخوض حرب لم تؤثر على اقتصادها لارتفاع سعر النفط والغاز.
  • وإضافة إلى الأرتفاع المستمر في أسعار النفط والغاز التي يتوقع أن تصل (200) دولار لبرميل النفط الواحد، اللذان لا يمكن لأمريكا وأوروبا الاستغناء عنهما فأن الصين تدفع فاتورة الحرب يومياً.
  • أن مسألة السيطرة على العاصمة الأوكرانية (كييف) هي مسألة وقت ليس إلا.
  • أعتقد أن الحرب (الروسية - الأوكرانية) خطط لها من قبل روسيا والصين قبل 15 سنة على أقل تقدير، لإستعادة الهيبة الروسية ببرود سياسي وتخطيط عسكري وتثبيت الصين القوة الإقتصادية الأولى في العالم.

الدكتور عبدالعزيز المفتي