الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
امتياز سكة حديد بغداد (برلين–بغداد–البصرة)
من محاضرات «حركة مايس 1941» – 2012
أُعطي الامتياز النهائي لسكة حديد بغداد في 5 آذار 1903، ووقّعه من الجانب العثماني التركي ذهني باشا وزير الأشغال والتجارة باسم الحكومة العثمانية التركية، ومن جانب المصالح الألمانية الدكتور زاندر المدير العام لشركة سكة حديد الأناضول الألمانية.
ونصّ الامتياز على عدة مواد يمكن إجمال أهمها فيما يلي:
أعطى الامتياز شركة سكة حديد الأناضول الألمانية، التي كان مديرها الدكتور زاندر، الحق في تمديد خط الحديد من قونية إلى بغداد والبصرة عبر قونية والحميدية والعثمانية وتل حبوش ورأس العين ونصيبين والموصل وتكريت وبغداد وكربلاء والنجف والزبير (أو عبر أقرب نقطة إليها)، مع إقامة فروع للخط إلى عدة مناطق أهمها حلب وخانقين، ونقطة على الخليج العربي يُتّفق بشأنها فيما بعد بين الحكومة العثمانية التركية وأصحاب الامتياز، أي شركة سكة حديد الأناضول ومديرها الألماني الدكتور زاندر.
والملاحظ أن نص الامتياز لم يُشر صراحةً إلى اسم الموقع الذي تم الاتفاق عليه في الخليج العربي لتشييد فرع السكة إليه من الزبير، غير أن المعروف عموماً أن الكويت كانت هي النقطة المقترحة لتكون نهاية سكة حديد بغداد.
حُدّدت مدة الامتياز بتسعة وتسعين عاماً، واعتُبرت تلك المدة نافذة كذلك بالنسبة إلى خط سكة حديد أنقرة–قونية الذي انتهى العمل فيه قبل ذلك التاريخ بعدة سنوات.
تعهدت الحكومة العثمانية التركية بتقديم الأراضي الضرورية لمدّ السكة الحديدية إلى الشركة الألمانية من دون أن تدفع الأخيرة ثمناً لها، كما وافقت على تخصيص الأراضي الكافية لإنشاء الأبنية والمستلزمات الخاصة بالشركة وبالعمل على طول السكة الحديدية من دون مقابل، إلى جانب موافقتها على إعفاء ما تحتاجه الشركة (شركة سكة حديد الأناضول) من مواد الإنشاء والتعمير الخاصة بالسكة من الضرائب الكمركية.
التزمت المصالح الألمانية الحاصلة على الامتياز بالاشتراك مع المصالح المالية العثمانية في إنشاء شركة تدعى «شركة الإمبراطورية العثمانية لسكة حديد بغداد» (The Imperial Ottoman Baghdad Railway)، لكي تحلّ محلّ شركة سكة حديد الأناضول في القيام بكل الأعمال المتعلقة بمدّ السكة الجديدة من قونية حتى الخليج العربي.
كما تعهدت شركة سكة حديد بغداد بعدم التنازل عن خط السكة الحديدية الجديد أو فروعه أو بيعه أو تحويله إلى أي شركة أخرى.
حاولت الحكومة العثمانية التركية إخضاع شؤون النقل الحربي عن طريق السكة لرقابتها، فقد نص الامتياز على وجوب إخضاع نقل الضباط والقطعات والمعدات الحربية، في حالتي الحرب والسلم، لرقابة الحكومة العثمانية التركية.
احتفظت الحكومة العثمانية التركية لنفسها بالحق في سحب الامتياز من الشركة في أي وقت تشاء مقابل دفع تعويض عن المدة الباقية من الامتياز، كما وافقت الحكومة العثمانية على التعهد بدفع قسم من مصاريف إنشاء السكة، وعلى دفع ضمان كيلومتري عن كل كيلومتر من الخط.
أُعطيت الشركة الحق في استغلال كل المناجم التي يُعثر عليها لمسافة عشرين كيلومتراً على جانبي الخط، وهذا الأمر، كما هو واضح، لا يخلو من فائدة وأهمية بالنسبة إلى المصالح الألمانية.
أُعطيت الشركة الحق في بناء ثلاثة موانئ على نفقتها الخاصة في كل من بغداد والبصرة والزبير، مع القيام بكل الإنشاءات الخاصة بأعمال التفريغ والشحن في تلك الموانئ، ومُنحت الشركة مهلة مقدارها ثماني سنوات لدراسة الفوائد التي يمكن جبايتها من بناء تلك الموانئ واستغلالها.
التزمت الحكومة التركية بأن تبني على نفقتها الخاصة كل المراكز والمواقع الحربية على الخط الرئيسي أو فروعه، وفي كل الأماكن التي ترى أن القيام بمثل هذه الإنشاءات فيها أمر ضروري.
أُعطيت الشركة الحق في التنقيب عن المواد الأثرية التي يُعثر عليها أثناء أعمالها، من دون الحاجة إلى الحصول على رخصة مسبقة من الحكومة العثمانية في هذا الصدد، على أن تُجرى محادثات بين الشركة والحكومة العثمانية لتقرير مصير الآثار التي يُعثر عليها.
أشار الامتياز إلى أن القانون والمحاكم العثمانية التركية هي التي تبتّ في قضايا الخلافات التي تنشأ بين الشركة والحكومة العثمانية، وبين الشركة والأشخاص العاديين، في الأمور الخاصة بتنفيذ الامتياز وتفسير المواد الواردة فيه.
سكة حديد برلين–بغداد–الكويت
طلب السير فرانك لاسيليس (Sir Frank Lascelles) سفير بريطانيا في برلين من الهر بيلو وزير الخارجية الألماني أن يُخبر الحكومة البريطانية بالموعد الذي حدده الألمان لتمديد خط سكة حديد بغداد نحو وادي الرافدين والكويت، حتى لا يحدث سوء تفاهم بين الطرفين حول الموضوع، وأضاف السفير البريطاني لاسيليس قائلاً إن بريطانيا ليس لديها سوى العطف نحو مشروع سكة حديد بغداد.
غير أن ألمانيا تجاهلت مجدداً هذه البادرة البريطانية، ولم تُظهر الحكومة الألمانية أي خطوات إيجابية نحو التفاهم الفعلي مع بريطانيا في هذا الصدد. وهذه إحدى هفوات الدبلوماسية الألمانية التي لولاها لتحقق مشروع سكة حديد بغداد ضمن نطاق التفاهم الألماني–البريطاني قبل نشوب الحرب العالمية الأولى بعدة سنوات.
جاء موقف بريطانيا الأخير متناسقاً مع السياسة البريطانية العامة الخاصة بالهند والخليج العربي، فقد كانت تلك المنطقة تشكّل جزءاً حيوياً من المصالح البريطانية في العالم، ولم يكن بوسع بريطانيا أن تؤيد تأييداً أعمى أي مشروع من شأنه زعزعة الوجود البريطاني هناك، أو إيجاد مزاحمة لذلك الوجود على أقل تقدير. ولهذا كانت تسعى إلى الحصول على مقابل لتأييدها، وقد ضيّعت ألمانيا فرصة إعطائها هذا المقابل، إذ لم تقم بخطوات عملية فعلية بالرغم من تصريحات المجاملة الإيجابية التي أطلقتها بهذا الخصوص.
قدّم سفير بريطانيا في القسطنطينية المستر أوكونر مذكرة إلى لانسدون (Lansdowne) وزير الخارجية البريطاني يشرح فيها الموقف قائلاً:
“I believe it will be very difficult, standing alone as we probably should, to oppose or to question the right of the Turkish Government to apply the tax.”
وأكد المستر أوكونر في مذكرته حق الحكومة العثمانية التركية في رفع نسبة الضرائب الكمركية في تركيا العثمانية لمجابهة المصروفات العثمانية التركية المتوقعة لسدّ نفقات مساهمتها في سكة حديد بغداد.
وأضاف المستر أوكونر في المذكرة نفسها قوله:
“It is unpleasant to contemplate the construction of a railway traversing the Persian Gulf in which Great Britain takes no part or share.”
واقترح المستر أوكونر في النهاية أن تُشكَّل لجنة خاصة لدراسة الموضوع، ولمّح إلى إمكانية إرغام ألمانيا على قبول المساهمة البريطانية.
وهكذا بدأت الأوساط البريطانية تُظهر شيئاً فشيئاً المزيد من التحفظات إزاء المشروع الألماني، بالرغم من أنها لم تتقدم بمشروع منافس له. ولقد عجّل توقيع امتياز سكة حديد بغداد بالأحرف الأولى في أول كانون الثاني 1902 في إسراع الحكومة البريطانية إلى إظهار مزيد من التحفظات والرغبة في المساهمة في مشروع السكة الحديدية.
وبالرغم من كل شيء، فإن وجهة النظر الرسمية البريطانية حيال السكة الحديدية في بداية القرن العشرين كانت منصرفة إلى قبول الاشتراك مع ألمانيا في بنائها. وكان وزير الخارجية البريطاني لانسدون متحمساً للموضوع أكثر بكثير مما أظهره في الكلمات المتحفظة التي أرسلها في 18 نيسان 1902م إلى الهر مترنيخ (Metternich) سفير ألمانيا في لندن، والتي ذكر فيها أنه ينظر إلى مشروع سكة حديد بغداد بعين الصداقة إذا ما استمر العمل فيه بعد الحصول على تأييد بريطانيا له، وإذا ما كان عنصر حسن النية متوفراً فيه. كما أخبره في المذكرة نفسها بأن بريطانيا تتوقع الحصول على نصيب من المشروع يعادل على الأقل نصيب أي دولة أخرى فيه، على أن تؤخذ بنظر الاعتبار كذلك طريقة توزيع رأس المال وطريقة الإدارة وتجهيز رأس المال. وردّ السفير الألماني في لندن الهر مترنيخ على تلك المذكرة قائلاً إن المجال، على حد علمه، لا يزال مفتوحاً أمام بريطانيا للدخول في مفاوضات مع ألمانيا لغرض عقد اتفاقية حول الموضوع.
وهكذا ازداد تحفظ الأوساط الرسمية البريطانية صلابة، وأخذت تلك الأوساط تطالب في الوقت نفسه بنصيب من السكة الحديدية، مغيّرةً بذلك موقفها الأول الذي كانت تؤيد فيه المشاريع الألمانية من دون أن تبدي تحفظاً يُذكر بشأنها، أو أن تطالب بنصيب جدي فيها.
ولعل تفسير هذا التغير في السياسة البريطانية يكمن بالدرجة الأولى في الموقف الخاص بالكويت، إذ سبّب الموقف العام هناك في تلك الفترة مشاكل عديدة لبريطانيا.
فقد حاولت تركيا العثمانية في تلك الفترة بالذات أن تبسط نفوذها الفعلي على الكويت التي كانت تابعة للسيطرة العثمانية من الناحية الرسمية على الأقل. فبعد أن تجاهلت تركيا العثمانية تلك الأراضي القاحلة من إمبراطوريتها الواسعة لفترة طويلة من الزمن، عادت فأظهرت على حين غِرّة اهتماماً جدياً بها، وذاعت الإشاعات القائلة بأن في نية الحكومة العثمانية التركية إرسال باخرة حربية إلى ميناء الكويت لإرغام الشيخ مبارك على الخضوع لسيطرتها بصورة عملية. وقد سبّب ذلك قلقاً لدى الأوساط البريطانية المعنية، حيث دار الحديث حول احتمال إرسال قوات بريطانية إلى تلك الإمارة العثمانية لحمايتها من محاولات السيطرة التي كانت العاصمة العثمانية تحاول فرضها عليها.
ولم تكن ألمانيا طرفاً مباشراً في النزاع حول قضية الكويت، وكان موقفها موقف المحايد حيال النزاع البريطاني–العثماني التركي. وكان اتجاه سياستها العامة في منطقة الخليج العربي، بالرغم من إظهارها نوعاً من الاهتمام بالكويت، يسير نحو محاولة الاحتفاظ بالأوضاع القائمة (Status Quo) في المنطقة.
على أن أزمة الكويت لم تؤدِّ إلى حدوث اصطدام مسلح أو استخدام للقوة من قبل بريطانيا وتركيا العثمانية، وأعلنت بريطانيا أنها تعتبر شيخ الكويت مبارك الصباح، بالرغم من الحماية البريطانية على إمارته، شبه مستقل في شؤونه.
ويمكن الاستفادة من تلك الأزمة لمعرفة مدى التطرف الذي يمكن لبريطانيا إظهاره في محاولة الاحتفاظ بما كانت تدعوه بمصالحها الحيوية في المنطقة، حتى وإن كانت هذه المصالح نتيجة من نتائج القرصنة والغزو.
لم تثمر المفاوضات بين ألمانيا وبريطانيا آنذاك عن أي نتيجة بشأن التفاهم حول مشروع سكة حديد بغداد، وأعقب منحَ الامتياز النهائي للشركة الألمانية ضجةٌ كبرى في بريطانيا، كانت نتيجتها عرقلة سبيل التفاهم الألماني–البريطاني حول الموضوع لفترة من الزمن. وأصبح الرأي العام البريطاني بين عشية وضحاها متخوفاً مما سُمّي بالسياسة الألمانية الرامية إلى التوسع نحو الشرق، والتي عُرفت باسم (Drang nach Osten)، وتصاعدت صيحات الخطر من كل صوب في بريطانيا. ويقال إن روسيا ساعدت مادياً على إثارة هذه الضجة في بريطانيا، غير أنه لم يُعثر حتى الوقت الحاضر على أي دليل يشير إلى صحة هذا الرأي.
ولم تحاول الدبلوماسية البريطانية أن ترجع إلى سياستها السابقة في محاولة التفاهم مع ألمانيا. فاللورد لانسدون وزير الخارجية البريطاني مثلاً، الذي كان في قرارة نفسه ميالاً إلى التفاهم مع ألمانيا، أظهر عكس مشاعره الحقيقية حيال السكة عندما أخبر الهر كيفنر (Gwinner) مدير سكة حديد الأناضول بأن بريطانيا تعارض المشروع بكل شدة، قائلاً للهر كيفنر:
“Until now England alone had the shortest road to India in her hands; with the building of the Baghdad Railway this will no longer be the case.”
وعلاوة على هذا التصريح، أخبر لانسدون سفير ألمانيا في لندن بأن بريطانيا، بالاستعانة بروسيا، بوسعهما بكل تأكيد إيقاف العمل في بناء السكة.
وهكذا انتهت مرحلة المفاوضات الألمانية–البريطانية الأولى، وظهرت القطيعة بين الطرفين، وانصرفت المصالح المالية الألمانية إلى البحث عن المساعدة من مصادر أخرى غير بريطانية.
كانت الدولة العثمانية بحاجة إلى المعونة المادية والمعنوية بعد أن تكالبت عليها روسيا وبريطانيا وفرنسا من كل جانب، ووجدت في ألمانيا الدولة التي يمكنها أن تمدّ لها يد العون والصداقة. فقد كانت تركيا العثمانية تطمع في الحصول على المعونة الألمانية لمناصرتها ضد غزو روسي محتمل في منطقة المضائق والبحر الأسود، وكانت تطمع في تلك الصداقة لصدّ غزو فرنسي محتمل للشواطئ السورية يكون الهدف منه احتلال تلك المنطقة، وكانت تريد تلك المعونة من ألمانيا لمقاومة اعتداء بريطاني محتمل على وادي الرافدين، خصوصاً بعد أن أظهرت بريطانيا رغبتها الأكيدة في استعمال القوة في المنطقة أثناء أزمة الكويت، عندما هددت باستعمال السلاح البريطاني لحماية شيخ الكويت مبارك الصباح من محاولات السيطرة التي حاولت القسطنطينية (الدولة العثمانية) فرضها عليه.
وبالإضافة إلى كل تلك العوامل والأسباب السياسية التي دفعت تركيا العثمانية إلى الاتجاه نحو ألمانيا، كانت تركيا العثمانية بحاجة ماسّة إلى رؤوس الأموال الألمانية للمساهمة في تطوير الإمبراطورية العثمانية، وللحصول على أكبر قدر من المال لقاء منحها امتياز سكة حديد بغداد للمصالح المالية الألمانية. ولهذه النقطة الأخيرة أهميتها، ذلك لأن الاتفاق المالي النهائي بشأن السكة بين تركيا وألمانيا لم يُتوصّل إليه أبداً، واندلعت نيران الحرب العالمية الأولى والقضية لا تزال موضع أخذ وردّ بين الطرفين.
ويمكن إجمال الموقف الألماني آنذاك في أن ألمانيا، بعد أن تحولت سياستها حيال الشرق عقب انتهاء عهد بسمارك رئيس وزراء ألمانيا السابق، أخذت تشجع توظيف رؤوس أموالها في المنطقة. وتولّدت فكرة تمويل مشروع سكة حديد بغداد لدى المصالح المالية الألمانية بمرور الزمن، وما إن استقرت تلك الفكرة لدى أصحاب رؤوس الأموال حتى أخذت تترعرع بسرعة كبيرة، حتى أصبحت في النهاية عموداً من أعمدة السياسة الاقتصادية والعامة لألمانيا في الشرق، وعموداً من أعمدة سياستها الأوروبية العامة كذلك، واستقر عزم الألمان على الوصول بخط السكة الحديدية المقترح حتى الخليج العربي.
لقد حاولت المصالح الألمانية جاهدةً الحصول على مشاركة غيرها من المصالح المالية الأوروبية في المشروع، وأعلنت عن ذلك أكثر من مرة، غير أنها لم تكن مستعدة للتنازل عن المركز الرئيسي الذي كانت تحتله في المشروع لأي دولة أوروبية أخرى. وخير دليل على صحة هذا الرأي ما جاء في تصريح للهر بيلو وزير الخارجية الألماني في 9 آذار 1902، أظهر فيه إصرار حكومته على عدم قبول التنازل عن مقعد الرئاسة في المشروع، قائلاً:
“It is a fundamental policy of mine for Germany that we pursue no active policy in the Orient, and we draw the chestnuts from the fire for no one.”
ولم تكن الخطوة التي أعقبت هذا الصراع الدبلوماسي بين الدول الأوروبية الكبرى سوى حصول ألمانيا على الامتياز النهائي لسكة حديد بغداد.