الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

تشكيل وزارة جميل المدفعي الخامسة يوم 3 حزيران 1941م

من محاضرات «حركة مايس 1941» – 2012

بدأت السفارة البريطانية، حال استتباب أمور الأمن الداخلي، بتحرك واسع لاستعادة نفوذها وتركيز سيطرتها، ومن ناحية أخرى أخذت توجّه الوصي عبد الإله والساسة العراقيين المؤيدين لها لتحقيق الأهداف البريطانية. وكانت الخطوة الأولى اختيار رئيس وزراء جديد يوافق على تحقيق المصالح البريطانية، ويكون في الوقت نفسه مقبولاً لدى عامة أبناء الشعب (1).

عُهد إلى جميل المدفعي، بعد عودته مع الوصي عبد الإله إلى بغداد، بتشكيل الوزارة الجديدة، لكنه رفض في بادئ الأمر، إلا أن إلحاح أصدقائه، ومنهم السفير البريطاني كورنواليس، أدى به إلى الموافقة، على أساس أن تحمّله المسؤولية في تلك المدة واجب وطني. فصدرت الإرادة الملكية بتكليف جميل المدفعي بتشكيل الوزارة في الثالث من حزيران 1941م (2).

لم تُجرَ حفلة الاستيزار التقليدية للوزارة بسبب منع التجول في بغداد وأطرافها، فاستعان رئيس الوزراء جميل المدفعي بمحطة الإذاعة اللاسلكية في إعلان تأليفه الوزارة، فأُذيع البيان الآتي:

«إلى الشعب العراقي الكريم: نظراً لما يحتّمه الواجب في هذه الظروف الدقيقة التي تجتازها البلاد، وبناءً على ضرورة صيانة استقلالها، واتخاذ جميع التدابير الضرورية الصارمة لاستتباب الأمن وإعادة الطمأنينة، وتمتّع البلاد بحياتها الدستورية، اضطلعتُ، بعد الاتكال على الله وعلى مؤازرة المخلصين من أبناء البلاد، بأعباء المسؤولية. لذلك أرجو من الجميع الاعتصام بالهدوء، آملاً منهم أن يقدّروا هذه الظروف الدقيقة، وسوف لا يحصل أي تردد في الضرب على أيدي المفسدين وكل من تسوّل له نفسه تعكير صفو الأمن والراحة، والله ولي التوفيق» (3).

وقام جميل المدفعي بالإجراءات التالية:

  1. في اليوم الذي تألفت فيه وزارة جميل المدفعي، وصل فصيل بريطاني بكامل أسلحته على متن طائرة نقل بريطانية إلى مطار بغداد لحماية السفارة البريطانية في بغداد، خوفاً من أعمال العنف التي يُحتمل أن يقوم بها الشعب العراقي، ومن دون الاعتماد على الحماية العراقية (4).

  2. قررت وزارة جميل المدفعي إعلان الأحكام العرفية في مركز لواء (محافظة) بغداد وفي المناطق المجاورة له، فصدرت لذلك إرادتان ملكيتان هما (255) و(259). واستمرت تلك الأحكام العرفية من يوم تشكيل وزارة جميل المدفعي في الثالث من حزيران 1941م حتى شهر آذار عام 1946م، حين ألغتها وزارة توفيق السويدي الثانية (5).

  3. عُيّن عبد الحميد عبد المجيد صرصر متصرفاً (محافظاً) لبغداد، فسارعت السلطات المسؤولة إلى اعتقال المشتبه في سلوكهم السياسي، والمتهمين بحوادث السلب والنهب والفوضى وإقلاق الراحة العامة، والذين يجاهرون بانتقاد الواقع الجديد أو يعلنون تأييدهم للوضع السابق، حتى تجاوز عدد الموقوفين عشرين ألفاً. ولعدم كفاية السجون والمواقف لهذا العدد الضخم حُشروا في المساجد والجوامع ومراكز الشرطة ونحوها (6).

  4. كان الجيش البريطاني الزاحف من الشمال ومن الغرب قد بلغ أبواب بغداد يوم تشكيل هذه الوزارة، فاتخذ الجيش البريطاني مدينة بغداد قاعدةً حربية يموّن منها ساحات القتال في الجبهات كافة. ودخل بغداد في غضون شهر حزيران 1941 نحو مائة ألف جندي بريطاني، عسكروا في جانبها الغربي (الكرخ)، واحتل ضباطهم الدور الحديثة المجاورة لمعسكراتهم، إضافة إلى نحو ستين ألف عراقي عملوا في خدمة قوات الاحتلال البريطاني.

  5. فتحت وزارة جميل المدفعي الخامسة طرق مواصلات العراق لخدمة أغراض بريطانيا، مما ساعد القوات البريطانية على احتلال سوريا.

أما الخطوة الثانية التي قامت بها وزارة جميل المدفعي فكانت تنظيم العلاقة بين الحكومة العراقية والسلطات البريطانية في بغداد. ففي الرابع من حزيران 1941م بعثت السفارة البريطانية بمذكرة إلى حكومة جميل المدفعي، أوضحت فيها الخطر الذي يهدد العراق بعد أن أرسلت الحكومة الألمانية قواتها الجوية إلى سوريا، وعبّرت عن رغبتها في تنفيذ بنود المعاهدة العراقية–البريطانية لعام 1930م، وأشارت إلى أن الجنرال ويفل، قائد القوات البريطانية في الشرق الأوسط، كان قد طلب من السفير البريطاني في بغداد كورنواليس في الثالث من حزيران 1941م تقريراً عن الوضع في العراق، وطلب اتخاذ الإجراءات الآتية (7):

  1. اتخاذ الإجراءات الضرورية المشتركة للدفاع.

  2. أن يكون لبريطانيا مطلق الحرية خلال الحرب في أن تضع قواتها البرية والجوية في أي نقطة أو مركز في العراق حيثما تجد ذلك ضرورياً للدفاع المشترك.

  3. أن تتخذ الحكومة العراقية خلال الحرب التدابير الفعالة لمراقبة الأجانب، وأن تقيم رقابة (سانسور) على المخابرات.

  4. أن تمارس الحكومة البريطانية خلال الحرب، بالتعاون مع السلطات العراقية، سيطرة (مراقبة) عسكرية تامة على ميناء البصرة ومناطق القاعدة العسكرية البريطانية وشط العرب والنقاط المؤدية إليه.

وأجابت الحكومة العراقية عن مذكرة السفارة البريطانية في الخامس من حزيران بما يأتي (8):

  1. توافق الحكومة العراقية، خلال مدة الحرب العالمية الثانية ولمقتضياتها فقط، على أن تضع الحكومة البريطانية قواتها البرية والجوية في الأماكن التي تقتضيها ضرورات الدفاع عن العراق، مع مراعاة إشعار الحكومة العراقية قبل وقت كافٍ، ومراعاة الملاحظات التي تبديها الحكومة العراقية لضرورات الإدارة المحلية.

  2. توافق الحكومة العراقية على وضع الرقابة على الاتصالات اللاسلكية والسلكية، ويمكن للحكومة البريطانية ضمان ذلك بتعيين موظف بريطاني من بين الموظفين في خدمة الحكومة العراقية في الدائرة التي ستُقام لهذا الغرض.

  3. توافق الحكومة العراقية على أن تمارس السلطات العسكرية البريطانية ما يقتضيه التعاون من المراقبة على القاعدة في البصرة، لتسهيل ورود القوات البريطانية إلى البصرة وضمان سلامته.

كان جميل المدفعي على أتمّ الاستعداد لتحقيق رغبات بريطانيا، وتقديم جميع التسهيلات لخدمة المجهود الحربي للحلفاء. وفي بداية عمله كتب السفير البريطاني كورنواليس في تقرير له إلى حكومته: «لقد انسجمت الحكومة العراقية الجديدة بكل سهولة مع طموح ورغبات حكومة صاحب الجلالة [البريطانية]، فقد وافقت على فرض مرابطة القوات البريطانية في أي جزء من أجزاء العراق ولطول مدة الحرب، كما وافقت على فرض الرقابة على [المنشورات والصحف]، وعلى مشاركة بريطانيا العسكرية في إدارة البصرة، وكذلك على طرد المفوضية الإيطالية» (9).

ويجد الباحث أن موافقة الحكومة العراقية على طلبات السفارة البريطانية، ومنها السماح بدخول القوات البريطانية إلى الأراضي العراقية، هي «موافقة صورية»، لأن القوات البريطانية كانت قد احتلت العراق بموجب الخطة العسكرية المقررة، ووضعت وسائل النقل البرية والنهرية والموانئ والسكك الحديدية كافة تحت تصرفها. وقطعت حكومة جميل المدفعي العلاقات الدبلوماسية مع إيطاليا يوم التاسع من حزيران 1941م (10)، وبدأت بتطهير دوائر الدولة من العناصر التي ساندت رشيد عالي الكيلاني، وألغت عقود أكثر من مائة مدرس سوري وفلسطيني، ومنعت الاستماع إلى إذاعات المحور، وأجرت تغييرات في سلك الشرطة والسلك الدبلوماسي (11). كما أصدرت وزارة جميل المدفعي أحد عشر مرسوماً، من بينها مرسوم الإدارة العرفية العسكرية الذي أجازت فيه الحكم الغيابي.

وعلى الرغم من الإجراءات العديدة الصارمة التي اتخذتها وزارة جميل المدفعي لإعادة الأمن في البلاد، فإن الوضع لم يعد إلى حالته الطبيعية إلا بعد مدة طويلة. وجاء في تقرير خاص للشرطة عن حالة الأمن في البلاد «أن الرأي العام يرى أن تدخل الإنكليز في سياسة العراق قد ازداد، وذلك بحكم كونهم المنتصرين، والدليل على هذا التدخل قطع العلاقات مع إيطاليا، وإبعاد الفلسطينيين، والحركات العسكرية البريطانية في الموصل، والاستحكامات التي أقاموها في مختلف جهات العراق وفي أطراف بغداد»، وبات استقلال العراق في مهب الريح (12).

أما الخطوة الثالثة، فقد طالب البريطانيون بحل الجيش العراقي، واعتقال جميع من ساهم أو شارك أو تعاطف مع حركة مايس 1941م (13)، أي حركة رشيد عالي الكيلاني، وأسمت السفارة البريطانية هؤلاء «الرتل الخامس»، وطلبت إبعادهم عن الساحة السياسية، وكانت الفوضى (14) التي حصلت في 1 و2 حزيران 1941م، برأي السفارة البريطانية، مدبّرة من هذه الفئة (15). ولم يتجاوب جميل المدفعي، المعروف بعناده، مع اتجاه حل الجيش، فكتب السفير البريطاني كورنواليس تقريراً حول الموضوع يقول فيه: «… ويعامل جميل المدفعي [أحداث مايس 1941] وكأنها فصل آخر من فصول مسرحية مؤسفة، فيدعو إلى إسدال الستار عليها بدافع من الكرم والشهامة [روح الإحسان]، فالموظفون الحكوميون تقاعسوا [في متابعتهم]، ونتيجة لذلك تشجعت دعاية قوية ضد البريطانيين ونمت بقوة وبحجم كبير. إن استرخاء جميل المدفعي هذا قد أدى إلى إعادة حجم [دعاية ومكائد النازية] خلال الصيف [وخاصة في المدن]». ويضيف التقرير: «… فإنه حدّ من تدخل السفارة البريطانية العلني في أمور العراق الداخلية، واستمر في عدم الاستجابة الكاملة لتعليمات السفارة البريطانية وتوصياتها بضرورة تشديد القبضة على جميع العناصر المناوئة لبريطانيا، وتطهير الجيش والحكومة منهم، واعتقال العناصر النشيطة التي كانت تقلق بال السفارة البريطانية …» (16).

انقسمت وزارة جميل المدفعي على نفسها حول قضية استعمال القوة في تطهير البلد من العناصر المتعاونة مع رشيد عالي الكيلاني، وكان المدفعي لا يؤيد فكرة إنشاء المعتقلات، معتقداً أن البلاط يتدخل في شؤون الحكومة من دون أن يأخذ على عاتقه أي مسؤولية (17). وذهبت السلطات العسكرية البريطانية إلى وصف أداء حكومة جميل المدفعي بأنه أفاد العناصر المشاغبة، وشجّعت العناصر المتطرفة داخل الوزارة، ومنهم وزير المالية إبراهيم كمال الذي يؤمن بالشدة واتخاذ الإجراءات الضرورية لتوطيد الأمن في البلاد (18). فقدّم جميل المدفعي استقالته من الوزارة في الثاني من أيلول 1941م، ووجدها الوصي عبد الإله فرصة مواتية للسيطرة القوية على الدولة، فاستقال جميل المدفعي في الحادي والعشرين من أيلول 1941 (19)، وقبل الوصي استقالته في السابع من تشرين الأول 1941م.

تفكير العقداء الأربعة في تشكيل حكومة في المنفى

بعد أن وصل القادة العسكريون والسياسيون العراقيون إلى طهران، تداول بعضهم في ضرورة كسب اعتراف حكومة الاتحاد السوفيتي بحكومة رشيد عالي الكيلاني في المنفى، ومدّها بالسلاح والعتاد لتمكينها من مواصلة الكفاح ضد الاستعمار البريطاني (20). وتقرر أن يقوم بتلك المهمة قاسم حسن، سفير العراق في جيكوسلوفاكيا، ويونس السبعاوي، فذهبا إلى السفارة السوفيتية في طهران. وبعد اجتماعين مطوّلين طلبت الحكومة السوفيتية من الوطنيين العراقيين الانتقال من طهران إلى زنجان (21) في شمال إيران ليكونوا في أمان أكثر (22). وغادر قاسم حسن طهران إلى موسكو في الحادي عشر من حزيران 1941م، وأجرى محادثات مهمة مع القادة السوفيت، فيما نشرت جريدة «البرافدا» الناطقة باسم الحزب الشيوعي الحاكم في الثامن عشر من حزيران 1941 كلمة أشادت فيها بالحركة التي قامت في العراق في شهر مايس 1941م. وقد هاجم الألمان الاتحاد السوفيتي بعد أيام قلائل من وصول قاسم حسن إلى موسكو، فتغيرت العلاقات السياسية بين الدول الكبرى، وتحالف الحلفاء مع الاتحاد السوفيتي ضد دول المحور، وقصفت طائراتهم مخابئ السلاح الألماني قرب زنجان، مما اضطر العراقيين النازحين إلى مغادرتها والعودة إلى طهران، حتى اعتقلتهم السلطات البريطانية في أيلول 1941م (23).

انعكاس ثورة مايس 1941 العراقية على الدول العربية

خاطب وزير الخارجية البريطاني إيدن مجلس العموم البريطاني في التاسع والعشرين من أيار 1941م قائلاً إن حكومته تؤيد كل مشروع لتحقيق الوحدة العربية على أن يكون مصدره العرب أنفسهم (24). وهكذا أرادت لندن أن تُظهر حسن نواياها للعرب، في الوقت الذي كان فيه كلٌّ من الشعبين السوري والمصري على استعداد للقيام بثورات مماثلة لثورة العراق (25). ولم تكن الدعوة البريطانية أكثر من وسيلة لتعزيز روابطها الثقافية والاقتصادية مع البلاد العربية (26). وعقد نوري السعيد، رئيس وزراء العراق، اجتماعاً مع نظيره المصري مصطفى النحاس باشا في القاهرة خلال شهر تموز 1943م لتقييم إعلان لندن. وفي الثاني عشر من تموز 1943م دعا مصطفى النحاس باشا رئيس وزراء مصر رؤساء الدول العربية: العراق وشرق الأردن واليمن والسعودية وسوريا ولبنان، إلى عقد لقاء في الإسكندرية لمناقشة أوضاع البلاد العربية وسبل توثيق التعاون فيما بينها، وهو ما تمخّض عنه «بروتوكول الإسكندرية»، الذي كانت خطوطه الرئيسية تمثل ميثاق جامعة الدول العربية الذي وُقّع في 22 آذار 1945م.

1. سوريا ولبنان

بعد احتلال ألمانيا فرنسا خلال الحرب العالمية الثانية، وقّعت فرنسا هدنة مع ألمانيا في الثاني والعشرين من حزيران 1940م، وبموجب ذلك أصبحت سوريا ولبنان تابعتين لحكومة فيشي الفرنسية، وبات ما تخشاه بريطانيا هو احتمال وصول الألمان إلى منطقة الشرق الأوسط، خاصة بعد قيام ثورة رشيد عالي الكيلاني في العراق في مايس 1941 (27). ووعدت حكومة فرنسا الحرة المعادية لحكومة فيشي، ومعها بريطانيا، الشعبين السوري واللبناني بالاستقلال، بهدف كسب تأييدهما لطرد قوات فيشي. ثم توترت العلاقات بين الشعبين السوري واللبناني وفرنسا المحرَّرة برئاسة الجنرال ديغول بسبب سعيهما إلى الحصول على الاستقلال، وأدى ذلك إلى صراع دامٍ بين السوريين والقوات الفرنسية، استخدمت فيه الأخيرة القنابل لضرب دمشق في 29 أيار 1945م (28). وتدخّل ونستون تشرشل رئيس وزراء بريطانيا لحمل الجنرال ديغول على إيقاف مسلسل تدهور الموقف الأمني وتأثيره في المجهود الحربي للحلفاء. وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية تم جلاء الجيوش البريطانية عن سوريا في 30 حزيران 1946م، والجيوش الفرنسية في 31 آب 1946، وعن لبنان في 31 كانون الأول 1946م.

2. مصر

حاولت حكومة مصر التفاوض مع الإنكليز لتعديل المعاهدة البريطانية–المصرية لعام 1936 المكبِّلة لمصر، كما هو شأن العراق في المعاهدة البريطانية–العراقية في 30 حزيران 1930م، وهو ما أدى إلى قيام مظاهرات صاخبة ضد الوجود البريطاني في مصر (29). ورأى النقراشي باشا، الذي ترأس الوزارة المصرية بعد مقتل سلفه أحمد ماهر (30)، أن عليه إجراء مفاوضات مع بريطانيا للاعتراف بوحدة وادي النيل (مصر والسودان)، وهو ما أجبر وزير الخارجية البريطاني بيفن في السادس من آب 1945م على قبول تعديل المعاهدة البريطانية–المصرية لعام 1936م. إلا أن المماطلة البريطانية استمرت في عهد رئيس الوزراء المصري صدقي باشا، وكان كل ما حصلت عليه مصر هو تسليم قلعة القاهرة إلى السلطات المصرية في الرابع من تموز 1946م (31). وانتهى الأمر بمصر إلى تقديم شكوى إلى مجلس الأمن في الحادي عشر من تموز 1947م، بعد أن رفضت من جانبها معاهدة 1936م، غير أن مجلس الأمن لم يصدر قراراً في هذه القضية. وكانت نهاية الاحتلال البريطاني لمصر بثورتها عام 1952م، كما هو الحال مع ثورة 14 تموز 1958 في العراق.

3. الأردن

كانت علاقة الأردن ببريطانيا أفضل بكثير من علاقات مصر والعراق ببريطانيا، التي كبّلت سياسة الدولتين بمعاهدات سيئة الصيت.

جهّزت بريطانيا الأردن بأحدث الأسلحة أيام حكم الأمير عبد الله بن الشريف الحسين، كما أرسلت إلى الأردن بعثة تدريبية كان على رأسها غلوب باشا (32)، الذي استمر في عمله حتى أصبح رئيساً لأركان الجيش الأردني، قبل أن يطرده الملك الأردني حسين من منصبه في الخمسينات (33). ووقّع الأردن معاهدة مع بريطانيا في الثاني والعشرين من آذار 1946م حُدّد أمدها بخمسة وعشرين عاماً (34).

ولعل من بين الملاحق التي كتبها المشتركون في بروتوكول الإسكندرية ما تعلق بقضية فلسطين، إذ طالبت الدول العربية بريطانيا بتنفيذ وعودها فيما يتعلق بالهجرة اليهودية وإيقاف بيع الأراضي لليهود، وبأن تنال فلسطين استقلالها، إلا أن رفع الظلم عن يهود أوروبا قاد بريطانيا إلى ارتكاب ظلم آخر كان ضحاياه عرب فلسطين (35).

المصادر

  1. أوصت السفارة البريطانية باختيار شخصية «محايدة» لا تخلق حساسية سلبية لدى أبناء الشعب العراقي، فتم التركيز على جميل المدفعي لتشكيل الوزارة. أما الوصي عبد الإله فقد شعر منذ اليوم الأول لعودته إلى العراق بأن للبريطانيين فضلاً عليه، ولهذا أخذ يعمل منذ اللحظات الأولى لوصوله على تحقيق رغبات البريطانيين بصورة عاجلة، كما أن استمرار حوادث النهب والسلب في 2 حزيران دفع الوصي عبد الإله إلى الإسراع في تشكيل الوزارة. انظر: مظفر عبد الله أمين، السيطرة البريطانية على أوضاع العراق بعد فشل حركة مايس 1941، المصدر السابق، ص 19–20.

  2. جعفر عباس حميدي، التطورات السياسية في العراق 1941–1953، ص 80–81، نقلاً عن ملفات وزارة الداخلية، كتاب متصرف بغداد المرقم 441 في 1 حزيران 1941، ملفة «الأشخاص الذين تقرر حجزهم بموجب مرسوم صيانة الأمن العام» المرقمة 24/196؛ وملفات وزارة الداخلية، كتاب التحقيقات الجنائية إلى مديرية الشرطة العامة المرقم 11366 في 13 مايس، الملفات نفسها.

  3. عبد الرزاق الحسني، تاريخ الوزارات العراقية، ج 6، ص 7. وكذلك: جريدة الزمان، العدد 1118، بغداد، في 3 حزيران 1941م.

  4. عبد الرزاق الحسني، المصدر السابق، ج 6، ص 7. وكذلك: جريدة البلاد، العدد 1697، في 3 حزيران 1941م.

  5. الإرادة الملكية رقم 255 لسنة 1941م حول إعادة الأحكام العرفية في مركز لواء بغداد والمناطق المجاورة له، يعلن فيها قائد القوات العسكرية المرابطة في بغداد أنها تابعة للحركات العسكرية إلى حين صدور إرادة ملكية بإلغائها، ويُوقف قانون أصول المحاكمات الجزائية وقوانين الإدارة المحلية. والإرادة الملكية رقم 256 لسنة 1941 جعلت المنطقة المعلنة فيها الأحكام العرفية إدارة عسكرية صرفة، وجعلت قائد القوات العسكرية المرابطة في بغداد المرجع الأعلى لجميع الإدارات داخل المناطق المنوّه عنها. انظر: حسن لطيف الزبيدي، المصدر السابق، ص 73.

  6. الوقائع العراقية، العدد 1918، بغداد، في 1 حزيران 1941؛ صحيفة الزمان، بغداد، في 13 حزيران 1941.

  7. جعفر عباس حميدي، التطورات السياسية في العراق 1941–1953، ص 82–84، نقلاً عن ملفات المركز الوطني لحفظ الوثائق، البلاط الملكي، مذكرة السفارة البريطانية المرقمة 252 في 4 حزيران، ملفة مرقمة ت/2/1.

  8. جعفر عباس حميدي، التطورات السياسية في العراق 1941–1953، المصدر السابق، ص 84، نقلاً عن ملفات المركز الوطني لحفظ الوثائق، قرار مجلس الوزراء في 5 حزيران 1941 رداً على مذكرة السفير البريطاني إلى وزارة الخارجية، ملفة مرقمة ج/2/6.

  9. مظفر عبد الله أمين، السيطرة البريطانية على أوضاع العراق بعد فشل حركة مايس 1941، المصدر السابق، ص 20، نقلاً عن الوثيقة البريطانية: F.O. 371/31371/E 2596, 8.3.1942.

  10. خليل كنة، العراق أمسه وغده، بيروت، بلا، 1966، ص 67–68.

  11. Kirk, George, The Middle East in the War 1939–1945, Oxford, 1964, p. 158.

  12. Kirk, George, op. cit., p. 150; ibid., p. 159.

  13. خليل كنة، المصدر السابق، ص 168.

  14. المقصود بالفوضى الحادث الذي وقع لليهود في الساعة الحادية عشرة من يوم 1 حزيران 1941م في بغداد. فعندما عاد الوصي عبد الإله إلى بغداد خرج اليهود لاستقباله فرحين، وصادف ذلك اليوم عيد النبي يوشع. وفي الوقت نفسه كان الشعب العراقي الهائج يعتبر اليهود رمزاً للتحالف مع بريطانيا، فقد استقبلوا القوات البريطانية في البصرة ووزعوا عليهم الحلوى والفاكهة، وكان قسم منهم خلال شهر مايس 1941م في السفارة البريطانية، وقسم آخر ينقلون الأخبار إليهم. وكانت كتائب الشباب لا تزال تعمل، فحرّضوا الناس صباح يوم 2 حزيران 1941م، وهاجموا اليهود ومحلاتهم، ووقع قتلى وجرحى من الطرفين، قدّرهم حاكم التحقيق بـ(110) قتلى و(240) جريحاً. انظر: صالح حسن عبد الله الجبوري، تهجير يهود العراق 1941–1952، تكريت، كلية التربية، جامعة تكريت، رسالة ماجستير (غير منشورة)، 2003.

  15. توفيق السويدي، المصدر السابق، ص 388.

  16. عبد الرزاق الحسني، تاريخ الوزارات العراقية، ج 6، ص 46، عن تقرير السفير البريطاني كورنواليس.

  17. توفيق السويدي، المصدر السابق، ص 389.

  18. المصدر نفسه، ص 388.

  19. عبد الرزاق الحسني، تاريخ الوزارات العراقية، ج 6، ص 25.

  20. خيري العمري، المصدر السابق، ص 105.

  21. زنجان (Zanjan)، ويسميها الفرس «زنكان»، تقع بين تبريز وطهران، وهي أقرب إلى طهران، وجنوب بحر قزوين بحوالي 600 كيلومتر، وتكثر فيها المعادن، وخاصة النحاس والرصاص والذهب. انظر: ياقوت الحموي، معجم البلدان، بيروت، دار صادر، خمس مجلدات، د.ت، المجلد الثالث، ص 152–153. وكذلك: Fisher, W. B., The Cambridge History of Iran, London, University Printing House, Cambridge, Vol. I–VII, 1968, Vol. I, p. 497.

  22. خيري العمري، المصدر السابق، ص 104–105.

  23. عبد الرزاق الحسني، الأسرار الخفية في حركة مايس السنة 1941م التحررية، ج 2، المصدر السابق، ص 237. وكذلك: تاريخ الوزارات العراقية، الجزء 6، المصدر السابق، ص 237.

  24. أحمد سويلم العمري، أصول العلاقات الدولية، ط 3، القاهرة، المطبعة الأنجلو–المصرية، 1959م، ص 22.

  25. المصدر نفسه، ص 24.

  26. تكوّن الميثاق من (20) مادة و(3) ملاحق: الأول خاص بفلسطين، والثاني خاص بالتعاون مع البلاد العربية غير المشتركة في الجامعة العربية، والثالث بتعيين الأمين العام للجامعة. أما الأهداف التي نص عليها الميثاق فهي الأمن والسلام بين دول الجامعة، وصيانة استقلال الدول العربية من أي اعتداء خارجي، ومساعدة الدول التي ما زالت خاضعة للاستعمار حتى نيلها الاستقلال. انظر: رياض الصمد، المصدر السابق، ص 429.

  27. جفري ورنر، المصدر السابق، ص 164.

  28. صحيفة الجلاء المصرية الصادرة في 30 أيار 1945م.

  29. توفيق السويدي، المصدر السابق، ص 355.

  30. قُتل رئيس الوزراء المصري أحمد ماهر على يد مصري بعد إعلانه الحرب على دول المحور ألمانيا واليابان في 26 شباط 1945م. انظر: صحيفة الجلاء المصرية الصادرة في 27 شباط 1945م.

  31. رياض الصمد، المصدر السابق، ص 435.

  32. توفيق السويدي، المصدر السابق، ص 390.

  33. نجم الدين السهروردي، المصدر السابق، ص 40.

  34. كان من بنودها الاعتراف باستقلال شرق الأردن، والتشاور في شؤون السياسة الخارجية، والإبقاء على تسهيلات للجيوش البريطانية في شرق الأردن. وكان من أهم نتائج هذه المعاهدة أن أصبح الأمير عبد الله ملكاً على الأردن في 25 أيار 1946م. انظر: رياض الصمد، المصدر السابق، ص 438.

  35. نجم الدين السهروردي، المصدر السابق، ص 41.