الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
تنامي الشعور الوطني والقومي في العراق بعد حرب مايس 1941م
من محاضرات «حركة مايس 1941» – 2010
استمرت الدعاية الإنكليزية في مثابرتها لدعم الإنجازات العسكرية خلال الحرب العالمية الأولى، والاتفاقيات التي عقدتها بريطانيا مع الحكومات العراقية المتعاقبة لضمان مصالحها في منطقة الشرق الأوسط والعراق. وعلى الرغم من ظهور الأحزاب الوطنية والنوادي الاجتماعية الساعية إلى إنهاء الوجود البريطاني ونيل الاستقلال، كان هناك تيار معارض لذلك التوجه بحجة الحاجة إلى معاونة بريطانيا لتطوير البلاد.
تنامى الشعور الوطني والقومي في العراق على أثر اتفاقية 30 حزيران 1930م مع بريطانيا، وانقلاب الفريق الركن بكر صدقي عام 1936 الذي قاد سياسة مثيرة للجدل، وبلغ هذا الشعور ذروته في أعقاب فشل ثورة مايس 1941م بقيادة رشيد عالي الكيلاني وهروب العقداء الأربعة خارج العراق.
ساد إحباط شديد في الشارع العراقي من جراء فشل الجيش العراقي في مواجهة القوات البريطانية في حركة مايس 1941م، وشعر الضباط بالإهانة الكبيرة التي لحقت بهم بعد احتلال بريطانيا العاصمة بغداد للمرة الثانية، إذ أصبحت جميع الأراضي العراقية مفتوحة للجيوش البريطانية، فضلاً عن خضوع اقتصاد البلاد للرقابة البريطانية. وهو ما قاد السفارة البريطانية إلى تأسيس النوادي الاجتماعية تحت إشراف المخابرات البريطانية لجمع المعلومات عن الرموز الوطنية والعناصر الموالية لحركة رشيد عالي الكيلاني، فضلاً عن تأجيج الفتنة الطائفية خلال مراسيم العزاء التي تقيمها الطائفة الشيعية في عاشوراء.
تأسيس النوادي الاجتماعية لاحتضان رموز البلد
لم تكن هناك أية أحزاب سياسية في العراق بالمعنى المتطور، فقد كانت الأحزاب آنذاك تقوم على اعتبارات وأسس تعتمد في جوهرها على الدوافع الشخصية، لا على منهاج فكري أو اجتماعي. ومع ذلك كان هناك عدد من التنظيمات السياسية خلال عشرينيات القرن العشرين، ومنها جمعية العهد العراقي وحرس الاستقلال.
وبعد فرض الانتداب البريطاني على العراق في 25 نيسان 1920، وقيام الدولة العراقية العربية الجديدة، كان هناك عدد من الأحزاب السياسية، منها:
- الحزب الوطني، برئاسة جعفر أبو التمن.
- حزب النهضة العراقي، برئاسة أمين الجرجفجي.
- الحزب الحر، بزعامة محمود النقيب (1).
وفي عام 1925 تشكّل حزبان آخران هما: حزب التقدم بزعامة عبد المحسن السعدون، وحزب الشعب بقيادة ياسين الهاشمي.
كان كل من الحزب الوطني وحزب النهضة العراقي وحزب الشعب يمثل الاتجاه الوطني، أو بمعنى آخر أحزاب المعارضة الوطنية، وكانت غايتها الرئيسية إنهاء الانتداب البريطاني وتحقيق الاستقلال (2).
أما الحزب الحر وحزب التقدم فقد كانا محسوبين على الحكومة، وكانا على تناغم مع سياسات السفارة البريطانية في بغداد، على أساس أن العراق ضعيف ويحتاج إلى معاونة بريطانية في ذلك الوقت (3).
ولضمان الترويج لسمعة بريطانيا وبقاء مصالحها في العراق، عمدت إلى تأسيس نوادٍ في العراق في نهاية عشرينيات القرن العشرين.
وأهم تلك النوادي نادي المثنى بن حارثة الشيباني الذي تأسس في أوائل شباط 1935م، وكان من مؤسسيه صائب شوكت ومحمد مهدي كبة وعبد المجيد القصاب ومحمد صديق شنشل ويونس السبعاوي، وقد عملوا ما في وسعهم لدعم حركة مايس 1941م (4)، وأصبح عدد من أعضاء النادي مسؤولين في حكومة الدفاع الوطني.
ويذكر سكرتير نادي المثنى بن حارثة الشيباني، عبد المجيد محمود، «أن النادي لم يكن مشتركاً في الثورة بصفة رسمية، وأن النادي لم يؤخذ رأيه في الحركة التي قادها العقداء الأربعة، كما أن بعض أعضاء الهيئة المؤسسة لنادي المثنى اقترحوا أن يؤيد النادي حركة مايس 1941م بصورة رسمية، لكن الاقتراح رُفض لاعتبارات أمنية» (5). في حين يقول شاهد عيان (6): «إن تنظيماً سرياً تشكّل ضمن نادي المثنى لدعم حركة مايس 1941م، ضمّ عدداً من العسكريين، مثل العقداء الأربعة وغيرهم (صلاح الدين الصباغ وفهمي سعيد ومحمود سلمان ومحمود هندي – سوري – وغيرهم)، بالإضافة إلى عدد من المدنيين مثل يونس السبعاوي ومحمد صديق شنشل»، وقال أيضاً: «إن مهمة العسكريين هي إعداد الجيش ليكون سنداً للحركة القومية» (7).
وفي أماكن أخرى ظهرت نوادٍ أخرى، مثل نادي الجزيرة في الموصل الذي أسسه نجم الدين جلميران عام 1937م، ونادي المهلب الذي أسسه الدكتور سعد الدين.
كما ظهرت في الوقت نفسه جمعيات سياسية عديدة، منها: جمعية الجوال، وجمعية الشبان المسلمين، وجمعية الهداية الإسلامية، وجمعية الدفاع عن فلسطين. وكانت تلك النوادي والجمعيات تُتّهم بالنازية، وهو السلاح الذي استخدمه الحلفاء لتشويه سمعتها الوطنية والقومية.
وبعد انتهاء الانتداب البريطاني نمت تناقضات بين القوميين والبريطانيين لأسباب عديدة، منها:
- التقاعس المستمر للحكومة البريطانية، وعدم التزامها بمواعيدها ومواثيقها الخاصة بتجهيز الجيش العراقي بالأسلحة والمعدات وفق الاتفاقيات المعقودة بين الطرفين (8).
- عدم موافقة الحكومة البريطانية على إقرار قانون الخدمة العسكرية الإلزامية الذي طالب به الشعب العراقي آنذاك.
- تأثر الشعب العراقي بما حدث من تطورات في فلسطين وسوريا، وبتلك المعاناة التي كثيراً ما رددها السوريون والفلسطينيون الذين اتخذوا من بغداد مقراً وملاذاً لهم (9).
تعود ظاهرة تكتلات الضباط في الجيش العراقي إلى أواخر عشرينيات القرن العشرين، وقد ارتبطت تلك الظاهرة بالأحداث السياسية التي وقعت في العراق منذ تأسيس الدولة العراقية في 23 آب 1921 حتى نشوب حركة مايس 1941م (10).
ولهذا توصل البريطانيون، بعد احتلالهم العراق للمرة الثانية في 31 مايس 1941م، إلى نتيجة تقول: «إن التوجه القومي العربي الذي انتشر في مؤسستي الجيش والتعليم في العراق، بعد تأليف الدولة العراقية الحديثة خلال مؤتمر القاهرة في آذار 1921م (11)، هو المسؤول عن حركة مايس 1941م» (12).
لقد أسهمت تلك الأحداث والتغيرات في إبراز قوة الجيش، وأدت إلى ازدياد اهتمامه بالسياسة، حتى تبلورت في الجيش اتجاهات عامة سُمّيت «الكتل العسكرية»، مثل كتلة توفيق حسين، وكتلة الفريق الركن بكر صدقي، وكتلة الضباط القوميين العرب. وكانت الكتلة الأخيرة أبرزها، وضمت بين صفوفها الضباط العرب من ذوي الرتب الصغيرة الذين كانوا ينادون بوحدة الأمة العربية، وكان العقيد الركن صلاح الدين الصباغ وفهمي سعيد من أبرز وجوه تلك الكتلة في حينها (13).
كانت طموحات ضباط الكتلة القومية العربية تتلخص في مطالب معينة، من أبرزها: تحرير فلسطين وسوريا، وتوحيد البلاد العربية في دولة قومية عصرية قوية. وفي ضوء ما تقدم أُعطيت الأولوية لتلك الكتلة ذات الاتجاهات القومية التي وحّدت ملامح السياستين الداخلية والخارجية في العراق واتجاههما. ولعل من أبرز اهتماماتها العمل على تدريب المجاهدين الفلسطينيين وتجهيزهم بالسلاح والعتاد سراً، وتشجيع المتطوعين العراقيين على الالتحاق بصفوفهم. وقد أثّرت العلاقات بين ضباط هذه الكتلة وقادتها وبين الحركة القومية وشخصياتها تأثيراً مباشراً وحاسماً في البنيان الفكري للضباط القوميين (14).
وبعد حرب مايس 1941، وتولي نوري السعيد وزارته السادسة، طلب من وزير داخليته صالح جبر إلغاء إجازتي نادي المثنى وجمعية الجوال (15)، بغية التخلص مما كانا يروّجانه من أفكار ضد بريطانيا، الأمر الذي أعطى بريطانيا فرصة للسيطرة على ممتلكات جمعية الجوال والاستفادة من أبنيتها (16) التي أصبحت فيما بعد نادي إخوان الحرية التابع لقوات الاحتلال البريطاني (17).
تأسيس النوادي الاجتماعية لغرض التجسس على رموز البلد الوطنية والقومية
1. نادي إخوان الحرية
أقامت سلطة الاحتلال البريطانية في العراق نوادي رياضية واجتماعية مختلفة بهدف إبعاد الشعب العراقي عن الاهتمام بالأمور السياسية، ومن تلك النوادي نادي إخوان الحرية الذي أسسته فريا ستارك (18)، الموظفة في السفارة البريطانية، وهي جاسوسة بريطانية. وقد عبّرت فريا ستارك عن غاية النادي بقولها إنها «السعي قولاً وفعلاً لمعاضدة مبدأ الديمقراطية التي تؤمن بها بلادكم وبلادي بصدق دعواها، ومكافحة ما يقوم به دعاة الفاشست والنازية الذين يبثون الإشاعات الكاذبة» (19).
انتبهت العناصر القومية لوجود نادي إخوان الحرية والعناصر التي ترتاده، واتهمته بأنه مركز للجاسوسية البريطانية، والدعاية للاستعمار البريطاني، والقيام بأعمال دكتاتورية يعود نفعها على المتنفذين.
وشمل ذلك فرع نادي إخوان الحرية في النجف، الذي كان يشجع الناس على تطبير رؤوسهم في موسم التعازي، ويوزع الأكفان عليهم مجاناً، حتى أُلغي النادي في نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945 (20).
2. نادي (Z)
نادٍ اجتماعي ترفيهي ضمّ أعضاء من العراقيين والأجانب، ولا سيما البريطانيين من موظفي السفارتين البريطانية والأمريكية، وأساتذة كلية الملك فيصل، والموظفين الأجانب في المصارف الأجنبية، والمستشارين البريطانيين في السكك الحديد والمالية وغيرها.
وكانت الغاية من هذا النادي الاتصال بالعراقيين وإقامة علاقات صداقة معهم للاستفادة منهم في أوقات الحاجة، ولإبعادهم عن الانشغال بالأمور السياسية (21).
وقامت دائرة العلاقات العامة في السفارة البريطانية في بغداد بتأسيس شبكة واسعة من العملاء المنتشرين في جميع فروع الإدارات الحكومية والمدارس العالية والمؤسسات الأهلية، وقامت بتوزيع المجلات والصحف العربية مجاناً على المقاهي والنوادي، وعرض صور الشخصيات والأحداث بوساطة السينما، أو توزيعها، أو تعليقها على جدران الأماكن العامة.
وزاد على ذلك قيام دائرة العلاقات العامة نفسها بإنشاء مكاتب للإرشاد والثقافة والدعاية. ولتعزيز النفوذ البريطاني عمدت السفارة البريطانية إلى إنشاء معاهد ثقافية لتدريس اللغة الإنكليزية، وقاعات للمحاضرات في بغداد والبصرة، يديرها أشخاص لهم قدرات كبيرة وخبرة ومعرفة بأحوال البلاد وشخصياتها، للاتصال بهم ولا سيما المثقفين منهم، بغية تكوين طبقة تدعو إلى تبرير الاحتلال البريطاني للعراق وإحباط الروح الوطنية (22).
3. نادي العلوية
تأسس في العشرينيات من القرن الماضي من قبل القيادة العسكرية البريطانية ليكون ملتقى لكبار موظفي الاحتلال البريطاني وضباطه، ثم اتسعت قاعدة عضويته في منتصف الثلاثينيات لتضم نخبة من الشخصيات والعوائل العراقية. وبعد الحرب العالمية الثانية اهتمت به السفارة البريطانية كثيراً، وكان بحق نادياً في غاية الجودة والذوق الرفيع، وبقيت إدارته بريطانية حتى عام 1958م. وكردّ فعل عراقي إزاء تحفظ العناصر البريطانية ونهجهم الانتقائي في اختيار الأعضاء من غير البريطانيين، قامت نخبة من العراقيين بتأسيس نادي المنصور في أوائل الخمسينيات ليصبح نداً ومنافساً قوياً لنادي العلوية (23).
المصادر
وليد محمد سعيد الأعظمي، المصدر السابق، ص 26.
إسماعيل أحمد ياغي، المصدر السابق، ص 14–19.
وليد محمد سعيد الأعظمي، المصدر السابق، ص 26. وكذلك: صالح محمد العابد، عصر الغزاة، بحث في كتاب العراق في التاريخ، بغداد، دار الحرية، ص 672–675.
إسماعيل أحمد ياغي، المصدر السابق، ص 14–19.
عبد الرزاق الحسني، تاريخ العراق السياسي الحديث، بيروت، مطبعة دار الكتب، ط5، ثلاثة أجزاء، 1982، ج2، ص 239–240.
جعفر عباس حميدي، التيار القومي في العراق 1921–1958، مجلة آفاق عربية، بغداد، العدد العاشر، 1984م، ص 44–53.
عماد أحمد الجواهري، نادي المثنى، مجلة آفاق عربية، بغداد، ع1، 1983م، ص 61.
Al-Jamil, Khaled, National in Iraq 1936–1941, unpublished Ph.D. thesis, University of Keele, 1978, p. 55.
سامي عبد الحافظ القيسي، قراءة جديدة في حركة مايس 1941م، مجلة آفاق عربية، بغداد، ع9، 1986م، ص 59، نقلاً عن: Gomaa, Ahmed, The Foundation of the League of Arab States, London, 1977, p. 18.
من أهم تلك الأحداث العسكرية والسياسية انقلاب الفريق الركن بكر صدقي عام 1936م. انظر: محمود الدرة، المصدر السابق، ص 50–54.
اتفاق أو مؤتمر القاهرة في آذار 1921م. انظر: مذكرات جعفر العسكري، المصدر السابق، ص 79. وكذلك: حسن لطيف الزبيدي، المصدر السابق، ص 370.
صحيفة الثورة، بغداد، في 3 مايس 2000م.
صلاح الدين الصباغ، المصدر السابق، ص 66.
عماد أحمد الجواهري، المصدر السابق، ص 57–58.
جمعية الجوال: جمعية عربية ثقافية، كانت تصدر النشرات وتقوم بالرحلات وتلقي محاضرات في الشؤون القومية العامة. انظر: عبد الرحمن البزاز، العراق من الاحتلال حتى الاستقلال، بغداد، مطبعة العاني، ط3، 1967، ص 239. وعماد أحمد الجواهري، المصدر السابق، ص 52.
خالد حبيب الراوي، نوادي إخوان الحرية في العراق، مجلة آفاق عربية، بغداد، ع11–12، 1996، ص 27–31. وكذلك: Kirk, George, op. cit., p. 301.
فاضل البراك، المصدر السابق، ص 166–168.
فريا ستارك (Freya Stark): جاسوسة بريطانية تجيد اللغة العربية، زارت العراق خلال حركة مايس 1941م، وتولت تنظيم نادي إخوان الحرية وأشرفت عليه، وبذلت جهوداً من أجل كسب العراقيين للانضمام إليه، فبلغ عدد أعضائه (7000) عضو عام 1943م. المصدر: Stark, Freya and West, op. cit., p. 164.
جعفر عباس حميدي، التطورات السياسية في العراق 1941–1953م، المصدر السابق، ص 95، عن ملف وزارة الداخلية بعنوان (جمعية نادي إخوان الحرية) المرقم 41/84.
المصدر نفسه، ص 98، عن صحيفة القاعدة، بغداد، كانون الثاني 1944م.
جعفر عباس حميدي، التطورات السياسية في العراق 1941–1953م، المصدر السابق، ص 99، نقلاً عن ملفات وزارة الداخلية، كتاب الرقابة العراقية المرقم س 966 في 6 نيسان 1942م، باللغة الإنكليزية، ملف بعنوان (نادي Z) مرقم 41/83. وكذلك: خلدون ساطع الحصري، المصدر السابق، ص 467. وكان سكرتير نادي Z جاك سرنجيان (Jacques Saringian).
خلدون ساطع الحصري، المصدر السابق، ص 467.
جوزيف براودي، العراق الجديد، ترجمة نمير عباس مظفر، ط1، بيروت، 2004م، ص 207.