الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
رؤية مستقبلية لحركة مايس 1941
من محاضرات «حركة مايس 1941» – 2010
مما تقدم، وفي ضوء ما استعرضناه من مواقف وأحداث، نستطيع أن نرسم صورة مستقبلية لرؤيتنا لما جرى في ذلك الوقت، وكما يلي:
بعد أن استعمرت بريطانيا الهند في منتصف القرن التاسع عشر، أصبح اعتمادها كبيراً على أسطولها البحري للوصول إلى كل موانئ البحر العربي والبحر الأحمر، ومنها ميناءا عبادان في إيران والبصرة في العراق. وبسبب اكتشاف النفط في إيران عام 1908م والعراق عام 1909م صار التنافس عليه شديداً بين الدول الاستعمارية (بريطانيا وفرنسا وروسيا وألمانيا). وللوصول إلى نفط العراق عمدت ألمانيا إلى تنسيق جهودها مع السلطان العثماني لمد سكة حديد برلين–بغداد، وهو ما عجّل بالحكومة البريطانية إلى احتلال الولايات العثمانية: البصرة وبغداد والموصل (كوردستان العراق الحالي) خلال الحرب العالمية الأولى (1914–1918م).
خلال السنة الثانية من الحرب العالمية الثانية عام 1940م ظهر الخلاف بين السياسيين العراقيين المؤيدين لسياسة بريطانيا والمعارضين لها. فبعد إقدام نوري السعيد، رئيس الوزراء العراقي الموالي لبريطانيا، على قطع العلاقات مع ألمانيا، أظهر رشيد عالي الكيلاني ومعه العقداء الأربعة ميلاً إلى طروحات مفتي القدس محمد أمين الحسيني، لاستثمار فرصة نجاحات دول المحور (ألمانيا وإيطاليا) في الحرب ضد بريطانيا الاستعمارية لإعادة العلاقات مع ألمانيا. وهو ما أثار السفارة البريطانية في بغداد فحذّرت الكيلاني، إذ اعتقد البريطانيون أن تقدم الألمان في بلاد الأناضول وسوريا سيقرّبهم من نفط العراق، ويهدد خط مواصلات مصر–فلسطين–العراق، ويعرّض البواخر البريطانية في العراق وإيران للهجوم. وهذا ما دفع السفارة البريطانية في بغداد، بالتنسيق مع الوصي عبد الإله ونوري السعيد، إلى كسب الوقت عن طريق عرقلة جهود حكومة رشيد عالي الكيلاني، ريثما تتحسن ظروف بريطانيا العسكرية في جبهات الحرب الأخرى، لإنجاز هدف إزاحة رشيد عالي الكيلاني والعقداء الأربعة عن السلطة في العراق.
عدّ رشيد عالي الكيلاني توصيته للوصي عبد الإله بحل المجلس النيابي في نهاية عام 1940م أمراً دستورياً، وهو ما استثمرته السفارة البريطانية في بغداد في خلق فراغ دستوري تمثّل بهروب الوصي عبد الإله خارج العاصمة بغداد، وأُجبر رشيد عالي الكيلاني على تقديم استقالته في شباط 1941م. واعتقد السفير البريطاني في بغداد كورنواليس (الذي لم يقدم أوراق اعتماده إلى الخارجية العراقية) أن تشكيل حكومة عراقية جديدة برئاسة طه الهاشمي سيمنحه مزيداً من الوقت لإنهاء الدور الوطني للعقداء الأربعة وقطع العلاقات الدبلوماسية مع إيطاليا، وهو ما قاد إلى تأزم الموقف عندما وصف وزير الخارجية البريطاني أنتوني إيدن الجيش العراقي بأنه أصبح متشرباً بروح النازية والفاشستية.
على أثر وصول قوات بريطانية جديدة من الهند في شهر نيسان 1941م، زادت قناعة رشيد عالي الكيلاني ومجموعة العقداء الأربعة بأن بريطانيا، ورئيس وزرائها ونستون تشرشل، عازمة على تفجير الموقف من خلال تعزيز قاعدتي الشعيبة في البصرة والحبانية في غرب العراق. وهو ما أثار حفيظة القيادة العسكرية العراقية فاتخذت تدابير دفاعية مضادة، وفاتحت القيادة الألمانية لمعاونتها، وهو ما دفع القيادة البريطانية إلى إنذار القوات العراقية المحيطة بمعسكر الحبانية بالابتعاد فوراً، وكانت تلك حجة لبدء الحرب.
عقدت بريطانيا مع العراق عدداً من المعاهدات والاتفاقيات، ومنها معاهدة 30 حزيران 1930م (سيئة الصيت) التي كبّلت العراق في سياسته الخارجية والدفاعية. وخلال عام 1941م وجد رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل أن منطقة الشرق الأوسط ستكون ساحة الحركات المهمة بين دول الحلفاء ودول المحور (ألمانيا وإيطاليا واليابان) للاستحواذ على النفط. ولأجل استثمار الفرصة المواتية عبّرت حكومة رشيد عالي الكيلاني والعقداء الأربعة عام 1941م عن رفضها قطع العلاقات الدبلوماسية مع إيطاليا، وعن تشكيل حكومة إنقاذ وطني لإدارة البلاد، وهي سياسة قادت السفير البريطاني كورنواليس إلى إنجاز مهمة رئيس وزرائه ونستون تشرشل في إعلان الحرب على العراق.
استعدت بريطانيا عسكرياً للحرب، وكانت بالنسبة إليها مسألة حياة أو موت، لأن خسارة الحرب تعني تقويض نفوذها في الشرق الأوسط وفقدانها منابع النفط. وفي المقابل كانت الجهود والاستحضارات العراقية محدودة، وكان هناك تردد لدى رئيس الوزراء رشيد عالي الكيلاني في السيطرة على قاعدة الحبانية في وقت مبكر كما أراد العقداء الأربعة. وهو ما أدى إلى أن يكون سير العمليات العسكرية لصالح بريطانيا، نظراً لتفوقها الساحق في الجو وفي المدفعية بعيدة المدى، فضلاً عن احتفاظها بالمبادأة منذ البداية، فخسر الجيش العراقي الحرب.
كان اتصال رشيد عالي الكيلاني بدول المحور (ألمانيا وإيطاليا) متأخراً بعض الشيء، وهو ما يعني أن مساعدتها العسكرية للعراق، حتى مع استعدادها لذلك، ستكون متأخرة. وعندما بدأت العمليات العسكرية بين الجيشين البريطاني والعراقي لم يكن أمام الألمان، الذين كانوا مشغولين بحملة البحر المتوسط ومواجهة الروس، إلا أن يكرروا أن المساعدة قادمة ما دام الجيش العراقي قادراً على مطاولة الصمود. وهو ما دفع القيادة البريطانية إلى الإسراع في إنهاء مقاومة الجيش العراقي، وتكبيد الطائرات الألمانية المغيرة خسائر كبيرة، واحتلال بغداد للمرة الثانية خلال شهر واحد (مايس 1941).
فشلت حركة مايس 1941م، وهرب رشيد عالي الكيلاني والعقداء الأربعة والرموز الوطنية التي عاضدتهم إلى خارج العراق (إيران)، وبات الجو مهيأً لرموز بريطانيا: الوصي عبد الإله ونوري السعيد وجميل المدفعي وعلي جودت الأيوبي، لأن يقدّم جميل المدفعي، رئيس الوزراء العراقي الجديد بعد رشيد عالي الكيلاني، فروض الولاء والطاعة للسفارة البريطانية باعتقال الرموز الوطنية التي عاضدت رشيد عالي الكيلاني ومجموعته وساندتهم. وبسبب سياسة جميل المدفعي غير المتطرفة، بات الاعتماد على البديل المضمون نوري السعيد ووزير داخليته صالح جبر لاتباع سياسة انتقامية ضد خصوم السياسة البريطانية، فأدت إلى طرد الرموز الوطنية العراقية، وإنشاء سجون نائية لمعاقبة العراقيين من أتباع رشيد عالي الكيلاني، وفرض أحكام الإعدام بحق القادة العسكريين العقداء الأربعة.
امتنع جميل المدفعي ونوري السعيد عن الانصياع لأوامر السفارة البريطانية بحل الجيش العراقي ضماناً لبقائهم على كراسي الحكم، غير أن البديل الذي أرضى بريطانيا كان الوعود التي أطلقها نوري السعيد بتصفية العناصر الوطنية في الجيش عبر الإحالة على التقاعد، والزج في السجون، وإعدام بعضهم. وبعد الهجوم الألماني على روسيا في 22 حزيران 1941م صارت بريطانيا تخشى هجوماً ألمانياً، فعمدت إلى إعادة تدريب الجيش العراقي وتجهيزه بالأسلحة بشرط أن تكون حركة وحداته وتدريبه بيد ضباط بريطانيين، وقد أذعن نوري السعيد للطلب البريطاني.
بعد نهاية حرب مايس 1941 بدت بريطانيا وكل دول أوروبا مثقلة بالخسائر البشرية والاقتصادية، وكانت الولايات المتحدة هي القوة الاقتصادية التي باشرت إعمار ما دمرته الحرب، كما كانت صاحبة النفوذ في دول الشرق الأوسط. ولأجل أن تحافظ الدولتان (أمريكا وبريطانيا) على مصالحهما النفطية، عمدت بريطانيا إلى تأسيس النوادي الاجتماعية تحت إدارة رجال مخابراتها، وهي وسيلة لضبط حركة الرموز الأساسية في المجتمع العراقي وضباط الجيش الوطنيين، والحيلولة دون ظهور حركة نازية جديدة، فضلاً عن تأجيج السياسة الطائفية في البلاد لضمان ديمومة مصالحها.
استمر ساسة العراق الموالون للسياسة البريطانية في مواقعهم الأساسية. ولجعل سياسة العراق الداخلية والخارجية ضمن المسار البريطاني، دعت بريطانيا مستشاريها البريطانيين إلى العودة إلى بغداد، كما دعت شركاتها النفطية إلى إنجاز عقودها، وإلى تعديل الدستور العراقي، فضلاً عن تشجيع انضمام العراق إلى الجامعة العربية والأمم المتحدة. فنضجت سياسة بريطانية مؤيدة لوحدة العرب بوجه مقنّع، وهي سياسة بريطانية ماكرة مكّنتها من البقاء في العراق حتى قيام ثورة 14 تموز 1958م وقيام الجمهورية الأولى في العراق.
وعليه، فإن من الأهمية أن نعمل باتجاه ما يلي:
شكّلت اتفاقية 30 حزيران 1930م بين بريطانيا والعراق نقطة ضعف وخيبة لساسة العراق الوطنيين، ولا سيما أنها كبّلت العراق في سياسته الخارجية والدفاعية. ومع الاعتراف بضعف المهارة والمناورة الدبلوماسية والسياسية لدى الحكومات العراقية تجاه نظيرتها البريطانية (المتفوقة سياسياً وعسكرياً)، كان من الضروري انتهاج سياسة داخلية لتطوير حقول الصناعات العراقية وأساليب الري لتطوير الزراعة، وحتى في مجال الملاحة في نهري دجلة والفرات، وتطوير المواصلات السلكية وتعبيد الطرق، مقابل توقيع معاهدة عام 1930م.
اندلعت الحرب العالمية الثانية بين دول الحلفاء ودول المحور عام 1939م، ومع الخسائر الكبيرة التي تكبدتها بريطانيا في شمال إفريقيا، وخسارتها البلقان وجزيرة كريت عام 1941م، فإن ذلك لا يعني قدرة الجيش العراقي على مواجهة القوة البريطانية في العراق، ولا سيما في سلاح الجو. وكان بالإمكان استثمار الموقف لبناء الجبهة الداخلية من خلال طرد أو نفي رموز السياسة العراقية الموالية لبريطانيا، مثل نوري السعيد وجميل المدفعي وعلي جودت الأيوبي وصالح جبر، وهو ما كان سيقود في المحصلة إلى تحجيم دور الوصي عبد الإله في محاربة القوى الوطنية.
إن دخول مفتي القدس محمد أمين الحسيني على خط الأزمة التي نشبت بين الضباط القوميين العرب وبريطانيا جاء عبر اتصالات مع دول المحور (إيطاليا وألمانيا)، فاستثمرها رئيس وزراء بريطانيا ونستون تشرشل لإجهاض الحركة الوطنية والقومية قبل وصول القوات الألمانية إلى مسرح عمليات منطقة الشرق الأوسط. ولذا كان الأجدى أن تتمتع القيادة العراقية باستقلالية في اتخاذ القرارات، دون ركوب موجة العواطف الفلسطينية، وأن تتحلى بالصبر ريثما يتضح موقف الألمان العسكري عام 1941م، الذي اتضح أنه يميل إلى مهاجمة الروس في حزيران 1941م، لا إلى الاقتراب من منابع النفط في العراق ومنطقة الخليج.
لم يقدم السفير البريطاني كورنواليس أوراق اعتماده إلى وزارة الخارجية العراقية، وبقي يمارس دوراً تخريبياً ومحرّضاً دفع الوصي عبد الإله إلى الهروب إلى خارج البلاد لإحداث فراغ دستوري، وأعطى المبرر لبريطانيا للتدخل في شؤون العراق دستورياً وفق معاهدة عام 1930. وكان الأجدى بالكيلاني، وهو رئيس الوزراء، ألا يقبله سفيراً، وهو محق في ذلك دستورياً، وبالتالي إحباط الجبهة المناوئة الممثلة بالسفير ومؤيديه: نوري السعيد وعلي جودت الأيوبي وجميل المدفعي وصالح جبر.
إن الذهاب إلى الحرب التي دُفع إليها رشيد عالي الكيلاني والعقداء الأربعة رغماً عنهم كان يقتضي موقفاً واضحاً وقاطعاً من الناحية العسكرية، هو الاحتفاظ بقاعدتي الشعيبة في البصرة والحبانية في غرب العراق لإجهاض أي تحرك بريطاني ضد الجيش العراقي، وخلاف ذلك كان على رشيد عالي الكيلاني التعامل مع البريطانيين سلمياً ودون إثارة.
اتسمت علاقة رشيد عالي الكيلاني بالعقداء الأربعة، ولا سيما العقيد الركن صلاح الدين الصباغ، بالسلبية؛ فالأول (رشيد عالي الكيلاني) كان متردداً في خوض الحرب، في حين كان الثاني (العقيد الركن صلاح الدين الصباغ) ثائراً متهوراً. وكان الأجدى، في ظل ظروف الحرب العالمية الثانية، أن يتخلص أحدهما من الآخر، إما للسير في اتجاه الحرب وقراراتها الحاسمة، وإما للإبقاء على السياسة السلمية المترددة وفق معاهدة عام 1930م التي كان يفكر بها رشيد عالي الكيلاني؛ فالحرب ليست نزهة، والتاريخ شاهد على عواقبها المرة.
الجيش العراقي يستمد قوته من الشعب، والشعب يثق بجيشه عندما يعبّر عن أمانيه الوطنية والقومية، رغم الإجراءات التعسفية مثل الاعتقالات وأحكام الإعدام والإحالة على التقاعد. وكان الأجدر بنوري السعيد، الذي كلفته السفارة البريطانية برئاسة الوزارة، ألا يسير باتجاه التنكيل بضباط جيشه ولا يتمادى في إهانتهم، وكان السفير البريطاني كورنواليس يضحك في سره لما وصل إليه نوري السعيد في معاقبة أبناء شعبه. وقد سجّل له التاريخ مقدار تآمره الطويل، وعندما أزفت ساعة الخلاص في 14 تموز 1958م لم يجد نصيراً يلوذ به وهو حي، ولا قبراً يضمه في مماته.