الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

مدرستا الهند والقاهرة البريطانيتان

من محاضرات «حركة مايس 1941» – 2010

كان للسياسة البريطانية–العربية في الشرق مركزان رئيسان: أحدهما في الهند، والآخر في مصر. وقد اصطُلح على الأول (الهند): المدرسة البريطانية–الهندية، أو المدرسة العربية–الشرقية، وعلى الثاني (القاهرة): المدرسة البريطانية–المصرية، أو المدرسة العربية–الغربية.

فأصحاب المدرسة البريطانية–الهندية يعتقدون أن التوغل البريطاني في البلاد العربية يجب أن يبدأ من عدن والخليج العربي وينتهي إلى بغداد (أي ولايتا بغداد والبصرة فقط). يقول لورد كرزن، وزير خارجية بريطانيا، في خطاب ألقاه أمام مجلس اللوردات البريطاني سنة 1912:

«من الخطأ أن يُظنّ أن مصالحنا السياسية تنحصر في الخليج؛ إنها ليست منحصرة في الخليج، ولا فيما بين بغداد والبصرة، بل هي تمتد حتى تصل إلى بغداد».

ولما كان عاهل الوهابيين ابن سعود صاحب نفوذ واسع في هذه الأطراف، كانت المصلحة البريطانية تقضي بمصافاته وجعله زعيم العرب الأكبر. وما زال أصحاب هذا الرأي يستغرقون في التدليل على صحته حتى سُمّوا أصحاب المدرسة العربية–الشرقية–السعودية.

أما أصحاب المدرسة البريطانية–المصرية في القاهرة، فإنهم يرون أن الأحرى أن تسيطر بريطانيا على مصر، وتستولي على سورية، فتحمل عرب الشام على مقاومة النفوذ الفرنسي ومنعه من التوسع في الشرق الأدنى، وبذلك تحفظ الطريق بين الهند والجزر البريطانية، وتستحوذ على المدن الإسلامية المقدسة (مكة والمدينة والقدس)، فتجعل العرب يدينون لها بالولاء. ولما كان لشريف مكة المكرمة الحسين بن علي مقام ديني وسمعة واسعة في تلك الأنحاء، كان من مصلحة إنكلترا أن تصطفيه وتنصّبه زعيماً على العرب. وما زال أصحاب هذا الرأي يدلّلون على صحته حتى سُمّوا أصحاب المدرسة العربية–الغربية–الشريفية.

وثمة فارق رئيسي بين المدرستين: فالمدرسة البريطانية–المصرية في القاهرة أدركت بعض الإدراك الشعور القومي العربي وطموح العرب إلى التحرر والاستقلال، فأيقنت أن من المستحيل أن تُوجَّه المصالح البريطانية في الوطن العربي بالقوة، لأنها ستكون مهددة تهديداً مستمراً بسخط العرب وثوراتهم، وهذا يكلف الحكومة البريطانية من الجهد والنفقات والتضحيات قدراً يفوق ما تربحه عادةً من تأمين هذه المصالح. فحملتها هذه الاعتبارات كلها على الدعوة إلى انتهاج سياسة الاسترضاء، بمنح العرب بعض الحقوق وإقناعهم بأن ذلك يرضي مطامحهم، وبهذا تضمن بريطانيا لنفسها إيجاد أنصار من العرب، ولو كانوا قليلي العدد، يعملون على حماية مصالح الإمبراطورية في الوطن العربي بأقل جهد ونفقة وتضحية.

أما أصحاب المدرسة البريطانية–الهندية فإنهم متأثرون بالفكرة الاستعمارية في الهند، ولا يفكرون بغير توسع الإمبراطورية. وقد كشفت الأحداث خطأ سياستهم في الهند نفسها، فأصبحت الحكومة البريطانية تواجه مشكلة عويصة هي مشكلة الهند الكبرى. كما أن السير أ. ت. ولسن، ممثل هذه المدرسة في العراق، قد خاب خيبة فظيعة في تنفيذ نظريتها في بلاد الرافدين، وكان لسياسته فصل مشهود في إحداث ثورة عام 1920، وفي تسجيل مقاومة العرب الدامية ضد الاستعمار الذي كانت تدعو إليه المدرسة البريطانية–الهندية، بل استطاع العرب أن يُثبتوا خطأ هذه السياسة في أجزاء الوطن العربي كافة.

فقد توالت الثورات حتى اضطر ولسن إلى أن يصبح محامياً عن العرب، إذ دخل عضواً في اللجنة التي ألّفها مجلس العموم البريطاني على أثر ثورة فلسطين عام 1936، فأخذ يبعث إلى جريدة التايمز اللندنية ردوداً على كل من يستهين بحق العرب في الحرية، ويطلب من حكومته البريطانية أن تترك سياسة التعسف في صلاتها بهم، وأن تتخلى عن سياسة الوطن القومي الصهيوني في فلسطين، مستشهداً في كتاباته هذه بممارسته الحكم المباشر وخيبته فيه، وقناعته بضرورة إنصاف العرب. بل إن كثيرين من الموظفين البريطانيين الذين عملوا في الوطن العربي قد عادوا إلى بلادهم يحملون أفكاراً غير التي كانوا يدينون بها عندما كانوا يشغلون مراكزهم في البلاد العربية، وقد تجلى موقف هؤلاء واقتناعهم بضرورة احترام مطالب العرب في الحرية والاستقلال أثناء الثورة الفلسطينية، وفي مناقشة حوادثها في الصحف البريطانية والبرلمان البريطاني.

وقد اعترف بحقوق العرب الواضحة وطموحهم السامي، وأثبت ذلك رسمياً، وزير المستعمرات البريطاني ونستون تشرشل في خطابه الموجز عند عرض مشروع الكتاب الأبيض لتوضيح قضية فلسطين، فسجّل بذلك خيبة أفكار المدرسة المذكورة وخطأ السياسة المتبعة فيها. ومن الملاحظ كذلك أن اصطدام الملك الشريف حسين بن علي بالحكومة البريطانية كان نتيجة تمسكه بوجهة نظره في القضية العربية عامة، وقضية فلسطين خاصة، تلك النظرية التي أخذ خصومه الإنكليز يرددونها، ولكن بعد فوات الوقت، وتعقّد مشكلة فلسطين، وتأزم وضع اليهود في بعض الدول الأوروبية، وكثرة مهاجريهم، والتساهل في قبولهم في ديار العرب، خلافاً لرغبة العرب، وتنفيذاً لسياسة استعمارية مقصودة ومبيّتة.