الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

مقدمة: التنافس البريطاني–الألماني على نفط العراق وحركة مايس 1941

من محاضرات «حركة مايس 1941» – 2010

إذا كانت الاستراتيجية هي الخطط والطرق التي تُرسم لتحقيق هدف معين على المدى البعيد، اعتماداً على التعبئة والإجراءات الأمنية في استخدام المصادر المتوفرة على المدى القصير، فإن الاستراتيجية العسكرية تعبّر عن فن القائد في تخطيط الحملات العسكرية وتنفيذها وخداع العدو.

ولعل رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل، وهو المتخرج في الأكاديمية العسكرية الإنكليزية، قد سلك مسلك القائد الإيطالي الجنرال جوليو دوهيه خلال عقد الثلاثينيات من القرن العشرين، إذ قال دوهيه: «إن السلاح الجوي وحده سيقرر حروب المستقبل، حيث يمكن للقوة الجوية أن تتغلب على الوقت والمسافة بسرعة، وتدمر أي نوع من المقاومات الأرضية، وتبطل تأثير المواضع المحصنة والموانع على الأرض، كما يمكنها ضرب عاصمة الخصم وموارده، وشل إرادته، وبالتالي إخضاعه وإجباره على الاستسلام».

كانت الاستراتيجية البريطانية تجاه العراق خلال الحرب العالمية الثانية قد أخذت بنظر الاعتبار أن هناك خصماً عنيداً متمثلاً في دول المحور، ولا سيما ألمانيا الطامعة بنفط العراق، وكانت ملامح تلك الاستراتيجية البريطانية المرسومة هي:

  1. إسقاط حكومة العراق التي شكلها رشيد عالي الكيلاني الموالي للألمان، والقضاء على مجموعة العقداء الأربعة، هدفاً سياسياً استراتيجياً للحرب.
  2. إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن للتفرغ لجبهات الحرب الأخرى، قبل أن تستدير ألمانيا إلى منطقة الشرق الأوسط وتسيطر على منابع النفط.
  3. استخدام أقصى قدرة نارية ممكنة لتحطيم القدرة المعنوية والمادية لقوات الجيش العراقي.
  4. إجراء تدخل مباشر بين عمليات القصف الجوي والعمليات البرية.

وفي ضوء ما تقدم، فإن هذا الكتاب (المحاضرة) سيبحث في ماهية الأحداث التي أرادتها حكومة ونستون تشرشل، عبر سفارتها في بغداد، لإفشال أي جهد لحكومة رشيد عالي الكيلاني في سبيل الاعتراف بها، وممارسة الضغوط عليها لقطع علاقتها مع إيطاليا، وهو مبرر أرادته بريطانيا للعب على ورقة معاهدة عام 1930 الموقعة بين بريطانيا والعراق، لتحقيق مصلحة بريطانيا في الشرق الأوسط، والعراق على وجه التحديد. ويسعى الكتاب للإجابة عن التساؤلات الرئيسية التالية:

  1. إلى أي مدى كان التنافس البريطاني–الألماني على نفط العراق؟
  2. هل أسهمت معاهدة عام 1930 الموقعة بين بريطانيا والعراق في إعطاء أفضلية للجانب البريطاني في الحرب؟
  3. هل لعب السفير البريطاني في بغداد كورنواليس دوراً تحريضياً لتخريب العلاقات البريطانية مع حكومة رشيد عالي الكيلاني؟
  4. كيف أثّر مفتي القدس محمد أمين الحسيني في سياسة حكومة رشيد عالي الكيلاني والعقداء الأربعة، وهم صلاح الدين الصباغ وفهمي سعيد وكامل شبيب ومحمود سلمان، لمواجهة بريطانيا عسكرياً، مع علمه بوجود معاهدة عام 1930م بين بريطانيا والعراق؟
  5. إلى أي مدى أثّر قرار العراق عدم قطع العلاقات مع إيطاليا في قرار الحرب؟
  6. إلى أي مدى أثّرت قاعدتا الشعيبة والحبانية في سير العمليات العسكرية لصالح بريطانيا؟
  7. هل كانت ألمانيا مستعدة لمساندة الجيش العراقي في الحرب؟
  8. هل كان لنوري السعيد (رئيس الوزراء) دور في تقليص الجيش العراقي؟ وما أثر ذلك لاحقاً؟

تكمن أهمية الكتاب في أن بريطانيا خاضت الحرب العالمية الأولى ضد العثمانيين الأتراك على أرض العراق من عام 1914 إلى 1918م، كما خاضت الحرب ضد الجيش العراقي خلال الحرب العالمية الثانية، واحتلت العاصمة بغداد عام 1941 للمرة الثانية. إلا أن السياسة البريطانية الماكرة والملوّنة تجاه شعب العراق قد رُسمت بعناية عبر حكومة عراقية بوجوه عراقية وسياسة إنكليزية من خلف الستار.

وقد لاحظ الباحث ما يلي:

  1. هناك كثرة في الدراسات والبحوث حول دور الجيش العراقي في حرب مايس 1941، والحرب العراقية–البريطانية عام 1941م، والتطورات السياسية في العراق (1921–1953م)، وكذلك حركة رشيد عالي الكيلاني في العراق 1938–1941م، إلا أن كل البحوث الأساسية المذكورة لم تُعطِ ترابطاً واضحاً لسياسة بريطانيا تجاه العراق خلال الحرب بصورة وافية.
  2. لم يجد الباحث أي دراسة سابقة ناقشت الاستراتيجية البريطانية تجاه العراق خلال الحرب العالمية الثانية.
  3. من المتوقع أن يسهم هذا الكتاب في فهم السياسة البريطانية تجاه دول العالم الثالث ومنها العراق، وهي سياسة أخذت بها الولايات المتحدة في حربيها على أفغانستان عام 2001م والعراق عام 2003م.

ينصبّ الكتاب بشكل عام على سياسة بريطانيا تجاه دول الشرق الأوسط بصفة عامة، والعراق بصفة خاصة، بعد اكتشاف النفط في إيران عام 1908م والعراق عام 1909م، وعلى حماية خط المواصلات البحري الممتد من مستعمرتها الهند إلى سواحل الخليج العربي وموانئه، ومنها ميناء عبادان في إيران وميناء البصرة (الفاو) في العراق. وعليه فإن أهداف الكتاب تتصل بما يلي:

  1. تتبع السباق التنافسي بين بريطانيا وألمانيا للسيطرة على نفط العراق قبل الحرب العالمية الثانية.
  2. تشكيل حلف سعد آباد عام 1937م لمنع النفوذ الشيوعي، المدعوم من السوفييت، من الوصول إلى منابع النفط في منطقة الخليج العربي، ومنها العراق.
  3. الوقوف على معالجة الأزمة بين حكومة رشيد عالي الكيلاني الموالية للألمان والحكومة البريطانية لتفادي وقوع العراق النفطي بيد دول المحور.
  4. الوقوف على دور الوصي عبد الإله، الموالي للإنكليز، ونوري السعيد في تنفيذ مصالح بريطانيا على حساب مصلحة العراق المكبّل بقيود معاهدة عام 1930م.

منهج الكتاب

اعتمد الكاتب على المنهج الوصفي التاريخي، إذ توفرت لديه البيانات المختلفة، وتمكّن من تحليلها وصولاً إلى تحديد السياسة البريطانية تجاه العراق خلال الحرب.

وقد اعتمد الكاتب في جمع المعلومات على ما يلي:

  1. الدراسات والبحوث التي كتبها مؤلفون وكتّاب مدنيون وعسكريون حول احتلال العراق خلال الحرب العالمية الأولى، وكذلك خلال الحرب العالمية الثانية.
  2. النشرات والصحف والإصدارات الدورية، ورسائل السفارة البريطانية إلى وزارة الخارجية البريطانية حول المداولات بين حكومة رشيد عالي الكيلاني والسفير البريطاني كورنواليس في بغداد. وقد حاول الباحث فرز الوثائق الصحيحة ليعطي القارئ حقيقة الدور المشبوه لساسة العراق خلال الحرب.
  3. الكتب الأجنبية التي كُتبت حول دور بريطانيا في العراق، وقد توصل الباحث إلى أن معظمها يجانب الحقيقة، ولا سيما أن السفير البريطاني في بغداد كورنواليس لم يقدم أوراق اعتماده سفيراً لبريطانيا، ولكنه بقي يزاول عمله سفيراً لبريطانيا بحرية كاملة.

ولأجل إكمال مستلزمات الكتاب، فقد اشتمل على مقدمة وثلاثة فصول، تضمن كل فصل منها عدة عناوين. تناول الفصل الأول الاستراتيجية البريطانية حيال العراق خلال 1939–1940، وشمل موضوعات استعرضت الاستراتيجية البريطانية خلال عام 1939م، والموقف البريطاني من حكومة رشيد عالي الكيلاني في وزارته الثالثة في الحادي والثلاثين من آذار 1940م، وهروب ولي العهد (الوصي) عبد الإله ورئيس الوزراء (نوري السعيد) في أوائل نيسان 1941 وتداعياته. أما في الفصل الثاني فتناولنا الأزمة بين العراق وبريطانيا خلال شهر مايس 1941، وتطرقنا فيه إلى تطور الموقف بين الطرفين البريطاني والعراقي، وسير العمليات بين الجانبين، وتداعيات فشل حرب مايس/أيار 1941م. أما الفصل الثالث والأخير، فقد بيّنا فيه السيطرة البريطانية على مقدرات البلاد، وتناول الحديث السيطرة البريطانية العسكرية بعد الحرب، والبحث في ظهور النوادي والجمعيات الموالية لبريطانيا، والسيطرة البريطانية السياسية على العراق، واختُتم الكتاب برؤية مستقبلية يمكن للقارئ أن يستفيد منها في دراساته المقبلة.

والله ولي التوفيق.