الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

موقف بريطانيا من هروب الوصي عبد الإله ونوري السعيد من بغداد عام 1941 وتداعياته

من محاضرات «حركة مايس 1941» – 2010

أصبح تأثير مفتي القدس محمد أمين الحسيني واضحاً في العقداء الأربعة، وهم صلاح الدين الصباغ وفهمي سعيد وكامل شبيب ومحمود سلمان، بل صار أكبر من تأثير رئيس الحكومة طه الهاشمي. ورغم أن طه الهاشمي عسكري سابق، وأنه من الناحية الدستورية الرجل الأول في إدارة الدولة، فقد وُضع أمام أمرين: إما الرضوخ لمطالب بريطانيا وإما الاستقالة.

في هذه الأثناء عمدت بريطانيا إلى عزل سفيرها بازل نيوتن ليحل محله السير كينهان كورنواليس في 2 نيسان 1941، وهو الذي لم يقدم أوراق اعتماده إلى الكيلاني بصفته رئيساً للوزراء، وعمد إلى تضليل حكومته في لندن بمعلومات مضخمة عن دور العقداء الأربعة. كما أبلغ كورنواليس الوصيَّ عبد الإله أن التوصل إلى تسوية للأزمة أمر فات أوانه، بل شجعه على تشكيل حكومة في البصرة، وإذاعة بيان إلى الشعب العراقي يهاجم فيه حركة مايس 1941، وإصدار العفو عن الضباط والجنود بغية إحداث تمرد داخل الجيش العراقي.

وصل الوصي عبد الإله إلى البصرة هارباً من سطوة رشيد عالي الكيلاني والعقداء الأربعة في الثالث من نيسان 1941، وأصبحت البصرة في قبضة القوات البريطانية لضمان أمن وصول قواتها، كما بات البلد يُحكم خارج النصوص الدستورية، وأصبح منصب الوصاية شاغراً.

شُكلت حكومة الدفاع الوطني برئاسة رشيد عالي الكيلاني في الثالث من نيسان 1941، وضمت في عضويتها العقداء الأربعة، ورئيس أركان الجيش وكالةً الفريق أمين زكي، وعلي محمود الشيخ علي، ويونس السبعاوي. وطلبت حكومة الدفاع الوطني من بريطانيا عدم التدخل في شؤون العراق الداخلية واحترام الحقوق الدولية، في حين ذهب ونستون تشرشل، رئيس الحكومة البريطانية، إلى وصف مجموعة العقداء الأربعة ورشيد عالي الكيلاني بأنهم عملاء للألمان يريدون تسليمهم نفط العراق، وهدد باستعمال القوة لضمان إنزال القوات البريطانية في البصرة.

وفي الوقت الذي طلب فيه رشيد عالي الكيلاني من الوزير المفوض الإيطالي في بغداد جبرييلي مساعدة عسكرية ومالية تؤمنها دول المحور، حاول في الوقت نفسه التوصل إلى تسوية الأزمة سلمياً مع بريطانيا. فعقد اجتماعاً مع كورنواليس، السفير البريطاني الجديد في بغداد، كان فيه الأخير يعمل على خديعته بالقول إن حكومة بريطانيا مستعدة لأن تلبي أي طلب شخصي له، حتى وإن أراد إعلان الجمهورية.

شكّل رشيد عالي الكيلاني حكومته في الثاني عشر من نيسان 1941، مبدياً حرصه على تنفيذ المعاهدة العراقية – البريطانية لعام 1930 نصاً وروحاً، في حين عدّت بريطانيا وأمريكا حكومة رشيد عالي الكيلاني مؤامرة دبرها النازيون ضد الدول الديمقراطية. وفي غمرة مناقشات قادة الميدان البريطانيين لإنهاء الأزمة، استقر القرار على الذهاب إلى الحرب.

الأزمة بين العقداء الأربعة وحكومة طه الهاشمي

بحلول شهر آذار 1941 كانت العلاقات بين رئيس الوزراء طه الهاشمي والعقداء الأربعة قد تغيرت تماماً، فأصدر طه الهاشمي في السادس والعشرين من آذار 1941 أمراً بنقل العقيد الركن كامل شبيب من قيادة الفرقة الأولى في بغداد إلى قيادة الفرقة الرابعة في الديوانية بدلاً من اللواء إبراهيم الراوي (1). فرفض العقيد الركن كامل شبيب تنفيذ أمر النقل، بعد أن اتفق العقداء الأربعة على ذلك وأجبروا رئيس الوزراء طه الهاشمي على إلغاء الأمر.

1. الاجتماع الحاسم لمفتي القدس أمين الحسيني مع العقداء الأربعة

عُقد اجتماع سري في دار مفتي القدس أمين الحسيني في الثامن والعشرين من آذار 1941، حضره العقداء الأربعة صلاح الدين الصباغ وكامل شبيب وفهمي سعيد ومحمود سلمان، ورشيد عالي الكيلاني ويونس السبعاوي وناجي شوكت. وأقسم الحاضرون اليمين أن يعملوا ما في وسعهم، وبكل ما أوتوا من قوة، لإنقاذ العراق والأمة العربية من براثن الاستعمار وتحقيق الاستقلال (2). واتخذ كل منهم اسماً مستعاراً (اسماً حركياً) (3).

وأثار مفتي القدس محمد أمين الحسيني همّة المحيطين به ونخوتهم العربية، فقرروا الامتناع عن تقديم أية تنازلات جديدة لبريطانيا، وعدم قطع العلاقات مع إيطاليا، وصمموا على طرد أبرز رموز الساسة العراقيين الموالين لبريطانيا من البلاد، وإسقاط وزارة طه الهاشمي إذا رفض الموافقة على هذه النقاط، وتشكيل وزارة جديدة برئاسة رشيد عالي الكيلاني (4). ولم يفكر المجتمعون في إعلان الحرب على بريطانيا، بل اتُّخذت الاحتياطات المناسبة لتجنب ذلك قدر المستطاع، مع الضغط على بريطانيا قدر الإمكان لتحقيق المطالب العراقية الأساسية (5).

واجتمعت الآراء في ذلك اليوم، 28 آذار 1941، على القرار الآتي: «لما كان الإنكليز قد أقدموا، بتشجيع أذنابهم، على فرض مطالب مجحفة تتوخى زجّ العراق في الحرب، وإرغام باقي حكام العرب على السكوت وعدم المطالبة بحقوقهم، فإن عزم رئيس الوزراء طه الهاشمي على قطع العلاقات السياسية مع إيطاليا بصورة فجائية (من دون استشارة المجلس النيابي أو الجيش) لن يرضي طموح الإنكليز، ولن يقعدهم عن تحقيق غاياتهم في إقصاء قادة الجيش المخلصين ليسيطروا عليه ويتصرفوا به كما يشاؤون» (6).

وبذلك وُضع رئيس الوزراء طه الهاشمي في مأزق: إما الرضوخ للبريطانيين وتلبية مطالبهم، وإما أن يرغمه الوصي عبد الإله على الاستقالة كما أرغم رشيد عالي الكيلاني من قبل. ولما كان من المستبعد أن يقاوم طه الهاشمي الوصيَّ عبد الإله، فلم يبق أمامه إلا الرضوخ لمطالب العقداء الأربعة بالاستقالة، والتنحي عن وزارة مؤتلفة كما يطلب البريطانيون ويتمنون، وذلك للأسباب الآتية (7):

  1. أن العراق غير مهيأ في هذه المرحلة سياسياً وعسكرياً لمواجهة بريطانيا.

  2. البقاء في حالة توازن مستمر بين العلاقات العراقية – البريطانية من جهة، والعلاقة مع دول المحور ألمانيا وإيطاليا من جهة أخرى.

  3. وجود انقسام واضح في وجهات النظر بين الساسة العراقيين، ما بين مؤيد للبريطانيين إلى حد الطاعة، ووطنيين عراقيين معارضين للسياسة البريطانية.

  4. بداية شرخ أخذ بالاتساع بين ما يريده السياسيون وما يريده قادة الجيش العراقي.

  5. أن الوصي عبد الإله، بإيعاز من السفير البريطاني كورنواليس، سيقوم باعتقال السياسيين المعارضين للسياسة البريطانية أو طردهم.

ورأى المجتمعون أن على الحكومة العراقية أعباء ومهمات جديدة تفرضها مخاطر المرحلة ومتطلباتها في إدارة دفة السياسة العراقية، وحددوا خيارات إستراتيجية لما هو مطلوب، منها (8):

  1. حل البرلمان وانتخاب مجلس نيابي يمثل الأمة.

  2. أن وجود كل من نوري السعيد وجميل المدفعي وعلي جودت الأيوبي في الحكومة هو دائماً وأبداً سبب الخلاف وإراقة الدماء، وأن الواجب يقضي بتعيين نوري السعيد سفيراً في الولايات المتحدة الأمريكية، وجميل المدفعي سفيراً في مصر، وعلي جودت الأيوبي سفيراً في دولة أخرى، بغية إنقاذ البلاد من عبثهم وتحقيقاً لنجاح الانتخابات النيابية (9).

  3. عدم الانسياق وراء المطالب البريطانية بقطع العلاقات مع إيطاليا، والتأكيد على ضرورة الالتزام بالمعاهدة العراقية – البريطانية لعام 1930 (10).

وأقر القادة العسكريون والساسة المجتمعون في دار مفتي القدس محمد أمين الحسيني القيام بتدابير تتماشى مع تطور الموقف الآخذ بالتصعيد.

2. الهروب الثاني للوصي عبد الإله خارج بغداد

بعد صدور قرار نقل العقيد الركن كامل شبيب إلى قيادة الفرقة الرابعة في الديوانية، تدخل زميله العقيد الركن فهمي سعيد ليطلب مباشرة من طه الهاشمي، رئيس الوزراء ووزير الدفاع وكالةً، إلغاء الأمر، وهو ما رفضه (11). وحضر العقداء الأربعة، ومعهم رشيد عالي الكيلاني ويونس السبعاوي، اجتماعاً في معسكر الرشيد (الهنيدي) لتداول مخاطر إبعاد زميلهم العقيد كامل شبيب عن بغداد، وعدّوا ذلك استجابة لطلب الوصي عبد الإله ونوري السعيد، وهو ما يتطابق مع رغبة رئيس وزراء بريطانيا ونستون تشرشل ووزير خارجيته إيدن، كما أوضح ذلك توفيق السويدي، وزير خارجية العراق، خلال لقائه الأخير مع إيدن في القاهرة في آذار 1941 (12).

ولتوضيح الملابسات التي رافقت لقاء طه الهاشمي مع العقيد الركن فهمي سعيد، قرر المجتمعون في معسكر الرشيد إرسال العقيد الركن فهمي سعيد بصحبة العميد (الفريق) أمين زكي، وكيل رئيس أركان الجيش، لمواجهة الوصي عبد الإله. إلا أن الوصي تلقى مكالمة هاتفية من طه الهاشمي الذي استقال مجبراً (13)، فقرر على أثرها الخروج من القصر الملكي متنكراً واللجوء إلى السفارة الأمريكية جنوب بغداد، ليتصل القائم بالأعمال الأمريكي بنظيره البريطاني ويخبره بمكان وجود الوصي عبد الإله (14).

واتفقت السفارتان الأمريكية والبريطانية، بعد أن توجه الوصي عبد الإله إلى السفارة الأمريكية في الأول من نيسان 1941، على تهريبه خارج العراق حفاظاً على حياته. وهو ما فعله الدبلوماسي الأمريكي بنقله في سيارته الدبلوماسية (لتمتعه بالحصانة الدولية) من بغداد إلى قاعدة الحبانية، ليلتقي بالسفير البريطاني الجديد كورنواليس الذي وصل تواً إلى الحبانية، ومنها نُقل إلى البصرة لغرض إثارة أهالي البصرة ومتصرفها (محافظها) صالح جبر ضد تسلط رشيد عالي الكيلاني والعقداء الأربعة على مقاليد الحكم في بغداد.

3. دور السفير البريطاني الجديد كينهان كورنواليس في الإطاحة بالكيلاني

قابل السفير البريطاني بازل نيوتن الوصيَّ عبد الإله في صباح اليوم الأول من نيسان 1941 في الحبانية، وكان ذلك آخر لقاء له قبل رحيله من العراق، وأبرق إلى حكومته في الساعة 2330 (أي الحادية عشرة والنصف ليلاً) بما دار بينهما وبكيفية إدارة الأزمة مع رشيد عالي الكيلاني (15)، وبأن جميع القادة السياسيين العراقيين، ومنهم جميل المدفعي، نصحوا الوصي بقبول اعتذار العقداء الأربعة (16).

ترك بازل نيوتن منصبه سفيراً لبريطانيا في بغداد وتسلمه السير كينهان كورنواليس، وبعث نيوتن بآخر برقية حول تطور الموقف إلى حكومته في اليوم الثاني من نيسان 1941. وفي اليوم نفسه وصل السفير البريطاني الجديد السير كينهان كورنواليس إلى الحبانية، بعد وقت قصير من وصول الوصي عبد الإله إليها (17).

يذكر نجم الدين السهروردي في كتابه «التأريخ لم يبدأ غداً» أن رشيد عالي الكيلاني، الذي أُسند إليه منصب وزير الداخلية في حكومة ياسين الهاشمي عام 1935، أقدم على طرد كورنواليس من منصبه مستشاراً في وزارة الداخلية، وهو ما شكّل عقدة مستعصية زادت من صعوبة إيجاد حلول للأزمة (18).

أبلغ السفير كورنواليس الوصيَّ عبد الإله أن التوصل إلى تسوية أمر فات أوانه، وشجعه على القيام بعمل فوري وفعال، وتشكيل حكومة في البصرة برئاسة علي جودت الأيوبي أو جميل المدفعي، واستدعاء مجلس الأمة إلى البصرة للحصول على تأييده، وإذاعة بيان إلى الشعب العراقي يهاجم حركة مايس 1941، وإصدار عفو عن الضباط والجنود الذين أُجبروا على الانضمام إلى الحركة إذا ما نبذوا ولاءهم لها (19).

في الثالث من نيسان 1941 عزز السفير البريطاني الجديد كورنواليس مسعاه لغلق كل الطرق السلمية أمام الوصي عبد الإله، فأبرق إلى حكومته في الساعة 11:30 صباحاً قائلاً إن رشيد عالي الكيلاني سيطر على مكاتب الحكومة، وإن الجيش أخذ على عاتقه مسؤولية الحكم، واقترح على حكومته عدم إقامة علاقات رسمية مع حكومة رشيد عالي الكيلاني (20).

تيقن رشيد عالي الكيلاني من نوايا السفير البريطاني الجديد كورنواليس في تصعيد الأزمة، وبات عليه أن يمارس أقصى ما يمكن من الصبر، فلا يقطع علاقته ببريطانيا، ويسعى إلى الوصول إلى حد أدنى من التفاهم (21).

اجتمع رشيد عالي الكيلاني مع أدموندس (Edmonds)، المستشار البريطاني في وزارة الداخلية العراقية، في الثالث من نيسان 1941، وطلب منه نقل مقترحاته إلى سفيره كورنواليس لإبلاغ حكومته بشأن الفراغ الدستوري الذي ظهر في البلاد (22).

لم يتأخر السفير البريطاني كورنواليس في الرد على تلك المقترحات، فعلق عليها بقوله: «أنا لا أعرف إن كان رشيد عالي الكيلاني يقوم بمحاولة للحصول على اعتراف رسمي بريطاني بوضعه القلق، أو أنه تسلّم أوامر من الألمان للسير ببطء في الوقت الحاضر. أنا لا أثق به، وحتى لو تغير قلبه فلا أعتمد على وعوده وإن كان مخلصاً، وأشك في أن الجيش والمتطرفين الآخرين يسمحون له بمثل هذا التغيير، وكذلك أشك في قبول الوصي عبد الإله لهذه المقترحات» (23)، أي في قبوله اغتصاب الحكم من قبل رشيد عالي الكيلاني.

كما أوضح السفير كورنواليس أن الأمر المهم بالنسبة إليه هو السعي لضمان الأمن والتعاون مع بريطانيا، بهدف توفير الفرصة التي يتمكن البريطانيون من خلالها من استعادة دورهم، ووصف وضع بريطانيا في العراق بأنه مؤلم (24).

ويبدو من الاطلاع على آراء رشيد عالي الكيلاني أنه «تصرف شخصياً في تقديمه لتلك المقترحات، لأن بعضها يتقاطع مع أهداف حركة مايس 1941، ولا أعتقد أن كثيراً من قادة حركة مايس، وبخاصة جناحها العسكري (العقداء الأربعة)، يشاركون رشيد عالي الكيلاني آراءه تلك، ولعل رشيد عالي الكيلاني قد أحدث شرخاً في صفوف قيادة حركة مايس 1941 ظهرت آثاره السلبية بعد ذلك» (25).

لقد أحدث رشيد عالي الكيلاني شرخاً كبيراً بسبب تعنت الجناح العسكري (العقداء الأربعة) وعدم اهتمامهم بالقضايا القانونية والدبلوماسية بسبب ضيق أفقهم السياسي، فهم يسيّرون الأعمال كما يرتؤون، لأن القوة دالّتهم الأولى. «والحقيقة أن رئاسة أركان الجيش لم تسهم بصورة مباشرة أو فعالة في العمليات العسكرية، بل كانت العمليات العسكرية تدار من قيادة الفرقة الثالثة التي يرأسها العقيد الركن صلاح الدين الصباغ في معسكر الرشيد، وكان وكيل رئيس أركان الجيش الفريق أمين زكي والرائد محمود الدرة أشبه بضابطي ارتباط بين وزارة الدفاع ومقر العقيد الركن صلاح الدين الصباغ الذي كانت تصدر عنه جميع الأوامر الخطيرة موضوعة البحث» (26).

4. دور العقداء الأربعة في تأزيم الموقف

وصل الوصي عبد الإله إلى البصرة في الثالث من نيسان 1941، فصدر بيان من رئاسة أركان الجيش إلى الشعب العراقي مساء اليوم نفسه. وفي السياق نفسه أكد ونستون تشرشل، رئيس وزراء بريطانيا، بعد وصول الوصي عبد الإله إلى البصرة، أنه «أصبح لزاماً على بريطانيا أن تضمن سلامة البصرة» (27)، وبذلك اتخذت السلطات البريطانية بعض الإجراءات لتسهيل عملية الإنزال البريطاني في البصرة ثم احتلالها (28).

واستمال الوصي عبد الإله حامية البصرة إلى جانبه بالاتفاق مع المتصرف (محافظ البصرة) صالح جبر (29). وتعاقبت الأحداث سريعاً بنبرة عسكرية حادة، إذ بعثت رئاسة أركان الجيش برسالة إلى آمرية حامية البصرة جاء فيها: «الأمير عبد الإله عندكم في البصرة، وليست له صفة الوصاية، سيطروا على الموقف في البصرة». كما تلقت قوة الدفاع عن البصرة برقية أخرى من بغداد تقول: «امنعوا الأمير عبد الإله بحرسكم من الاتصال مع الخارج، واقبضوا على المتصرف صالح جبر وأرسلوه مخفوراً إلى بغداد» (30).

أما مدير ميناء البصرة الإنكليزي العقيد وورد فقد نقل الوصي عبد الإله إلى مقر القاعدة الجوية في المعقل (31)، ومنها نُقل بزورق إلى الطراد البريطاني كوشبير (32) الراسي في شط العرب.

5. تقوية الدفاعات البريطانية في البصرة

إن لاهتمام ونستون تشرشل، رئيس الوزراء البريطاني، بالبصرة في ذلك الوقت بالذات دلالاتٍ أخرى، فالمنطقة الجنوبية من العراق ومركزها البصرة هي المدخل الرئيس لدخول القوات البريطانية إلى العراق، ولا سيما أن ميناء البصرة يقع على شط العرب الذي يسهّل وصول السفن البريطانية إلى هناك وهي تحمل القوات العسكرية وعناصرها العملياتية (33) والإدارية (34).

واقتنع ونستون تشرشل بأن وجود الوصي عبد الإله في البصرة، وهو المسؤول الأول في العراق، يعني إمكانية انتقال الحكومة العراقية من بغداد إلى البصرة. وكان ذلك سبباً في انزلاق الأزمة بين العراق وبريطانيا «إلى مستوى ليس مجرد إزاحة رشيد عالي الكيلاني من رئاسة الوزارة»، و«من الطبيعي أن يؤدي ذلك إلى انضمامه إلى المتطرفين»، حتى لو «لم يكن رشيد عالي الكيلاني بالضرورة يرغب في إثارة نزاع مع بريطانيا، ولكن ممثليها في العراق أمعنوا في تعقيد الموقف بتزويد لندن بمعلومات خاطئة» (35). حتى إن فريا ستارك (36)، المستشارة في السفارة البريطانية، اتهمت السفير البريطاني في بغداد كورنواليس، ولو بصورة جزئية، بأنه المسؤول عن تطور الأحداث في العراق، ووصفته بعدم الكفاءة والجهل بثقافة عرب المشرق (37).

المصادر

  1. عثمان كمال حداد، مصدر سابق، ص 100. وكذلك: عبد الرزاق الحسني، الأسرار الخفية، ج1، ص 162.

  2. جفري ورنر، مصدر سابق، ص 167. وكذلك: عبد الرزاق الحسني، الأسرار الخفية، مصدر سابق، ص 158-159.

  3. فاضل البراك، مصدر سابق، ص 197.

  4. يتضح أن العقداء الأربعة أخلّوا بالضبط العسكري بعدم تنفيذهم الأوامر، وهذا يدل على ضعف رئيس الوزراء طه الهاشمي، واتخذوا من مفتي القدس رئيساً، في حين كان رشيد عالي الكيلاني السياسي المحنك من ضمن الجماعة. انظر: صلاح الدين الصباغ، مصدر سابق، ص 218.

  5. عبد الحميد الهلالي، مصدر سابق، ص 81.

  6. كان قرارهم (بريطانيا) يدل على عدم تقديرهم لموقف العراق السياسي والعسكري تجاه بريطانيا بصورة صحيحة. انظر: صلاح الدين الصباغ، مصدر سابق، ص 218.

  7. المصدر نفسه، ص 219.

  8. صلاح الدين الصباغ، مصدر سابق، ص 218.

  9. من هذه التدابير ما يلي:

أ. استمالة الوصي عبد الإله ليرضى عن قادة الجيش.

ب. تقديم طه الهاشمي استقالته إذا فشل في تحقيق ما ورد أعلاه.

ج. بعد استقالة طه الهاشمي، يقصد الوصيَّ عبد الإله وفدٌ من رجالات العراق والعرب ومن قادة الجيش، يعرضون عليه توسلاتهم ليوافق على إسناد رئاسة الوزارة إلى رشيد عالي الكيلاني، ويوافق على حل المجلس النيابي وانتخاب مجلس بديل فوراً، والاقتراع على الثقة بوزارة رشيد عالي الكيلاني، فيقرر بقاءها أو استقالتها وفقاً لأحكام الدستور.

د. يقطع الجيش على نفسه عهداً صارماً بألا يتدخل في شؤون الحكومة القائمة إذا توثق من سلامة الانتخابات النيابية، وتأكد لديه أن السلطة التشريعية تمارس كل ما لديها من صلاحيات، وأنها ليست آلة بيد الوزارة أو الوصي عبد الإله الجالس على العرش، وأنه ما من وزارة تتولى الحكم بتأثير الأجنبي أو بدسائسه.

مرت أيام عدة والقادة الوطنيون يترددون على طه الهاشمي في داره متوسلين إليه أن يحقق الأماني، حتى ملّ وملّوا، وأخيراً قال: لا بد من الموافقة على ما يريده الإنكليز، وأما رضا الوصي عن قادة الجيش فمستحيل. انظر: عبد الرزاق الحسني، الأسرار الخفية في حركة مايس السنة 1941 التحررية، مصدر سابق، ص 160-161.

  1. عبد الرزاق الحسني، العراق في ظل المعاهدات، بيروت، مطبعة دار الكتب، ط5، 1982، ص 242-243.

  2. عبد الرزاق الحسني، الأسرار الخفية في حركة مايس السنة 1941 التحررية، ج1، مصدر سابق، ص 168.

  3. صلاح الدين الصباغ، مصدر سابق، ص 222.

  4. عبد الرزاق الحسني، الأسرار الخفية في حركة مايس السنة 1941 التحررية، ج1، مصدر سابق، ص 170.

  5. المصدر نفسه، ص 168-169.

  6. تضمنت البرقية (والكلام للسفير بازل نيوتن): 1. أخبرني الوصي عبد الإله هذا الصباح بأنه مضطر إلى قبول اعتذار الضباط مصحوباً بتعهد بحسن السلوك، وارتأى الوصي مغادرة بغداد مصحوباً بالملك فيصل الثاني إلى أربيل مقره الصيفي. 2. اقترحتُ على الوصي أن يستفيد من الموقف الحاصل للحصول من القادة (العقداء الأربعة) على تنازلات مشروطة بإطاعة الأوامر وتنفيذ السياسة في المستقبل. 3. إن أخذ التنازلات من الضباط العقداء الأربعة سيجعلهم يتراجعون عن الموقف الذي سبق أن اتخذوه فيما يتعلق بنشاط المفوضية الإيطالية (كررت عليه الملاحظة). 4. أخبرت الوصي بأنه لن يجد من يساعده إذا ذهب إلى مقره الصيفي (أربيل)، ونصحته بقوة أن يسافر إلى البصرة لأن الظروف مهيأة هناك (قصد بذلك وجود قوة بحرية بريطانية وطائرات في قاعدة الشعيبة). 5. أنا أعتقد أن الوصي كان مصيباً، وأن طه الهاشمي قادر على القيادة القوية، وفي هذا الاتجاه لا يوجد من يحل محله قبل مرور مدة، من قِبل جميل المدفعي. ومن المحتمل جداً أن يكون طه الهاشمي قادراً على قطع العلاقات مع إيطاليا إذا توقفت المواجهة مع العقداء الأربعة. انظر: جعفر عباس حميدي، وثائق بريطانية حول موقف السفارة البريطانية في بغداد من حكومة الدفاع الوطني (3-10) نيسان 1941، ص 47، نقلاً عن الوثيقة البريطانية: From Sir Newton to Foreign Office, 2 April, 1941.

  7. جميل المدفعي: ولد في الموصل عام 1890، وأتم دراسته الإعدادية العسكرية في بغداد، ثم دخل مدرسة الهندسة العسكرية في إسطنبول فتخرج فيها ضابطاً في سلاح المدفعية حوالي عام 1911. شارك في حرب البلقان في صفوف الجيش العثماني، وفي الحرب العالمية الأولى عام 1914 اشترك في معارك القفقاس، وفي معارك ضد الجيش البريطاني في غزة بفلسطين، ثم تحول إلى قوات الشريف حسين في جيش الحجاز الشمالي عام 1917. عُيّن في سوريا آمراً لموقع دمشق ومستشاراً عسكرياً للأمير فيصل. قاد حركة عسكرية في منطقة تلعفر (شمال غرب الموصل) ضد المحتلين البريطانيين، وهرب على أثر فشلها إلى شرق الأردن لاجئاً إلى الأمير عبد الله، فعيّنه متصرفاً للواء الكرك، فمديراً للأمن العام، فمتصرفاً للواء السلط. عاد عام 1923 إلى بغداد، وعيّنه الملك فيصل الأول متصرفاً للواء المنتفك (الناصرية) في كانون الأول 1923، ثم نُقل إلى العمارة، ثم الديوانية، وديالى. في 23 آذار 1930 أصبح وزيراً للداخلية في حكومة عبد المحسن السعدون. ألّف ما بين 1933 و1953 سبع وزارات. أجبره القادة الأربعة على الاستقالة من وزارته الرابعة، وحل محله نوري السعيد. انتُخب عام 1956 رئيساً لمجلس الأعيان، وتوفي عام 1958. انظر: حسن لطيف الزبيدي، مصدر سابق، ص 532-533.

  8. جعفر عباس حميدي، وثائق بريطانية حول موقف السفارة البريطانية في بغداد من حكومة الدفاع الوطني، مصدر سابق، ص 47.

  9. نجم الدين السهروردي، التأريخ لم يبدأ غداً، بغداد، شركة المعرفة، ط2، 1989، ص 61.

  10. أرسل الوصي عبد الإله جميل المدفعي إلى الموصل لإثارة القبائل فيها ضد حكومة رشيد عالي الكيلاني، وقام الشيخ محمود الحفيد البرزنجي بعصيان مسلح في السليمانية تضامناً مع البريطانيين لإفشال حكومة رشيد عالي الكيلاني. أما الوصي فقد وضع البريطانيون في خدمته محطة إذاعة موجودة في قاعدة الشعيبة لتوجيه النداءات إلى أهالي بغداد وتحريضهم ضد تسلط العقداء الأربعة. انظر: جفري ورنر، مصدر سابق، ص 172. وكذلك: Churchill, Winston, op. cit., p. 225.

  11. جعفر عباس حميدي، وثائق بريطانية حول موقف السفارة البريطانية في بغداد من حكومة الدفاع الوطني، مصدر سابق، ص 48.

  12. Churchill, Winston, op. cit., p. 225.

  13. كان حوار رشيد عالي الكيلاني مع أدموندس، المستشار البريطاني في وزارة الداخلية العراقية، كما يلي: لقد استقال طه الهاشمي، ورفض أن يستمر في الحكم حتى يتم تشكيل حكومة جديدة، كما اختفى الوصي عبد الإله، ولهذا لا يمكن تشكيل حكومة دستورية. وفي مثل هذه الظروف تحمّل الجيش المسؤولية، وطلب من الكيلاني أن يقوم بحكم البلاد مؤقتاً. وأكد رشيد عالي الكيلاني إخلاصه للتحالف العراقي – البريطاني (معاهدة 1930)، وذكر لمضيفه أن الذي دفعه إلى ذلك مصلحة البلاد فقط، وقال إنه استشار جميع الوزراء الذين تمكن من الاتصال بهم، وقد حثّوه بقوة على تولي الحكومة. انظر: صحيفة المشرق البغدادية، بغداد، 23 حزيران 2005، نقلاً عن كتاب Churchill, Winston, p. 226. وكذلك: محمود الدرة، مصدر سابق، ص 202-203.

  14. جعفر عباس حميدي، وثائق بريطانية حول موقف السفارة البريطانية في بغداد من حكومة الدفاع الوطني، مصدر سابق، ص 49.

  15. جعفر عباس حميدي، وثائق بريطانية حول موقف السفارة البريطانية، مصدر سابق، ص 49.

  16. المقصود بالحركة هنا الأعمال التي جرت في العراق (مايس 1941)، وما قام به العقداء الأربعة، وتشكيل حكومة الدفاع الوطني، ثم اختيار الشريف شرف وصياً على عرش العراق. انظر: جعفر عباس حميدي، وثائق بريطانية حول موقف السفارة البريطانية من حكومة الدفاع الوطني، ص 50.

  17. محمود الدرة، مصدر سابق، ص 184.

  18. زينب أحمد كاظم، البصرة خلال حركة مايس 1941، البصرة، جامعة البصرة، المركز الثقافي، سلسلة تراث البصرة (14)، مطبعة دار الحكمة، 1992، ص 55.

  19. المصدر نفسه، ص 38. وقد أُبدل اسم «متصرف» إلى «محافظ» عام 1975.

  20. عبد الرزاق الحسني، الأسرار الخفية في حركة مايس السنة 1941 التحررية، ج1، مصدر سابق، ص 179.

  21. عبد الرزاق الحسني، المصدر نفسه، ص 177-178.

  22. المعقل: منطقة وسطى في مدينة البصرة على الضفة الغربية لشط العرب، بين شط العشار ومديرية الموانئ العامة. كان فيها مقر القاعدة الجوية البريطانية، ومقر القوة النهرية العراقية التي تطورت فيما بعد وأصبحت القوة البحرية العراقية عام 1958.

  23. الطراد البريطاني كوشبير: إن لجوء الوصي عبد الإله إلى الطراد البريطاني كوشبير معناه خروجه من العراق وإبقاء منصب الوصاية شاغراً؛ إذ تُعد السفن الأجنبية قلاعاً أجنبية تمخر عباب البحار، وتسود فيها سيادة الدولة التي ترفع علمها، سواء مخرت عباب البحر أو رست في أحد الموانئ الأجنبية. عبد الرزاق الحسني، الأسرار الخفية في حركة مايس السنة 1941 التحررية، مصدر سابق، ص 124. وانظر كذلك: فاضل البراك، مصدر سابق، ص 209.

  24. العناصر العملياتية (Operational elements): جميع العناصر (البشرية والمادية) التي تقوم بالعمليات العسكرية في مستويات التعبئة والعمليات والسوق. وتتناوب العمليات (المعركة والمناورة)، فتنبثق إحداهما نتيجة الأخرى، فيحصل ما يسمى «دورة العمليات». وتُعد المعركة والمناورة المقوّمين الأساسيين للعمليات في المستويات العليا، فالمعركة تهيئ احتمالات إضافية للمناورة، في حين تخلق المناورة الظروف الملائمة للمعركة. محمد فتحي أمين، قاموس المصطلحات العسكرية، بغداد، المطابع العسكرية، ط2، 1982، ص 247.

  25. العناصر الإدارية (Administrative elements): العناصر (البشرية والتجهيزات) التي تقوم بجميع القضايا العسكرية التي ليست لها علاقة بالعمليات العسكرية ولكنها تسندها، أي العناصر التي تقوم بتخطيط القضايا الإدارية وتنفيذها لإسناد العمليات العسكرية. المصدر نفسه، ص 91-96.

  26. Stark, Freya, East & West 1947, London, John Murray, 1949, p. 139.

  27. فريا ستارك (Freya Stark): جاسوسة بريطانية تجيد اللغة العربية، زارت العراق أثناء حرب مايس 1941، وتولت تنظيم «نادي إخوان الحرية» وأشرفت عليه، وبذلت جهوداً من أجل كسب العراقيين للانضمام إلى النادي، فبلغ عدد أعضائه سبعة آلاف عام 1943، وشُكّلت (600) لجنة في جميع أنحاء العراق. انظر: Stark, Freya, East & West 1947, op. cit., p. 164.

  28. Ibid., p. 142.