الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

موقف دول المحور من مطالب العراق الوطنية 1939-1940

من محاضرات «حركة مايس 1941» – 2010

توقع العرب في تلك الفترة أن يلقوا تشجيعاً من ألمانيا بعد زوال هيبة إيطاليا وسمعتها في حرب اليونان (1)، إذ أصبح بوسع ألمانيا أن تفرض على حليفتها إيطاليا السياسة التي ترغب فيها. وعلى الرغم من ذلك لم يُبدِ الألمان استعداداً لتقديم المعونة للعراق إلا إذا اتبع سياسة عدم الحياد. وسياسة عدم الحياد في رأيهم تعني حرمان القوات البريطانية من استخدام الأراضي العراقية، أي بمعنى آخر نقض معاهدة 30 حزيران 1930، من دون استعداد سابق لمواجهة الهجوم البريطاني المنتظر. وهو ما دعا عثمان كمال حداد، السكرتير الشخصي لمفتي القدس محمد أمين الحسيني، إلى مراسلة رشيد عالي الكيلاني يدعوه فيها إلى عدم الاعتماد على ألمانيا، وقال: «لاحظت أن الألمان يريدون توريطنا في صدام مسلح دون أن يهتموا بمصيرنا» (2). والباحث يتفق تماماً مع هذا الرأي، كما أوضحنا سابقاً.

قُدمت طلبات العراق العسكرية إلى وزير إيطاليا المفوض في بغداد جبريللي في أواسط كانون الأول 1940، ووصلت إلى برلين بطريقة غير مباشرة (3)، غير أن الهزائم الإيطالية في شمال إفريقيا عام 1941 كان لها تأثير في استجابة المحور (ألمانيا) لنداءات العراقيين. وأبدت إيطاليا استعداداً متزايداً للإذعان لرغبات ألمانيا، وقد ظهر هذا واضحاً في مسودة الجواب الإيطالي على مطالب رئيس وزراء العراق رشيد عالي الكيلاني، إذ جاء فيها: «وبقدر تعلق الأمر بالمساعدة العسكرية للعراق، فإن ألمانيا وإيطاليا ستلتزمان بمسؤوليتهما في حالة وجود أسباب خطيرة فقط، وبعد دراسة الموقف العراقي بعناية وجدتا (ألمانيا وإيطاليا) أنه ليس من عادتهما أن تقدما وعوداً لا يمكن تحقيقها، حيث إن ذلك لا يتفق مع سياستهما في التضامن». كما جاء في مسودة الدولتين: «… من الطبيعي أن ألمانيا وإيطاليا ستفعلان كل ما يمكنهما لمساعدة العراق إذا فتح جبهة جديدة ضد بريطانيا، لكنهما لا تريدان أن تقوم الحكومة العراقية حالاً بتبني موقف يجبر البريطانيين على القيام باحتلال عسكري للقطر (العراق)» (4).

جرت محادثات بين فيرمان، رئيس الشعبة السياسية في وزارة الخارجية الألمانية، وعثمان كمال حداد، السكرتير الشخصي لمفتي القدس، في السادس والعشرين من شباط 1941، انحاز فيها فيرمان قليلاً إلى وجهة النظر الإيطالية، وذكر أنه من الصعب في الظروف القائمة قبول مسودة التصريح الذي اقترحه مفتي القدس. وبحلول نهاية شباط 1941 كانت وزارة الخارجية الإيطالية قد بدأت تنشط في بحث الدور الذي يمكن أن تلعبه حكومة الرايخ في العالم العربي.

أصدر ريبنتروب، وزير الخارجية الألماني (5)، أوامره إلى فيرمان، رئيس الشعبة السياسية في وزارة الخارجية الألمانية، بوضع الخطط المتعلقة بالخطوات التي ستتخذها ألمانيا بعد ذلك في البلدان العربية، وأن يهتم خاصة بمسألة: «كيف نعالج هذه المشكلة فيما يتعلق بهدفنا الخاص، وهو إنزال الهزيمة ببريطانيا» (6). أما فيرمان فقد ذكر في مذكرته: «يبدو من الصعب عليّ إصدار تصريح يساند إقامة اتحاد فدرالي على مستوى العالم العربي كله، وهو الاتحاد القائم على اتفاق مع إيطاليا، ويخرج في جوهره عن تصريحنا السابق» (7). أي إن الطرفين الألماني والإيطالي متفقان على ضعف العرب في الاتحاد فيما بينهم.

1. أهمية موقع العراق في نظر الألمان

بدت ألمانيا متفهمة لمشاكل الحكومة العراقية برئاسة رشيد عالي الكيلاني أكثر من شريكتها في الحرب إيطاليا (8). ويبدو أن القيادة الألمانية رأت عام 1940 أن هناك مبرراً موضوعياً لفتح جبهة جديدة في العراق، خصوصاً وقد اشتركت الولايات المتحدة في الحرب إلى جانب الحلفاء (9).

ونعتقد أن رشيد عالي الكيلاني كان يدرك ضعف قدرة الطليان على مواجهة بريطانيا، كما أن نظرتهم إلى العرب بقيت متعالية، شأن أي دولة استعمارية.

إن هذا الموقف أعطى الألمان مبررات إضافية لأن يأخذوا على عاتقهم الدور القيادي في علاقة دول المحور بالعرب. وكانت مذكرة فيرمان، مدير الشعبة السياسية في وزارة الخارجية الألمانية، في السابع من آذار 1941 حول القضية العربية خطوة مهمة في هذا المجال، فقد كتب فيها: «عند النظر إلى سياق الحرب مع إنكلترا نجد أن المنطقة العربية تتمتع بموقع ذي أهمية إستراتيجية كبيرة، حيث إنها تشكل جسراً أرضياً بين إفريقيا والهند». وأضاف التقرير: «إن هذه المناطق ذات أهمية خاصة للطرق الجوية للإمبراطورية البريطانية، وأخيراً فإن حقول النفط في ولاية الموصل (كوردستان) وأنبوب النفط إلى البحر الأبيض المتوسط هما مسألتان جوهريتان لإدارة بريطانيا للحرب» (10).

أوجز فيرمان في مذكرته إلى وزير خارجية ألمانيا ريبنتروب عدة طرق يمكن التحرك من خلالها (11)، وذكر أن نشاط وزارة الدفاع الألمانية لم يكن واسعاً من قبل في البلدان العربية. وقاد تفكير ريبنتروب الإستراتيجي، بمشورة من هتلر، إلى إصدار التوجيهات المباشرة إلى موظفيه، غير أن الأدميرال كاناريس، رئيس الاستخبارات الألمانية (12)، طلب من ريبنتروب أن يزوده بتصريح عام مكتوب لكي يقوم بدوره، في حين طلب ريبنتروب أن يحاط علماً بخطط النشاط، وقرر أن تبقى تفاصيل نشاط وزارة الدفاع الألمانية خافية على الإيطاليين (13). ووعد الأدميرال كاناريس بدعم وزارة الخارجية الألمانية، وبأنه سيقوم بتزويد العراق بالأسلحة عبر اليابان، إذ كان لوزارة الدفاع الألمانية وكلاء من بين شخصيات تحتل مناصب مهمة في اليابان وفي السفارة اليابانية (14).

2. تهريب الأسلحة الألمانية إلى العراق

كان موضوع تزويد العراق بالأسلحة محور المناقشات التي دارت بين المختص في قسم الشؤون السياسية والاقتصادية والقيادة العليا للقوات المسلحة الألمانية، وأسفرت المناقشات عن نتيجة مؤداها: «يمكن إرسال أية كميات أساسية، سواء من الأسلحة الإنكليزية التي تم الاستيلاء عليها أو من مخزون أسلحة الجيش الألماني، دون تخويل من الفوهرر…» (15).

وفي المحادثات التي جرت بين فيرمان ووزير الخارجية الألماني ريبنتروب، أصدر الأخير أمره ببذل كل جهد ممكن لشحن الأسلحة عن طريق اليابان، غير أن الحكومة اليابانية سرعان ما أضاعت فرصة تغيير موقفها بعد أن قامت القوات البريطانية بسد مدخل ميناء البصرة (16). وهو ما أجبر الحكومة الألمانية على شحن الأسلحة إلى إيران وأفغانستان عن طريق تركيا، وقد وعدت تركيا حكومتي هذين البلدين بعدم خلق أية عقبات في وجه البضاعة المخصصة لهما. وفي الوقت نفسه كان لدى إيران ضمان من بريطانيا بأنها لن تضع العراقيل أمام البضاعة التجارية القادمة إليها عن طريق البحر (17).

المصادر

  1. رياض الصمد، مصدر سابق، ص 565.

  2. عبد الرزاق الحسني، الأسرار الخفية في حركة مايس 1941 التحررية، مصدر سابق، ص 110.

  3. قدم رشيد عالي الكيلاني إلى القائم بالأعمال الياباني في بغداد، وإلى الملحق العسكري الياباني في طهران، التماسات بطلب عتاد حربي، فكان ما يحتاجه العراق (400) رشاشة خفيفة مع الأعتدة اللازمة لها، و(50) عجلة مدرعة، و(10) بطاريات مقاومة للطائرات مع الأعتدة والتجهيزات، ومفرقعات أو صواريخ ضد الدروع، وألغاماً، و(100,000) قناع واقٍ من الغازات.

ثم تلقت الحكومة الإيطالية طلباً بتجهيز فرقة عراقية كاملة، بناءً على طلب العقيد الركن صلاح الدين الصباغ قائد الفرقة الثالثة، الذي كان قد زوّد الوزيرين المفوضين في بغداد (الإيطالي والياباني) بقائمة بالأسلحة اللازمة لأربع فرق. انظر: لوكاز هيرزويز، مصدر سابق، ص 149. وكذلك: جفري ورنر، مصدر سابق، ص 159، وقد جاء فيه أن العقيد الركن صلاح الدين الصباغ هو الذي طلب الأسلحة من الوزير المفوض الإيطالي في بغداد جبريللي وليس رشيد عالي الكيلاني، وأن الطلب كان في بداية كانون الثاني 1941 وليس في أواسط كانون الأول 1940. ويعتقد الباحث أن لوكاز هيرزويز أقرب إلى الصواب لاستناده إلى مذكرة فيرمان المؤرخة في 7 كانون الثاني 1941.

  1. جفري ورنر، مصدر سابق، ص 161-163. وكذلك: صلاح العقاد، مصدر سابق، ص 230.

  2. ريبنتروب (Joachim von Ribbentrop) (1893-1946): وزير خارجية ألمانيا. سافر إلى الولايات المتحدة عام 1910 وعمل صحفياً، ثم سافر إلى كندا واشتغل في أعمال شتى. في بداية الحرب العالمية الأولى عام 1914 عاد إلى ألمانيا والتحق بالكتيبة الخفيفة الثانية عشرة (Hussar)، وحصل على الصليب الحديدي لشجاعته في القتال. كان أول عمل له في السلك الدبلوماسي عندما اشترك في الوفد العسكري مع فرانز فون بابن إلى الولايات المتحدة، ثم ذهبا كلاهما إلى تركيا لنشر القضية الألمانية فيها. وفي عام 1919 كان عضواً في الوفد الألماني في مؤتمر فرساي للسلام. عُيّن سفيراً لألمانيا لدى بريطانيا عام 1936، وعيّنه هتلر وزيراً للخارجية عام 1938. سافر في بداية الحرب العالمية الثانية عام 1939 إلى أماكن عدة لبث دعاية النازية والرايخ الثالث، وحثّ موسوليني على الاشتراك في الحرب عام 1940. انظر: Parish, Thomas, op. cit., p. 525.

  3. لوكاز هيرزويز، مصدر سابق، ص 164-165.

  4. المصدر نفسه، ص 174-175.

  5. المصدر نفسه، ص 175.

  6. جفري ورنر، مصدر سابق، ص 163، عن وثيقة: G.F.M. 71. 50797-99.

  7. جفري ورنر، مصدر سابق، ص 163.

  8. الطرق هي: الدعاية، والعمليات التخريبية، ونشر تصريح حول الدولة العربية الكبرى، وتجهيز الأقطار العربية بالأسلحة والذخيرة، والمساعدة المالية لإقناع العراق بالدخول في الحرب، وتقوية التمثيل الدبلوماسي الألماني في سوريا حسب اقتراح هنتك (Werner von Hentig)، الخبير في الشؤون العربية في وزارة الخارجية الألمانية. انظر: Keegan, Wheatcroft, op. cit., p. 64.

  9. الأدميرال كاناريس (Wilhelm Canaris) (1887-1945): أدميرال ألماني ورئيس استخبارات. كان في الحرب العالمية الأولى قائداً لغواصة (U). جاءت شهرته عندما كان رئيس شعبة الاستخبارات المشتركة (Abwehr)، وهي واحدة من حوالي ثلاثين منظمة استخباراتية تتنافس على الأولوية في ألمانيا النازية لتوجيه ألمانيا ودفعها إلى مستقبل النازية. وكان الأدميرال كاناريس ووكلاؤه متورطين في لعبة مزدوجة مع الحلفاء في الخارج ومع حركة المعارضة داخل ألمانيا، وأدت هذه الازدواجية إلى عزله عام 1944، وتم توقيفه في معسكر فلوسنبرغ (Flossenbürg) في نيسان 1945. انظر: Keegan, Wheatcroft, op. cit., p. 62.

  10. لوكاز هيرزويز، مصدر سابق، ص 165.

  11. Keegan, Wheatcroft, op. cit., p. 73.

  12. جفري ورنر، مصدر سابق، ص 165-166.

  13. Keegan, Wheatcroft, op. cit., p. 75.

  14. لوكاز هيرزويز، مصدر سابق، ص 158-159.