الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
ميثاق سعد آباد 8 تموز 1937
من محاضرات «حركة مايس 1941» – 2010
أُبرم «ميثاق سعد آباد» في طهران بين أربع دول إسلامية هي العراق وتركيا وإيران وأفغانستان، واستهدف مشاركتها جميعاً في الحفاظ على روابط الصداقة وحسن التفاهم فيما بينها، وتأمين السلم والأمن في منطقة الشرق الأدنى، ضمن ميثاق عصبة الأمم، وهو معاهدة لنبذ الحرب.
وقد وقّعه وزراء خارجية تلك الدول، وهم على التوالي: فيض محمد خان (أفغانستان)، وعناية الله سميعي (إيران)، والدكتور ناجي الأصيل (العراق)، والدكتور توفيق رشدي آراس (تركيا)، وذلك ظهيرة يوم 8 تموز 1937 في أروقة قصر سعد آباد وسط طهران.
وتضم دراسة ميثاق سعد آباد (40) وثيقة، أولاها بتاريخ 20 أيلول 1930، وآخرها بتاريخ 8 أيلول 1941، وهي تتناول العلاقات الحسنة التي كانت قائمة بين بعض دوله، والخلافات الحدودية التي سادت بين دول أخرى، والخطوات الأولى والاتفاقيات التي مهدت لعقده، وكيفية حل الإشكالات بين دوله وصولاً إلى إبرامه، والآراء والتصريحات التي أُطلقت حوله، والأحداث الخطيرة التي طرأت بعد توقيعه في 8 تموز 1937 وأدت إلى أفوله عام 1941.
غايات الميثاق المعلنة
اتباع سياسة الامتناع عن أي تدخل في الشؤون الداخلية.
مراعاة حرمة الحدود المشتركة.
التشاور فيما يخص كل الاختلافات التي لها صبغة دولية وذات مصالح مشتركة.
عدم تعمّد توجيه أي اعتداء على الطرف الآخر.
عدم السماح بتأليف عصابات مسلحة وجمعيات تستهدف قلب نظام الحكم أو الإخلال بالأمن الداخلي في أي قسم من بلاد الفريق الآخر (وكان المقصود بها الثورات والانتفاضات الكوردية على حدود دولهم).
زعماء الدول المشتركة فيه
جرى إبرام ميثاق سعد آباد وتبادل وثائقه بين دوله الأربع في عهود كل من:
الملك غازي الأول عاهل المملكة العراقية، ورئيس وزرائه حكمت سليمان، في حين كان الفريق الركن بكر صدقي، قائد انقلاب عام 1936، رئيساً لأركان الجيش ومتنفذاً في أمور العراق وسياسته.
رضا شاه بهلوي شاهنشاه إيران.
الملك محمد ظاهر شاه ملك الأفغان.
مصطفى كمال أتاتورك رئيس الجمهورية التركية، ورئيس وزرائه عصمت إينونو (الكوردي الأصل).
الفكرة وتطورها
يبدو من بعض الوثائق أن فكرة الميثاق قد طُرحت للمرة الأولى عام 1934، إثر استمرار التحسن في العلاقات العراقية – التركية منذ النصف الثاني من عقد العشرينيات، وبعد حل مشكلة «ولاية الموصل» (كوردستان العراق الحالي) عن طريق لجنة تقصي الحقائق التي شكّلتها عصبة الأمم. فقد فُتحت في أنقرة أول مفوضية ملكية عراقية عام 1928، وعُيّن صبيح بك نشأت وزيراً مفوضاً فيها، وهو من أقرب المقربين إلى الملك فيصل الأول، وقد حمل أكثر من حقيبة وزارية خلال السنوات الأولى من تأسيس المملكة العراقية في 23 آب 1921.
وقد تطورت تلك العلاقات خلال السنوات الأولى من عقد الثلاثينيات، وتُوّجت بزيارة رسمية قام بها الملك فيصل الأول إلى تركيا في تموز 1931، وسط ترحيب رسمي وحفاوة شعبية منظمة وبالغة. واستمرت في التحسن بعد أن نال العراق استقلاله عام 1932، ولو شكلياً، وتخلص، ولو على الورق، من الانتداب البريطاني، وقُبل عضواً في عصبة الأمم عام 1932.
وكانت العلاقات حسنة بين تركيا وإيران، بعد أن ارتبطتا بمعاهدات واتفاقيات تنظم العديد من الأمور المهمة بينهما، وكان مسؤولوهما يتبادلون زيارات عديدة، وكذلك كان الحال بين تركيا وأفغانستان.
إلا أن خلافات حدودية بين إيران والعراق من جهة، وبين إيران وجارتها أفغانستان من جهة أخرى، ما فتئت تعكّر صفو قادتها، حتى طُلب من تركيا، الصديقة للجميع، التدخل لحلها، فتدخلت فوراً من دون تردد، بل استبشرت بذلك، إذ كان سبيلاً لتوطيد مركزها السياسي في المنطقة، وتحسين سمعتها عالمياً وإقليمياً بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية إثر هزيمتها أمام الحلفاء في نهاية الحرب العالمية الأولى عام 1918.
إستراتيجية الميثاق السياسية
خلال عقد الثلاثينيات، كان قد بان واضحاً في الأفق تعاظم قدرات اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية من جميع النواحي السياسية والعسكرية والصناعية والأيديولوجية، ليشكّل قوة عظمى حقيقية ذات نفوذ وطموح عظيمين، متسبباً بقلق كبير وعدم استقرار مزعوم على الحدود الشمالية المتاخمة للجمهوريات السوفيتية لكل من أفغانستان وإيران وتركيا، وبالتالي خطراً على بقاع العراق الشمالية الشرقية (كوردستان العراق) التي لا تبعد سوى حوالي (300) كيلومتر عن الحدود الجنوبية الغربية للاتحاد السوفيتي المتمثلة في جمهورية أرمينيا السوفيتية، مما يعني أن الجيش السوفيتي يمكن أن يخترق الأراضي العراقية خلال بضعة أيام إن لم يلقَ مقاومة عنيفة تحرمه من التقدم.
ويبدو جلياً، ولو من وراء الستار، أن الدول الغربية الرأسمالية المتحالفة فيما بينها، وفي مقدمتها بريطانيا، كانت تشجع خلال سنوات منتصف الثلاثينيات بعض دول المنطقة المتحالفة معها أو القريبة منها سياسياً، وتحثها على تشكيل تحالف سياسي من دول إسلامية يتخذ شكل «ميثاق متعدد» تتضامن فيه لمناهضة الشيوعية الخطرة على شعوبها، وذلك على الرغم من «معاهدة صداقة» كبرى كانت قد ربطت تركيا بالاتحاد السوفيتي منذ عام 1921، في عهد فلاديمير لينين لا جوزيف ستالين.
وثمة دلائل في هذا المجال، لعل أهمها أن العراق عندما اقترح انضمام المملكة العربية السعودية إلى هذا الميثاق، استوثق من التأييد البريطاني لهذا الانضمام لكونه يشدد القبضة ضد الاتحاد السوفيتي. ولكن عند مفاتحته تركيا بهذا الشأن، رأت الأخيرة استبعادها بذريعة أن مثل هذا الانضمام سيزيد من سخط السوفيت على تركيا في الوقت الذي ترتبط معهم بالمعاهدة المذكورة آنفاً. ولم يتراجع العراق عن فكرته إلا بعد أن عرض السعوديون أنفسهم تأجيل انضمامهم إلى هذا الميثاق إلى وقت آخر قد يكون أكثر ملاءمة.
ويمكن تلخيص الإستراتيجيات التي مهدت للتفكير في عقد هذا الميثاق فيما يأتي:
نزعة تركيا، بعد أن استعادت بعض ثقتها وقواها ومركزها وثقلها السياسي، إلى تزعّم الشرق الأدنى والأوسط، باعتبار نفسها الدولة المستقلة الأقوى فيه.
رغبة الساسة الأتراك في التقارب مع الدول التي سميت «الجبهة الديمقراطية» بزعامة بريطانيا وفرنسا، تمهيداً للإفادة السياسية والاقتصادية منها.
كون المملكة العراقية مرتبطة في حينها مع بريطانيا بمعاهدات سياسية وعسكرية، ناهيك عن محاولة جدية خططت لها بريطانيا لسحب البساط من تحت أقدام العراق الذي اجتاحه مدّ قومي عربي، إذ بات ينادي بوحدة عربية شاملة.
على الرغم من عدم ارتباط إيران وأفغانستان بالكتلة الغربية جهاراً، فإن ميول سياستهما الخارجية كانت تنحو نحو تلك السياسة، سواء رغبة منهما في انتهاجها، أو رهبة وخشية من الخطر السوفيتي المتاخم لهما.
حل الخلافات العالقة والمتراكمة، القديم منها والمعاصر، والتي كانت تؤثر سلباً في الاستقرار والتطور والتنمية في المجالات كافة في عموم المنطقة.
القناعة التي سادت نفوس زعماء تلك الدول عموماً، ورغبتهم في تكوين جبهة متعاونة للوقوف في وجه احتمالات تغلغل الشيوعية في بلدانهم، بإسناد بعضهم بعضاً.
سعي الإستراتيجية البريطانية خلال هذا العقد، أو قبله، إلى تأمين الهيمنة غير المباشرة على منطقة الشرق الأدنى والأوسط عن طريق مثل هذه التحالفات، ودرء الخطر عن منابع النفط في كل من إيران والعراق معاً، تحقيقاً لمصالحها الذاتية ومصلحة حلفائها.
تسمية الميثاق
يُطلق على هذا الميثاق في الوثائق المرفقة بهذه المحاضرة تسميات عديدة ومختلفة قبل إبرامه بشكل رسمي، فمرة يسمى «الميثاق التحالفي»، وأخرى «الميثاق الشرقي»، و«الحلف الرباعي» في وثيقة لاحقة، كل ذلك قبل أن يتخذ تسميته الرسمية «ميثاق سعد آباد 1937»، نسبةً إلى اسم القصر الشاهنشاهي الذي وُقّع في أروقته رسمياً.