الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

أسباب فشل حركة مايس 1941م (الجزء الأول)

من محاضرات «حركة مايس 1941» – 2020

يمكن القول إن لهزيمة العراق في الحرب مع بريطانيا في مايس 1941م، وعودة بريطانيا إلى احتلال بغداد للمرة الثانية، أسباباً موضوعية وذاتية، كما أن لها أسباباً داخلية وخارجية، وهي:

  1. حاول العقداء الأربعة (صلاح الدين الصباغ وفهمي سعيد ومحمود سلمان وكامل شبيب) وحلفاؤهم من كبار السياسيين العراقيين الوطنيين برئاسة رشيد عالي الكيلاني، ومعه ناجي شوكت (وزير العدل) وتوفيق السويدي (وزير الخارجية)، تحقيق أهدافهم عن طريق المناورات السياسية والاستفادة من الصراعات بين المعسكرين المتحاربين (الحلفاء والمحور).

وقد تأكد ذلك بسفر ناجي شوكت وزير العدل إلى تركيا لبحث الوساطة بين العراق وبريطانيا (1). يضاف إلى ذلك أن قائد الحركة رشيد عالي الكيلاني لم يؤمن بالحسم العسكري، بل أراد من الجيش العراقي أن يحرز بعض الانتصارات التي قد تساعده على تحقيق الحل السياسي الذي توخّاه في معالجة الموقف، وكان يخشى أن يؤدي توسع نطاق الحرب إلى أن يحتل العسكريون المواقع الأولى في اتخاذ القرار السياسي (2). ومن جانب آخر، لم يكن قادة حركة مايس 1941م متفقين على ضرورة القيام بالحرب؛ فخلال المناقشات بين العقداء الأربعة ورشيد عالي الكيلاني حول احتلال قاعدة الحبانية، رفض الكيلاني اتخاذ مثل هذا القرار وفضّل الموقف السياسي، فخضع الجيش لموقفه (3).

وبات من الثابت أن الأسباب الأساسية التي أدت إلى تعثر الثورة وتعرّضها للهزيمة إنما تعود إلى التنازل عن زمام المبادرة وإعطائها للجانب البريطاني، الذي استثمر الوقت والمناورة السياسية حتى وصول قواته إلى البصرة، في حين اتخذت القوات العراقية موقف الدفاع مسبقاً بانتظار القصف الجوي للعدو.

ويُلاحظ من خلال الدور الذي أدّاه رشيد عالي الكيلاني والعقداء الأربعة قبل الحرب أن هناك سمة مشتركة طابعها الغموض والتردد. ويذكر وزير الدفاع في حكومة الدفاع الوطني ناجي شوكت أن العقداء الأربعة كانوا تارةً يعبّرون عن استعدادهم للمقاومة، وتارةً أخرى يعبّرون عن ميلهم إلى المفاوضات، ويعلنون يوماً تمسكهم بالحقوق الوطنية، ثم يعودون في يوم آخر إلى إبداء رغبتهم في المساومة مع الطرف البريطاني. وقد استفحل هذا الوضع الشاذ حتى انعكس ذلك الموقف الحائر المتذبذب على القيادة السياسية وعلى القرارات العسكرية (4).

  1. قصور قادة حركة مايس 1941م في فهم الوضع الدولي؛ فلم يفهموا أغراض ألمانيا الهتلرية الحقيقية، وعلّقوا الآمال على مساعدتها في تحرير البلاد العربية. وقد ظهر ذلك واضحاً في موقفها المتردد من النزاع المسلح بين الجيش العراقي والقوات البريطانية. وكان الاعتقاد أن الإنزال المظلي الألماني في جزيرة كريت في مايس 1941م إنما يدل على تصميم هتلر على الوصول إلى منطقة الشرق الأوسط (5). ويبدو أن هتلر كان قد قرر ألّا يحرك ذراع الكماشة من جهة الشرق الأوسط إلا بعد نجاح حملة «بربروسا» ضد الروس، وحينذاك يكتمل الطوق وتصبح تركيا خاضعة للأمر الواقع، فيحرك قواته بعد ذلك عن طريق الشرق الأوسط والقفقاس وإيران والعراق والمحيط الهندي، ويتحقق الالتقاء بالجيش الياباني (6).

تلك هي خلاصة تفكير القيادة العليا الألمانية في التقدم نحو منطقة الشرق (7). وقد ثبت ذلك التفكير الاستراتيجي في منطوق أمر الحركات اليومي رقم (30) الصادر من مقر هتلر في الثالث والعشرين من مايس/أيار 1941م، كما يلي:

«تعتبر الحركة التحررية في الشرق الأوسط حليفنا الطبيعي في نضالنا ضد بريطانيا، وفي هذا المجال تكتسب الثورة في العراق أهمية خاصة، وستتجاوز هذه حدود العراق، وستعزز القوى المعادية لبريطانيا في بلدان الشرق الأوسط، وستقطع المواصلات البريطانية، وستحول السفن البريطانية عن مناطق الحرب الأخرى» (8).

وفي ضوء هذه الأسباب اتخذ هتلر قراراً متأخراً بالمساهمة في تطوير العمليات في الشرق الأوسط عن طريق دعم العراق. أما إمكانية تنظيم الهجوم فيما بعد على قناة السويس، وطرد الإنكليز نهائياً من مراكزهم ما بين البحر المتوسط والخليج العربي، فلا يجوز أن تصبح موضوعاً للبحث والتنفيذ إلا بعد تحقيق خطة «بربروسا» (9). ومن الواضح أن التصور الاستراتيجي الألماني كان عاجزاً عن التقدير الصحيح للموقف وعن الاختيار المناسب للهدف المركزي (ثورة العراق في مايس 1941م) لقطع طرق المواصلات البريطانية بين المحيط الهندي والبحر الأبيض المتوسط. ويقول هيرزويز: «بالغت ألمانيا في تقدير قدرة الجيش العراقي على القتال بشكل يفوق الواقع بكثير، على حين بالغ رشيد عالي الكيلاني والمفتي الفلسطيني أمين الحسيني في تصور حجم المساعدة التي كان الألمان ينوون تقديمها» (10).

  1. لم يكن الجيش العراقي مستعداً استعداداً كافياً لمواجهة خصمه القوي، الجيش البريطاني. ويقول ميرسكي بصورة عامة: «ترجع هزيمة العراق إلى سوء استعداده، وكانت هذه الحرب اضطرارية، بمعنى أن تدابير بريطانيا وضعته أمام خيار واحد من اثنين: إما الاستسلام وإما الدفاع عن النفس في وضع يائس. كما لم تكن عند العراقيين خطة تفصيلية مقررة وموضوعة للعمليات العسكرية» (11).

ومن الواضح أن الجيش العراقي لم يكن منظماً، لأن المستشارين والمدربين الإنكليز في الجيش كانوا يدربونه على أعمال مكافحة الشغب والفتن العشائرية والحركات الوطنية. ويجد الكاتب موسى حبيب في هذا ما يدعوه إلى القول: «إن انتفاضة الجيش في مايس 1941م كانت تجري على الارتجال، بلا خطة وبلا هدف، لأنه مرغم عليها، ولم تكن نتيجة لتنظيم أو إعداد» (12). وكان التخبط قد مزّق صفوف الجيش العراقي، كما نخرته العناصر المترددة والانتهازية، وأدى ذلك إلى إضعاف القدرة القتالية للجيش وتثبيط عزيمته. أما رشيد عالي الكيلاني فقد ذكر في مذكراته: «كان جيشنا حديثاً، فلم يكن عدده يتجاوز الثلاثين ألف جندي، ورغم المعاهدة (معاهدة 1930م) التي تلزم الإنكليز بالعمل على تسليح الجيش فقد تركوه أعزل بلا سلاح؛ لم يمتلك دبابة واحدة، ولم تكن لديه مدافع لمقاومة الطائرات، وكانت ذخائره بالكاد تكفي لأسبوع واحد عند اندلاع الحرب» (13).

  1. تردد قيادة حركة مايس 1941م بين الحل السياسي والحسم العسكري، حتى اختارت في النهاية الحل السياسي، في حين عملت بريطانيا، التي اختارت توقيت عدوانها على العراق، على أن تضع حكومة رشيد عالي الكيلاني أمام الأمر الواقع بإنزال قواتها في البصرة يومي 28 و29 نيسان 1941م دون إذن شرعي كما تقضي معاهدة عام 1930م. ويقول ونستون تشرشل في برقية بعث بها إلى الجنرال ويفل قائد القوات البريطانية في الشرق الأوسط: «إن رشيد عالي الكيلاني كان في انتظار فرصة سانحة تستطيع فيها دول المحور أن تساعده»، ويستطرد قائلاً ما معناه إن نزول قواتنا في البصرة أرغم الكيلاني على فتح النار دون أن يكون مسدسه محشواً (14).

ولم تؤدِّ عشائر العراق دورها الفعال في مقاومة الزحف البريطاني كما فعلت في الثورة العراقية عام 1920م. وبالرغم من الدعوة التي أطلقها رجال الدين للجهاد عام 1941م، فإن قطاعات مهمة من شعب العراق في الجنوب والشمال لم تستجب لنداء حكومة رشيد عالي الكيلاني للتحالف معها، بل على العكس، فقد عمدت بعض قبائل الأكراد وقبائل الجنوب إلى مؤازرة القوات البريطانية (15). وحتى مع اشتراك الطائرات الألمانية التي وصلت متأخرة وبأعداد غير كافية، فقد ظهر نقص كبير في وقود الطائرات، فكانت الطائرات الألمانية عرضة للقصف وهي جاثمة في مطار الموصل (16). ويذكر الكاتب العسكري الهيثم الأيوبي أن بريطانيا ربحت الحرب منذ احتلالها ميناء البصرة وسيطرتها عليه. أما مساعدة العراق عن طريق سوريا (حكومة فيشي)، فإن بريطانيا كانت تعدّ خطة للهجوم عليها، إذ كانت تخشى أن تصبح محور حركات الشرق الأوسط، فغزتها قوات فرنسا الحرة في الثامن من حزيران 1941م، وسيطرت عليها في الثاني عشر من تموز 1941م (17).

تداعيات فشل حركة مايس 1941م

قدّرت وزارة الدفاع العراقية تطورات الموقف العسكري على الجبهتين الغربية والجنوبية، وكأنها حسمت أمر نجاح القوات البريطانية المتفوقة جواً واحتمال وصولها إلى العاصمة بغداد، فشكّلت لجنة الأمن الداخلي برئاسة أمين العاصمة أرشد العمري، وعضوية كل من متصرف بغداد خالد جلال، ومدير الشرطة العام حسام الدين جمعة، وممثل الجيش الزعيم الركن حميد نصرت، لمواجهة الطوارئ، ومنها ضمان أمن المواطنين وممتلكاتهم.

واقترح العقيد الركن صلاح الدين الصباغ في مجلس الدفاع الأعلى الانسحاب من بغداد إلى كركوك، وأن يكون دفاع وحدات الجيش العراقي على نهر ديالى لضمان أمن العاصمة وسلامتها، غير أن سرعة تقدم القوات البريطانية جعلت العقداء الأربعة، ومعهم رشيد عالي الكيلاني وآخرون، يتحسّبون من وقوعهم في الأسر، فقرروا السفر إلى إيران صباح يوم التاسع والعشرين من مايس 1941م، فيما التحق بهم يونس السبعاوي في اليوم التالي.

واتصل أرشد العمري، أمين بغداد ورئيس لجنة الأمن الداخلي، بشخصيات أهالي بغداد ووجوههم وبالهيئات الدبلوماسية لاستشارتهم قبل اجتماعه بالسفير البريطاني في بغداد كورنواليس، ليتوصل معه إلى عقد هدنة بين الجيشين البريطاني والعراقي في الحادي والثلاثين من مايس 1941م، بعد هروب قادة حركة مايس إلى خارج العراق. وعاد الوصي عبد الإله من القدس إلى بغداد في التاسع والعشرين من مايس، والقوات البريطانية لا تزال على مشارف العاصمة بغداد، ومع ذلك فقد ظهر مسلوب الإرادة، لا قدرة له على إيقاف زحف الجيش البريطاني وعمليات القصف الجوي المستمرة على أهداف بات المدنيون يخشونها بعد مرور شهر على القتال.

وساد السخط الشعبي في بغداد وبقية المدن جراء استمرار العمليات العسكرية البريطانية، التي عدّها ضباط الجيش جارية بتنسيق بين الوصي عبد الإله والسفير البريطاني كورنواليس والمجموعات اليهودية التي ابتهجت بدخول الجيش البريطاني بغداد، فسادت موجة من أعمال الشغب والسلب وإطلاق النار في الأحياء اليهودية أدت إلى مقتل أعداد منهم وجرح آخرين، في الأول والثاني من حزيران 1941م. وتدخّل رئيس أركان الجيش وكالةً الفريق أمين زكي، بالاتفاق مع الوصي عبد الإله، لوقف عمليات القتل وإطلاق النار العشوائي التي استمرت حتى اليوم الخامس من حزيران 1941م، وجرى ترحيل الأطقم العسكرية للطائرات الألمانية والإيطالية، وعدد من العاملين في الملحقيات العسكرية لدول المحور، وجميع المدرسين السوريين والفلسطينيين.

وكُلّف جميل المدفعي بتشكيل وزارة جديدة في الثالث من حزيران 1941م، فأكد في خطاب موجّه إلى الشعب العراقي ضرورة الالتزام بالهدوء، وأنه سيضرب بيد من حديد على المفسدين الذين يشيعون الخراب والسلب، حتى جرى اعتقال الآلاف من المشتبه بهم. واستمرت لقاءات رئيس الوزراء جميل المدفعي مع السفير البريطاني كورنواليس بغية تبادل الآراء، وظهر أن الأخير قد حصل على كل ما تريده السياسة البريطانية، ومن ذلك أن من حق بريطانيا أن تضع قواتها في أي بقعة من أرض العراق، وأن تراقب الاتصالات السلكية واللاسلكية، وهو ما يعني أن هاتف رئيس الوزراء العراقي جميل المدفعي نفسه سيكون مشمولاً بالمراقبة.

ولم يجد جميل المدفعي متنفَّساً، وهو مجبر على اتخاذ أقسى العقوبات بحق كل موظف يُشتبه في أنه ساعد حكومة رشيد عالي الكيلاني، حتى بلغه عزم الحكومة البريطانية على حل الجيش أو تقليصه، فرفض ذلك المقترح بشدة، وقدّم استقالته في أيلول 1941م.

وسادت الخيبة أوساط المجتمع العراقي الذي عوّل كثيراً على نجاح الحركة للتخلص من المستعمر البريطاني، وكانت خيبة الأمل قد طالت دول الجوار العراقي التي كانت متهيئة لإعلان الثورة وطرد المحتل الإنكليزي والفرنسي من أرض العرب.

وكانت خيبة الناس أكبر عندما علموا بهروب العقداء الأربعة وتركهم وحدات الجيش العراقي تقاتل البريطانيين بلا قيادة، وأنهم يريدون إنشاء حكومة في المنفى بدعم من السوفيت، لكن السوفيت انضموا إلى جانب الحلفاء، فذهبت جهود قادة حركة مايس أدراج الرياح.

المصادر

  1. عبد الرزاق الحسني، الأسرار الخفية في حركة السنة 1941 التحررية، ج2، المصدر السابق، ص260. وكذلك: إديث وإي. إف. بينروز، المصدر السابق، ص191.

  2. جريدة الزمان، العدد 1221، في 9 حزيران 1941م. وكذلك: جريدة البلاد، العدد 1705، في 11 حزيران 1941م.

  3. عثمان كمال حداد، المصدر السابق، ص110.

  4. كان القائد الشهيد العقيد الركن صلاح الدين الصباغ يمرّ، في الأيام الأخيرة التي سبقت الحرب، على رئيس الوزراء المرحوم رشيد عالي الكيلاني في مقره في مجلس الوزراء، فيحدثه الكيلاني عن وجوب المقاومة والصمود والاستعداد للمعركة، ثم يخرج الصباغ فيمرّ على وزير الدفاع ناجي شوكت ليخبره بالتوجيهات نفسها. وبعد أيام يمرّ الصباغ بالكيلاني فيحدثه عن الاعتدال والواقعية والمرونة، ثم يخرج فيمرّ بوزير الدفاع ناجي شوكت ويخبره بالتوجيهات الجديدة المتناقضة مع التوجيهات السابقة. وأدت هذه الحيرة إلى التشتت العسكري بين قائل بالمقاومة وقائل بالمفاوضة. انظر: المقابلة الشخصية بين وزير الدفاع ناجي شوكت وفاضل البراك في بغداد، آذار 1974م.

  5. Alan Clark, The Fall of Crete, London, 1964, pp. 9–10.

  6. لوكاز هيرزويز، المصدر السابق، ص200–202.

  7. إلياس فرح، الوطن العربي بعد الحرب العالمية الثانية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1975م، ص30. وكذلك: The Fall of Crete, op. cit., pp. 51–52.

  8. لوكاز هيرزويز، المصدر السابق، ص221–222. وكذلك: محمود الدرة، المصدر السابق، ص362–364.

  9. ميرسكي، العراق في زمن الفتنة (حرب الثلاثين يوماً)، ترجمة حمدي عبد المجيد، بيروت، 1950، ص156. وكذلك: لوكاز هيرزويز، المصدر السابق، ص221.

  10. لوكاز هيرزويز، المصدر السابق، ص110.

  11. ميرسكي، المصدر السابق، ص165.

  12. موسى حبيب، ثورة 14 تموز، بغداد، 1958، ص230.

  13. مذكرات رشيد عالي الكيلاني، مجلة آخر ساعة المصرية، العدد 1168، في 13/3/1957.

  14. عبد الرزاق الحسني، الأسرار الخفية في حركة السنة 1941 التحررية، ج2، المصدر السابق، ص343–346.

  15. تشارلز تريب، المصدر السابق، ص157.

  16. طالب مشتاق، أوراق أيامي 1900–1958م، دار الطليعة، بيروت، 1968م، ص402–405.

  17. الهيثم الأيوبي، محاضرة ألقاها في كلية الأركان العراقية خلال زيارته للعراق أثناء أعياد تموز 1975م.


أجزاء «أسباب فشل حركة مايس 1941م» (2 أجزاء):

  1. الجزء الأول (هذا الجزء)
  2. الجزء الثاني

الجزء الثاني ←