الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

التأثير البريطاني على سياسة العراق 1941–1945م (الجزء الأول)

من محاضرات «حركة مايس 1941» – 2017

شهدت بغداد وبعض المحافظات اضطرابات عنيفة بعد عودة الوصي الهارب عبد الإله إلى بغداد في الأول من حزيران 1941م. ونتيجة للغضب العارم، هاجمت مجموعات من الشباب القومي بيوت الطائفة اليهودية، مما أسفر عن عدد من القتلى، وانتشرت في جنوب العراق وشماله منشورات تدعو إلى استقلال العراق.

وشددت بريطانيا قبضتها على السياسة الداخلية من خلال سياسيي العراق الموالين لها، فكانت تأخذ تارة بالقوة وتارة باللين لكبح جماح الشعور الوطني والقومي المتصاعد في عموم البلاد. كما اعتمدت على المستشارين البريطانيين الذين وصلوا إلى البلاد في أعقاب فشل حركة مايس 1941م، ليكونوا على صلة قريبة بمعظم الوزارات والدوائر ذات الصلة بحياة المواطنين. وقد عملوا على محورين: الأول كسب رموز من رؤساء العشائر إلى جانبهم، والثاني تأمين بقاء الشركات النفطية البريطانية وفق عقودها، رغم الأضرار التي لحقت باقتصاد العراق من جراء الحرب العالمية الثانية.

وأشارت بريطانيا على نوري السعيد رئيس الوزراء وصالح جبر وزير الداخلية بإجراء انتخابات وتعديل الدستور، من أجل سد الثغرة الدستورية التي ظهرت إبان حركة مايس 1941م وهروب الوصي عبد الإله إلى خارج العراق.

أما في السياسة الخارجية، فقد عمدت بريطانيا إلى تشجيع حكومة نوري السعيد على الانضمام إلى المشاريع الاتحادية للعرب، إذ قررت تبديل نغمتها السياسية بعد أن اتضح لها تزايد الشعور الوطني والقومي لدى العرب ضد سياسة المستعمر الفرنسي والبريطاني في المنطقة، وكان تقديرها أنها تستطيع بذلك أن تكسب ولاء معظم الدول العربية، وبصورة خاصة دول المشرق العربي.

وفي نهاية آب 1944م كلف الوصي عبد الإله حمدي الباجه جي بتشكيل حكومة جديدة، بعد أن استثمرت بريطانيا جهود حليفها نوري السعيد، فقررت الحكومة العراقية إعادة العلاقات مع السوفييت والانضمام إلى هيئة الأمم المتحدة. ولأجل تغطية هذه الأحداث، استكمالاً لما قدمناه في محاضرة سابقة، وجدنا لزاماً تقسيم الموضوع إلى مطلبين:

  • المطلب الأول: السفارة البريطانية تشرف على سياسة البلد الداخلية.
  • المطلب الثاني: السفارة البريطانية تشرف على سياسة البلد الخارجية.

المطلب الأول: السفارة البريطانية تشرف على سياسة البلد الداخلية

1. اضطرابات واعتداءات على بيوت اليهود

خرجت أعداد كبيرة من الجالية اليهودية في بغداد لاستقبال الوصي عبد الإله العائد من الخارج في الأول من حزيران 1941م، إذ مثّل لها استمراراً للسياسة البريطانية الداعمة للجاليتين اليهودية والمسيحية وفقاً لبنود الدستور. إلا أن ما تداخل مع حفل الاستقبال المبرمج هو أن وصول الوصي عبد الإله إلى بغداد تزامن مع أحد أعياد اليهود المعروف بـ«عيد النبي يشوع»، مما شجع الجماهير الغاضبة في مناطق الكرخ ببغداد على مهاجمة المجموعات اليهودية، نظراً للدور المشبوه الذي أحاط بالوصي نفسه إبان حركة مايس 1941م (1).

وأقدمت كتائب الشباب (2) صباح يوم الثاني من حزيران 1941م على تحريض الناس على الثورة، واشتركت معهم في مهاجمة اليهود ومحلاتهم، فحدثت أعمال نهب وسلب في أرجاء بغداد. فأصدر الوصي عبد الإله أمراً إلى متصرف بغداد خالد الزهاوي بضرورة المحافظة على أمن السفارة البريطانية وفتح النار على أي فرد يقترب منها، كما طلب إبلاغ مراكز الشرطة بإطلاق النار على المتلبسين بالجرائم والمشتركين فيها. وعزز متصرف بغداد خالد الزهاوي قوته بإدخال لواء الخيالة وبعض سرايا المشاة والمدرعات إلى المدينة، وهكذا أصبحت بغداد تحت السيطرة العسكرية منذ ظهر يوم الثاني من حزيران 1941م، وبدأت معها حملة تفتيش عن المسروقات التي نُهبت من بيوت اليهود في اليوم الثالث من حزيران 1941م.

وقُدّرت خسائر تلك الاضطرابات في الثاني والعشرين من حزيران 1941م بمائة وأربعة قتلى ومائتي جريح عدا المفقودين، وقدرها حاكم التحقيق بـ(110) قتلى و(200) جريح، فيما قدرها رئيس الطائفة اليهودية بـ(130) قتيلاً، بينهم خمسة وعشرون مفقوداً، و(450) جريحاً (3).

ولم تكن أحداث العنف في بغداد هي الوحيدة، وإنما حدثت أعمال عنف مختلفة في مناطق متفرقة من العراق؛ فقد وُزعت منشورات في العمارة والنعمانية والنجف وكربلاء والحلة والموصل تدعو إلى الجهاد في سبيل استقلال العراق، وإلى عدم الاعتراف بالهدنة العراقية البريطانية في الثلاثين من شهر مايس 1941م، واعتبرتها عودة للعراق إلى السيطرة البريطانية، فيما هتفت الجماهير الغاضبة بتمجيد رشيد عالي الكيلاني ورجال حركة مايس 1941م (4).

وفي الرابع من حزيران 1941م قُتل ضابط الاستخبارات البريطاني جفرس (5) في الناصرية، وجُرح شرطي عراقي حاول الدفاع عنه (6). ونتيجة لذلك الحادث، أرسلت السفارة البريطانية إلى وزارة الخارجية العراقية مذكرة تقول: “إنه بتاريخ 4 حزيران 1941 ذهب الكابتن جفرس من أور إلى الناصرية لزيارة المتصرف هناك، وفي منتصف ليلة 4/5 حزيران 1941 جُلبت جثة الكابتن المقتول جفرس إلى أور، ودُفنت في صباح 6 حزيران 1941 بالقرب من محطة السكك الحديد”. وأظهر الفحص الطبي الذي أجري على الجثة أنه مصاب بجرح في الجمجمة من جراء طلقة بندقية، وجرح خلف الأذن اليسرى، وبطعنة خنجر، ورضوض في مختلف أنحاء الجسم، وكسر في عظم الفخذ (7).

وتدخلت السفارة البريطانية في إعادة مجرى التحقيق، وفي تشكيل المحكمة ونوع الحكم، واستمرت تلك القضية مدة طويلة حتى حُكم في النهاية على أحد المتهمين بالإعدام شنقاً، وعلى المتهمين الآخرين بالسجن لمدد مختلفة. وكانت القضية واحدة من الحوادث التي أرادت بريطانيا فرضها على السلطات العراقية المختصة، حتى وصف أحد الأعيان النفوذ البريطاني في تلك المدة بأنه “قد قضى على كيان العراق وعلى استقلاله، أو كاد، ولم يبق من هذا الاستقلال إلا ظواهره” (8).

ويبدو واضحاً أن غاية الحكومة البريطانية، ولا سيما خلال سنوات الحرب العالمية الثانية، كانت تسيير دفة الحكومة العراقية بحيث تضمن مصالحها، وتضمن في الوقت نفسه عدم حدوث انهيار داخلي في الحكومة الهزيلة قد يؤدي إلى تسليم زمام الأمور في العراق إلى البريطانيين مباشرة. الأمر الذي دفع السفير البريطاني كورنواليس إلى تبني سياسة اللين والشدة باستمرار، أو ما يسميه الغرب سياسة «العصا والجزرة» (Carrot and Stick)؛ فقد يتطلب الموقف أحياناً استعمال العصا لدفعهم إلى العمل، أو يتطلب إقناعهم وتشجيعهم باستخدام الجزرة ليندفعوا في تحقيق ما يطلبه السفير البريطاني (9).

وقد واجهت الحكومات العراقية المتعاقبة بعد حركة مايس 1941م (بدعم من السفارة البريطانية) مشاكل داخلية عدة، أهمها:

  1. الوضع الاقتصادي المتأزم من جراء ارتفاع أسعار المواد الغذائية وشحتها، إضافة إلى شحة الحاجيات الضرورية الأخرى، وتفشي البطالة على نطاق واسع.

  2. تمرد القبائل الكوردية في شمال العراق/كوردستان (10).

  3. تصاعد النشاط السياسي والوعي الوطني والقومي وتناميهما رد فعل على وجود القوات الأجنبية على أرض العراق وضعف الحكومة.

  4. إذعان الحكومة للمصالح الأجنبية وإهمالها لشؤون الشعب الذي كان يقاسي من الجوع والعوز (11).

ولأجل أن تمرر السفارة البريطانية مشاريعها في العراق، فقد عملت بصورة وثيقة مع مركز الاستخبارات المشترك لإعادة نفوذ البريطانيين خلال الحرب (12)، وتحركوا في سبيل ذلك إلى كسب ود جماهير الشعب العراقي وعطفها على بريطانيا، عن طريق نشر الدعاية لصالح بريطانيا وبثها بما يظهرها بمظهر الدولة الصديقة والحليفة، ومحاولة التقرب من بعض الشخصيات العراقية المعروفة، وتوزيع المبالغ والهبات، إضافة إلى التعاون في قمع جميع العناصر المناوئة لبريطانيا، وخاصة المتهمة بولائها لدول المحور (13).

2. عودة المستشارين البريطانيين

استغلت بريطانيا فشل حركة مايس 1941م، وعودة السلطة الهاربة إلى العراق وحمايتها لها، وتدني مستوى قيادات رجال الحكم وكره الشعب العراقي لهم، فعاد الكثير من المستشارين البريطانيين للعمل في الوزارات العراقية، وأُسندت إليهم مديريات عامة ووظائف عديدة، وعملوا بأسماء شتى، مستشارين وضباط ارتباط، في أهم المدن العراقية المسيطرة على مناطق العشائر. أما وظيفتهم فهي الاتصال بالشيوخ المتنفذين لتوثيق أواصر الصلة بينهم وبين البريطانيين، وذلك عن طريق التدخل في الإدارة لصالحهم. وكثيراً ما قام ضباط الارتباط البريطانيون بحل مشاكل شيوخ العشائر والإقطاعيين والتوفيق بينهم، أو بإثارة العداوات بينهم عندما تقتضي المصلحة ذلك (14).

وبدا للمتتبعين من الساسة العراقيين أن الحكومة المركزية ماضية في زيادة النفوذ البريطاني، وأنها في يد السفير البريطاني كورنواليس نفسه، الذي بات خبيراً في إدارة عمل الحكومة وتمشيتها؛ فقد زاد عدد المستشارين البريطانيين الذين يعملون داخل أجهزة الحكومة العراقية، وعمل على تأسيس منظمات (أجهزة) مسؤولة عن مراقبة التطورات الجارية في البلاد، تسعى في الوقت نفسه إلى خلق علاقات ودية بين العراقيين وبين القوات المحتلة (15). كما وضعت المخابرات البريطانية مراقبين لها في المدن والقصبات المهمة في البلد تحت اسم «مستشار سياسي»، وهؤلاء لا يزودونها باستمرار بالمعلومات عن التطورات السياسية في مناطقهم فحسب، بل يسعون أيضاً إلى شراء ذمم بعض الشخصيات العراقية المهمة فيها (16).

وبموجب التقارير المرفوعة في الداخل، فإن هناك مستشاراً أو موظفاً بريطانياً في كل مركز حساس في حياة العراقيين السياسية والاقتصادية والاجتماعية (باستثناء الوظائف ذات الطبيعة الدينية). وفي هذا تجد المفوضية الأمريكية أنه “من المستحيل عملياً لأعضاء الحكومة العراقية التملص من هيمنة ومسؤولية موظف بريطاني يعمل في أحد الأجهزة التابعة للحكومة، فهناك مواطنون بريطانيون يحتلون مناصب عالية في الجيش العراقي وفي المحاكم العراقية وفي أجهزة التعليم والمؤسسات، كما في المؤسسات الزراعية. وفي الجانب الآخر، فإن المستشارين البريطانيين لهم اليد الطولى في السيطرة على الموانئ وأجهزة المواصلات التي تضم النقل المائي والسكك الحديد، كذلك يعملون عن قرب على جمع الضرائب وبيع وشراء العقارات، إضافة إلى تأثيرهم في تشريع وتطبيق السياسات الاستيرادية والتصديرية” (17).

أما من الناحية الاقتصادية، فقد قامت الحكومتان البريطانية والفرنسية بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية بمنع شحن النفط الواصل إلى مينائي حيفا وطرابلس إلى جهات خارج الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية، وأُغلق البحر الأبيض المتوسط في وجه سفن الحلفاء، ولم يعد بالإمكان تصدير النفط إلا بالمقدار الذي تمكن تصفيته محلياً، مما أدى إلى هبوط إنتاج العراق من النفط من (16,4) مليون طن سنة 1938م إلى (4,1) مليون طن سنة 1941م (18).

وألحقت الظروف الجديدة أضراراً كبيرة باقتصاد الدولة العراقية، وتناقصت موارد الميزانية في وقت اشتدت فيه الحاجة إلى المال لشراء السلاح والتخفيف من الضائقة الاقتصادية التي تعصف بالبلاد، كما أحدثت قلقاً لدى الجماعات الأمريكية والهولندية المساهمة في الشركة من احتمال إقدام الحكومة العراقية على إلغاء امتياز شركة نفط الموصل وامتياز شركة نفط البصرة، بسبب فشل الشركتين في تنفيذ البرامج المتفق عليها بشأن التنقيب عن النفط واستخراجه وتصديره (19).

وبعد أن أحكمت بريطانيا سيطرتها على العراق إثر فشل حركة مايس 1941م، تقدمت شركتا نفط الموصل والبصرة بطلب إلى الحكومة العراقية لتأجيل تنفيذ التزاماتهما المتعلقة بالحفر وتصدير النفط ابتداءً من الثاني من مايس 1941م، على أن يستمر التأجيل طيلة الحرب ثم سنة أخرى بعد انتهائها، بدعوى أن التأخير نجم عن ظروف قاهرة لا سيطرة للشركة عليها (20).

وخلال سنوات الحرب عمدت بريطانيا إلى إثارة مخاوف العراق من خطر خارجي مصدره المحور، وخطر داخلي مصدره القوى الوطنية واحتمال عودتها إلى السلطة والاحتماء بدول المحور، فحثت بريطانيا الولايات المتحدة (خدمة لمصالحها) على ممارسة الضغط على الحكومة العراقية للتعاون مع بريطانيا، وأكدت أنها ستعمل بجد لكي يحصل العراق على قرض أو مساعدات مالية من الشركة، لتعزيز مركز أنصارها في العراق وإعداد العراق للمساهمة في المجهود الحربي (21).

وهكذا نجد أن وزارة جميل المدفعي قد وافقت على منح الشركتين (شركة نفط الموصل وشركة نفط البصرة) التأجيل المطلوب دون قيد أو شرط، بمشورة من الشركات البريطانية. وحين ترأس نوري السعيد وزارته السادسة كان أول أعماله رفض الترتيبات التي توصلت إليها الشركة مع الوزارة السابقة، وطلب من الشركة قرضاً مقداره مليون ونصف المليون باون مقابل موافقته على التأجيل المطلوب، غير أن الشركة رفضت، وادعت أن التأجيل نجم عن ظروف قاهرة (22).

وفي تشرين الأول 1943م انتهت المدة القانونية للبرلمان العراقي، فقرر رئيس الوزراء نوري السعيد مع وزير الداخلية صالح جبر إجراء انتخابات جديدة، وتعاونا في تهيئة قوائم بأسماء المرشحين المؤيدين لهما، مع العلم أن معظم الانتخابات كانت تجري بموافقة السفارة البريطانية في بغداد وإشرافها. وجرت الانتخابات تحت إشراف مستشار وزارة الداخلية البريطاني إدموندز، صاحب الخبرة الطويلة بأحوال أهل العراق وعشائره، فحصل محمد رضا الشبيبي على أعلى الأصوات ليكون رئيساً لمجلس النواب الجديد.

وكانت أول مهمة حُددت للبرلمان إقرار تعديل القانون الأساسي (الدستور)، وكان الغرض الرئيس من التعديل إعطاء سلطات وصلاحيات للملك في السيطرة على أمور الدولة، ولا سيما أمام مجلس الوزراء ومجلس النواب. وكانت أهم نصوص قانون تعديل القانون الأساسي (23) هي:

  1. انتقال وراثة العهد لأرشد رجل عراقي من أكبر أبناء الملك الشريف حسين.

  2. للملك صلاحية إقالة رئيس الوزراء.

  3. لا يقل عدد أعضاء مجلس الأعيان عن عشرين عضواً، أي ما يساوي ربع عدد أعضاء مجلس النواب (زائد ثمانية أعيان).

  4. لا يقل عدد الوزراء عن سبعة (بمن فيهم رئيس الوزراء)، ويجوز تعيين نواب للوزراء.

  5. أعيدت صياغة الفصل الخامس من القانون الأساسي القديم، ولا سيما ما يخص صلاحيات المحاكم المختلفة.

  6. ليس لمجلس الأمة أن يشرع قانوناً بالعفو عن الأشخاص الذين ارتكبوا جرماً من شأنه المساس بتبديل شكل الدولة أو الحكومة، أو إرغام الملك أو الحكومة أو تهديدهما على إجراء عمل ما.

واستناداً إلى تقرير الوزير المفوض الأمريكي في بغداد هندرسون (24)، يتضح أن البريطانيين هم الذين عملوا على تعديل القانون الأساسي لتسهيل سيطرتهم على الحكم عن طريق الوصي عبد الإله، الذي كانوا يعتمدون عليه في تمشية أمورهم (25).

إن أبرز ما عرضه العراق على بريطانيا بعد انتهاء الحرب هو مسألة إعادة النظر في معاهدة 1930م؛ ذلك أن العراق من الدول التي وقعت على ميثاق هيئة الأمم المتحدة وأصبح عضواً فيها، وعليه فقد انطلق في طلبه تعديل معاهدة 1930م من كونه «دولة مستقلة ذات سيادة». ونصح السفير البريطاني في بغداد كورنواليس حكومته بإعادة النظر في معاهدة 1930م من ناحية أسلوب تطبيقها، بحيث تتمكن بريطانيا من المحافظة على مضمونها وروحها بشكل أو بآخر، فيقول: “في هذا الجو – يقصد به انتهاء الحرب – يبدو واضحاً بأن فكرة تضييق الخناق عليها بالقوة، أو الاحتفاظ بقوات أكبر مما تضمنته المعاهدة العراقية البريطانية، سابق لأوانه”. ولهذا فإن السفير البريطاني كورنواليس يطالب حكومته بـ”الإبقاء والمحافظة على مكانة بريطانيا في العراق”.

ويبدو أن نصائح السفير البريطاني في بغداد كورنواليس بجلاء القوات البريطانية عن أراضي العراق وتسليم القواعد العسكرية إليه لم تلق آذاناً صاغية في بريطانيا، بل تمكنت بريطانيا بعدئذ من إقناع الحكومة العراقية بالموافقة على المشاركة في القواعد العسكرية تحت إشرافها، والعمل على توسيعها وتطويرها، مشككة بذلك في قدرة العراق الذاتية، تحت ذريعة «متطلبات الدفاع عن منطقة الشرق الأوسط وخطر السوفييت». وحاول السفير البريطاني كورنواليس تقديم قناعاته وتقديراته لحكومته إزاء العراق بالربط بين محافظة بريطانيا على استقلال العراق الداخلي وحدوده وتركيبته الاجتماعية خلال الحرب، وبين مدى إمكانية المحافظة على النفوذ البريطاني فيه بعد انتهاء الحرب (26).

3. تعديل الدستور العراقي للمرة الثانية

ظهرت فكرة تعديل الدستور في العراق لأول مرة بعد أربعة أشهر من مصادقة الملك فيصل الأول عليه في 21 آذار 1925م، وتضمن ذلك التعديل طريقة تعيين نائب الملك في فترة غيابه خارج العراق (27). وفي عام 1938م ظهرت فكرة تعديل الدستور مرة أخرى، فتشكلت لجنة لذلك الغرض اقترحت إجراء بعض التعديلات في حقوق الملك وواجباته، وجعلها تسير وفقاً لتوازن السلطات الثلاث. ونظراً للظروف التي تمر بها البلاد وتجارب المدة الماضية، قدمت وزارة نوري السعيد الرابعة لائحة التعديل إلى مجلس النواب، لتحقيق بعض مطالب السلطة التنفيذية، ومنحها سلطة أوسع باسم صاحب الجلالة، أو إطلاق فاعلية بعض المواد التي تراها الحكومة جامدة. إلا أن اللجنة لم تتمكن من إنضاج مقترحاتها بسبب مقتل الملك غازي في الرابع من نيسان عام 1939م، فأُهملت الفكرة (28).

وتجددت فكرة تعديل الدستور ثانية بعد فشل حركة مايس 1941م، فشكلت الحكومة لجنة جديدة تأخذ على عاتقها إنضاج فكرة التعديل، إلا أنها واجهت مشكلة تتعلق بحقوق الملك خلال مدة الوصاية، لكون المادة (22) الفقرة (1) من الدستور العراقي لعام 1925م نصت على عدم جواز إدخال أي تعديل على حقوق الملك في أثناء مدة الوصاية على العرش. لذلك رفعت اللجنة الأمر إلى المحكمة العليا، التي وافقت عليه لاعتقادها أن القصد من ذلك التعديل هو زيادة حقوق الملك، وأنه لا يناقض منطوق المادة (22) من الدستور (29). وقدمت اللجنة اقتراحاتها إلى الوزارة في الخامس من كانون الأول 1942م، فأحالتها الوزارة إلى البرلمان في الثالث والعشرين من آذار 1943م، وشُكلت لجنة دستورية لهذا الغرض ضمت خمسة وعشرين نائباً للنظر في لائحة التعديل، فأقرتها بعد إجراء تعديلات طفيفة، وأُدخلت هذه اللائحة في منهاج الجلسة الثانية والأربعين لمجلس النواب بتاريخ السابع والعشرين من مايس 1943م. وقبل انتهاء دورة مجلس النواب تقدمت الحكومة إلى مجلس الأمة بلائحة جديدة للدستور لتحل محل الدستور المعمول به، بعد مناقشتها والتصديق عليها (30).

وبدأت مناقشات مجلس النواب حول مقترحات اللجنة، وتكلم عدد من أعضاء المجلس، ومنهم توفيق السويدي الذي قال إنه ليس هناك ما يستوجب تعديل دستور عام 1925م، و”إذا ارتكبت أخطاء دستورية أثناء سير المرحلة السابقة، فهي ليست ناشئة من الدستور أو نقص فيه، وإنما كانت من سوء تطبيق أحكامه، ومن أحكام فاسدة شُرعت ووقعت…“، وأضاف:”والآن بعدما تخللت كثير من الحوادث، أصبحنا نعتقد بأنها كانت من سوء التطبيق، وضياع مراقبة المجلس أو عدم استعمال سلطته…” (31).

وتدارك نوري السعيد (رئيس الوزراء) الموقف، فقدم اقتراحاً بتعديل الفقرة السادسة من المادة (26) من القانون الأساسي لتكون: “للملك عند الضرورة التي تقتضيها المصلحة العامة إقالة الوزراء”، ثم قال: “إن حق إقالة الملك لرئيس الوزراء ما هو إلا حق كما يسمى (فيتو)، ولا يستعمل في كل حين” (32).

وأضاف توفيق السويدي أن “الدستور وضع مبدأ، هو أنه في زمن الوصاية لا يُتعرض بشيء لحقوق الملك، وهذا قيد احترازي…”، وأضاف: “ولو صرفنا النظر عن التعديل بأجمعه لكان أوفى وأحسن…”. وعندما جاء دور التصويت تسلل من الجلسة عدد من الأعضاء، وأخيراً صوّت على تعديل الدستور (78) نائباً من أصل (137) (33).

وجاء في جلسة مجلس النواب الثانية والأربعين، عن الأسباب الموجبة لتعديل القانون الأساسي سنة 1943م، ما يأتي: “إن الظروف التي شُرع فيها القانون الأساسي العراقي أدت إلى وجود كثير من النواقص التي ظهرت نتيجة التطبيق، مما اضطر الحكومة إلى تعديل بعض مواده للمرة الأولى في سنة 1925م، غير أن هذا التعديل كان بمقياس ضيق، وبقدر ما سمحت به الظروف، وأثبتت التطبيقات البرلمانية في مختلف الظروف والأدوار عدم كفاءة ذلك التعديل بعد تطور العراق الجديد، وعلى هذا فلا بد من تغيير القوانين وتعديلها كلما تقدمت البلاد، لتكون ملائمة لمستوى الشعب الذي تطبق عليه، وما يقال عن القوانين بصورة عامة ينطبق على القانون الأساسي” (34).

أما مجلس الأعيان فقد شكّل لجنة خاصة (35) يوم الأول من حزيران 1943م، عقدت عدة اجتماعات حضر جلساتها رئيس الوزراء وبعض الوزراء. وفي الجلسة الثانية لمجلس الأعيان، التي عقدت في التاسع من حزيران للمذاكرة في قانون تعديل القانون الأساسي، حضر الاجتماع الوصي عبد الإله، وافتتح الجلسة نوري السعيد (رئيس الوزراء)، فألقى خطاباً مطولاً قال فيه: “… إن القوانين الأساسية إنما تعدل نتيجة الحاجة، وقد حصلت الحاجة، وآخر هذه الضرورات ظهرت لنا عندما كنا في عمّان – الأردن – في أيام الحوادث المعلومة” (36). فيما كان حديث جميل المدفعي على النقيض، إذ ذكر أن الظروف الحاضرة غير ملائمة لتعديل الدستور للأسباب الآتية (37):

  1. لأن العهد عهد وصاية، وفي نظره أنه ليس من المستحسن إدخال تعديل ما على حقوق الملك في عهد الوصاية.

  2. لأن الظروف ظروف حرب، اضطرت الحكومة فيها إلى اتخاذ بعض الإجراءات التي رأتها ضرورية، مما قد يؤثر على سلامة المناقشة والتدقيق في مثل هذه اللائحة المهمة.

  3. “مع احترامي للكثير من أعضاء مجلس النواب، أجد أن هذا المجلس ليس بالمجلس الجدير بأن يناقش ويعدل قانوناً أساسياً، وبما سبق له من أعمال ظهر أنه لم يؤدِّ الواجبات حقها، هذا فضلاً عن أن مشكلتنا لم تنجم بحسب اعتقادي عن نقص في الدستور”.

وتناولت اللجنة أيضاً عوامل الأزمات والحوادث التي حلت بالبلاد، ولخصتها بما يأتي (38):

  1. ضعف مجلس الأمة وفقدان السيطرة العلنية على مجرى السياسة وسير الحكم، لعدم الاعتناء بسلامة الانتخابات وترشيح الأشخاص.

  2. كثرة حل مجالس النواب لأسباب غير مبررة.

  3. عدم تردد مجلس الأمة في إصدار قوانين العفو عن الحركات الثورية والأعمال غير الدستورية.

  4. عدم إعطاء سلطة صريحة لرئيس الدولة الأعلى في حفظ التوازن في حالة إصرار الحكومة على الاحتفاظ بالحكم مع خطر بقائها في دفة الحكم.

  5. سلوك بعض الساسة سلوكاً غير مشروع في الوصول إلى الحكم.

وتذاكر مجلس الأعيان في هذا التعديل، فقرر الموافقة على قرار اللجنة حوله، وفي أثناء التصويت على كل مادة بصورة منفصلة ظهر أن الموافقين اثنا عشر والمخالفين اثنان، هما عمر نظمي ومحمود صبحي الدفتري، وقُبلت اللائحة بالأكثرية (39).

وتناولت اللائحة نصوص القانون الأساسي الخاصة بالتعديل لمعالجة النواقص البارزة وأمور أخرى، تتلخص أهمها بما يأتي (40):

  1. أضيفت فقرة جديدة إلى المادة (20) بشأن ولاية العهد، وهو تدبير حكيم وضروري.

  2. أضيف إلى حقوق الملك مبدأ إقالة الوزارة.

  3. قبول مبدأ انتداب العين والنائب بمهمة خاصة ولمدة معينة.

  4. زيادة مدة الاجتماع لتطويل مدة المراقبة وتقصير مدة العطلة البرلمانية.

  5. رفع التحديد عن الحد الأعلى لعدد أعضاء الوزارة، وجواز تعيين وزراء بلا وزارة ونواب وزراء.

  6. كان حق جمع أعضاء المحكمة العليا لتفسير القوانين منحصراً بالسلطة الإجرائية، فأصبح هذا الحق من صلاحية السلطة التشريعية أيضاً.

  7. عالج التعديل الحالة الناشئة بسبب الطوارئ، وأجاز تأليف محاكم لهذا الغرض.

  8. عالج الشكوى المتكررة من صدور قوانين العفو، ولهذا حُرّم على مجلس الأمة إصدار عفو عن الأشخاص الذين يرتكبون جرماً من شأنه المساس بتبديل شكل الدولة أو تبديل الحكومة أو تهديدهما على إجراء عمل ما (كما حدث في هروب الوصي عبد الإله قبل حركة مايس 1941م).

  9. جواز الأخذ بالتقاليد الدستورية التي لم يرد نص يمنع الأخذ بها وكانت متبعة في الدول الدستورية (41).

ورُفعت لائحة التعديل الثاني إلى الوصي عبد الإله فوافق عليها، وأصبحت قانوناً بعد موافقة مجلسي الأعيان والنواب (42).

وكان لذلك التعديل أسباب جوهرية، في مقدمتها بعض المشاكل التي أدت إلى حركة مايس 1941م، والتي تبين من خلال أحداثها أن المجلس النيابي كان عاجزاً عن إسقاط أية حكومة، وأن الملك أو الوصي ليس بإمكانهما إقالة أية حكومة، لأن الدستور قبل التعديل لم يكن يمنحهما هذا الحق (43).


أجزاء «التأثير البريطاني على سياسة العراق 1941–1945م» (2 أجزاء):

  1. الجزء الأول (هذا الجزء)
  2. الجزء الثاني

الجزء الثاني ←