الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
التدخل العسكري البريطاني لإجهاض حركة مايس 1941م وتداعياتها على دول المحور (الجزء الأول)
من محاضرات «حركة مايس 1941» – 2017
لم يكن في تفكير القيادة العسكرية العراقية شنّ الحرب أو الاشتباك الفعلي مع وحدات الجيش البريطاني، رغم تشكيل قيادة الجبهة الجنوبية بقيادة العقيد رشيد جودت، والجبهة الغربية بقيادة العقيد الركن صلاح الدين الصباغ، وكان كل ما فكّروا فيه هو الدفاع لحماية البلاد من الجنوب والغرب.
أما في الجانب البريطاني فكانت النيّات مبيّتة، إثر القرار الذي اتخذه ونستون تشرشل عام 1940م، وحمّل فيه القيادة الميدانية مسؤولية المحافظة على البصرة وقاعدة الشعيبة، وكذلك قاعدة الحبانية في غرب العراق.
في الأول من مايس 1941م، وبتنسيق بين السفير البريطاني كورنواليس والقائد الجوي في الحبانية اللواء الطيار (سمارت)، طلب القائد البريطاني من القائد العراقي في سن الذبان (الحبانية) غرب بغداد سحب كل قواته إلى شرق الفلوجة بطريقة استفزازية، وفي الوقت نفسه أُشعر أهالي بغداد، عبر منشورات أُلقيت من الطائرات، بأن صداماً وقع مع القوات العراقية. وحلّقت إحدى وأربعون طائرة بريطانية لقصف وحدات الجيش العراقي في الثاني من مايس 1941م، فيما ردّت القوات العراقية بقصف المطار ومعسكر الحبانية بالمدفعية. وتبادل الطرفان الاتهامات حول من بدأ القتال، ونبّهت حكومة رشيد عالي الكيلاني السفارة البريطانية إلى أنها لا تستطيع حماية المدنيين الأجانب، وخاصة البريطانيين، في بغداد أو المحافظات الأخرى إذا نفّذت القوات البريطانية عمليات قصف جوي. وطلبت حكومة رشيد عالي الكيلاني حضور ممثل سياسي ألماني، وتأسيس علاقات سياسية مع السوفيت لتدارس الموقف.
واستمر القصف الجوي البريطاني في اليومين الثالث والرابع من مايس 1941 ليطال معسكر الرشيد (الهنيدي) والمطار المدني وطريق بغداد – الفلوجة، وامتد ليطال مطار الموصل، فيما تمكنت قوة بريطانية من أسر مئات الجنود العراقيين، والاستيلاء على اثني عشر مدفعاً وستين رشاشة وعشر مدرعات، وسقط أكثر من (500) شهيد.
أما الحكومة العراقية، ممثلة بشخص رشيد عالي الكيلاني، فقد حاولت الضغط على دول المحور، وخاصة ألمانيا المتفوقة عسكرياً، لإرسال الطائرات المقاتلة والقاصفة لمعاونة الجيش العراقي الذي كان يعاني نقصاً في دفاعاته الجوية، ولإحداث حالة من التوازن تمكّنه من الصمود فترة طويلة بوجه الهجمات الجوية البريطانية.
وفي البصرة تمكنت الفرقة الهندية البريطانية من عزل القوة العراقية الصغيرة في البصرة عن قاعدتها في بغداد، وطلب القائد البريطاني من القائد العراقي سحب قوته إلى القرنة شمال البصرة، إلا أن القوة الموجودة في الهارثة فوجئت بقصف مدفعي بريطاني من سفينة حربية تقدمت في شط العرب، أُجبرت فيه القوة العراقية كلها على إخلاء مواضعها في الثالث من مايس 1941م، وتشتّتت الوحدات العراقية بين العمارة والديوانية للدفاع هناك.
وفي الديوانية والسماوة أمر القائد العراقي بنشر قواته في البساتين لضمان سلامتها من كثافة القصف الجوي البريطاني، وبإنشاء موضع دفاعي في السماوة يستند إلى مناطق مغمورة بالمياه، مع رفع جزء من خط سكة الحديد في الناصرية. وفي الخامس من مايس 1941 تعرّضت المواضع العراقية في الناصرية والسماوة والديوانية والعمارة لقصف شديد كان تأثيره كبيراً على المدنيين والجنود في المواضع الدفاعية هناك.
أما في غرب العراق، فقد شكّلت القيادة البريطانية قوة باسم «قوة الحبانية» واجبها مساعدة القطعات البريطانية على نهر الفرات، ومن ضمنها رتل آلي واجبه القيام بأعمال الاستطلاع وتخريب الجسور ومحطات ضخ النفط في H2 وH3 غرب العراق، على أن تنضم إلى هذه القوة قوة أخرى قادمة من الأردن بقيادة الرائد (كلوب) باشا لإزاحة أي قوة عراقية في منطقة بحيرة الحبانية.
وشنّت قوة عراقية هجوماً على رتل الفيلق العربي من شمال شرق مدينة الفلوجة ومن جنوبها، كبّدت فيه العدو أكثر من خمسين قتيلاً.
أما في العاصمة بغداد، فقد أرادت حكومة رشيد عالي الكيلاني الدفاع عنها بأي ثمن، كما حدّدت مدينة الموصل عاصمةً مؤقتة إذا ما سقطت بغداد بيد البريطانيين، وتم تنظيم الدفاع في كركوك والموصل لمواصلة القتال. غير أن الاستعدادات البريطانية كانت أكثر كفاءة في مناوراتها تحت إسناد جوي متواصل، وأدت في النهاية إلى دخول القوة البريطانية العاصمة بغداد في الثلاثين من مايس 1941م.
قوات الطرفين (العراقية والبريطانية)
1. القوات العراقية (1)
ثلاث فرق مشاة تضم (36) فوجاً، إضافة إلى مقر فرقة رابعة (قيد التشكيل).
القوة الآلية (فوجان محمولان بالسيارات، وسرية مدرعات).
لواء خيالة (3 كتائب)، و3 كتائب مدفعية ميدان، و3 بطاريات مدفعية مقاومة الطائرات.
- طائرة عراقية من مناشئ بريطانية وأمريكية وإيطالية.
- طائرة عراقية قاصفة ألمانية، و(12) طائرة قتالية إيطالية (من دول المحور) (2).
القوة النهرية: (4) بواخر نهرية مدرعة، حمولة كل منها (70) طناً.
وبالإجمال بلغ مجموع القوات العراقية (80000) مقاتل و(92) طائرة.
2. القوات البريطانية (3)
أ. قوة قاعدة الحبانية
أولاً: مدرسة تدريب طيران الخدمة رقم (4) بإمرة النقيب الطيار (سافيل) W.A.B. Savile، وفيها (32) طائرة (أوداكس)، و(8) طائرات (كوردون)، و(29) طائرة (أوكسفورد)، و(3) طائرات (كلاديتر)، وطائرة (بلينم) واحدة، و(5) طائرات هارت للتدريب. فكان مجموع الطائرات (38)، أربع منها عملياتية والباقي للتدريب.
ثانياً: رفّ طائرات لأغراض المواصلات.
ثالثاً: كان عدد الأشخاص الذين يشغلون معسكر الحبانية نحو (1000) شخص من منتسبي الطيران، و(1200) من قوات الليفي العراقيين، أكثرهم من الآثوريين، بإمرة المقدم (براون) J.A. Brown، ونحو (9000) من المدنيين (أوروبيين وهنود وآثوريين).
ب. قوة قاعدة الشعيبة
سرب قاصفات من نوع (فنسنت)، ثم ازداد عددها حتى أصبحت (75) طائرة، (27) منها قاصفة. ثم وصلت طائرات إضافية خلال شهر مايس من شمال إفريقيا والهند ومصر، فأصبح مجموع الطائرات الكلي (272) طائرة، وُضعت تحت قيادة اللواء الطيار (سمارت) H.G. Smart قائد القوة الجوية البريطانية في العراق.
ج. قوة البصرة والخليج العربي
أربع بواخر حربية بإمرة المقدم البحري (كراهام) C. M. Graham متحشدة في البصرة، جرى تعزيزها بالطراد (إميرالد) Emerald يوم الثالث عشر من نيسان 1941م، وأُتبعت بحاملة الطائرات هرمز Hermes وبطراد آخر.
العمليات العسكرية في الحبانية
طلب السفير البريطاني في بغداد (كورنواليس) من القائد الجوي البريطاني في الحبانية الجنرال سمارت، صباح يوم الأول من مايس 1941م، القيام بالهجوم على القوات العراقية في سن الذبان بعد أن يضع طائراته في الجو، وأن يطلب الانسحاب الفوري لكل القوة العراقية الموجودة إلى شرق الفلوجة. فأخبر القائد الجوي البريطاني سمارت السفير البريطاني (كورنواليس) بأنه عزم على تبليغ القائد العراقي المحلي هاتفياً صباح الغد، الثاني من مايس 1941، أو بإرسال عجلة مدرعة إلى أقرب آمر بطارية مدفعية عراقية: «إذا لم تنسحب القوات العراقية حالاً فسوف يُتّخذ إجراء القصف فوراً، فإذا وافق فسوف يُعطى مهلة نصف ساعة حتى تبدأ أول حركة» (4). وكان في ذهن الجانب البريطاني عدم تقديم أي تنازلات من دون الحرب وإسقاط الحكومة.
وأُلقيت على مدينة بغداد منشورات باللغة العربية موقّعة من السفير البريطاني كورنواليس في الثاني من مايس عام 1941م، تضمّنت هجوماً عنيفاً على حكومة رشيد عالي الكيلاني والعقداء الأربعة، وأن مناوشات قد وقعت بين القوات البريطانية والقوات العراقية في منطقة الحبانية (5). وقرّر قائد القوات البرية البريطانية في الحبانية العقيد (روبرتس) Roberts البقاء في الحبانية لإدارة الموقف هناك (6)، فيما عزمت القيادة العسكرية العراقية على تغيير مواضع المدفعية تحاشياً للقصف الجوي المعادي. واعتقد قائد القوات البرية البريطانية العقيد (روبرتس) بوصول تعزيزات جديدة للقوات العراقية، فقرّر الهجوم على مواضع وحدات الجيش العراقي حول معسكر قاعدة الحبانية صباح الثاني من مايس 1941م، وأخبر السفير كورنواليس بذلك (7).
كانت جميع الطائرات المتيسرة في قاعدة الحبانية قد حلّقت فوق المواضع العراقية في الهضبة (8)، وفي الساعة الخامسة فجراً بدأت ثلاث وثلاثون طائرة من الحبانية وثماني طائرات من قاعدة الشعيبة هجومها على مواضع القوات العراقية (9). وخلال بضع دقائق ردّت القطعات العراقية بقصف المطار ومعسكر الحبانية، مما سبّب أضراراً بالطائرات البريطانية وهي جاثمة على الأرض، فضلاً عن الغارات القليلة للطائرات العراقية المقاتلة التي أثّرت في عزيمة القوات البريطانية (10).
ويذكر عثمان كمال حداد، السكرتير الشخصي لمفتي القدس محمد أمين الحسيني، في كتابه «حركة رشيد عالي الكيلاني» الظروفَ السائدة عند بدء القتال، فيقول إن الطائرات العراقية التي نفّذت غارات جوية ناجحة هبطت في مطارَي بغداد والموصل، وطلب الطيارون التزوّد بالوقود، غير أن المخزون الذي تكلم عنه العقداء الأربعة إنما كان وقوداً للعجلات. وتساءل رشيد عالي الكيلاني: أين وقود الطائرات الذي يكفي لسنتين؟ ولم يكن لدى أحد جواب، فتسرّب اليأس والقنوط إلى نفس رشيد عالي الكيلاني الذي اعتمد كلياً على أصحاب المهنة (العقداء الأربعة) (11).
لم تفكر القيادة العسكرية العراقية في نشر قواتها حيال الاحتمالات المتوقعة التي كان يدور حولها الصراع، وكل ما اتُّخذ من إجراءات في سبيل إعادة التحشّد هو ما نفّذه العقيد الركن صلاح الدين الصباغ ليلة 29/30 نيسان 1941م، بإرساله القوة الآلية ولواء المشاة الرابع إلى قاعدة الحبانية (12).
وأذاع السفير البريطاني في بغداد (كورنواليس)، الذي لم يكن قد قدّم أوراق اعتماده إلى الخارجية العراقية، رسالة موجهة إلى الشعب العراقي هاجم فيها الجيش العراقي، جاء فيها (13):
أن أحداث العراق سببها قيام قلة صغيرة من الضباط، يؤيدها بعض ممن لا يخافون الله، الذين يسعون إلى تولي السلطة واكتناز الأموال والسحت الحرام، ومن ثم يريدون اغتصاب الحكم في بلادكم الخيّرة.
أن حربكم ضد بريطانيا غير مشرّفة، وإني لأقسم بشرفي بأن هؤلاء النفر قد باعوا أنفسهم للألمان والطليان بقدر من المال والذهب.
أن وزارتكم وضباطكم، يا أهالي بغداد الكرام، يحاولون تبديل الصورة لدفع العراق إلى القطيعة مع بريطانيا، وهي الحليفة والصديقة للشعب العراقي.
أن وزارتكم تصغي إلى صوت الذهب لا إلى صوت الحكمة، ولهذا فإن لم تُسحب قطعات الجيش من أمام قطعاتنا العسكرية فسوف نواجه هذه الدسائس، ولا نريد (للصديق أن يحارب صديقه).
أيها العراقيون، لقد عرفتم (كورنواليس) حق المعرفة، وإني لأقسم بشرفي وبأغلظ الأيمان أن بريطانيا لا تنوي احتلال العراق (14).
وأرسلت السفارة البريطانية، بعد أن بدأت العمليات العسكرية، مذكرة احتجاج إلى الحكومة العراقية تحمّلها فيها مسؤولية الحرب. وحال تسلّم مذكرة الاحتجاج اجتمع مجلس الوزراء العراقي في دار وزير المالية (ناجي السويدي)، وبعد الاطلاع عليها تقرّر (15):
إرسال جواب من وزارة الخارجية العراقية إلى السفارة البريطانية على مذكرتها المؤرخة في الثاني من مايس 1941م الموجهة إلى رئيس الوزراء، يتضمن احتجاج الحكومة العراقية على اعتداء القوة الجوية البريطانية على قواتها المرابطة حول الحبانية، وتحميل بريطانيا المسؤولية عمّا حدث من نتائج.
طلب حضور ممثل سياسي ألماني إلى بغداد بأسرع وقت ممكن (16).
أن تؤسس الحكومة العراقية علاقات سياسية مع روسيا السوفيتية.
نشر بيان من رئيس الوزراء رشيد عالي الكيلاني يتضمن إيضاح الاعتداء البريطاني الواقع على قواتنا الوطنية ومقاتليها (17).
وقامت وزارة الخارجية العراقية بالرد على مذكرة السفارة البريطانية بمذكرة تُثبت فيها أن الحكومة البريطانية هي التي بدأت بخرق معاهدة 1930م، وقامت بأعمال معادية، وأن من واجب الحكومة العراقية المحافظة على جميع السفارات والمفوضيات، إلا أنها لا تستطيع حماية المدنيين، ولا سيما إذا جرى قصف جوي بريطاني على بغداد أو أية مدينة عراقية (18). كما استغربت الحكومة العراقية أن يقوم السفير البريطاني (كورنواليس) بمخاطبة الشعب العراقي والطعن برئيس حكومته (رشيد عالي الكيلاني) وقادة جيشه، واعتبرت ذلك عملاً عدوانياً (19). وأصدرت الحكومة العراقية تعليمات إلى القوات العراقية المرابطة في جوار الحبانية بأن تتجنب أي اصطدام مع القوات البريطانية (20). وفي نهاية المذكرة عدّت الحكومة العراقية ما قام به قائد القاعدة الجوية في الحبانية اللواء الطيار (سمارت) عملاً عدائياً، ووضعت مسؤولية ما حدث من نتائج على الجانب البريطاني (21).
وتصرّف العقيد الركن صلاح الدين الصباغ (قائد الجبهة الغربية) بطريقة منفردة، بعيداً عن مقر قيادته في رئاسة أركان الجيش، ومن دون استشارة رئيس وزرائه رشيد عالي الكيلاني في تطورات الموقف، واعتقد أن مركز الثقل في الأعمال القتالية يرجع إلى الأوامر التي أصدرها بتحريك لواء المشاة الرابع والقوة الآلية إلى المناطق المجاورة لقاعدة الحبانية. فعمد إلى إصدار البلاغات العسكرية من مقره بتوقيع رئاسة أركان الجيش، باسم رئيس أركان الجيش الفريق أمين زكي، وكانت تفتقر إلى الدقة أحياناً، وتتضارب فيها المعلومات أحياناً أخرى، وكان لها تأثير سيئ على معنويات الشعب العراقي (22).
واستمرت الطائرات البريطانية في اليوم الثالث من مايس 1941 في قصف القوات العراقية في الهضبة (منطقة سن الذبان)، فضلاً عن توجيه قسم منها نحو بغداد لقصف معسكر الرشيد والمطار المدني وساحة سكك الحديد وطريق بغداد – الفلوجة، فيما ظهرت المدافع العراقية على الهضبة، مموّهة ومخفية جيداً، بحالة سليمة ولم تتكبد خسائر، كما كان المشاة متخندقين دون خسائر (23). وفي اليوم الرابع من مايس 1941 أغارت الطائرات البريطانية من نوع (ولنكتون وبلنهايم) على مطارَي الموصل وبغداد ودمّرت عشرين طائرة عراقية. كما قامت بعض الطائرات البريطانية بإلقاء منشورات باللغة العربية على مناطق بغداد تدعو المواطنين العراقيين إلى عدم تأييد رشيد عالي الكيلاني وجماعته، وتشجعهم على التمرد للقضاء على حركته (حركة مايس 1941) بأقرب وقت (24).
انسحبت الحجابات (25) العراقية فجر يوم الرابع من مايس 1941م دون سابق إنذار، وكانت المدفعية العراقية مستمرة في رمي نار الإزعاج (26) على العدو ليلاً، فيما أخرجت الطائرات البريطانية دوريات جوية ليلية لتفادي أي غارة عراقية على قاعدة الحبانية. ومع استمرار القصف الجوي المعادي على جسر الفلوجة وخطوط المواصلات، أصبحت القطعات العراقية في حالة اشتباك فعلي مع القوات البريطانية، إذ تعذّر انسحابها على محاور مأمونة (27).
وأذاع الوصي عبد الإله في الخامس من مايس 1941م بياناً ألقته الطائرات البريطانية في أجواء العراق يقول فيه: «إن بريطانيا صديقة العراق والعرب، وإن العربي المشهور بوفائه لا ينقض العهد ولا يبيع أصدقاءه مهما كان الثمن» (28).
وكان لاستمرار القصف الجوي البريطاني على القوات العراقية أثره في إحداث نسبة خسائر متزايدة في وحداتها، وأجبرها على الانسحاب بطريقة خارجة عن ضوابط الأوامر المعمول بها، وأدى في النهاية إلى تعقّب الوحدات العراقية وأسر (400) جندي والاستيلاء على اثني عشر مدفعاً وستين رشاشة وعشر مدرعات (29). وأصدرت القيادة العراقية أوامرها بإرسال تعزيزات من المشاة الآلي والمدفعية على طريق بغداد – الفلوجة – الحبانية، غير أنها تعرضت لغارة جوية معادية مؤلفة من أربعين طائرة بعد عبورها نهر الفرات (30)، واستمر القصف الجوي البريطاني دون مقاومة مدة ساعتين، فكانت خسائر القوات العراقية سبعين عجلة وأكثر من 500 شهيد و40 أسيراً (31).
ووصل لواء المشاة الخامس العراقي إلى تكريت قادماً من الموصل في السادس من مايس 1941م لدعم حكومة رشيد عالي الكيلاني (32). وفي اليوم السابع منه قامت الحامية البريطانية في الحبانية بهجوم مقابل على القطعات العراقية أثناء انسحابها النهائي من الهضبة (33). وفي اليوم الثامن من مايس 1941م قامت المقاتلات البريطانية (بلينم)، التي وصلت أربع طائرات منها إلى العراق في الثالث من مايس 1941م، بقصف ما تبقى من الطائرات العراقية في قاعدتي الرشيد وبغداد، ومطارات الموصل وبعقوبة وشهربان (34). ويقول محمود الدرة في تقييمه للموقف العسكري: «فقد الجيش العراقي (80%) من قوته الجوية، وشُلّت حركة باقي الطائرات، وفقد ما يعادل قوة فرقة من المشاة… وعلى ضوء الموقف السيئ لم يجد قائد القيادة الغربية العقيد الركن صلاح الدين الصباغ بُدّاً من ترك الجانب الغربي لنهر الفرات بيد الإنكليز»، مع إهمال واضح لدور القيادة الجنوبية في السيطرة على ميناء البصرة وقاعدة الشعيبة (35).
أجزاء «التدخل العسكري البريطاني لإجهاض حركة مايس 1941م وتداعياتها على دول المحور» (2 أجزاء):
- الجزء الأول (هذا الجزء)
- الجزء الثاني