الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
الجيش العراقي الجديد (الجزء الأول)
من محاضرات «محاضرات عن الجيش العراقي» – 2005
«سيادة البلدان بجيوشها وعَلَمِها»
المقدمة
إن نظام الجندية قديم قِدم الحضارة العراقية، عريق كعراقتها. فقد وجد المختصون بعلم الآثار أن القوانين التي سنّها الملك البابلي حمورابي وأودعها مسلّته المشهورة تحتوي على قوانين عسكرية تنظّم علاقة أفراد الجيش من جنود وقادة بعضهم ببعض، وعلاقتهم بالمجتمع المدني. وكانت تعتمد الخدمة الإلزامية، ووضعت العقوبات للمتخلفين عن الخدمة والهاربين منها. وفي زمن الدولة الآشورية في العراق القديم وُضعت أسس وقواعد ثابتة يجري عليها التجنيد والتدريب، وكان يُدعى إلى الخدمة جميع القادرين على حمل السلاح، وكانت الدعوة تُعلن مرة واحدة في السنة في الظروف الاعتيادية.
وقد جعل هذا التقدم، وهذه الحضارة، والخيرات الكبيرة التي حبا الله بها بلادنا، بلدنا محطّ أنظار الطامعين، فوقع في براثنهم بعد أن ضعفت قوته العسكرية؛ فمنهم المغول والفرس، وآخرهم الحكم العثماني، ثم الاحتلال البريطاني خلال الحرب العالمية الأولى 1914–1918.
ونرى الآن التاريخ يعيد نفسه، ولكن بسيناريو آخر؛ إذ احتُلّ العراق بحجج مختلفة من قِبل مستعمر آخر، وبمساندة المستعمر الأول للعراق، الذي كان يخطط لذلك منذ طرده في ثورة 14 تموز 1958، وبعد إعلان تأميم النفط عام 1972؛ لأن العراق بموقعه وخيراته وغناه كان يسيل لعاب الطامعين على الدوام منذ القدم.
لكننا لاحظنا في احتلال العراق هذه المرة تدمير البنية التحتية لهذا البلد، وتدمير جيشه وحلّه، وهو الجيش الذي كان يحسب له الأصدقاء قبل الأعداء ألف حساب، وكذلك جميع الوزارات، وخاصة الدفاع والتصنيع العسكري والإعلام والداخلية وغيرها، إضافة إلى حلّ جميع الأجهزة الأمنية والحزبية معاً. وكانت نتائج ذلك غير سليمة، إذ أدى إلى الانفلات الأمني وزيادة حالات السرقة والقتل والنهب والغش وغيرها. والسبب عدم دراسة الموضوع من قِبل القوات المحتلة، وعدم وضع تقدير صحيح للموقف لما بعد الاحتلال وسقوط النظام في العراق. وأعتقد أن من أسبابه أيضاً عدم الأخذ بمشورة المخلصين والأمناء، وخاصة من الأحزاب الوطنية المعارضة التي شاركت في إسقاط النظام، ولا سيما الحزبان الكرديان، والوطنيون الشرفاء من العراقيين المخلصين لهذا البلد، وخاصة المستقلين منهم؛ وذلك بسبب غرورهم بقوتهم وتكنولوجيتهم الفائقة، وعدم إفساحهم المجال لمشاركة الآخرين في سياساتهم ونتائج حصادهم في احتلال العراق.
كيف سيكون حال العراق بعد تسليم الحكم؟ وكيف حُلّ الجيش العراقي؟ وما أسلوب تشكيل الجيش العراقي الجديد؟ سنناقش ذلك ونحلّله، ونقدّم المقترحات والتوصيات بشأنه، وفق العناوين الآتية:
أ. كيف تم احتلال العراق.
ب. كيف تمت مواجهة الجيش العراقي.
ج. ردّ فعل الجيش العراقي ودوره في التمرد والمقاومة.
د. الدور الإعلامي وتأثيره في الجيش العراقي القديم.
هـ. نتائج الاحتلال.
و. تصرفات صدام حسين تجاه شرائح المجتمع العراقي.
ز. أين الجيش العراقي القديم؟
ح. الحلول المقترحة لقضية حلّ الجيش العراقي القديم.
ط. الحلول المقترحة للجيش العراقي الجديد.
- الغاية: بيان ما حلّ بالجيش العراقي القديم، وكيف يتم تشكيل الجيش العراقي الجديد.
كيف تم احتلال العراق
أ. إن الحكم الدكتاتوري لصدام حسين وحزبه (البعث) في العراق لأكثر من خمس وثلاثين سنة غسل عقول بعض المتطرفين والانتهازيين والشوفينيين والأميين وضعاف النفوس، فكانوا يمجّدون الدكتاتور وحزبه، حتى جعلوا صدام حسين قائداً ورمزاً وبطلاً مغواراً. وأدى ذلك به إلى أن يتصرف في العراق كأنه إله هذا الشعب، والعبقري الأول، والبطل الذي لا يخطئ ولا يُقهر، فأصيب بانفصام في الشخصية، وجعل نفسه الشخص المثالي لكل الأزمات ولكل الظروف. وأدى ذلك إلى أن يتصرف تصرفات هوجاء تجاه كل عراقي وطني وغيور، وكل صاحب رأي صحيح، وكل حزب وطني معارض له تاريخ مجيد، عادّاً هؤلاء مخطئين وخائنين لأنهم لم يسيروا في خط أفكار القائد صدام حسين وحزبه البعث الشوفيني. فأصبح الجميع في العراق تحت المراقبة المستمرة، ولم يُفسح المجال لأحد لطرح أفكاره أو آرائه فيما يخص مصلحة الوطن، لأن «القائد لا يخطئ أبداً».
ب. وبهذه العنجهية الشوفينية الدكتاتورية جرى ضرب كل عراقي وطني ومخلص للعراق ومحاسبته وسجنه وإعدامه، ومطاردة الأحزاب المعارضة بشتى الوسائل للنيل منها. وهذا ما دفع الجميع إلى كشف الحقائق والوقائع بالواقع الملموس، وباعتراف بعض أزلام صدام حسين، وبالمستندات والوثائق الرسمية، وخاصة الأمنية والحزبية والاستخبارية، التي تمت السيطرة عليها سواء خلال الانتفاضات في الجنوب أو في كردستان العراق أو بوسائل أخرى. وقُدّمت تلك الوثائق إلى العالم أجمع ليعرف مصير العراقيين تحت سلطة هذا الدكتاتور الظالم، الذي لم يعرف التاريخ الحديث نظاماً قمعياً أسوأ منه أبداً.
فقد أصبحت أعداد ضحايا الشعب العراقي، بعربه وكرده، بالملايين؛ ففي حملات الأنفال السيئة الصيت وحدها في كردستان العراق بلغ عددهم نحو 182 ألف شهيد كردي، منهم 8 آلاف من عشيرة البارزانيين، وفي الجنوب سقط مثل هذا العدد أو أكثر خلال الانتفاضة الشعبانية في آذار 1991. ولم يكتفِ بذلك، بل كان يستخدم الأسلحة المحرّمة ضد أبناء شعبه، مثل الأسلحة الكيماوية على القرى الكردية، وخاصة في مأساة حلبجة في 16 آذار 1988، حيث بلغ عدد الضحايا (5) آلاف شهيد كردي من المدنيين في ساعة واحدة، إضافة إلى تهجير نحو (4500) قرية كردية في كردستان العراق وتدميرها وحرقها.
كل هذا كان يجري على مسمع العالم وبصره، ولم يكن هناك ردّ فعل تجاه صدام حسين وحكمه البائد، إلا بعد أن قامت الأحزاب المعارضة والوطنيون الشرفاء بفضح هذا النظام المجرم، وإيصال المستمسكات الرسمية التي تمت السيطرة عليها خلال الانتفاضة في كردستان العراق، ومعها اعترافات كثير من المجرمين بعد أسرهم خلال الانتفاضة بما فعلوه بهذا الشعب الأبي.
ج. وبعد التدقيق في صحة المستمسكات والمعلومات قرر المجتمع الدولي، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، ضرورة القيام بعمل ينهي هذا الحكم الدكتاتوري، أولاً بالأساليب السلمية والدبلوماسية. ولكن صدام حسين وأزلامه ومستشاريه الأشرار بقوا على غرورهم وعنجهيتهم، معتقدين أنهم منتصرون دائماً لأن صدام «هبة من الله للعراق والعالم»، وأنه لا يجوز القبول بالتفاوض مع أمريكا والغرب، حسب تصورهم. وهذا ما دفع دول التحالف بقيادة أمريكا وبريطانيا إلى استخدام القوة لإزالة هذا الحكم الدكتاتوري من العراق والعالم. ولهذا جرى تجهيز القطعات العسكرية وتحشيدها للقيام بالواجب المطلوب، وحسب الخطط التي وُضعت لمواجهة الجيش العراقي أولاً، واحتلال البلد ثانياً.
كيف تمت مواجهة الجيش العراقي
إن الجيش العراقي جيش وطني جبار، ذو تدريب راقٍ وخبرة قتالية عالية وقدرة على القتال عالية جداً يشيد بها الأعداء قبل الأصدقاء، وله تاريخ حافل في المعارك التي شارك فيها. فتاريخ هذا الجيش يمتد نحو (82) سنة، شُكّل خلالها ودُرّب وجُهّز بشكل جيد جداً على أيدي ضباط عراقيين أكفاء ومخلصين، حتى وصل تعداده إلى أكثر من خمسين فرقة مقاتلة، بحيث يمكن الاعتماد عليه في مواجهة كل المصاعب التي تواجه العراق، إذا كانت قيادته صحيحة.
ولكن، مع الأسف الشديد، بدأ صدام حسين وحزبه البعث خلال السنوات العشرين الأخيرة بتبعيث الجيش العراقي تدريجياً، فطُرد وأُحيل على التقاعد كل من يُشكّ في ولائه له وللحزب، أو وُضع في مناصب غير مهمة. وهذا ما جعله تدريجياً كياناً ضعيفاً لا يُعتمد عليه، لأنه شُكّل جيش آخر يُعتمد عليه هو الحرس الجمهوري، وبعده الحرس الخاص، ثم فدائيو صدام، وجيش القدس من العناصر البعثية، مما أدى إلى تهميش دور الجيش العراقي الأصيل.
وهذا ما جعل كثيراً من أفراد الجيش العراقي غير راضين عن النظام وعن تصرفات المسؤولين البعثيين الذين كانوا أداةً للشرطة والأمن. وبمرور الزمن أثّر ذلك كثيراً في معنويات أفراد الجيش، ضباطاً ومراتب، لأنهم شعروا بأنهم تحت المراقبة الحزبية، وأنهم من الدرجة الثالثة، ولا يُعتمد عليهم في المهام الرئيسية. ثم أُبعدوا حتى عن العاصمة بغداد وعن الأماكن الحساسة، بل يمكن القول إنهم حوصروا من قِبل قطعات الحرس الجمهوري في عموم العراق. وأثّر هذا بشكل كبير في معنويات الجيش العراقي وإرادته القتالية، حتى صار أفراده ينتظرون أي فرصة أو وقت مناسب للانتقام والتمرد أو عدم تنفيذ الأوامر.
وفعلاً، قبل المعارك الأخيرة (الاحتلال) وخلالها لم يقع القتال والمواجهة مع المحتل بالشكل المعروف عن الجيوش، وخاصة الجيش العراقي المعروف بمواقفه وشجاعته في مواجهة الأعداء. وعليه كان ردّ الجيش العراقي هو الانسحاب والهروب وترك الأسلحة والمواضع والمواقع، مما سهّل دخول القطعات الأمريكية والبريطانية لاحتلال العراق، «لغرض في نفس يعقوب» كما يقول المثل الدارج، أي إن الغاية تبرر الوسيلة، والغاية هي المشاركة في إسقاط صدام وحزبه؛ إذ كان الجيش العراقي يشعر بأن القوات المشاركة في إسقاط النظام «محرِّرون وليسوا محتلين».
ردّ فعل الجيش العراقي ودوره في التمرد
الكل يعلم أن الجيش العراقي مبني على أكتاف العراقيين المخلصين والوطنيين، ولكن، كما ورد في الفقرة السابقة، جرى تدجين العسكريين وترويضهم أو إبعادهم عن الأماكن والمناطق المهمة والحساسة، خوفاً من أي تمرد أو ثورة تحصل داخل الجيش. وفعلاً حصلت عدة محاولات انقلابية، وأُعدمت أعداد كبيرة من الضباط الذين قاموا بهذه المحاولات أو خططوا لها أو ساندوها.
والسؤال المهم هنا: لماذا لم تنجح أية محاولة انقلابية للإطاحة بصدام حسين خلال هذه المدة الطويلة من حكمه المستبد؟ نعم، كان له جهاز أمني واستخباراتي ومخابراتي وحزبي فعّال جداً يرصد جميع التحركات، إضافة إلى الجهات الخارجية المتعاونة مع صدام، التي كان من مصلحتها بقاؤه في سدة الحكم، فكانت تكشف له هذه المحاولات والتمردات والانقلابات عليه.
وعليه نستطيع أن نجزم بأنه ليس جميع منتسبي الجيش العراقي القديم كانوا مخلصين لصدام حسين وحزبه، والدليل هو الانهيار والسقوط السريع وعدم القتال والمواجهة، لأنها كانت الفرصة الذهبية للتمرد والانتقام من صدام حسين وأزلامه. يضاف إلى ذلك دور الإعلام الغربي والتحالف الغربي الأمريكي في الترويج بأن قوات التحالف آتية من أجل التحرير وإسقاط النظام وحزب البعث فقط، لا من أجل حلّ الجيش العراقي أو تدميره أو طرده، ولا لتدمير البنية التحتية للعراق، وقد صدّق الجيش العراقي وأجهزته الأمنية والمخابراتية هذه المعلومات.
الدور الإعلامي وتأثيره في الجيش العراقي القديم
أ. يُعدّ الإعلام أداة وسلاحاً فعالاً في الحروب، سواء قبل المعركة أو خلالها، وحتى بعد انتهاء المعارك. ولا يُنكر أن العراق لا يمكن أن يوازي الإعلام الغربي، وخاصة الأمريكي والبريطاني، فقد كان إعلامهم يصل إلى العالم كله تقريباً ويؤثر فيه، حتى استطاعوا حشد الرأي العام العالمي إلى جانبهم. وفي الوقت نفسه أثّروا في العراقيين وجيشهم تأثيراً كبيراً من عدة نواحٍ: أولاً، بأنهم ليسوا غزاة أو محتلين، وإنما محرّرون جاؤوا لإنقاذ العراق والعراقيين المظلومين والمضطهدين من سيطرة الدكتاتور وحزبه الشوفيني. وثانياً، بأن قوتهم وأسلحتهم الحديثة وتكنولوجيتهم المتقدمة لا يمكن مجابهتها. وثالثاً، معرفتهم المسبقة بأن كثيراً من العراقيين، وخاصة الجيش العراقي، يرحبون بذلك لشعورهم بالظلم الذي أصابهم خلال هذه المدة الطويلة.
كل هذا كان له دور في انتصار الائتلاف (التحالف) الأمريكي البريطاني الغربي على العراق بهذه السهولة، التي لم تكن متوقعة حتى من قِبلهم.
ب. ولكننا نرى الآن، مع الأسف، ضعفاً وعدم مصداقية في إعلامهم، مما أدى إلى كثرة القيل والقال في العراق والعالم عن نوايا قوات الاحتلال في العراق وتصرفاتها، وعن التصرفات والأعمال غير الصحيحة التي تقوم بها تجاه الشعب العراقي، وخاصة من النواحي الاجتماعية والنفسية. ويتضح من ذلك عدم معرفتهم بخصوصيات المجتمع العراقي وكيف يجري التعامل معه لكسبه، وعدم دفعه إلى الخندق المضاد لهم، واحتمال تحوّله إلى مقاومة ضدهم في المستقبل القريب؛ وفي الأخير يخسر الطرفان، وخاصة الشعب العراقي المظلوم.
ج. كان يجب على الائتلاف (التحالف) أن يأخذ برأي الشخصيات الوطنية العراقية والأحزاب المعارضة جميعاً، وخاصة الأحزاب الكردية، لمواقفها الوطنية السابقة نحو عراق ديمقراطي عادل لا يفرّق بين مكوناته الأساسية، وأن يدرس المجتمع العراقي بشكل أفضل لكسب الشعب؛ لأن العراقيين يجب التصرف معهم بالحكمة والعقل، لا بالقوة دائماً، كما نلاحظ ذلك بشكل مستمر.
أسباب انهيار الجيش العراقي
كما ورد في فقرتي «ردّ فعل الجيش العراقي ودوره في التمرد» و«الدور الإعلامي وتأثيره في الجيش العراقي القديم» أعلاه.
نتائج الاحتلال
أ. لم يجرِ في التاريخ الحديث احتلال بلد بهذا الشكل؛ إذ دُمّرت البنية التحتية للدولة العراقية بالكامل، فلم تبقَ فيها وزارة أو مؤسسة أو مصنع أو معمل أو مخزن أو مستودع أو بناية أو مشروع ماء أو كهرباء إلا دُمّر. بل نستطيع القول إن ذلك شمل حتى البنية التحتية لبعض المواطنين الذين هُدمت دورهم أو مزارعهم أو محلات أرزاقهم. وشمل أيضاً بعض الموظفين الذين حُرموا من رواتبهم (دخلهم المعيشي)، وهي حق مشروع قانوناً وعرفاً. وقسم آخر من المواطنين نُهبت ممتلكاتهم وسُرقت بالكامل من جراء الوضع غير المستقر والانفلات الأمني، بعلم المحتل وموافقته. والأخطر من كل ذلك أنه جرى قتل كثير من المواطنين وخطفهم، إما بدافع الثأر والانتقام، أو الحسد على المعيشة، أو الكراهية، أو لأسباب سياسية، أو من أجل الحصول على الأموال.
ب. إن التخطيط لمعركة الاحتلال كان جيداً من قِبل سلطة الائتلاف، ولكن خططهم بعد الاحتلال كانت غير صحيحة وغير واقعية، ولا يمكن تطبيقها على مجتمع شرقي مثل العراق، بسبب الفارق التاريخي والاجتماعي والزمني الكبير بينهم وبيننا؛ إذ لا يمكن جعل العقلية الأمريكية والغربية من الناحية الاجتماعية مشابهة للعقلية العراقية ذات الطابع العشائري القبلي. أي إنه لم تكن لديهم خطط أو أجندة لما بعد انتصارهم واحتلالهم، لقيادة العراق والتعامل مع شعبه.
ج. لقد مرّ أكثر من عام على احتلال العراق، ولم نجد ما يبشّر بالخير والرفاه والديمقراطية والحرية والعدالة وحقوق الإنسان التي وعد بها المحتلُّ الشعبَ العراقي بعد الإطاحة بصدام حسين ونظامه. وأعتقد أن السبب يعود إلى المحتل نفسه، لأنه لم يستمع إلى آراء الأحزاب المعارضة العراقية، وخاصة الحزبين الكرديين اللذين لهما باع طويل في سياسة العراق وأوضاعه، ويعرفان كيف يجب التعامل مع هذا الشعب الذي عانى الكثير من المآسي والظلم، وهو ينتظر هذا التغيير نحو الأفضل لا نحو الأسوأ. ولم يستمع كذلك إلى آراء الشخصيات الوطنية العراقية المخلصة والمعروفة، إذ لم يجرِ حتى الآن الاتصال بها أو الأخذ بآرائها. والسبب هو عدم معرفة المحتل بها، أو عدم مساعدة المقرّبين منه له في معرفة هؤلاء الوطنيين؛ لأن المحتل يعتقد أن الموجودين معه قد اختارتهم هذه الأحزاب المتعاونة معه، وبعض المواطنين المتعاونين معه سابقاً أيضاً. وهذا ما جعل الوضع يسير من سيئ إلى أسوأ، وسيبقى كذلك ما لم تُراعَ بعض المفردات في التعامل مع العراقيين، وما لم يُمنع المنافقون والكذابون والانتهازيون من إيصال معلومات كيدية إلى قوات الاحتلال لإقناعها بما يوافق رغباتهم الشخصية؛ لأنهم لا ينظرون إلا إلى مصالحهم، لا إلى مصلحة العراق ولا مصلحة الائتلاف المتعاون معهم.
د. لا يزال المحتل يفكر بعقلية المحتل، ويرى أن على الجميع الطاعة، ولا يأخذ برأي الآخرين من العراقيين، على الرغم من تنبيه الأحزاب المعارضة والشخصيات العراقية الوطنية التي يلتقي بها. والسبب غرورهم بالقوة التي لديهم، وعنجهيتهم واعتقادهم بأن عقليتهم هي الأفضل، وأنه لا داعي لأن يستمعوا إلى آراء الآخرين ونصائحهم؛ لأنهم لا يزالون يقولون بألسنتهم إنهم محتلون، ولهم الحق في كل التصرفات، وإن العراق «أسير حرب» يمكن التعامل معه وفق ذلك.
هـ. وعليه نلاحظ أنهم بعد عام من الاحتلال وقعوا في الشَّرَك؛ إذ زاد عدد العراقيين المقاومين لهم، سواء بالمقاومة أو بالتخريب أو بالإرهاب، استغلالاً للظروف، أو كراهية لتصرفاتهم اليومية ضد أبناء الشعب، أو بسبب قطع أرزاق بعضهم، أو إهانة بعضهم الآخر وعدم احترامه. كل ذلك أدى إلى عدم ارتياح كثير من العراقيين لهم بعد أن رحّب بهم الجميع في البداية. وأستطيع أن أقول إن تأييد سقوط النظام كان من قِبل 90% من الشعب العراقي، والآن تضاءلت النسبة كثيراً للأسباب المذكورة أعلاه، وسوف تتضاءل مستقبلاً أيضاً، وهذا ليس في صالحهم ولا في صالح العراق.
ونلاحظ أن المقاومة وأعمال العنف تزداد يوماً بعد يوم، وأصبحت تشمل عموم العراق تقريباً عدا كردستان العراق، وذلك لخصوصية الشعب الكردي الذي ذاق الأمرّين من صدام حسين ونظامه وحكمه القمعي. لقد وقعوا في شَرَك لا يُحسدون عليه بسبب إثارة حفيظة بعض أبناء العراق ضدهم، وقد كان هؤلاء من مؤيديهم سابقاً، لأنهم كانوا يتمنون سقوط صدام حسين وحزبه البعث ليتنفسوا الصعداء بعد أن كُتمت أنفاسهم أكثر من ثلاثة عقود. ولكن الأمريكان لم يستطيعوا ملاحظة ذلك واستغلال الظرف لصالحهم ولصالح العراق، والسبب هو الاستشارات السيئة والخاطئة لقيادتهم. ونلاحظ أنه لم يجرِ حتى الآن ما يُفرح الشعب الكردي بالشكل المطلوب والموعود به سابقاً من قِبل الائتلاف، وأبسطه حق تقرير المصير لشعبه، وحكمه الفيدرالي على أراضيه وشعبه، وغير ذلك، وهذا يشمل الحالة العسكرية والمدنية في العراق أيضاً.
و. ومن الأخطاء الكبيرة التي ارتكبها الاحتلال حلّ الجيش العراقي بجرّة قلم من قِبل السفير بول بريمر. وأعتقد أنه لم تجرِ استشارة الأحزاب المعارضة أو الشخصيات الوطنية العراقية المعروفة على صعيد العراق بإخلاصها وحبها لوطنها، حتى يتريث ويجد لهذه القضية حلاً معقولاً يرضى به الجميع في العراق، وبالأخص الضباط في الجيش؛ لأن كل عائلة عراقية تقريباً كان لها ابن أو ابن عم في هذا الجيش. وبهذا دفع شريحة كبيرة جداً لا يُستهان بها إلى أن تصبح، عاجلاً أم آجلاً، في الخندق المضاد، وهذا عمل غير صائب أبداً ولا يخدم مصالح الطرفين. فقد أعلنوا في بياناتهم أنهم سرّحوا (650) ألف عسكري عراقي، وبمعادلة بسيطة لعوائل هؤلاء يكون نحو (3–4) ملايين عراقي في ريبة من الأمريكان. وكذلك الحال بالنسبة إلى وزارة الإعلام ووزارة التصنيع العسكري ووزارة الداخلية وغيرها.
وكما هو معروف لدى الجميع، فإن تاريخ الجيش العراقي ليس سيئاً إلى الحد الذي يتصوره المحتل، بل هو جيش وطني عراقي يشمل جميع شرائح المجتمع العراقي، ومعروف بإخلاصه ووطنيته وحبه للعراق، ورجاله يتشرفون بانتسابهم إلى هذا الجيش العريق. ولم يكن ولاؤه لصدام 100%، بل كانت نسبة كبيرة منهم تنتهز الفرص للانتقام منه. وقد كسب صدام الوقت خلال مدة حكمه الطويلة، واستطاع عزل من عليهم علامة استفهام ومراقبتهم وإبعادهم خارج الجيش أو خارج الوحدات الفعالة والمهمة، وأخيراً أبعد الجيش بكامله خارج العاصمة بغداد والأماكن المهمة الأخرى لعدم ثقته به. وكان على أصحاب المشورة من الأحزاب المعارضة والعراقيين إعلام الاحتلال بذلك، حتى يتمكن من التعامل مع هذا الجيش بالشكل الصحيح، وعدم إهانته بهذا الشكل المريب؛ لأن أفراده كانوا جميعاً متشوقين لإسقاط النظام وصدام، أسوة بالإخوان في المعارضة. والدليل على ذلك إنشاء الحرس الجمهوري، وبعده الحرس الخاص، لحماية النظام وصدام. ونقولها ثانية: أليست أكثرية منتسبي الجيش العراقي من العوائل العراقية الفقيرة والمناضلة والمظلومة والمضطهدة؟ أما الحرس الجمهوري فكان بعضهم، لا جميعهم، من العوائل المنتخبة والمنتمية إلى مناطق معروفة بالولاء للنظام.
وقد قام هذا الجيش العراقي بمحاولات عديدة للإطاحة بالنظام، فأُعدم الضباط الذين حاولوا ذلك وسُجنوا وعُذّبوا، بعد أن كشفتهم لصدام الأجهزة الأمنية ومخابرات الدول الأمريكية والغربية والدول التي كانت سنداً لصدام في حينه، أو لأن مصالحها العالمية وسياساتها الخارجية تطلّبت ذلك في حينها. فلماذا كل هذا الحب لصدام طوال هذه المدة الطويلة من حكمه، وإبقاؤه في سدة الحكم ليدمّر العراق والعراقيين بعربه وكرده؟ ويجب أن يشكر العراقيون والعالم الحزبين الكرديين وبعض المعارضة على كشف كثير من أسراره ودكتاتوريته وإجرامه بحق شعبه وبلده. ويمكن القول إنه كان سبباً في تدمير هذا الجيش العراقي والتقليل من مقدرته القتالية بتصرفاته تجاه منتسبيه، سواء أكانت محسوبة أم غير ذلك، والدليل هو عدم مقاومة الاحتلال.
أجزاء «الجيش العراقي الجديد» (2 أجزاء):
- الجزء الأول (هذا الجزء)
- الجزء الثاني