الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

تنافس بريطانيا وألمانيا على نفط العراق (الجزء الأول)

من محاضرات «حركة مايس 1941» – 2010

1. أهمية نفط منطقة الشرق الأوسط

عندما أدركت بريطانيا أهمية منطقة الشرق الأوسط من حيث موقعها الاستراتيجي ومواردها الاقتصادية، وتنافسَ الاتحاد السوفيتي من جهة ودول المحور (ألمانيا والنمسا) من جهة أخرى (1) للوصول إلى منابع النفط، حثّت بريطانيا تركيا وأفغانستان، اللتين لا تخضعان لنفوذها المباشر، وشجعتهما على التكتل والتعاون فيما بينهما لتوحيد سياستهما الخارجية (2). وفي ظل ذلك الاتجاه أُبرم ميثاق سعد آباد عام 1937م، وتضمن حلفاً بين الدول الأربع: العراق وتركيا وإيران وأفغانستان، نصّ على الامتناع المطلق عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول المتحالفة، والتعهد بمراعاة حرمة الحدود المشتركة، وعدم إفساح المجال لتأليف عصابات مسلحة أو جمعيات أو أي تنظيم غايته الإخلال بالنظام والأمن العام في أي بلد من البلدان الموقعة على ميثاق سعد آباد 1937م (3). وكان المقصود بالدرجة الأولى الحركاتِ الكوردية على حدود هذه الدول.

كما قامت بريطانيا خلال المدة بين الحربين العالميتين الأولى والثانية بترتيب معاهدات لتسوية قضايا الحدود بين العراق وتركيا، والعراق والمملكة العربية السعودية (4)، والعراق وإيران، وذلك من أجل التفرغ للحرب العالمية الثانية. وقال ونستون تشرشل، رئيس وزراء بريطانيا (5)، إن «المسرح الرئيسي الوحيد للحرب في سنتي 1940–1941م الذي يمكن التنبؤ به هو الشرق الأوسط» (6)، وكان ذلك بعد إجبار القوات البريطانية على الخروج من أوروبا بعد معركة دنكرك (Dunkirk) في الثالث من أيلول 1940م (7). ويكفي هذا التصريح لجعل منطقة الشرق الأوسط ذات أهمية كبيرة بالنسبة إلى بريطانيا.

ولعل ونستون تشرشل كان ينظر إلى منطقة الشرق الأوسط بوصفها نقطة جذب استراتيجية بسبب الطاقة وموقعها الجغرافي، فيما ذهب الجنرال ويفل (Wavell) (8)، القائد العام البريطاني في الشرق الأوسط (9) ومقره في القاهرة، إلى وصف تلك الحالة بقوله: «(أ) النفط والشحن والقوة البحرية هي مفتاح هذه الحرب، وهي مترابطة بعضها مع بعض؛ فالقوة الجوية والقوة البحرية لا يمكنهما أن تعملا بغير النفط، عدا كميات محدودة جداً يمكن جلبها بغير الشحن، والشحن يتطلب حماية القوة البحرية والقوة الجوية. (ب) لدينا الآن عملياً حرية الحركة والوصول إلى كل أماكن تجهيز النفط في العالم، ونحن نمتلك معظم وسائط الشحن، ولدينا القوة البحرية وقوة جوية متمكنة» (10).

وقد دفع هذا الاتجاه، الذي تبلور عن قناعة سياسية وعسكرية، إلى العمل بكل جهد لتأمين الممرات البحرية وحرمان الألمان من الطاقة. وهذا الاتجاه ينسجم بالتأكيد مع السيطرة العسكرية في المنطقة، التي تؤهل بريطانيا للسيطرة والاستحواذ، ومن ثم حرمان العدو من الطاقة ومن الممرات المهمة لقواته.

2. أهمية نفط العراق لألمانيا

بدأ التنافس بين الدول الأوروبية (بريطانيا وألمانيا وروسيا وفرنسا) على البحث عن النفط في الولايات العثمانية قبل الحرب العالمية الأولى، وذلك عندما قامت بعثة جيولوجية ألمانية تدعى البتك (Patk) بالبحث عن النفط عام 1871م في ولايتي الموصل (كوردستان العراق الحالي) وبغداد (11). ومع استمرار الأهمية التي أولاها الألمان لهذه المادة الحيوية من خلال البعثات القنصلية والتجارية والدبلوماسية، فقد تعاونوا مع السلطان العثماني عبد الحميد الثاني (1876–1909م). ولبلوغ هدفهم في الاستحواذ على مصادر النفط قبل الإنكليز، عمد الألمان إلى التوقيع على مشروع مد سكة حديد بغداد–برلين عام 1903م، وامتيازاته في السيطرة على كل البقع النفطية الواقعة على مسافة عشرين كيلومتراً على جانبي الطريق الذي سيسلكه خط السكة الطويل (12).

ويذكر برسي كوكس، المندوب السامي البريطاني في بغداد (13)، أن الأمر الأكثر أهمية كان يتعلق بالخطر الألماني القائم على حصول تلك الدولة الكبرى (ألمانيا) من تركيا على مد سكة حديد عبر آسيا الصغرى إلى بغداد، وجهودها المستمرة لإقناع السلطان العثماني بإيصالها إلى منطقة الكويت (14). وقد تأكدت ألمانيا من أهمية كل من إيران والعراق عندما اكتشفت بريطانيا النفط في العراق عام 1909م في منطقة نفط خانه، ثم طوّرت أول حقل نفطي في كركوك عام 1927م، وكذا الحال في إيران، فقد ظهر النفط في منطقة مسجد سليمان جنوب إيران عام 1908م (15).

وجد الألمان أن مشاريعهم النفطية في العراق عام 1908م لا يمكن أن تثمر بوجود منافستهم القوية بريطانيا، على الرغم من عقد اتفاقية غراي–لينجنوفسكي (Grey–Lichnowsky) (16)، غير أن الطرفين الطامعين بخيرات العراق سرعان ما اختلفا. وفي التاسع عشر من آذار 1914م جرى توزيع الحصص بين الشركات البريطانية وحدها كالآتي (17):

  1. 47.5% لشركة دارسي البريطانية–الفارسية.
  2. 22.5% لجماعة أنكلوسكسون، أي (رويال دتش شل).
  3. 25% لـ(دويتشه بنك).
  4. 5% لكولبنكيان (18).

وجدت ألمانيا أن معاهدة عام 1930م بين العراق وبريطانيا قد قيّدت سياسة العراق الدفاعية والخارجية، ومنها التعاقد مع الشركات الأوروبية لاستثمار النفط، واستمر ذلك حتى بعد دخول العراق عصبة الأمم عام 1932م، وهو ليس أكثر من استقلال شكلي لتمرير المصالح البريطانية. ومع تزايد قناعة الألمان باحتمال تغيّر الموقف العراقي ضد الوجود البريطاني عبر رموز وطنية وقومية، زار الدكتور فريتز غروبا (Fritz Grobba) (19) العراق عام 1932م بصفته وزيراً مفوضاً لألمانيا، لمعرفة اتجاهات رؤساء العشائر العربية ورجال الدين ورموز الحركة الوطنية والقومية، بغية بلورة أوراق ضغط ضد توجهات الساسة العراقيين الموالين لبريطانيا، ومنهم نوري السعيد.

ووقّع إبراهيم كمال، ممثل الشركة التركية (20)، وسكليروس، ممثل ألمانيا، اتفاقاً مع إحدى الشركات الألمانية في تموز 1938م، ينص على منحها امتيازاً لمدة خمسة وسبعين عاماً للتنقيب عن النفط في جميع الأراضي العراقية، اليابسة منها والمغمورة بالمياه، وفي مياهها الإقليمية، وكذلك في حصة العراق من المنطقة المحايدة مع المملكة العربية السعودية (21). وأبلغ ونستون تشرشل مجلس العموم البريطاني في الخامس من أيلول 1940م بالقرار الخاص بإرسال تعزيزات عسكرية قوية إلى الشرق الأوسط، بسبب التهديد الذي تتعرض له المنطقة واحتمال غزوها من قبل الألمان (22).

بدأ الموقف السياسي لبعض الحكومات العربية يتغير في ثلاثينيات القرن العشرين لأسباب عدة، منها: التغيرات التي طرأت على العلاقات الدولية بين القوى السياسية العالمية، وضعف نفوذ بريطانيا وفرنسا نتيجة مهادنتهما لدول المحور، ونمو شعور لدى بعض التكتلات الوطنية بالتقارب مع ألمانيا وإيطاليا ومعاداة بريطانيا بشكل واضح (23).

وعبّر الحزب الشيوعي العراقي بوضوح عن رأي الاتحاد السوفيتي خلال المدة من بداية الحرب العالمية الثانية حتى الثاني والعشرين من حزيران 1941م، بالقول إن الانتصار في هذه الحرب ما هو إلا تتمة لانتصار الأمة العراقية الذي بدأته في ثورة العشرين عام 1920م ضد المستعمر البريطاني (24). وركّز الحزب الشيوعي في بيانه إلى حكومة الدفاع الوطني على ضرورة القضاء على صنائع الاستعمار في مجلسي الأعيان والنواب، والإسراع في إعطاء الشعب حقوقه الديمقراطية لينظم نفسه في أحزاب ونقابات تحمي مؤخرة الجيش الباسل، وركّز في النهاية على إقامة علاقات اقتصادية ودبلوماسية مع دولة الاتحاد السوفيتي لتعزيز مركز العراق الدولي (25). ثم تغير موقف الحزب الشيوعي فجأة بعد أن غزت القوات الألمانية الأراضي السوفيتية في الثاني والعشرين من حزيران 1941م، فتحولت الحرب في نظره بعد أربع وعشرين ساعة من حرب استعمارية إلى حرب الإنسانية جمعاء، وصار على شعوب العالم الوقوف ضد الجيوش النازية (26).

وجدت ألمانيا أن مساعدة القوميين العرب ستؤدي إلى ازدياد توتر علاقاتها مع بريطانيا، لهذا لم تتخذ موقفاً إيجابياً إزاء قضية فلسطين بالذات. وعندما أثيرت مسألة تقديم الأسلحة إلى العراق، أعرب قسم الشؤون الخارجية في الحزب النازي الألماني عن بعض التحفظات إزاء تقديم المصارف الألمانية قرضاً إلى العراق لشراء الأسلحة. كما أن بنك درسدن الألماني لم يكن راغباً في ذلك بسبب معارضة بنك الإخوة بيرنج البريطاني، الذي كان يتولى المفاوضات حول مسألة تغطية نفقات شراء أسلحة بريطانية (27). وكان لقسم الشؤون الخارجية في وزارة الخارجية الألمانية رأي آخر مفاده أن إحداث شرخ في العلاقات البريطانية–الإيطالية أهم من تغلغل ألمانيا في العراق، لأن عقد صفقة النفط سيعكّر العلاقات الألمانية–البريطانية. وبحلول صيف 1938م كان الألمان قد هيّؤوا شحنات أسلحة لتهريبها إلى فلسطين عن طريق الاتفاق مع رموز لهم في العراق والسعودية (28).

وبالإجمال يمكن تلخيص سياسة بريطانيا النفطية في العراق كالآتي (29):

  1. عدم فسح المجال أمام المحاولات الأمريكية للحصول على امتيازات خاصة في العراق، وحصر حقوق استثمار النفط بشركة نفط العراق المملوكة لبريطانيا وحدها (30).
  2. تأجيل استثمار النفط العراقي إلى أطول مدة ممكنة ما دام مضموناً لها باحتلالها العراق، مع استثمار أكبر ما يمكن من نفط إيران بسبب العلاقات المتنامية بين الألمان ورضا خان شاه إيران.
  3. كان عبء الحرب العالمية الثانية على كاهل بريطانيا ثقيلاً، وبسبب الحاجة إلى مزيد من الأموال لاستثمار نفط العراق، لجأت إلى الاستعانة بالشركات الهولندية والأمريكية والبرتغالية (31).
  4. الحصول على قروض من شركة نفط العراق لدفع الرواتب واستمرار عمل الجهاز الإداري، مقابل موافقة الحكومة العراقية على تأجيل استثمار النفط، وقد تمثل ذلك في اتفاقيتي 29 أيار 1938م و22 آذار 1943م بين بريطانيا والجانب العراقي، ريثما تتحسن الظروف الاقتصادية لبريطانيا. وعند بدء الحرب العالمية الثانية كانت بريطانيا على علم بعدد آبار النفط المكتشفة (32)، انظر المخطط رقم (2).

المخطط رقم (2): آبار النفط العراقية المكتشفة بين 1909 و1939م (33)

البئر سنة الاستكشاف العمق (بالأقدام) الثقل النوعي
نفط خانه (ديالى) 1909 3500 42.5
كركوك 1927 800–4200 36
القيارة (الموصل) 1929 650 16
عين زالة (الموصل) 1939 5200–6500 31

المصادر

  1. عبد الرزاق الحسني، تاريخ الوزارات العراقية، ج4، ط7، بغداد، 1988م، ص 325.

  2. صبحي ناظم توفيق، تركيا والتحالفات السياسية: ميثاق سعد آباد، معاهدة الصداقة السوفيتية في وثائق الممثليات العراقية في إسطنبول 1930–1953م، ط1، بغداد، 2002م، ص 12 وما بعدها.

  3. صبحي ناظم توفيق، مصدر سابق، ص 12.

  4. ل. كارل براون، السياسة الدولية والشرق الأوسط، ترجمة عبد الهادي حسين جياد، بغداد، دار الشؤون الثقافية العامة، 1987م، ص 133. وكذلك: عبد الرزاق الحسني، تاريخ العراق السياسي الحديث، ج3، ط7، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 1989م، ص 329–375.

  5. ونستون تشرشل (Winston S. Churchill) (1874–1965م): زعيم وخطيب ورجل سياسة. تلقى العلم في كلية هارو، ثم انتقل إلى ساندهرست وتخرج فيها عام 1895م. سافر في العام نفسه إلى كوبا ليعمل مراقباً في الحملة الإسبانية ضد الثوار الوطنيين، ثم عمل ضابطاً في فوج مشاة البنجاب 31، ثم في حملة السير اللورد كتشنر المصرية لإعادة السيطرة على السودان. وبعد انتهاء الحملة اعتزل العمل العسكري وخاض المجال السياسي، فأصبح وكيل وزارة الدولة لشؤون المستعمرات وعمره (31) عاماً، وتسلم وزارة الحرب والطيران عام 1918–1919م، وقاد بريطانيا من حافة الانهيار إلى النصر رئيساً للوزراء 1940–1945م، واكتسب السمعة بالتقدير الصائب في الحرب نفسها. انظر: Parrish, Thomas, op. cit., pp. 125–127. Churchill, Randolph S., Winston S. Churchill, London, Heinemann, Vol. I–III, 1967, Vol. II, p. 595.

  6. جفري ورنر، العراق وسوريا 1941م، ج3، ترجمة د. محمد مظفر الأدهمي، مركز البحوث والمعلومات، الجامعة المستنصرية، بغداد، 1971م، ص 775.

  7. معركة دنكرك (Dunkirk): حدثت في فرنسا من 26 أيار إلى 4 حزيران 1940م، وفيها أخلت القوات البريطانية والحليفة (330) ألف جندي تحت ضغط الزحف الألماني في شمال فرنسا، وأُجبرت القوات الحليفة التي حوصرت في جيب على الانسحاب بحراً إلى بريطانيا. انظر: Connell, John, Wavell: Scholar and Soldier, to June 1941, London, Collins, 2nd ed., 1964, p. 225.

  8. الجنرال ويفل (Archibald Percival Wavell) (1883–1950): بعد تخرجه في الكلية العسكرية في ساندهرست (Sandhurst) عُيّن ضابطاً في الوحدات في بريطانيا، ثم في جنوب إفريقيا والهند. كان آمر لواء في فرنسا خلال الحرب العالمية الأولى، وأصيب في عينه اليسرى ففقدها. أصبح نائب قائد القيادة الجنوبية في بريطانيا عام 1938 وهو برتبة لواء، ثم عُيّن القائد العام للشرق الأوسط. كان ويفل واثقاً بأن بريطانيا ستربح الحرب، ورأى أن النفط في الشرق الأوسط سيكون عاملاً حيوياً لها. وكان في صراع مع رئيس الوزراء ونستون تشرشل حول الخطط والأسبقيات، وعلى الرغم من أن الوقت كان عصيباً على بريطانيا، فإن تشرشل دفع ويفل دون رحمة مع قلة موارده ومعضلاته العملياتية؛ فقد كان يطلب منه النصر، في حين لم تُرضه إنجازاته. وعندما كان التدخل في العراق قيد التخطيط، كان الجنرال أوكنلك يضغط على تشرشل لإرسال قطعات من الهند، فأمر تشرشل بأن يحل أوكنلك محل ويفل. انظر: Parrish, Thomas, The Encyclopedia of World War II, London, Secker & Warburg, 1978, pp. 669–670. وكذلك: Keegan, John and Wheatcroft, Andrew, Who’s Who in Military History from 1453 to the Present Day, New Delhi, Vikas Publishing House, 1976, p. 340.

  9. الشرق الأوسط (Middle East): لهذا المصطلح عدة تفسيرات؛ فبعضهم يطبقه على مناطق بعيدة في الشرق الأوسط ذات ارتباط جغرافي، والبعض الآخر يقول إن العالم الإسلامي واسع جداً فقد يصل إلى باكستان وإندونيسيا وماليزيا، باستثناء تركيا وإيران وقبرص، في حين يشير بعضهم إلى المنطقة العربية ويمدّه إلى تونس والجزائر والمغرب.

وقد عُرّف الشرق الأوسط بأنه: المناطق الجبلية من تركيا وإيران وقبرص، والدول العربية شرق حوض البحر الأبيض المتوسط، وشبه الجزيرة العربية، والعراق، ووادي النيل (مصر والسودان)، وليبيا. انظر: Europa Publications Limited, The Middle East and North Africa 1975–1976, London, Staples Printers Limited, 22nd ed., 1975, p. 3.

وانظر كذلك: وليد محمد سعيد الأعظمي، انتفاضة رشيد عالي الكيلاني والحرب العراقية–البريطانية 1941م، بغداد، دار واسط، 1978م، ص 76. أما الشرق الأوسط والأدنى، فقد تبنى البريطانيون في القرن الثامن عشر مصطلح «الشرق الأدنى» الذي يضم جنوب غرب آسيا وشمال شرق أفريقيا، وفي بعض الأحيان شبه القارة الهندية ودول البلقان. وبعد سقوط الإمبراطورية العثمانية سنة 1918م بدأ هذا الاصطلاح يختفي ويتلاشى، إذ حل محله سنة 1940م مصطلح الشرق الأوسط، ولا سيما في التعبير الخاص بدول الكومنولث، ولم يكن في التعبير الأمريكي. وكان مركز تموين الشرق الأوسط الذي أقامته بريطانيا سنة 1941م في القاهرة هو الرمز الجديد لهذا المصطلح، الذي كان يمتد من مالطة وليبيا في الغرب إلى إيران شرقاً والصومال جنوباً. وبقيت منطقة الشرق الأدنى والأوسط عنصراً مهماً في الاستراتيجية البريطانية وفي منظومة الدفاع الإمبريالية البريطانية، إذ كانت تُعدّ منطقة حيوية للمواصلات الجوية وطريقاً مهماً إلى الهند والشرق عبر البحر الأبيض المتوسط وقناة السويس.

  1. Connell, John, op. cit., p. 232.

  2. مازن مجيد مصطفى، التنافس الاستعماري على البترول العراقي، مجلة آفاق عربية، بغداد، ع2، 1984، ص 51.

  3. سكة حديد بغداد–برلين: في (5) آذار 1903 أُعطي الامتياز النهائي لمشروع خط سكة حديد بغداد–برلين، ووقّعه عن الجانب التركي ذهني باشا (وزير الأشغال والتجارة) باسم الحكومة العثمانية، وعن الجانب الألماني الدكتور زندر (Zander) المدير العام لسكة حديد الأناضول. كان خط سكة حديد برلين–بغداد–الخليج يمر عبر آسيا الصغرى، فأغاظ المشروع بريطانيا لأنه يهدد مصالحها النفطية، كما أغاظ الروس الذين وجدوا فيه امتيازاً وفائدة للشعب الألماني كان من الممكن أن يستثمروه لصالحهم، وهم الأقرب إلى منطقة النفط في العراق والخليج، فقرروا عرقلة المشروع والحيلولة دون إكماله. أما في داخل ألمانيا، فقد رأى خبراء في وزارة الخارجية الألمانية أن إكمال المشروع يبدو خيالياً، ولا سيما أن خط سكة الحديد يمر في مناطق نائية تفتقر إلى السكان والزراعة، كما يمر في مناطق صحراوية لا يمكن توفير الحماية لكل أجزائها. وفي بلاد ما بين النهرين التي كانت يوماً ما خصبة، يتطلب الأمر زيادة عدد سكانها المشتغلين بالزراعة، وإصلاح قنواتها القديمة التي جفت بعد إهمالها. انظر: نجدة فتحي صفوة، العراق في مذكرات الدبلوماسيين الأجانب، مكتبة التحرير، ط2، بغداد، 1984م، ص 61–62.

  4. السير برسي كوكس (1864–1937م): سياسي وعسكري بريطاني عمل في الشرق الأوسط. التحق بالجيش البريطاني عام 1884م، وانضم إلى حكومة الهند عام 1889م، وعُيّن قنصلاً في الصومال ثم في مسقط، ثم أصبح رئيس الحكام السياسيين في الخليج العربي، ثم الضابط السياسي المسؤول في حملة العراق عام 1914م. انتُدب إلى إيران عام 1917م، ثم عاد إلى العراق في تشرين الأول 1920م ليشكّل الحكومة العراقية المؤقتة برئاسة عبد الرحمن النقيب، بعد أن تولى منصب المندوب السامي لبلاده في العراق. وكان له دور بارز في تبوّؤ الأمير فيصل عرش العراق يوم 23 آب 1921م، وترك مع المندوب السامي الذي خلفه، هنري دوبس، مذكرة مهمة في تاريخ العراق الحديث (1920–1926م). انظر: منتهى عذاب دويب، برسي كوكس ودوره في السياسة العراقية (1914–1923م)، بغداد، كلية الآداب – جامعة بغداد، رسالة ماجستير (غير منشورة)، 1995م، ص 43–45. وكذلك: المس بل، العراق في رسائل المس بل (1917–1926م)، ترجمة وتعليق جعفر الخياط، بيروت، الدار العربية للموسوعات، ط1، 2003، ص 34.

  5. محمود شبيب، أسرار عراقية في وثائق إنجليزية وعربية وألمانية 1918–1941، بغداد، مطبعة السلمي، 1977، ص 91. وكذلك: لؤي بحري، سكة حديد بغداد (دراسة في تطور ودبلوماسية قضية سكة حديد برلين–بغداد حتى عام 1914م)، بغداد، شركة الطبع والنشر الأهلية، 1967م، ص 62.

  6. كمال مجيد، النفط والأكراد: دراسة العلاقات العراقية–الإيرانية–الكويتية، ط1، دار الحكمة، لندن، 1997، ص 19.

  7. اتفاقية غراي–لينجنوفسكي: عُقدت في 15 كانون الثاني 1914م بين بريطانيا وألمانيا، واتفق الطرفان على أن يكون جنوب العراق ومعظم إيران تحت النفوذ البريطاني، وأن يتعاون الطرفان البريطاني والألماني على استغلال نفط ولايتي الموصل (كوردستان العراق الحالي) وبغداد، غير أن الاتفاقية لم ترضِ أياً من الطرفين. انظر: عبد الحميد العلوجي وخضير عباس اللامي، الأصول التاريخية للنفط العراقي، مراجعة د. صاحب ذهب، مديرية الثقافة العامة، سلسلة الكتب الحديثة (58)، بغداد، 1973م، ص 164.

  8. مازن مجيد مصطفى، مصدر سابق، ص 54.

  9. كارلوس سركيس كولبنكيان (C. S. Gulbenkian): أحد مستشاري بريطانيا وعميلها في الأناضول، أرمني الأصل ومن رعايا تركيا، درس الهندسة في لندن، وتعيّن في وزارة المالية التركية، ثم أصبح مستشاراً مالياً. انظر: نوري عبد الحميد خليل، التاريخ السياسي لامتيازات النفط في العراق 1925–1952م، بيروت، مركز الأبجدية للصف التصويري، ط1، 1980م، ص 20.

  10. الدكتور فريتز غروبا: امتاز بإتقان اللغتين العربية والتركية، فضلاً عن معرفته الجيدة بدول الشرق الأوسط وشعوبه. كان رجلاً قديراً لا يعرف الكلل، وكانت براعته تستر قدرته وتؤكد سخاءه، وكان يُفضي إلى البريطانيين بعدم موافقته على نظام الحكم الذي أجبرته الظروف على خدمته. وكانت زوجته تساعده في كل ذلك دون ملل، ولا سيما في كسب أصدقاء له لدى الجالية البريطانية في العراق، وكانت مختصة بجمع الشائعات المؤثرة في الجالية البريطانية ونقلها بعد تزويقها إلى الأوساط العراقية لتسيء علاقتهم بالبريطانيين. انظر: جيرالد دي غوري، ثلاثة ملوك في بغداد، ترجمة وتعليق سليم طه التكريتي، بغداد، منشورات مكتبة المتنبي، ط1، 1983، ص 177. وكذلك: نجدة فتحي صفوة، مصدر سابق، ص 201–202.

  11. عبد الحميد العلوجي وخضير عباس اللامي، مصدر سابق، ص 184–186.

  12. المصدر نفسه، ص 162–174.

  13. لوكاز هيرزويز، ألمانيا الهتلرية والمشرق العربي، ترجمة أحمد عبد الرحيم مصطفى، القاهرة، دار المعارف بمصر، 1971م، ص 136. وكذلك: عبد الرزاق الحسني، الأسرار الخفية في حركة مايس 1941م التحريرية، ج1، ط6، بغداد، دار الشؤون الثقافية، 1990م، ص 99.

  14. لوكاز هيرزويز، ألمانيا الهتلرية والمشرق العربي، ترجمة أحمد عبد الرحيم مصطفى، القاهرة، دار المعارف بمصر، 1971م، ص 24.

  15. كان رشيد عالي الكيلاني قد أجرى اتصالاً سابقاً مع الاتحاد السوفيتي قبل تشكيل حكومة الدفاع الوطني وبعده. انظر: نجم الدين السهروردي، التاريخ لم يبدأ غداً، المصدر السابق، ص 364–365.

  16. جريدة الشرارة (نشرة سرية)، لسان حال الحزب الشيوعي العراقي، العدد (4)، نيسان 1941م.

  17. جريدة الشرارة، العدد (25)، شباط 1942.

  18. لوكاز هيرزويز، مصدر سابق، ص 59–61.

  19. إسماعيل أحمد ياغي، حركة رشيد عالي الكيلاني، بيروت، ط1، دار الطليعة، 1974، ص 199.

  20. نوري عبد الحميد خليل، وقائع التنافس الدولي على النفط العراقي خلال الحرب العالمية الثانية، مجلة آفاق عربية، بغداد، ع10، 1984، ص 23.

  21. عبد الحميد العلوجي وخضير عباس اللامي، مصدر سابق، ص 133–144.

  22. Oil & Gas Journal – Worldwide Report, op. cit., p. 19.

  23. Oil & Gas Journal, op. cit., p. 19.

  24. Ibid., p. 20.


أجزاء «تنافس بريطانيا وألمانيا على نفط العراق» (2 أجزاء):

  1. الجزء الأول (هذا الجزء)
  2. الجزء الثاني

الجزء الثاني ←