الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
شخصية القائد (الجزء الأول)
من محاضرات «محاضرات عن الجيش العراقي» – 1990
يحتاج المقر إلى شخصية تمتاز بالفعالية والنشاط لتأخذ بزمامه وتوجّه المنظمة نحو أهدافها. ومع أهمية ذلك، فليس جميع القادة يتّسمون بالفعالية، والقادة من الأصناف التي سنأتي على ذكرها بعد حين يكونون آفةً على المقر. وإنه لمن سوء الطالع أن يعمل المرء بمعية هؤلاء، وعلى أي قائد أن يحذر من أن تؤثر خصائصهم في مرؤوسيه.
فقد يكون أسوأ ما يصيب المقر من سوء الحظ ابتلاؤه بقائد يبحث دائمًا عن مسلك العمل الأمين، ويرى في العزم على اتخاذ القرار نوعًا من العذاب، فيحاول تأجيله حتى تحلّ القضية نفسها بنفسها. وإذا ما عُرضت عليه معضلة فسيحاول حماية نفسه بإيجاد أمر آخر يعطيه أسبقية أعلى ليستظل به، ويغمره أمل دفين بأن المعضلة التي يواجهها قد تتبدد بشكل أو بآخر. وقد يحيلها إلى الآخرين بعد أن يعلّق عليها ببضعة سطور مكتوبة، أو يدعو إلى عقد مؤتمر، أو يحيلها إلى لجنة لدراستها، لينفض يده منها ويرتاح نفسيًّا. وسيلجأ بهذه الطريقة إلى توزيع مسؤولياته، وإذا ما رجعت إليه المعضلة ثانيةً ليتخذ قرارًا بشأنها فسيتذرّع بوجود بعض التفاصيل الناقصة، وهو إجراء يتمكن من القيام به دومًا، لأن عمل الركن لا يُتوقع له، ولن يُتوقع، أن يكون دقيقًا دائمًا.
وإذا ما تعرّض لضغط اتخاذ القرار، فسوف يوصي بالتأجيل، أو يعمل على إدامة الحالة الراهنة على أنها مزيّة بحد ذاتها. وإذا تعذّر عليه ذلك، فسوف يحاول أن يملي قراره على مرؤوسيه بتعابير غامضة وبيانات مشروطة، وبشكل يساعده على الادعاء بأنه كان مصيبًا مهما كانت عاقبة النتائج المترتبة على قراره. وأي حل يصدر عنه لا يكون مختلفًا، بل يتخذ شكل حلٍّ وسط يخلو من الوضوح. وسرعان ما تشعر هيئة الركن أن جميع محاولاتها البنّاءة ستكون غير مثمرة، وعاجزة تمامًا عن إحداث الأثر المطلوب. وهذا النوع من الضباط ينجح عادةً في المقرات الكبيرة، لأن تأثير شخصيته المعوِّقة لا يبرز بوضوح، إذ تذوب شخصيته في المقر ذاته. ومع ذلك فمن السهل اكتشاف شخص كهذا من خلال تعليقاته على محتويات الأضابير.
وبحسب «مبدأ بيتر» (انظر: «مبدأ بيتر» للدكتور لورنس بيتر ورايموند هول)، فإن كل رجل يعمل في منظمة يحاول أن يرتفع إلى مستوى عجزه الخاص. والضابط الذي يكون حاسمًا في غير ذلك، قد يتهرب هو أيضًا من عمله ويستظل بستار الغموض والإبهام إذا وصل إلى مستوى عجزه الخاص، ذلك لأنه يتعامل الآن مع مواقف تكون قدراته حيالها غير ملائمة.
وعلى النقيض من هذا النوع الذي يتكئ على الجانب الأمين، نجد القائد المتبجّح، الذي يُطلق عليه عادةً «ثور في محل لبيع الخزف»، والذي يهاجم قبل أن يتبيّن حقيقة الأمر. وهو يعتقد أن قوة القيادة تكمن في اتخاذ قرارات فورية حازمة والالتصاق بها، بغضّ النظر عن الظروف المحيطة بالموقف. لا شيء يثنيه عن عزمه أو يثبّط من همته، حتى عند اتخاذ القرارات الكبيرة.
فهو يتخذ القرارات بشأن المعضلة دون سابق معرفة رصينة أو دراسة مفصلة، ودون أن يُظهر أي اندهاش حتى وإن كانت فرص تحقيقها مشكوكًا فيها. وبما أن الخطأ الذي يرتكبه ناتج عن عمل يقوم به، فإنه قد يصيب النجاح في بعض الأحيان. والعمل الذي قام به الفريق كوك، قائد الفيلق في الحرب الهندية الصينية عام 1962، حين أمر مباشرةً بانفتاح قطعات لواء المشاة الرابع على نامكاجو، متخطيًا سلطة مقرّين معترضين، يجعله من هذا الصنف من القادة.
ويقابل هذا الصنفَ من القادة، الذي أطلقنا عليه صفة «ثور في محل لبيع الخزف»، ذلك القائدُ الذي تتولد عنده أفكار ثانية جديدة بعد أن يكون قد اتخذ قراره، إذ يقوم بعدئذ باتخاذ قرارات جديدة متتابعة، أو يسمح لهيئة ركنه بدفعه نحو مثل هذا الأمر. إن مثل هذا السلوك سيثبّط همم رجاله ويضعف روحهم المعنوية، وسيجعل هيئة ركنه تعمل بجدٍّ مرتين، ما دامت جهودها الأولى قد آلت إلى الضياع وأصبحت عقيمة. وسيسود المقر، بناءً على ذلك، شعور باللامبالاة وعدم الثقة.
ولبعض القادة بُعد نظر لا يتجاوز مداه أطراف أنوفهم، وتحيا مقراتهم على الأعمال اليومية حال ظهورها. فليست هناك خطط مقبلة، وهم يعالجون المعضلات حال ظهورها، ويؤدون أعمالهم باضطراب وعصبية مستمرة، وتصبح القضايا التي تتطلب قرارات بسيطة مطالب ملحّة عاجلة، الأمر الذي يؤدي إلى هياج عظيم. وتُدعى هذه الحالة في لغة إدارة الأعمال «الإدارة بالأزمات».
وهناك القائد الذي يريد أن يعمل كل شيء بنفسه، ولا يثق بقدرة مرؤوسيه على إنجاز الأعمال بالشكل المرضي، وسيؤدي هذا الأمر إلى فقدان هيئة ركنه الإحساس بالمشاركة في عمله، وفقدانها الإبداع الذاتي والرغبة كليًّا. ولكي يصمد تحت الضغط فعليه أن يُجهد نفسه بالعمل، وسوف تستعيد هيئة ركنه حريتها بعد أن يدخل إحدى المستشفيات.
والنوع الأخير من القادة هو ذلك الذي يعالج المعضلات وكأنه قاضٍ، بدلًا من معالجتها بشكل فعّال. فهو يزن فوائد الحل ومحاذيره، ويجد دائمًا طريقًا أفضل، وفي غضون عمله هذا لن يتوصل إلى شيء. وهو بخلاف القائد الذي يلعب لعبته على الجانب الأمين، إذ إنه لا يتهرب من القرار، ولكنه يريد البحث عن الحل الأمثل، وفي بحثه هذا لن يصل إلى قرار، فتكون النتيجة هي نفسها. وهناك قول مأثور للورد ترنجارد، الذي يمكن القول إنه هو الذي بنى القوة الجوية الملكية البريطانية، إذ يقول: «الأحسن عدوٌّ لدودٌ للحسن». والقاعدة تتضمن تفضيل المخاطرة بحياة طيار جيد أو طائرة جيدة في الوقت الحاضر، بدلًا من المخاطرة بخسران الحرب غدًا عن طريق التأجيل لحين اجتماع جميع العوامل واقترانها، بحيث تؤمّن لنا طيارًا جيدًا وطائرة مضمونة وظرفًا تعبويًّا ملائمًا.
إن معظم الخصائص التي تم بيانها الآن وليدة فقدان الثقة بالنفس. وإذا ما تمكن القائد من تطوير بصيرته وتعليم نفسه كيفية معالجة المعضلات، فليس هناك احتمال أن يكون، في نظر مرؤوسيه، واحدًا من هذه الأصناف.
ومن السهل جدًّا أن يدع القائد ضابط ركنه الرئيس يتعهد المعضلات ويعالجها، ثم يضع القضية أمامه ليعطي بشأنها قرارًا بالموافقة أو عدمها. وتُدعى هذه الطريقة في أداء العمل من قبل هيئة الركن «عمل الركن الكامل»، وهذه العقيدة في ممارسة «عمل الركن الكامل» أول من بدأ بها اللواء أرثر ليرج من جيش الولايات المتحدة في بداية الحرب العالمية الثانية، ويجري تدريبها في الوقت الحاضر في كليات الأركان العسكرية. وبحسب هذه العقيدة: «فإن عمل الركن الكامل يتضمن دراسة المعضلة متكاملة (تقدير موقف كامل)، ولا ينقصها شيء سوى استحصال موافقة القائد أو رفضه لمسلك العمل المقترح».
وكان روبرت مكنمارا، الذي شغل منصب وزير الدفاع في الولايات المتحدة، من أكبر متخذي القرار فعالية، وهذا هو رأيه في هذا الشأن: «أنا أعتقد أن واجب المدير العام يشبه جدًّا واجب المدير الخاص؛ فهو إما أن يكون قادرًا على العمل كقاضٍ أو كقائد. ففي حالته الأولى يجلس وينتظر المرؤوسين، وبرفقتهم المعضلات، ليستحصلوا حلًّا لها، أو يعرضوا مسالك العمل لينتخب إحداها. وفي حالته الأخيرة يُغرق نفسه في عمليات المهنة، متفحصًا المعضلات والأهداف ومسالك العمل المفتوحة، منتخبًا من بينها ما يصلح، قائدًا منظمته كي تحقق واجبها. ففي الحالة الأولى يكون الدور سلبيًّا، وفي الثانية يكون الدور إيجابيًّا، وإني لأعتقد دومًا، وأبذل جهدي، أن أسير على هدي القيادة الإيجابية كمسلك يناقض الدور القضائي السلبي».
ويمكن ملاحظة هذين النمطين من القيادة في المقارنة التي عقدها اللورد كيسي بين الطريقة التي كان ينجز بها كلٌّ من تشرشل وروزفلت أعمالهما خلال الحرب العالمية الثانية، فقد سنحت للورد كيسي فرص كثيرة لأن يمدّ يد العون لكليهما ويعمل معهما. فهو يقول: «ونستن تشرشل كان يتمتع بعقل يصل إلى آفاق بعيدة ذات مدى واسع، فقد كان ثاقب الرأي، لا يتوقف ولا يلين، ويتقبل إلى حد بعيد الآراء التي تستهدف إقناعه بأن آراءه الخاصة مغلوطة وأن الآراء الأخرى المنافسة هي الصحيحة. وقد تولّد لديّ انطباع بأن روزفلت كان أكثر اعتمادًا على مستشاريه من ونستن تشرشل، وهو كذلك لا يُقحم نفسه في الأمور حتى تنضج وتُطرح أمامه ليتخذ بشأنها القرار، في الوقت الذي يكون فيه تشرشل سبّاقًا إلى بسط يده ليتناول مبادرة جديدة، إلى درجة يضايق بها أحيانًا مستشاريه الأقدمين».
هذه إذن هي الطريقة التي يسلكها القائد تجاه المعضلات: فعليه أن يزامل المعضلة منذ البداية، معطيًا توجيهاته، ومحددًا الخطوط العامة التي ينبغي معالجة المعضلة بموجبها، ثم تجري بعد ذلك معالجة البيانات وفقًا لطريقته في التفكير، وأخيرًا عليه اتخاذ قراره.
ويوجد محذور آخر خطير في عقيدة «عمل الركن الكامل»، ما دام الأمر يتطلب أن تقدم هيئة الركن حلًّا متفقًا عليه للحصول على مصادقة القائد، إذ غالبًا ما ينحو الأمر نحو الحل الوسط. وجميع الحلول الوسط تفتقر إلى الفعالية، لأن حدتها ستُخفَّف لضمان موافقة أولئك الذين أسهموا في دراسة المعضلة قبل عرضها على القائد لاتخاذ قرار بشأنها. وبوسع المرء أن يُعدّ ورقة عمل تحظى بموافقة الجميع إذا كثرت فيها تعبيرات الغموض والتعميم. وعندما تشارك عدة دوائر وأقسام في حل المعضلة، يصبح الواجب الرئيس لضباط الركن فيها تزييت دواليب المعضلة لإسكات صريرها. ولهذا النوع من الاتفاق ضعف لا مردّ له، لأن الوصول إليه قد تم بعد عملية مضنية من الأخذ والرد استمرت فترة طويلة.
ولكن إذا رغب القائد أن يكون القائد الحق، فهو بحاجة إلى معرفة القضايا والعوامل المحيطة بها ومقدار حجمها، وقد يكون مضطرًّا إلى اتخاذ قرار إزاء معضلة يغشاها الشك. ولأجل هذا فهو بحاجة إلى أوراق، ليست تلك التي تحمل موافقة الجميع، بل إلى أوراق تحمل معارضتهم. وإذا أراد أن يملأ مركزه كقائد، فينبغي أن يكون في موقع اتخاذ القرار، لا في موقع مجرد التصديق عليه. وما سبق يعني أن ورقة هيئة الركن ينبغي أن تتضمن نقاط عدم الموافقة، وأن تحدد بدائل الحلول المختلفة كي يتخذ هو القرار.
وإضافةً إلى ما سبق، إذا أراد القائد أن يمارس عمله في مقره كقائد لا كقاضٍ، فيجب أن يفهم شخصيًّا جوهر المشكلة، وأن يضع نفسه في تماسّ مباشر مع الحقائق. وإنه لمن واجب هيئة الركن أن تبحث له عن هذه الحقائق، ولكنه سيكون قائدًا رديئًا لو رأى هذه الحقائق من خلال عيون هيئة ركنه فقط. وكما رأينا قبل حين في موضوع «الخبرة»، فإن تفسير الحقائق يتضمن عملية استنتاجية، وبمعرفة الحقائق المهمة من مصدرها الأصلي سيقوم القائد بتطبيق الاستنتاجات النابعة من عقله الخاص.
وللدوائر إغراؤها الماكر للأشخاص الذين يحتلون كراسيها، فهم يميلون إلى الالتصاق بالكرسي، ولو بحسن نية، وإلى عدم رؤية المعضلات من مصدرها الأصلي، متذرعين بزحمة عمل الدائرة. وعلى القائد ألّا يشدّ نفسه إلى دائرته. وعندما يحصل على الحقائق بشكل مباشر، فإن جميع الأعمال يجري تعجيلها، ويعود سبب ذلك إلى أنه لا يترك أحكامه الشخصية حتى آخر مرحلة، عند مقارنة الحقائق وموازنتها، ليكتشف حينئذ أن الأمر لم يجرِ وفق الطريقة التي يرغب فيها. ومعرفته المباشرة للحقائق ستؤمّن الدليل الرشيد لعملية التفكير في كل مراحلها حتى اتخاذ القرار، وهذا سوف يمنع الدراسات غير المثمرة للعوامل.
وبعد دراسة السلوك الذي ينهجه القائد في معالجة المعضلات في المقر، وجب أن نعرف: ما الموقف الذي يتخذه تجاه هيئة ركنه؟ هنا ينبغي أولًا أن يعطي توجيهات واضحة بصدد ما هو مطلوب، كيلا تذهب جهود هيئة ركنه سدًى في محاولة حل معضلات لم تُحدَّد بوضوح، أو احتوت على أمور زائدة غير ضرورية. وثانيًا، يجب عليه أن يُنشئ في مقره جوًّا يساعد على تعزيز اتخاذ قرارات رصينة. ولسنا بحاجة، بعد هذه الدراسة التي قمنا بها حتى الآن، إلى أن نؤكد على حل المعضلات، وليس هناك من سبب يدعو بعد ذلك إلى ارتكاب خطأ بصدد المطلب الأول.
وبغية خلق الجو الملائم في مقره، على القائد أن يغرس في مرؤوسيه الشعور بالغرض المشترك. وإن أكبر عقبة تحول دون بلوغ ذلك هي «عقدة الربح والخسارة»، التي تظهر بسهولة في أي مقر ما لم يجرِ تشخيص خطرها واتخاذ التحوطات دون نموها.
وما عقدة «الربح والخسارة» إلا ضرب من سلوك العلاقة المتبادلة بين الأشخاص والجماعات، كشكل من أشكال المنافسة. فعندما يحدث تماسّ بين شخصين أو أكثر، فإن شعور «الربح والخسارة» ينطوي بداهةً على أن مصالحهم المشتركة ستكون متضادة، ولذا فإن ما سيحدث سيكون على شكل حالة من الدفاع عن النفس. وبكلمات أخرى، فإن الأمر سيتمخض عن ظهور رغبة في الربح، وعندما يربح أحد الأشخاص فسوف يخسر الثاني. وما لم يكن القائد حذرًا، فسوف يجد نفسه مشجعًا لظهور مثل هذا الجو في مقره، جو «الربح والخسارة»، إما بشكل ظاهر أو باطن، وهو جو يطبع عمل المقر بطابعه. وفي جو يسوده «الربح والخسارة» يشعر المرؤوس بأن أي شيء يقوله أو يفعله ما هو إلا علامة ربح أو خسارة بحسب تقدير القائد، فإذا وضع مقترحًا انتابه شعور بأن ما يعمله سيؤثر في تقييم القائد له، جيدًا كان أو رديئًا. وإذا أدرك القائد هذه المعضلة، وكان له الإحساس الجيد في إدارة الأشخاص، فسوف يعرف كيف يجعل مقره بمنجاة من عقدة «الربح والخسارة».
وعلى القائد أن يتبيّن أن لكل واحد من مرؤوسيه شخصية مميزة، ويجب أن يعامله على هذا الأساس وبشكل يجعله يعطي أفضل ما عنده. وإذا ما أسهم أحدهم إسهامًا جيدًا فينبغي الاعتراف بذلك علنًا، فهذا مما يشجعهم على الإبداع في تفكيرهم. وإن من أفضل الطرق لخلق الجو المناسب لاتخاذ القرار في المقر الاعترافَ بالأعمال الجيدة للمرؤوسين، وهذا يحقق عددًا من الفوائد في وقت واحد:
- الأولى: شعور المرؤوس بأن مساهمته تتماشى مع غايات القائد.
- الثانية: أن هذا التشجيع سيدفعه إلى أن يجاهد نحو الأفضل لكي يحتفظ بمكانته في عين قائده.
- الثالثة: قيام رفاقه بمحاولة محاكاته.
- وأخيرًا، وهو الأهم، أن القائد سيطبع في عقول مرؤوسيه صورةً بأنه رجل شهم نبيل عادل غير متحيز، وأنه لمن الممتع الاشتغال معه.
ومع ذلك لا بد من كلمة تحذير نسوقها هنا، إذ يقتضي الحذر من الثناء على المرؤوسين بسهولة كي يحظى القائد بشعبية رخيصة يعوزها الصدق. ولهذا الأمر فعله المعاكس، حيث يجعل المرؤوسين يعتقدون أن القائد يقنع بالمستوى الواطئ من الأعمال. وإن ثناءه حينئذ لشبيه بعملة ذات قوة شرائية واطئة سرعان ما تخسر قيمتها. ويقتضي الحال أن يشعر المرؤوسون بأن ثناء الآمر شرف عظيم لعمل تم إنجازه بشكل جيد.
ويشعر بعض القادة أن مجرد الاعتراف بجودة أعمال هيئات ركنهم سيخلق انطباعًا بأن هذه الأعمال وليدة جهد هيئات الركن لا جهدهم هم، والأسوأ من ذلك أن هناك من يحاول إبداء تلك المقترحات لرؤسائه، وآخرين يشعرون بأنهم يديرون مقرًّا كفوءًا رغم وجود ضباط ركن عديمي النفع. وليس للقائد الحق في أن يتوقع الولاء من هيئة ركنه إن لم يبادلهم الولاء. ومبعث هذه الميول عدم الثقة بالنفس، وأمثال هؤلاء القادة تنقصهم النظرة الواضحة عندما يظنون أن الآخرين في غفلة عن حقيقة أمرهم.
وإذا قام القائد بدراسة كيفية معالجة معضلاته، فإن تأثير هذه الدراسة سوف يظهر في جميع قراراته. إن جدارته وكفاءته الشخصية ستجعله شخصًا كامل الصفات في نظر الآخرين، ولن يكون بحاجة إلى إبراز نفسه عن طريق تشويه سمعة هيئة ركنه. وعندما يقوم القائد برفع قيمة هيئة ركنه، فهو يرفع في الوقت نفسه قيمة منزلته بينهم، لأن العظمة الحقة تكمن في القدرة على تحفيز عظمة الآخرين.
ومن الأهمية بمكان أن تشعر هيئة الركن أن الحكم بحقها صادر عن تقييم لمجمل إنجازاتها، لا عن أخطاء صغيرة ارتكبها أفرادها، فكلما زادت إنجازاتهم زادت أخطاؤهم. والأشخاص الوحيدون الذين لا يرتكبون الأخطاء الإيجابية هم الذين لا يعملون أي شيء. وأخطاء هؤلاء يمكن إهمالها أو التغافل عنها، وهي تمر عادةً دون أن يلحظها أحد. وإنه لأمر مفجع أن يحاسب القائد مرتكبي الأخطاء من وجهة نظر تأثيرها في مركزه كما يعتقد هو، وإذا فعل ذلك فسوف يوسم بميسم الأنانية، وسيفقد ولاء هيئة ركنه وتعاونها.
وإذا فقد القائد إحساسه بالنسبية، وعالج الهفوات البسيطة بحكم جائر، فسوف يقتل روح الإبداع، وسيطبّق ضباط ركنه مبدأ «العب على الجانب الأمين» ليكونوا بمنأى عن المتاعب. أما إذا أظهر عظمته في معالجة أخطاء مرؤوسيه من منظور العمل الصحيح الذي يستهدف تحقيق غرض، فسوف يضرب مثلًا رائعًا في القيادة المنظمة.
عندما كان اللورد لويس مونتباتن يقود الباخرة «كيلي»، اصطدمت بلغم، وحدث في أثناء ذلك أن أصيب أحد البحارة بالذعر وترك موقعه. وقد سُئل اللورد مونتباتن بعدئذ: ما العقوبة على ذنبه هذا؟ فأجاب: «الموت». ثم خاطب ملاحي السفينة وقال إنه خلال تجربة العذاب التي مروا بها ترك رجل واحد موقعه، ومع أن هذا العمل كان جرمًا خطيرًا، فقد أخلى سبيله، لأنه هو نفسه فشل خلال ثلاثة شهور في أن يؤثر بما يكفي في بحارة السفينة، ويجعلهم يعرفون أنه لن يتسامح مع مثل هذا السلوك. وقال إنه لن يعطي أبدًا أمر «إخلاء السفينة»، وهذه هي الطريقة الوحيدة لعدم ترك السفينة أبدًا حتى تصبح تحت أقدامهم. ويرى المرء هنا عظمة قائد وضع نفسه في موضع خطأ أحد مرؤوسيه. ومن الطريف أن نذكر هنا أنه حدث في وقت لاحق أن غرقت سفينته فعلًا في اشتباك مع العدو، لقد غرقت تحت أقدامه.
أجزاء «شخصية القائد» (2 أجزاء):
- الجزء الأول (هذا الجزء)
- الجزء الثاني