الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

شخصية القائد (الجزء الثاني)

من محاضرات «محاضرات عن الجيش العراقي» – 1990

هيئة الركن

ماذا ينبغي أن تكون مهام ضابط الركن الأقدم في مقرٍّ ما، وكيف يؤديها؟ عليه يقع واجب مساعدة قائده في أداء دوره القيادي، ومساعدة القطعات المقاتلة والخدمات في تنفيذ واجباتها. والقاعدة الأولى التي يقتضي تطبيقها هي إبداء المشورة الحرة المستقلة لقائده دومًا. وإنه لمن السهل إخباره بما يحب أن يسمع، وخاصةً إذا كان قوي الإرادة، وغالبًا ما يكون من الصعب جدًّا معارضته عندما يشعر ضابط الركن أنه يطبق مسلك العمل المغلوط. ولكن في اللحظة التي يصبح فيها ضابط الركن «إمّعة»، أي يقرّ ويؤيد من غير انتقاد كل رأي أو اقتراح يبديه قائده، يصبح عندئذ عديم النفع له أو لأي شخص آخر في الموقع الذي يشغله.

ويكتب في هذا الصدد اللورد إسماي، أحد ضباط الركن الممتازين، في كتابه «ذكريات»، فيما يخص منصبه ضابطَ ركنٍ لتشرشل في الحرب العالمية الثانية: «لقد التصقت به (أي تشرشل) بكل قلبي وهو يؤدي واجبه الأسمى، وقطعت عهدًا على نفسي بأن أبذل كل ما وسعني من جهد لتلبية ما يطلب، ما خلا تحفظًا واحدًا: وهو أنه إذا أصرّ على شيء لم أكن مقتنعًا به فلن أوافقه، وحالما أقول له “نعم” وأنا أفكر بـ”لا”، فسوف أكون عندئذ غير نافع له».

وعلى النقيض من قواعد هذا السلوك نجد موقف العميد جون جارتريس، الذي شغل منصب ضابط الاستخبارات الأقدم للفيلد مارشال دوغلاس هيغ. فقد اعتقد جارتريس أن واجبه الأساس رفع معنويات رئيسه عن طريق حجب الوقائع غير السارة عنه، وصبغ الموقف بألوان وردية زاهية، وهو أمر قاد هيغ إلى أن يقلل من شأن القوة الألمانية في مناسبات عديدة. وبسبب هذا العرض السيئ للحقائق اضطر وزير الدولة لشؤون الحرب، اللورد دربي، إلى أن يطلب من هيغ تبديله، وعلى أثر هذا الطلب ونقد الرأي العام المتزايد أُجبر هيغ على تبديله، وتمكن هيغ بشقّ النفس من إنقاذ قيادته.

وعندما يكون لزامًا على ضابط الركن عدم الموافقة على حلٍّ يقتنع برداءته، فلا بد، لغرض تحقيق الاتفاق، أن يكون هناك دائمًا أخذ ورد، فضابط الركن غير القادر على منح آراء زملائه حق قدرها يُعدّ مصدر خطر. ولكن في القضايا المهمة التي يعتقد أنها من المبادئ الحيوية، يقتضي أن يكون مستعدًّا للصمود دونها، وعليه ألّا يخاف من أن يكون جدليًّا، شريطة أن يفعل ذلك بطريقة صحيحة. ولكن إذا استسلم للأمر لمجرد تجنب الإزعاج، أو لإعطاء انطباع بوحدة رأي لا وجود لها، فسوف يُظهر بذلك ضعفًا في شجاعته الأدبية، ويرتكب قصورًا في واجبه. وإذا أعطى رأيه الصادق فيكون قد أدى واجبه، وتقع مسؤولية اتخاذ القرار بعدئذ على عاتق القائد، ومهما يكن بعد ذلك شكل القرار فعليه تنفيذه بكل إخلاص.

إن قوة ضابط الركن الأقدم وسلطته نابعتان من قائده، ومن السهل عليه أن ينسى أن كل تلك السلطات نابعة منه. وعند التعامل مع المقرات العليا والمقرات المرؤوسة والقطعات، يجب ألّا يحاول إعطاء انطباع بأنه كل شيء في المقر، فهو يعمل بالنيابة عن قائده لا غير. وتبرز أهمية ذلك بصورة خاصة عند التعامل مع الآمرين الأحدث، فمسؤولية هؤلاء شاقة عسيرة، وهي أكبر من مسؤولياته، وسوف يسودهم الامتعاض إذا ما انتحل لنفسه سلطات قائده دون أن يتحمل مسؤولياته. وبما أنه يقدّم المشورة لقائده باستمرار، فينبغي أن يضمن، سواء عن قصد أو عن غير قصد، عدم السير على هدي رغباته الذاتية. وهو لأمر صعب، لأن اعتماد قائده على مشورته قد يجعل هذا الأمر غير ممكن من جانبه.

إن وقت القائد لثمين، وكذلك الحال مع ضابط الركن الأقدم. وعندما يعرض المعضلة على القائد، شفهيًّا أو تحريريًّا، فلا تدعو الضرورة إلى أن يتظاهر بالمعرفة وحسن الاطلاع، فهذا أمر مفروغ منه؛ إذ عليه عرض المعضلة باختصار، مع بيان فوائد المسلك الذي تعهّده ومحاذيره، وبيان توصياته النهائية. وقد سبق أن بيّنّا في موضوع «اعتبارات عامة في حل المعضلة» كيف يرتكز حل المعضلة على عوامل حاسمة معينة، فهو هنا يبحث هذه العوامل باختصار ويحذف غيرها من العوامل غير المهمة. والقائد لا يهمه الاطلاع على العملية العقلية التي توصل ضابط الركن بموجبها إلى الحل الذي يعرضه، وإذا ما طلب القائد معلومات إضافية فبإمكانه الاستفسار عنها، فالقائد له القدرة والنظرة السليمة والخبرة لفهم المعضلات دون الدخول في التفاصيل.

وعلى ضابط الركن الأقدم أن يقوم دومًا بواجب تنسيق الأعمال بين جميع أقسام المقر وشعبه، إذ عليه أن يعرف ما تقوم به كل شعبة، ويجب أن يسأل نفسه دومًا هذا السؤال: هل هناك شعبة أخرى لها علاقة بهذه المعضلة؟ وكيف؟ إن معظم المعضلات ذات علاقة متبادلة، وإذا ما جرى تنسيق صحيح فإن معظم المعضلات تُحل، أو لا تنقلب بعض المواقف إلى معضلات. وبخلاف ذلك، إذا لم يجرِ التنسيق على ما يرام، فإن الارتباك سوف يعمّ وتظهر المشكلات، فاتخاذ قرار بصدد معضلة في شعبة ما من المقر قد يؤدي بشكل مفاجئ وسريع إلى ظهور معضلات تؤثر في شعب أخرى. إن قوى التغيير تُلجئ إلى قرارات لا نهاية لها، ويندر أن تكون المعضلات ثابتة مستقرة، وخاصةً في الحرب، وحتى العوامل المهمة التي لها صفة الهيمنة غالبًا ما تتغير في أثناء عملية الحل.

خذ مثلًا بسيطًا لموقف يتضمن إدامة قوة في الميدان، يعتمد التخطيط لإسنادها الإداري على استعمال مطار في القاعدة. إن هذا العامل مسيطر، ولكن حدث في أثناء العمليات تخريب غير متوقع أدى إلى تقليل استيعاب المطار. ونرى أن المعضلة بقيت كما هي، ولكن العامل المسيطر حدث فيه تغيير أثّر في الحل، وأن عددًا من الأقسام الإدارية قد تأثرت بهذا التغيير في الخطة الأصلية. فقد تقوم القوة الجوية بإجراء طلعات أكثر على العدد القليل المتبقي من مدارج الطائرات.

وقد تضع القوة التي يجري إسنادها أسبقيات جديدة لاستلام التجهيزات، وتتخذ تحوطات جديدة لحماية الطائرات فوق المنطقة، وعلى صنف الخدمات أن يضع جداول توقيتات جديدة لرزم المؤن وإلقائها، وعلى المهندسين القائمين بتصليح المطار الإسراع بالعمل، وهكذا. ولنفترض أنه في غمرة هذا التخطيط لم يُحسب حساب لوحدة صغيرة جدًّا، هي مفرزة الانضباط العسكري، وأن تجهيزات ثقيلة أُرسلت إلى المطار لتصليحه، واكتُشف أن هناك جسرًا ضعيفًا لا يتمكن من الصمود تحت وطأة ثقل هذه التجهيزات، ولم يُحسب حساب عمل ممر جانبي (حيدان)، وهكذا تعطلت الخطة بكاملها وتبددت، وقد يؤدي ذلك إلى احتمال خسران المعركة.

وفي المقرات التي تُدار بكفاءة تُنسَّق الأعمال والمعضلات جميعًا بشكل صحيح، ويكون جميع الذين يهمهم الأمر على بيّنة بالموقف دائمًا. وبقدر ما يتعلق الأمر بحل المعضلة، وكما سبق بيانه في موضوع سابق («المعضلات»)، ينبغي بذل الجهد دائمًا لحل المعضلات الأكبر لمنع ظهور المعضلات الأصغر.

ولربما تكون الحادثة الآتية من أفضل الأمثلة على أكثر الحوادث مأساويةً التي حدثت في التاريخ بسبب فقدان التنسيق، والتي أدت إلى كارثة فقدت بريطانيا بسببها مستعمراتها في أمريكا. والرجل المسؤول عن نهاية الحكم البريطاني في أمريكا هو اللورد جورج جيرمين.

وقد سبق لهذا الرجل أن لحقه الخزي والعار عندما كان ضابطًا في الجيش بسبب جبنه في معركة، حيث أُنزلت رتبته جهارًا، وشُطب اسمه من قائمة مجلس شورى الملك البريطاني. ولكن في لفتة من لفتات القدر أصبح وزيرًا للدفاع، وسيطر على الجيش الذي طُرد منه بوصفه شخصًا غير جدير بحمل رتبة ضابط.

ففي عام 1776 قدم إلى إنكلترا الجنرال بورغوين، قائد القوات البريطانية في كندا، وناقش مع جيرمين خططه بشأن التقدم إلى الجنوب على طول نهر الهدسن وإلى ألباني. وكان على السير وليم هوو أن يتعاون معه بالتقدم مع النهر شمالًا منطلقًا من نيويورك باتجاه ألباني. وقد وافق جيرمين على الخطط، وطلب من كاتبه أن يُنشئ رسالة إلى هوو بهذا الشأن، وعاد بورغوين إلى كندا معتقدًا أن الترتيبات قد اتُّخذت لتنفيذ ذلك. وعندما ذهب جيرمين ليوقّع الرسالة وجد أنها لم تكتمل بعد، وبدلًا من أن ينتظر ليوقّعها بعد إكمالها ترك مكتبه دون أن يوقّعها، فوُضعت على الرف جانبًا مهملة.

وبدأ الجنرال بورغوين، وهو رجل ذو منزلة رفيعة، عملياته. أما هوو فلم يستلم تلك الرسالة، وكان يجهل واجبه، ولم يقدّم التعاون المطلوب. وآل الأمر بعدئذ إلى أن اضطرت قوات بورغوين إلى الاستسلام للأمريكيين في ساراتوغا، بعد أن بذلت أقصى ما يمكن من الجهد والبسالة. وفي عام 1781 كرر جيرمين مهزلة عام 1777 نفسها، فنتج عنها اضطرار قوات كورنواليس إلى الاستسلام في يوركتاون. وهكذا جرى إذلال الجيش البريطاني بواقعتين كبيرتين خسر بهما المستعمرات الأمريكية، كل ذلك بسبب عمل ركن رديء لرجل خسيس حقير ارتفع إلى أعلى المناصب.

ومن بين واجبات ضابط الركن المهمة إيجاد الحقائق بغية مساعدة قائده في الوصول إلى القرارات الصائبة، وعليه تنظيم عملية جمع الحقائق للوصول إلى حل للمعضلة يتسم بالتجرد وعدم التحيز، وهذا ليس بالأمر السهل. وغالبًا ما يحدث عند انتخاب الحقائق أن تُقرَّر خطة العمل توًّا، ويجري عندئذ انتخاب الحقائق التي تدعم القرار الذي جرى تفضيله، بدلًا من القرار الواجب اتخاذه. ويحاول القادة المرؤوسون والتشكيلات إخفاء الحقائق التي تكشف سيئاتهم.

ويمكن تشويه الحقيقة ليس عن طريق سوء عرضها فحسب، بل عن طريق إخفائها أيضًا، وإذا ما تم الإخبار عن الحقيقة منقوصة فإن التأثير الكلي قد يجانب الحقيقة إلى حد بعيد. فقد يقدّم الآمر المرؤوس تقريرًا عن انسحاب قطعاته لغرض إعادة التنظيم لمجابهة موقف معادٍ جديد، بدلًا من الإخبار عن اندحار مُني به في المعركة.

إن من أعظم صفات ستالين، قائد الجيش السوفيتي الأعلى في الحرب العالمية الثانية، إلحاحه الشديد المتسم بالقسوة على معرفة الحقائق الفظّة، والويل للضابط الذي يعطيه صورة مشوهة وغير دقيقة، أو يطلي الحقائق بمظهر كاذب. ففي تشرين الثاني من عام 1943 عُزل رئيس أركان جحفل الجيش الأول الأوكراني من منصبه لأنه لم يخبر عن احتلال الألمان نقطة مأهولة بالسكان وطردهم الروس منها. وكان الجنرال أنتونوف، رئيس أركانه العامة، حذرًا جدًّا في التقارير التي يرسلها إلى ستالين، فإذا استلم، على سبيل المثال، عبارات غير دقيقة من تشكيلاته المرؤوسة، كأن تذكر فيها: «قامت القطعات باختراق النقطة س» أو «إن قطعاتنا تمسك مشارف النقطة س» أو «احتلت مشارفها»، فإنه يعيد صياغتها في تقريره المرسل إلى ستالين ليجعلها تقرأ كالآتي: «تقوم قطعاتنا بالقتال لاحتلال النقطة س».

والحقائق التي يحتاجها المرء لاتخاذ قراره قد تكون موجودة، ولكن غالبًا ما يصعب التعرف على مثل هذه الحقائق. وكما سبق بيانه، نرى أنه لو تمت ممارسة سبق النظر فسوف تكون الحقائق التي نحتاجها متيسرة. وإن إيجاد الحقائق لعملية مملة ومضجرة، لأن الكشف عنها ينبغي أن يجري وفق نظام تصنيفي. وعمومًا يكون الوقت المصروف لإيجاد الحقيقة غير كافٍ بشكل كبير، ويُستخف بتقدير أهميته.

وإذا ما تم تحليل العمل في المقر، فسوف ندرك أن من أهم مظاهره الرئيسة البحث عن الحقيقة وإيجادها، وإذا ما تم ذلك بصورة صحيحة فسوف نضمن للمقر سرعة اتخاذ القرار وصوابه، والمقر خُلق في الواقع لأجل تحقيق هذا الغرض. وعليه ينبغي إعطاء هذا المطلب الأهمية التي يستحقها. ولإيجاد الحقيقة يقتضي توجيه الأسئلة الآتية:

  1. ما الحقائق التي نحتاجها؟
  2. هل هي متيسرة الآن؟
  3. من الذي سيحصل عليها؟
  4. كيف يمكن الحصول عليها، وبأي ترتيب؟
  5. وإذا ما تم الحصول عليها، كيف يجري تفسيرها؟

ومن المهم وضع تخطيط منظم لإيجاد الحقائق، وإذا لم يجرِ وضعه فسوف يكون هناك عدم استعمال للموارد أو سوء استعمال لها. فقد نجد، مثلًا، قائدًا عديم الخيال يرغب في الحصول على حقائق للتخطيط لعملية ما، فيستخدم الحل المألوف: «أرسلوا دورية»، أو ضابط ركن يرغب في الحصول على معلومات معينة فيطلب إعداد تقرير، في الوقت الذي تكون فيه هذه المعلومات متيسرة في شعبة أخرى من شعب المقر، ولكن بطبيعة مختلفة بعض الشيء عما يريده.

لقد صُممت التقارير والكشوف لتيسير الحقائق في المقر والمساعدة في إجراء التخطيط. ومع ذلك، ما دام المقر الأعلى لا يبذل الجهد الكثير للحصول على هذه التقارير والكشوف، ولا تجري دراستها والتمعن فيها بعد الحصول عليها، فسوف تتكاثر حتى يزدحم المقر بركام الحقائق، وتكون النتيجة حلقة مفرغة يصعب فيها الوصول إلى الحقائق المطلوبة، فتُطلب ثانيةً.

ويجري جمع معظم البيانات وفق قاعدة «حسنٌ أن نعلم» بدلًا من قاعدة «من الضروري أن نعلم»، وبذلك لا تفي بمتطلبات الاحتياجات الراهنة، ولا فائدة من حقائق لم يجرِ تفسيرها أو تقييمها. ومن أسباب فيض هذه التقارير ورود تقارير جديدة باستمرار، وعدم إلغاء التقارير القديمة رغم بطلان مفعولها. وإذا ما تم فحص التقارير والكشوف في المقر، فسوف نجد أن تغييرًا جذريًّا للأسلوب يصبح أمرًا محتومًا وضروريًّا، وسنكتشف أيضًا أنه لضمان السيطرة على خطر تكاثر التقارير والكشوف لا بد من إجراء تصفية دورية لها.

إن هلاك الجندي المقاتل يكون عن طريق مضايقته على نحو موصول من قبل مقره الأعلى، بتزويده بمعلومات معادة مكررة تربطه بأعمال ورقية عديمة النفع. ويجب على القائد أن يكون عديم الرحمة في سحق هذا الداء؛ إنه داء قديم، عمره كعمر الورق ذاته.


أجزاء «شخصية القائد» (2 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني (هذا الجزء)

→ الجزء الأول