الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
ما عدد الدول الأعضاء في الأمم المتحدة؟ وما دور كلٍّ منها؟ وكيف يتم الانضمام إليها؟
من سلسلة «عصبة الأمم والأمم المتحدة» – كُتب في نيسان 2025
المقدمة
الأمم المتحدة هي المنظمة الدولية الأكبر والأشمل في العالم من حيث العضوية والمهام والتمثيل. إنها تجسيد لفكرة التعاون الدولي بين الدول ذات السيادة، وقد تأسست بعد الحرب العالمية الثانية في 24 تشرين الأول / أكتوبر 1945 بهدف منع نشوب حروب عالمية جديدة، وتعزيز السلام والتنمية واحترام القانون الدولي في دول العالم.
ومنذ تأسيسها وسّعت الأمم المتحدة عضويتها تدريجيًّا لتشمل جميع دول العالم تقريبًا، وصارت عضويتها معيارًا للاعتراف الدولي بالكيانات السياسية. لكن إلى جانب العدد، لا تقل أهميةً عنه الأدوارُ التي تمارسها الدول الأعضاء، وطريقةُ انضمامها القانونية والمؤسسية.
وفي هذا المقال سنجيب عن الأسئلة الثلاثة من خلال استعراض تفصيلي لعدد الدول الأعضاء، وأدوارها في النظام الأممي، وآلية انضمام الدول الجديدة إلى المنظمة.
أولًا: عدد الدول الأعضاء في الأمم المتحدة
حتى عام 2025 بلغ عدد الدول الأعضاء في الأمم المتحدة 193 دولة.
وهذا يشمل جميع الدول المعترف بها دوليًّا تقريبًا، باستثناء حالات نادرة، مثل:
دولة فلسطين: تُعدّ دولة غير عضو، لكنها تملك صفة «مراقب دائم».
الفاتيكان (الكرسي الرسولي): دولة ذات سيادة تتمتع بصفة مراقب دائم أيضًا.
تايوان: ليست عضوًا بسبب اعتراض الصين على عضويتها، وتُعدّ مسألة تايوان من القضايا الشائكة سياسيًّا في الأمم المتحدة.
كوسوفو: لم تُقبل عضوًا كاملًا رغم إعلان استقلالها، بسبب معارضة بعض الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن.
وعليه فإن الأمم المتحدة تضم فعليًّا معظم دول العالم، بما في ذلك الدول الكبرى والدول النامية والدول الجزرية الصغيرة، والدول ذات الأنظمة المختلفة (جمهوريات وممالك، ودول اتحادية، وأنظمة شمولية وديمقراطية).
ثانيًا: ما دور كل دولة عضو في الأمم المتحدة؟
رغم أن جميع الدول متساوية في السيادة بحسب ميثاق الأمم المتحدة، فإن أدوارها تتفاوت بحسب موقعها الجغرافي، وقوتها السياسية والاقتصادية، وعضويتها في الأجهزة الأممية المختلفة. لكن من الناحية النظرية يشمل دور كل دولة عضو النقاط التالية:
1- مشاركة الدول الأعضاء في الجمعية العامة للأمم المتحدة
لكل دولة عضو صوت واحد متساوٍ في الجمعية العامة للأمم المتحدة، بغض النظر عن حجمها أو نفوذها.
تشارك الدول الأعضاء في النقاشات الدولية المتعلقة بالسلام والتنمية وحقوق الإنسان والمناخ والاقتصاد.
تصوّت الدول الأعضاء على قرارات الجمعية العامة والموازنات، وتنتخب أعضاء الهيئات الأخرى.
2- المساهمة المالية في ميزانية الأمم المتحدة
يجب على كل دولة أن تسدد مساهمة مالية سنوية في ميزانية منظمة الأمم المتحدة.
تُحسب هذه المساهمة بناءً على الناتج المحلي الإجمالي للدولة وظروفها الاقتصادية.
تلتزم الدول الكبرى بمساهمات أكبر (الولايات المتحدة، والصين، واليابان، وألمانيا، وفرنسا).
تدفع الدول الصغيرة مبالغ رمزية غالبًا.
3- الالتزام بميثاق الأمم المتحدة
كل دولة عضو ملزمة قانونيًّا بميثاق الأمم المتحدة، الذي ينص على احترام السيادة، وعدم استخدام القوة، وتسوية النزاعات سلميًّا.
يُمنع على الدول الأعضاء الاعتداء على غيرها، أو دعم الإرهاب، أو التدخل في شؤون الدول الأخرى.
4- إمكانية الترشح لعضوية المجالس والهيئات الأممية
يمكن لكل دولة أن ترشح نفسها لعضوية مجلس الأمن (غير الدائمة)، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي، ومجلس حقوق الإنسان، وهيئات أخرى في الأمم المتحدة.
تُنتخب الدول الأعضاء من خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة.
5- الحق في الترشيح لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة (بشكل غير رسمي)
رغم أن المنصب يُعدّ انتقائيًّا ويحتاج إلى دعم مجلس الأمن، فإن بإمكان الدول الأعضاء تقديم مرشحين.
تُراعى التوازنات الجغرافية عند اختيار الأمناء العامّين للأمم المتحدة.
6- تقديم مشاريع قرارات ومبادرات
يمكن لأي دولة أن تقدم مشاريع قرارات إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة.
تؤدي بعض الدول، مثل مصر والجزائر وفنزويلا وسويسرا، أدوارًا فاعلة في تحريك ملفات سياسية أو إنسانية.
7- التعاون مع وكالات الأمم المتحدة
تشارك الدول الأعضاء في أعمال وبرامج وكالات الأمم المتحدة المختلفة (مثل اليونسكو، واليونيسف، وبرنامج الأغذية العالمي وغيرها).
يمكنها توقيع اتفاقيات تعاون مع هذه الوكالات، أو استضافة مقارّها أو بعثاتها.
8- المساهمة في عمليات حفظ السلام
تشارك بعض الدول بقوات عسكرية أو شرطية في بعثات حفظ السلام الأممية.
ومن هذه الدول السنغال ونيبال وبنغلاديش والهند ومصر.
9- الدفاع عن مصالحها الوطنية داخل المنظمة
تسعى كل دولة إلى توظيف عضويتها لخدمة أجندتها السياسية أو الاقتصادية.
مثل الصين في قضية تايوان، أو روسيا في الملف السوري، أو الدول العربية في دعم القضية الفلسطينية.
ثالثًا: كيف يتم الانضمام إلى الأمم المتحدة؟
الانضمام إلى الأمم المتحدة عملية قانونية واضحة، ينظمها الفصل الثاني من ميثاق الأمم المتحدة، وتحديدًا المادة الرابعة، التي تنص على:
«يُقبل في عضوية الأمم المتحدة كل دولة محبة للسلام، تقبل الالتزامات الواردة في هذا الميثاق، وتكون في رأي المنظمة قادرة على تنفيذ هذه الالتزامات».
الخطوات التفصيلية للانضمام إلى الأمم المتحدة
1- تقديم طلب رسمي إلى الأمم المتحدة
تتقدم الدولة الراغبة في الانضمام إلى الأمم المتحدة بطلب رسمي إلى الأمين العام للأمم المتحدة.
يجب أن يتضمن الطلب تصريحًا بقبول ميثاق الأمم المتحدة.
2- إحالة الطلب إلى مجلس الأمن
- يحيل الأمين العام الطلب إلى مجلس الأمن الدولي، الذي يجتمع لمناقشته.
3- تصويت مجلس الأمن على الطلب
يتطلب قبول الطلب موافقة 9 من أصل 15 عضوًا في مجلس الأمن.
ولا بد من ألّا يستخدم أيٌّ من الأعضاء الدائمين الخمسة حق النقض (الفيتو).
4- تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة
إذا أقرّ مجلس الأمن الطلب يُحال إلى الجمعية العامة التي تصوّت عليه.
يُشترط الحصول على أغلبية ثلثي الدول الأعضاء الحاضرة والمصوّتة.
5- القبول الرسمي للدولة الجديدة
- بعد نجاح التصويت تُعلَن الدولة الجديدة عضوًا رسميًّا في الأمم المتحدة، ويُرفع علمها، ويُدرج اسمها ضمن الدول الأعضاء.
أمثلة تاريخية على الانضمام إلى الأمم المتحدة
انضمت معظم الدول العربية بين عامي 1945 و1970.
كانت الصين من الأعضاء المؤسسين (1945)، ونُقل التمثيل من تايوان إلى جمهورية الصين الشعبية عام 1971.
انضمت ألمانيا الشرقية وألمانيا الغربية إلى الأمم المتحدة بشكل منفصل قبل أن تتوحدا وتصبحا دولة واحدة.
لا تزال فلسطين دولة غير عضو، رغم حصولها على صفة «مراقب دائم» في الأمم المتحدة عام 2012.
كان جنوب السودان آخر دولة تنضم رسميًّا إلى الأمم المتحدة في 14 تموز / يوليو 2011، ليصبح الدولة العضو رقم 193.
رابعًا: ما الفرق بين العضوية الكاملة وعضوية المراقب في الأمم المتحدة؟
العضوية الكاملة
تمنح الدولة الحق في التصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة.
تمنحها القدرة على الترشح للمجالس الأممية.
تُلزمها بميثاق الأمم المتحدة بالكامل.
عضوية المراقب
تُمنح لكيانات غير الدول، أو لدول لا تستوفي كامل شروط العضوية في الأمم المتحدة.
يمكن للدول والكيانات ذات صفة المراقب حضور جلسات الأمم المتحدة والمشاركة في المناقشات دون حق التصويت.
مثالان بارزان على عضوية المراقب في الأمم المتحدة:
الكرسي الرسولي (الفاتيكان): يرفض العضوية الكاملة لأسباب دينية.
فلسطين: تسعى إلى العضوية الكاملة، وتتمتع الآن بصفة مراقب.
خامسًا: ملاحظات عامة حول عضوية الدول في الأمم المتحدة
لا يمكن طرد دولة عضو إلا بقرار من مجلس الأمن والجمعية العامة، وقد ورد ذلك في المادة 6 من ميثاق الأمم المتحدة.
يمكن تعليق مشاركة الدولة مؤقتًا، كما حدث مع جنوب إفريقيا خلال نظام الفصل العنصري.
لم يُطبَّق تجميد العضوية فعليًّا في تاريخ الأمم المتحدة، رغم وجود حالات توتر، مثل ما حصل مع كوريا الشمالية.
الخاتمة
إن عضوية الأمم المتحدة بمثابة اعتراف دولي بشرعية الدولة، وتمكين لها من المشاركة في نظام عالمي قائم على الحوار والتعاون والتعددية.
ويؤدي كل عضو في الأمم المتحدة دورًا فريدًا، يتراوح بين المساهمة في صنع القرار، والمشاركة في بناء السلام، والدفاع عن مصالحه، والمساهمة في أهداف المنظمة الإنسانية والإنمائية.
كما أن آلية الانضمام إلى الأمم المتحدة تعكس توازنًا بين الاعتراف السياسي والامتثال القانوني.
وفي عالمنا المعاصر تظل الأمم المتحدة المنصة الأكثر شمولًا لتمثيل الدول، ومن ثَمّ تظل عضويتها مطمحًا لكل كيان يسعى إلى السيادة والقبول الدولي.