الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
آراء في أصل الآثوريين في كوردستان العراق
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
إن الشعب الذي يتأكد من أصله وأرومته ينفر من الأقوال المتضاربة المختلفة التي يذكرها المؤرخون والباحثون المحدثون في أصله، سواء القريبون منهم أو البعيدون كالمستشرقين. وخير مثال على ذلك الشعب الكوردي؛ فنحن الأكراد نجد أنفسنا منزعجين من الأقوال المختلفة الباطلة التي قيلت حتى وقت قريب في أصلنا وتاريخنا وجغرافيتنا. ولكنني أشعر الآن بأن للباحث حقه أيضاً في أن يبحث في مسألة يشك في حقيقتها، وأن للإنسان حب الاطلاع، وأستثني من ذلك من يفتعل الكذب من المؤرخين والباحثين لغرض من الأغراض، أو لمصلحة شخصية، أو لكسب جهة معينة.
إنني لست متأكداً من أصل الآثوريين كل التأكد، مثلما أن بعضهم أنفسهم ليسوا متأكدين منه، أو أنهم يعدّون أصلهم بلا تردد من الأرومة الكوردية، كما سيجد القارئ ذلك في مذكرة اتحاد الشباب المسيحيين إلى قائد الجبهة المسيحية في ثورة كوردستان، خالد الذكر هرمز ملك جكو، وفي رسالة هرمز ملك جكو الجوابية. لذلك أستميح الآثوريين عذراً في ذكر الاختلافات في أصلهم، وذلك على النحو الآتي (1):
إن المصادر الكنسية المسيحية التي اعتمدت عليها بالدرجة الأولى في هذا الموضوع، والتي يعود بعضها إلى أواخر العهد الساساني وبعضها الآخر إلى القرون الأولى من العهد الإسلامي، لم تذكر أن المسيحيين في منطقة بهدينان وهكاري، أي في منطقة داسن (2) وبابغيش، هم من أحفاد الآشوريين الذين زالت دولتهم إثر احتلال عاصمتهم نينوى سنة 612 قبل الميلاد على يد الميديين الكورد والدولة البابلية الحديثة في العراق. هذا مع أن تلك المصادر ذكرت مجتمعةً الكثير عن كيفية انتشار الديانة المسيحية في المنطقتين وعن المسيحيين فيهما، أي عن انتشارها بين سكان هاتين المنطقتين الكورديتين (هكاري وبهدينان)، وكذلك بين سكان منطقتي الموصل وأربيل، ولم نجد فيها أية إشارة بهذا الخصوص.
ومن المعلوم أن مشيحازخا ألّف في القرن السادس الميلادي كتابه «تاريخ قديم لكنيسة أربيل» في كيفية نشر المسيحية في سهول حدياب وجبالها، أي إقليم أربيل. وأن توما، أسقف منطقة عقرة (المرج ـ مركا)، ألّف في القرن التاسع الميلادي «كتاب الرؤساء» في تاريخ دير عابي القريب من مدينة عقرة (ئاكرێ) من جهة الغرب، وهو تأريخ جليل للمسيحية في منطقتي داسن وبابغيش (بيت بغاش) وغيرهما. وكان توما أسقف عقرة في الأصل من منطقة شيروان مزن في منطقة بارزان الحالية، وكان أعلم من غيره بمنطقتي بهدينان وهكاري، وفي هكاري يقع الموطن الأساسي للآشوريين.
حتى إنه عندما ذكر شليمون، رئيس قرية زارنى، وهي قرية رؤساء آشوريي منطقة جيلو، وأخاه مارنرساي، لم يذكر أصلهما ولا أصل سكان القرية، أكانوا من الآشوريين أم من الأكراد المسيحيين، ما عدا جملة مفادها: «كان شليمون يقتل يومياً بعض الأكراد»، أي الأكراد المسلمين. كما لم يذكر أصل رئيس الكنيسة النسطورية الشرقية طيمثاوس البابغيشي الذي عُيّن جاثليقاً في 7 أيار 780م، ولا أصل عمه كيوكيس أسقف بابغيش حين ذكره. بل إنه لم يذكر ولو مرة واحدة الأصل القومي الكوردي لسكان قريته نحشون، ولا لسكان مناطق رواندز وبارزان وبرادوست وخوشناو وغيرها، مع أنه ذكر سكانها مراراً من مسيحيين ومجوس ووثنيين.
وقد سبقه مشيحازخا إلى هذا النهج، فقد كان همّه الرئيسي، كباقي المؤرخين الكنسيين، ذكر المسيحيين من دون الإشارة إلى أصلهم القومي، فتركوا في مؤلفاتهم نقصاً كبيراً كنا بحاجة إلى سدّه. بل إن تعبيراتهم «الوثني» أو «الوثنيين» أو «عبّاد الشياطين» أو «المجوس» لم تكن دقيقة ولا علمية، فكثيراً ما أطلقوها على من لم يكونوا مسيحيين، سواء أكانوا من الكورد الميترائيين أم الزرادشتيين.
ربط المؤرخون المسيحيون المحدثون الآثوريين بالأصل السامي؛ فمنهم من قال إنهم من أحفاد الكلدانيين، ومنهم من قال إنهم من أحفاد الآشوريين، وعدّ معظمهم الكلدانيين والآشوريين خطأً شعباً واحداً، خلافاً للحقائق التي دوّنها الباحثون وعلماء الآثار.
أما تاريخ هجرة الآثوريين إلى جبال هكاري فقد اختلف فيه المؤرخون أيضاً؛ فمنهم من قال إنهم هاجروا إليها أثناء الفتح الإسلامي، ومنهم من قال في أواخر القرن الثامن عشر. وقد حدّد رفائيل بابو إسحق في «تاريخ نصارى العراق» (ص 137) تاريخ هجرتهم من سهول ما بين النهرين بسنة 1798م. أما الميجر ميلينغن فقال إنهم من أحفاد الكلدانيين الذين كان أجدادهم يعيشون في تلك الجبال منذ خمسة وعشرين قرناً. وقال السير سايكس إنهم هاجروا من الموصل وليسوا أكراداً، ولكنه أشار إلى أن هناك رأياً يقول إنهم أكراد في الأصل (3). أما العالم ويكرام، الذي تجوّل في مناطق الآثوريين وكتب عنهم الكثير، فقال إنهم يتصلون بالآشوريين القدماء نسباً، ويقول بعضهم إن أسرتهم من صلب نبوخذ نصر الكلداني (4). ويتهم العديد من الكتّاب البريطانيَّ لايارد بأنه أول من قال إنهم من الآشوريين، ليضخّم بذلك خبر تنقيباته في نينوى.
أما لجنة عصبة الأمم التي أُرسلت إلى العراق لتقصي الحقائق بخصوص ولاية الموصل (كوردستان العراق) وسكانها، فقد كتبت في تقريرها سنة 1925 ما يلي: «ربما لم يكن الآشوريون النسطوريون القاطنون في العمادية وجبال تياري والمناطق المجاورة كلهم من أصل واحد … وهم يشبهون الأكراد كثيراً في حياتهم وعاداتهم وتقاليدهم، والاختلاف فقط في الدين» (5).
وقد كتب الدكتور أحمد سوسة في «مفصل العرب واليهود في التاريخ» (ص 593–601) معلومات عن الآثوريين، وقال إنهم من أحفاد الأسباط العشرة، أي القبائل العشر من اليهود الذين رحّلهم الآشوريون من فلسطين إلى جبال كوردستان، وإنهم يهود آمنوا بالمسيحية. واعتمد بالدرجة الأولى على المبشر الأمريكي الطبيب غرانت، الذي قضى عدة سنوات بين الآثوريين ابتداءً من سنة 1835، وألّف كتاباً عنهم بعنوان «النساطرة أو الأسباط المفقودة». وقال الطبيب غرانت إنهم ليسوا من أحفاد الآشوريين، وأضاف أنه شاهد لدى مار شمعون، الرئيس الروحي للآثوريين، كتاباً مخطوطاً بالسريانية يرجع إلى أكثر من سبعمائة سنة، يؤكد أن النساطرة من اليهود. وذكر أن البعثة التبشيرية الإنكليزية في النصف الأخير من القرن التاسع عشر هي التي أطلقت عليهم اسم «آشوري»، وأنهم عُرفوا بالنساطرة بعد قبولهم مذهب نسطور، أسقف القسطنطينية في القرن الخامس.
وذكر مارك سايكس، المقرون اسمه بمعاهدة سايكس بيكو الشهيرة، في كتابه «القبائل الكوردية في الإمبراطورية العثمانية» (ص 29) أن العديد من وجهاء الكورد المتعلمين يرون أن نساطرة حكاري من الكورد الذين اعتنقوا المسيحية قبل الإسلام، أما رجال الدين المسيحيون فمقتنعون بقوة بأن المسألة ليست كذلك. وقال إنه يشك في صحة النظريتين جزئياً، وإن المسيحيين عندما هربوا من الموصل والعراق لجأوا إلى المسيحيين الكورد في حكاري، وإن هذا يجعل العوائل الأسقفية قادمين جدداً، تماماً مثلما يرجع بعض العوائل الدينية الأسقفية القادمة من الموصل والعراق إلى أصل غير كوردي. ويرى الأستاذ عبد الرقيب يوسف أن رأي مارك سايكس هذا هو الراجح.
وقد ذكر إيشو مالك خليل في «الآشوريون في التاريخ» (ص 181) أن فريقاً من الجيش الآشوري أقام في مقاطعة هكاري إثر احتلال نينوى على يد الميديين الكورد، وقد تناقل الخلف عن السلف التقاليد التي جاءت فيها قصص القتال الذي دار بين الآشوريين والميديين الكورد والفرس وفرق الإسكندر المقدوني الكبير … وهنا عاش الآشوريون أجيالاً مستقلين في إمارة أو مملكة خاصة دافعوا عنها ضد الغزاة حتى عام 1915. وذكر إيشو مالك خليل احتمال وجود بعض الإمارات التي تتحدر فعلاً من الأصل الأكدي، وأضاف أن المرويات تذكر أن الميديين الكورد بعد احتلال نينوى منحوا الآشوريين نوعاً من الاستقلال الذاتي، فدعوها «أثور»، وأن أعداداً كبيرة من الآشوريين التجأت إلى جبال المنطقة عندما احتل الفرثيون منطقة آشور.
إن أقدم مصدر وجدت فيه اسماً قريباً من اسم «آشوري» أُطلق على الآثوريين هو «شرفنامه» الذي فرغ الأمير الكوردي شرفخان البدليسي من تأليفه في أواخر القرن السادس عشر، فقد ذكر في الصفحتين 130 و510 أن مسيحيي هكاري يُسمَّون «أسوري». وهذا يفند ما قاله الكثيرون من أن اسم «أثوري» أُطلق عليهم في القرنين التاسع عشر والعشرين لاعتبارات سياسية.
أما بعض المؤرخين الكورد فقد قالوا إن أصل الآثوريين من الكورد، ومنهم السيد علي سيدو الكوراني وأنور المائي (6).
أما الأستاذ عبد الرقيب يوسف فيقول إنه لا يستطيع أن يقول إنهم من أصل كوردي، ولكنه يستطيع أن يقول إن قسماً منهم كانوا أكراداً مسيحيين اندمجوا بينهم؛ فمثلاً كانت قبيلة بوتان، وهي من القبائل الآثورية، كما يُعلم من اسمها، من المسيحيين الأكراد في بوتان، قدمت في وقت ما إلى المنطقة الآثورية واندمجت معهم، وكذلك بحسب المعلومات التي نذكرها فيما بعد. كما لا يستبعد اندماج بعض اليهود المسيحيين بينهم أيضاً، وقد ذكرنا رأي الطبيب غرانت والدكتور أحمد سوسة.
وندرج هنا قسماً من مذكرة اتحاد الشباب المسيحيين إلى قائد الجبهة المسيحية في الثورة الكوردية هرمز ملك جكو، وقسماً من رسالة هرمز ملك جكو الجوابية، وقد كتبهما عبد الرقيب يوسف سنة 1963 (7). وقد صرّح أصحاب المذكرة وهرمز ملك جكو فيهما مراراً بأنهم من الأكراد المسيحيين وأنهم من الأمة الكوردية. وجاء في المذكرة أيضاً ما نصه: «وأننا جميعاً شباب المسيحيين الأكراد»، و«أن شبابنا قد يفهمون الآخرين كل الأشياء التي جرت على أمتهم الكوردية، ويريدون أن يجمعوا أمتهم الكوردية المتفرقة»، و«أن الثورة الكوردية قامت من أجل تحرير كوردستان، وأن تحقيق هذا التحرير سيشمل جميع الأكراد على اختلاف مذاهبهم». ويقصد بالأمة الكوردية المتفرقة الآثوريين. وقد طلب أصحاب المذكرة من هرمز ملك جكو أن يأخذ من قائد الثورة الكوردية الملا مصطفى البارزاني تعهداً ومستنداً بجمع كافة المشردين من المسيحيين الآثوريين الأكراد في كوردستان المرتبطة بالعراق، ولم يكن لهم مطلب آخر. ولا يمكن أن يُكتب هذا الموضوع مع إهمال المذكرة ورسالة هرمز ملك جكو الجوابية، علماً أن ممثل اتحاد الشباب المسيحيين لم يكتب اسمه في نهاية المذكرة خشية وقوعها في يد السلطات العراقية.
لقد دُوّنت المذكرة والرسالة في الصفحات 488–492 من الجزء الأول من كتاب الأستاذ عبد الرقيب يوسف الذي ألّفه عن تاريخ الثورة الكوردية آنذاك، والذي أُتلفت نسخه الثلاث ولم تبقَ منه سوى نسخة مصورة بالفوتوغراف مشوهة، لذلك لم يتمكن الآن من قراءة القسم الآخر من كل منهما.
المصادر
الأستاذ عبد الرقيب يوسف، المصدر السابق، ص 369.
داسن: يظهر من المصادر الكنسية أن اسم داسن (دسان) كان موجوداً في القرن الأول الميلادي، وتردد بكثرة في المصادر الكنسية التي لولاها لفُقد قسم آخر من تاريخ كوردستان. وكانت منطقة داسن تشمل جبال عين سفني وكاري وجبال دهوك حتى جبال العمادية، وقسماً من منطقة الآشوريين: جيلو وبازي وتياري أو كلها، أي كانت تشمل وادي الزاب الأعلى. وقسم البعض داسن إلى داسن السفلى (أي بهدينان بصورة عامة) وداسن العليا (أي منطقة هكاري)، على ما في مجلة النجم، المجلد 12، ص 500. ثم تقلص مدلولها الجغرافي إلى أن انحصر في جبال عين سفني ودهوك، وأُطلق اسم داسن (داسان) عند الأكراد على اليزيديين الكرد، وما زالت دهوك تُعرف عند الأكراد بـ«دهوكا داسينا» لأن معظم سكانها كانوا من اليزيديين. ولا يُعلم بالضبط إن كان هذا الاسم قد انحدر من «ديو يسنا»، أي عبادة الديوات أو عبدتها، أم لا. وهناك معلومات أخرى بخصوص هذا المصطلح الجغرافي أو الديني أيضاً.
بخصوص ما قاله ميلينغن وسايكس راجع: محمد أمين زكي، تاريخ الكرد وكوردستان، ص 122، 372.
مهد البشرية الشرقية، ص 107.
الدكتور فاضل حسين: مشكلة الموصل، ص 100–101.
علي سيدو الكوراني: من عمان إلى العمادية، ص 162؛ أنور المائي: الأكراد في بهدينان، ص 241.
في ربيع 1964 زار عبد الرقيب يوسف جبهة بهدينان للثورة الكردية، وحلّ ضيفاً على المناضل اليزيدي الكردي الراحل علي جوخي، مسؤول منظمة كاوه للحزب الديمقراطي الكوردستاني، في قرية باعذرى (باعه درى) القريبة من مدينة عين سفني، فأطلعه على وثيقتين مهمتين: إحداهما مذكرة اتحاد الشباب المسيحيين في بغداد إلى قائد الجبهة المسيحية هرمز ملك جكو، والأخرى رسالة هرمز الجوابية إلى اتحاد الشباب المسيحيين. وذكر علي جوخي أن المذكرة كانت باللغة السريانية وترجمها قس مسيحي في الثورة. فكتب عبد الرقيب يوسف نسخة من كل منهما، وكان يعتز بهما، وأدخل نصيهما في الجزء الأول من كتابه الخاص بتاريخ الثورة الكردية تحت موضوع «الجبهة المسيحية». وكان الكتاب يقع في 575 صفحة كبيرة، كتبه بثلاث نسخ جاهزة للطبع، ومن المؤسف أن النسخ الثلاث أُتلفت في خضم الأحداث، وكان قد قضى ثلاث سنوات في تأليفه، وتجول في مناطق الثورة لجمع المعلومات وكتابتها بكل دقة. وكان هذا الجزء يبدأ من بداية الثورة إلى مفاوضات 1963، كما جمع معلومات ووثائق كثيرة لتكون مواد للجزء الثاني. وقد صوّر الجزء الأول بالفوتوغراف أيضاً، وأخفى الفلم في مخدته سنوات خوفاً من وقوعه في يد السلطات الحكومية في السليمانية إذا داهمت داره في أحد الأيام، ولما أخرج الفلم وجده قد تعرّق وتشوّه، فطبع منه صوراً، ولكن يصعب النقل من الصور المشوهة، وقد تمكن من نقل قسم من كل من المذكرة والرسالة ليدرجه في هذا الموضوع لأهميتهما التاريخية، إذ إنهما تتضمنان رأي قسم من الآشوريين بخصوص أصلهم الكردي. ولا يُستبعد العثور على نسختيهما في مكان ما، ولا سيما في أرشيف البارزاني أو لدى بعض الجهات أو الأشخاص. ومن الجدير بالذكر أن الوثيقتين خاليتان من التاريخ، ومن المحتمل جداً أن ناسخهما ترك كتابة التاريخ، وهذا ليس بغريب منا نحن الأكراد، فما زال العديد من الوثائق وغيرها من الكتابات يُنشر في جرائدنا ومجلاتنا خالياً من التاريخ، وذلك بحذف التواريخ من قبل الناشرين نتيجة ضعف الثقافة وضعف الأمانة العلمية، حتى صدر تقويم كردي خالياً من تاريخ السنة الخاصة به، وقد نشر مقالتين حتى الآن بخصوص هذا الداء.