الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
ولاية شهرزور الكوردية في العهد العثماني
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
منذ القضاء على الدولة العباسية على يد هولاكو سنة 656هـ (1258م) إلى تأسيس الدولة الحديثة في العراق بتتويج الملك فيصل الأول ملكاً على العراق في 23/8/1921، أي طوال 663 سنة، كان العراق محتلاً، مثل كوردستان، من قبل الدولة الإيلخانية المغولية، والجلائرية، والقره قوينلو، والآق قوينلو، والدولة الصفوية، والدولة العثمانية، ثم البريطانية؛ أي لم تكن في العراق دولة عربية.
إن الدولة العثمانية جمعت كوردستان الجنوبية (شمال العراق الحالي) في وحدة إدارية تشمل أجزاء من غرب كرمانشاه، وهي مناطق جنكَوله ودرنه وكرند وزهاو وقصر شيرين، حتى مريوان وهورامان من أستان كوردستان (سنندج)، والجبال الواقعة بين باوه وزهاو، أو منطقة باوه كلها التابعة الآن لأستان كرمنشاه، وكذلك أشنه (شنو) وقضاء سردشت وبيتوش من منطقة ساوجبلاغ (مهاباد) من منطقة موكري من كوردستان الداخلة في إيران، وإلى منطقة برادوست وشيروان مازن من بارزان في منطقة بهدينان، ما عدا أقضية العمادية وزاخو ودهوك وعقرة، أي المنطقة الواقعة غرب الزاب الكبير، وما عدا الأراضي الكوردية الواقعة غرب نهر دجلة من ناحية زمار وسنجار. وكانت الولاية تشتمل في الشمال على جزء من منطقة هكاري التابعة حالياً لتركيا. وكانت هذه الوحدة الإدارية الواسعة تحمل اسم ولاية شهرزور الكوردية، واتخذت كركوك مركزاً لها، أي عاصمة للإقليم (شهرزور الكوردية)، وذلك حسب التفاصيل الآتية الموثقة بمجموعة من الوثائق العثمانية التي تُنشر أو يُستفاد منها لأول مرة.
لما احتل السلطان العثماني سليمان القانوني بن السلطان سليم الأول كوردستان الجنوبية والعراق سنة 1534م، شكّل ولاية شهرزور الكوردية من واحد وعشرين سنجقاً، أي قضاءً، وهي: أربيل، وحرير، وسروجك، وكسنان، وشهربازار، وهزارمرد، ومركاه، وجوران، وجبل حمرين، ورودين، وتل طاري، وسبه زنجير، وعجور، وابرامان، وباق، وبرنلي، وبلقاص، وأوشني، وقلعة غازي، وجنكَوله، وداودان.
وأضافت الدولة العثمانية إلى ولاية شهرزور الكوردية مناطق أخرى هي الآن خارج حدود الدولة العراقية الحالية، يقع بعضها في إيران وبعضها الآخر في تركيا. فقد كان سنجق جنكَوله يقع في القسم الغربي من كرمانشاه (قرميسين)، وكذلك كان سنجق باجلان (سنجق زهاو) تابعاً لإيالة شهرزور الكوردية، كما تدل عليه وثيقة عثمانية تعود إلى القرن السادس عشر سيأتي ذكرها بالتفصيل في موضوع خانقين. وكذلك مدينة مريوان (مهربان) والمناطق التابعة لها، التي تنازلت عنها الدولة العثمانية بموجب معاهدة زهاو في 17 مايس سنة 1639 في عهد السلطان العثماني مراد الرابع، على ما ذكره علي شاكر في «تاريخ العراق في العهد العثماني» ص82، والدكتور علاء نورس في «العراق في العهد العثماني» ص65، وسبقهما إلى ذلك مصطفى نعيما في «تاريخ نعيما» ج3 ص43 باللغة التركية. وقد ذكر محمد سعد الله الأنوري في مخطوط «معاهدة أرضروم الثانية» ص137 و143 أن سردشت وبيتوش كانتا تابعتين لسنجق السليمانية (من إيالة شهرزور)، علماً أن محمد سعد الله الأنوري كان ممثل الدولة العثمانية في معاهدة أرضروم الثانية التي أُبرمت سنة 1847 بين الدولتين العثمانية والإيرانية. وهذه المناطق الكوردية هي الآن ضمن الحدود الإيرانية.
أما قلعة غازي وباق مع أعمال برنلي فهي من منطقة هكاري الكوردية التابعة لتركيا.
وكانت قره قوش، واسمها التاريخي باخديدا، وهي الآن مركز قضاء الحمدانية الواقع غرب الزاب الكبير من محافظة الموصل، تابعة لإيالة شهرزور الكوردية، إذ كانت من خواص (أملاك) والي شهرزور، وكانت تؤدي ثمانمئة قرش سنوياً لنفقات الوالي ومضيفه بدلاً من «التيمار». ولما وهبها السلطان العثماني محمود الأول سنة 1156هـ (1743م) لحسين باشا الجليلي والي الموصل، استاء سكانها وعزموا على النزوح منها إلى مكان آخر، لكن حسين باشا الجليلي لما علم بذلك تنازل عنها وكتب بخطه وثيقة بذلك. والتفاصيل في كتاب «قره قوش في كفة الميزان» ص231–273 لعبد المسيح بهنام، الذي كان معلماً من سكان قره قوش المسيحيين. وقد ذكر المؤرخ عباس العزاوي أيضاً كون قره قوش من خواص إيالة شهرزور الكوردية، وذلك في «تاريخ العراق بين احتلالين» ج5 ص268.
أما المناطق الكوردية التي لم تدخل ضمن ولاية شهرزور الكوردية، فإن وضعها، لمناسبة الموضوع، يحتاج إلى بعض التفصيل. فالعمادية، مركز إمارة بهدينان الكوردية الشهيرة، كانت، حسبما ذكره أوليا جلبي، تابعة لإيالة بغداد منذ عهد السلطان العثماني سليمان القانوني، لكنه لم يعطها رقماً خاصاً بين سناجق إيالة بغداد الثمانية عشر، وإلا لأصبحت تسعة عشر سنجقاً، مما يُستفاد منه أنها لم تكن من السناجق الأصلية لإيالة بغداد، وإنما ذكرها بكلمة «تابع» للإيالة المذكورة، وذلك في «سياحتنامه» ج4 ص414. وأضاف أن العمادية كان لها حاكم يتولى شؤونها مستقلاً. وقد ذكرنا في مكان آخر أن السلطان العثماني سليمان القانوني ألحق العمادية ببغداد البعيدة تقديراً لأميرها السلطان حسين بن الأمير حسن بك لخدماته الكثيرة للدولة العثمانية، علماً أن من يُعيَّن والياً لولاية بغداد يكون برتبة وزير، فجعله السلطان مرتبطاً بوزير، كما كانت الألوية المستقلة تُربط ببغداد.
بعد القضاء على إمارة سوران الكوردية واستسلام أميرها محمد باشا الرواندزي، الذي كانت العمادية تحت سيطرته لعدة سنوات، طالب كل من والي بغداد علي رضا اللاظ ووالي الموصل محمد إينجه بسنجق العمادية. وفي الوثيقة المرقمة في الأرشيف العثماني (H.H/ 22305)، المؤرخة بسنة 1253هـ (1837م)، التي تتضمن أيضاً أمر السلطان العثماني محمود بإلقاء محمد باشا الرواندزي في البحر الأسود بالقرب من ميناء صامسون وإغراقه، توجد في الفقرة الأولى مطالبة والي بغداد بالمناطق التي كانت تحت سيطرة محمد باشا الرواندزي، مقابل إرساله سنوياً ألفي كيس من النقود إلى خزينة الدولة العثمانية في إستنبول، أي مليون قرش، لأن كيس الآقجة يساوي 500 قرش. وفي الوثيقة المرقمة (A.DVN/ SiRE A/I N.M78) والمؤرخة في 23 شوال 1258 (17/11/1842) ما يدل صراحة على أن سنجق العمادية وسنجق ماردين ونواحي الجزيرة (جزيرة ابن عمر – جزيرة بوتان) الكوردية قد أُلحقت بإيالة الموصل، مع تثبيت محمد باشا الرواندزي (إينجه بيرقدار) في منصبه متصرفاً لهذه الولاية، علماً أن هذا الإلحاق الرسمي للعمادية بالموصل كان حديثاً، إذ إن هذه الوثيقة كُتبت إثر القضاء على إمارة بهدينان الكوردية واستسلام أميرها إسماعيل باشا بشروط، بنحو شهرين. وكانت ولاية الموصل صغيرة تتبعها خمسة سناجق (أقضية)، وكانت لواءً يتبع ولاية ديار بكر فترة، ويتبع ولاية بغداد فترة أخرى.
وبعد سنة 1842، في وقت ما، فُصلت العمادية عن ولاية الموصل وأُلحقت بسنجق حكاري (هكاري) من ولاية وان، كما ورد النص بذلك في فرمان للسلطان العثماني عبد المجيد بتاريخ 26 شوال سنة 1271هـ (7/12/1855)، فقد كُتب في السطر الأول منه ما يلي: «حكاري سنجاغنه تابع عمادية قضا سنده». وهناك نسخة من هذا الفرمان لدى الأستاذ عبد الرقيب يوسف، وقد نشره مع صورته في مجلة «روشنبيري نوێ» العدد 112 سنة 1987. لقد أشكلت مسألة العمادية (آميدي) سنوات، وفي إخراجها من الغموض فائدة للتاريخ.
أما منطقة شيروان مازن (شيروان العليا) في منطقة بارزان فكانت ناحية تابعة لرواندز من ولاية شهرزور، وأما ناحية شيروان السفلى، الموازية شرقاً لنهر الزاب الكبير، فكانت مع منطقة زيبار ناحية تابعة لقضاء عقرة التابع لسنجق (متصرفية، لواء) الموصل، وذلك في سنة 1870. وكانت ناحية زيبار تضم 188 قرية فيها 3800 أسرة. واعترض مشايخ بارزان ومريدوهم على تقسيم منطقة بارزان بين سنجقي شهرزور والموصل، ولهذا قدّم مجلس إدارة بغداد مضبطة إلى «مجلس الشورى» في العاصمة إستنبول، بيّن فيها اعتراض الأهالي على هذا التقسيم، واقترح على المجلس توحيد الناحيتين في لواء واحد من اللواءين المذكورين. وتوجد وثيقتان بهذا الخصوص بتاريخ سنة 1295هـ (1878م) في مركز الوثائق العثمانية، نشرهما المركز نفسه في ص493 و494 من كتاب (Musul- Kerkuk ile ilgili ARSIV BELGELERI)، إحداهما مؤرخة في 23 ذي الحجة سنة 1295هـ (17 أو 18/12/1878م).
أما قضاء سنجار الكوردي فكان تابعاً لولاية ديار بكر، كما سنذكر، ثم أُلحق بلواء الموصل سنة 1870م، وكان لواء الموصل مرتبطاً ببغداد، أي ملحقاً بإيالة بغداد، في أوقات متفرقة.
لقد ذُكرت حدود ولاية شهرزور الكوردية في معاهدة أماسية بتاريخ 29 مايس 1555م، التي أُبرمت بين السلطان العثماني سليمان القانوني والشاه الإيراني طهماسب الصفوي.
لا شك أن منطقة السليمانية (حسب التسمية الحالية) كانت من المناطق المهمة التابعة لكركوك، مركز إيالة شهرزور، في عهد الإمارة الأردلانية القوية، عندما كان مركزها في مدينة زلم من شهرزور، التي تُشاهد أسوارها الآن خلف مدينة خورمال (كلعنبر – گوڵ عەنبەر) التابعة حالياً لقضاء حلبجة (ألبجه)، وهي أحدث من أسوار العهد الفرثي (127 ق.م – 227م) التي اكتُشفت هناك؛ وذلك قبل انتقال مركز الإمارة في القرن السابع عشر من شهرزور إلى مدينة سيسر (سی سەر) الواقعة الآن جنوب شرقي مدينة سنه (سنندج، كوردستان) بحوالي 60 كم، وقبل انتقال مركزها إلى سنه بعد بنائها. وفي مذكرات مأمون بك الأردلاني التي كتبها سنة 1577 معلومات غير قليلة بهذا الخصوص. ويُعلم من «شرفنامه» ص372 أن إمارة بابان، السلالة الثانية أو الأولى أيضاً، المنقرضة في عهد السلطان العثماني مراد الثالث (1574–1595)، كانت تابعة لولاية شهرزور.
أما بعد تأسيس إمارة بابان (أي سلالة بابان الثانية أو الثالثة) فقد استمر الوضع كما كان، وأُلحقت الإمارة إدارياً بكركوك، سواء عندما كان مركز الإمارة في بلدة قلاچوالان أو بعد انتقاله إلى مدينة السليمانية إثر بنائها سنة 1784م.
وعندما كانت هذه الإمارة في طور تأسيسها على يد مير سليمان بەبە مع أخيه مير حسن، اتجه سليمان بەبە، بعد أن بسط نفوذه على المنطقة، سنة 1101هـ (1690م) نحو مدينة كركوك لاحتلالها باعتبارها المركز الإداري لإقليم شهرزور، فجابهه دلاور، والي ولاية شهرزور الذي كان يقيم في كركوك، فقُتل دلاور في المعركة. فوجّه حسن باشا والي بغداد رسالة شديدة اللهجة إلى مير حسن، وكان الكاتب آنذاك نظمي زاده، الذي دوّن الرسالة في كتابه «كلشن خلفا» ص296–297. ثم اعترفت الدولة العثمانية بإمارة مير سليمان بەبە البابانية، وربطتها إدارياً بكركوك، مركز ولاية شهرزور وعاصمة كوردستان الجنوبية.
ومما تجب الإشارة إليه أن كلاً من ولاية شهرزور وبغداد والبصرة قد ورد في وثائق القرن السادس عشر باسم بكلربكية شهرزور وبكلربكية بغداد وبكلربكية البصرة، وكان يرد اسم «بكلربكي» بدل اسم «الوالي»، ثم شاع لفظا «إيالة» و«ولاية» مكان لفظ «بكلربكية» (بەگلەربەگیە). وهناك عدد من تلك الوثائق مصورة عن النسخ الأصلية الموجودة في مركز الوثائق العثمانية بإستنبول، منها وثيقة بتاريخ 11 ربيع الآخر سنة 956هـ (10 أو 9 نيسان 1549م)، أي في وقت مبكر من تنظيمات السلطان العثماني سليمان القانوني الإدارية، فقد استُهلت بعبارة «شهرزول بكلر بكيسنه حكم كه حالياً كركوكده اوتور»، أي «أمر إلى بكلربكي شهرزور المقيم حالياً في كركوك»، وجاء فيها ذكر «طائفة قول» في شهرزور. ومنها وثيقة جاء فيها اسم البكلربكيات الثلاث وبكلربكية ديار بكر، وأيضاً «شهرزول بكلربكيسي»، مع اسم السلطان حسين أمير بهدينان المتوفى سنة 981هـ (1573م)، وجانبولاد، أحد الأمراء الأكراد في كلس المتاخمة لحلب، واستُهلت الوثيقة بما يلي: «بغداد بكلربكيسنه حكم، بو دفعه واقع اولان عليان اوغلي سفرنده وشهرزول وبصره بكلربكيلرى وسلطان حسين دامت معاليه وجانبولاد دام عزه».
وهي عبارة عن فرمان للسلطان العثماني يدعو فيه الولاة والأمراء إلى السفر لقتال ابن عليان (الثائر العربي) في منطقة البصرة والكويت، وقد ثار في إحدى المرتين سنة 975هـ (1555م).
وقد جاء في وثيقة أخرى بتاريخ أوائل شوال سنة 1131هـ (17 آب 1719م) اسم «شهرزور بكلربكيسنه» مرة و«شهرزور ايالتنده» مرة، أي جاء الاسمان «بكلربكية شهرزور» و«إيالة شهرزور» معاً. وبعد القضاء على إمارة بابان سنة 1846 فُصلت السليمانية في وقت ما إدارياً عن ولاية شهرزور، وصارت لواءً مستقلاً بنفسه تتبعه أقضية، وقد ذكر عباس العزاوي أن ذلك كان في سنة 1267هـ (1850م). ولا شك أنه حدثت بمرور الزمن تعديلات إدارية في الإيالات، فمثلاً أُلحقت جنكَوله بولاية بغداد في تاريخ لاحق، على ما في بعض المراجع.
إن ملاحظة مسألة ولاية شهرزور قد حصلت من قراءة تواقيع عدد من ولاة الدولة العثمانية في النسخ الأصلية من رسائلهم، ولم تكن قراءتها سهلة، فهي بشكل الطغراء، وقد تضمنت عبارة «محافظ بغداد وبصرة وشهرزور». منها وثيقة باللغة الفارسية صعبة القراءة جداً، سقط مقدار من أولها، كما سقط جزء يسير من التوقيع، وهي رسالة لأحد ولاة بغداد في القرن الثامن عشر أرسلها إلى إيران في عهد دولة كريم خان الزند، جواباً عن رسالة تتضمن شكوى إيران من أحمد باشا بن خالد باشا بابان، الذي تولى الإمارة للمرة الأولى سنة 1176هـ (1762–1763م)، بسبب ترغيبه كلاً من عشيرتي جاف وجوانرو الكورديتين في النزوح من الأراضي الإيرانية إلى منطقة إمارته ليتقوّى بهما. وعليها توقيع: «… محافظ بغداد وبصره وشهرزور»، ولم يمكن قراءة كلمتين في الجزء الأعلى من التوقيع الخالي من اسمه الصريح، كما لم يوجد عليها أي تاريخ، علماً أن اسم المرسل وكذا التاريخ كانا يُكتبان أحياناً على ظهر الوثائق أو على الورقة التي كانت تُلفّ بها، ونتيجة لهذا الخطأ أمست كثير من الوثائق بلا تواريخ وبلا أسماء المرسلين.
وقد نُشرت هذه الوثيقة مع دراسة مفصلة في المجلة الكوردية «روشنبيري نوێ» العدد 110 سنة 1987.
وفي رسالة لعبد الله باشا والي بغداد (1810–1813م) بالفارسية عليها توقيعه هكذا: «خالص الفؤاد عبد الله محافظ بغداد وبصره وشهرزور»، وقد سقطت من أولها عبارات، ولها هامش ورد فيه اسم عبد الرحمن باشا بابان.
وفي رسالة لداود باشا والي بغداد، يُظن أنه أرسلها إلى محمود باشا بابان، وقد سقط منها مقدار، عليها توقيعه هكذا: «المحب المخلص (المصاحب؟) داود محافظ بغداد وبصره وشهرزور». أما تاريخ الرسالة فغير معلوم، علماً أن داود باشا كان والياً على بغداد من 1817 إلى 1831.
إن الولاة العثمانيين في بغداد عندما كانوا يكتبون في تواقيعهم أسماء «بغداد وبصره وشهرزور» كانوا يتولون الولايات الثلاث في آن واحد، وعندما كان لكل من ولاية البصرة وولاية شهرزور والٍ خاص كانوا يكتبون فقط «محافظ بغداد» أو «والي بغداد»، أو فقط أسماءهم المحفورة على أختامهم. وهناك عشرات من رسائلهم وتقاريرهم المتعلقة بكوردستان.
ولاة إيالة شهرزور
لقد عُثر على أسماء عدد من ولاة إيالة شهرزور، وهم:
- عمر باشا، الذي أصبح فيما بعد «سَرْعسكر» في مصر واليمن، في سنة 1018هـ (1609م)، على ما في وثيقة موجودة في الأرشيف العثماني تحت رقم (علي أميري 882).
- وفي سنة 1031هـ (1621م) كان بستان باشا والي شهرزور، وقد شارك في السنة نفسها في الحملة على بكر صوباشي ببغداد.
- وعندما احتل السلطان مراد الرابع بغداد سنة 1638 عيّن محمد باشا والياً لإيالة شهرزور، وكان قد عُزل عن ولاية قسطموني، على ما في «تاريخ نعيما» ج3 ص381 باللغة التركية.
- ومنهم كنعان باشا سنة 1665، الذي كان بين القوات العثمانية الزاحفة للمرة الثانية على حسين باشا والي البصرة الثائر على الدولة العثمانية سنة 1078هـ (1667–1668م)، وكان من أمراء أسرة أفراسياب الحاكمة في منطقة البصرة، التي ألّف الشيخ محمد الخال كتاباً في كرديتها وإمارتها.
- ومن ولاة شهرزور أيضاً محمد بن قره مصطفى والي بغداد، الذي عيّنه والده سنة 1079هـ (1668–1669م) حاكماً على شهرزور، أي والياً عليها، وحسن باشا مير ميران شهرزور، وقد ذُكر اسمه في أخبار الحملة على البصرة سنة 1080هـ (1669–1670م).
- ومنهم دلاور الذي قُتل في معركة مع مير سليمان بەبە، على ما ذكرنا سابقاً.
- وفي سنة 1715م فُوّضت ولاية شهرزور إلى أحمد باشا بن حسن باشا، الذي عيّن، بعد أن أصبح والياً لبغداد، زوج أخته مصطفى باشا والياً عليها، وقد انفصل مصطفى باشا عن ولاية شهرزور سنة 1724م وعُيّن والياً على همدان التي سيطرت عليها الدولة العثمانية.
- ومنهم عثمان باشا الدفتري الذي عُيّن سنة 1724 والياً عليها، وكان سابقاً متصرفاً لنخجوان.
- ومن ولاة شهرزور أيضاً حسن باشا، الذي صدر الفرمان السلطاني بتعيينه والياً على بغداد سنة 1192هـ (1778م)، لكنه لم يستطع أن يترك ولاية شهرزور بسبب الصراع الناشئ بين الأخوين أحمد باشا ومحمد باشا بابان، الذي أدى إلى القتال بين الدولتين العثمانية والإيرانية، فبقي في كركوك. ولما بدأ السفر إلى بغداد رافقه مودّعاً الشاعر الكوردي رنجوري (ملا عمر بن خالد بك الشالبكَي) مع عدد من وجهاء كركوك إلى مدينة داقوقا، على ما كتبه رنجوري بخطه.
- وفي سنة 1835 كان والي شهرزور المقيم في كركوك يُدعى محمد باشا، وهو محمد باشا إينجه بيرقدار، وقد ذكره علي عشقر في رسالة له إلى السلطان محمود بتاريخ 9 ربيع الأول سنة 1251 (3 تموز 1835). وكان السلطان العثماني قد أرسل مرافقه للحرب (ياور حرب) علي عشقر إلى بغداد للإشراف على تنظيم القوات العسكرية العثمانية وإرسالها لسحق ثورة محمد باشا الرواندزي، وكان بعض القوات العثمانية قد وصل إلى كركوك، على ما كتبه في رسالته، التي كتب فيها أيضاً أن «محمد باشا إينجه بيرقدار والي شهرزور» رجل طمّاع لا يتورع عن ابتزاز الأموال حتى من والي بغداد علي باشا نفسه، لذلك اقترح على السلطان عزله وتعيين شخص آخر مكانه بأسرع وقت.
إن النسخة الأصلية من هذه الرسالة موجودة في مركز الوثائق العثمانية بإستنبول تحت رقم (علي أميري محمود II- 9914)، وهناك نسخة مصورة عنها. وإن علي عشقر هو «أشقر باشا» الذي ذكر عباس العزاوي في «تاريخ العراق» ج7 ص30–40 أنه تولى ولاية شهرزور بعد محمد باشا الذي عُزل سنة 1835. وعُيّن عزت بك آل قبوجي باشي فريقاً للعساكر في ولاية شهرزور، كما عُيّن عارف أفندي دفتردارا (مأمور المالية) فيها، وذلك عندما عُيّن علي أشقر والياً عليها في السنة المذكورة. وفي سنة 1849 كان علي أشقر مشيراً لولاية الموصل، وكتب مضبطة ضد اليزيديين عليها اثنا عشر توقيعاً. وفي سنة 1842 عُيّن محمد نجيب باشا والياً على الولايات الثلاث جميعاً، أي إيالة بغداد والبصرة وشهرزور، كما ورد ذلك في وثيقة بتاريخ 13 شوال 1258 (17/11/1842)، وهناك نسخة منها مصورة عن النسخة الأصلية الموجودة في مركز الوثائق العثمانية بإستنبول تحت رقم (A.DVN سره 1/A نمره 78).
وكان والي شهرزور في سنة 1273هـ (1856م) شخصاً باسم علي (السيد علي)، على ما يُعلم من توقيعه وختمه في تقرير له بتاريخ الأول من ربيع الأول سنة 1273هـ (30/10/1856م)، وهو يتعلق بصورة عامة بعشيرة بلباس الكوردية الساكنة في قضاء كويسنجق التابع لسنجق كركوك، في عهد رئيسها قره ني، الذي اتصل به سليم آغا مدير كويسنجق وأعطاه التأمينات، وذُكر فيه قائمقام رواندز رفعت باشا، مع الإشارة إلى حركة عز الدين شير. ولكننا لا نعلم من هو هذا الوالي. ورقم هذه الوثيقة في الأرشيف العثماني هو (دوسيه 217 سره 19/ A.mkt.um).
وتوجد وثيقة أخرى باسمه رقمها (5/ 173/ A. mkt. um) بتاريخ 11 ربيع الأول سنة 1271 (2/12/1854)، ذكر فيها أنه أرسل عدداً من العسكريين إلى والي الموصل حلمي باشا للقضاء على عصيان عز الدين شير.
وقد تولى ولاية شهرزور أيضاً إسماعيل باشا البهديني، وذلك بعد أن قضت الدولة العثمانية سنة 1842م على إمارة بهدينان التي كان مركزها مدينة العمادية. وكان إسماعيل باشا بن محمد طيار بن إسماعيل باشا الأول والياً لشهرزور سنة 1277هـ (1860–1861م)، حسبما ورد في وقفية له بتاريخ 19 صفر سنة 1277 (7/9/1860)، حيث شيّد خانقاه (تكية) للشيخ قادر بن السيد أحمد السردار السركَلوي، خليفة مولانا خالد النقشبندي، التي أصبحت أكبر تكايا كركوك وأشهرها، وتُعرف إلى الآن بـ«خانقاه السيد أحمد». كما شيّد قبالة باب التكية من الشمال داراً فخمة مساحتها 3000 م²، ما زالت فيها زخارف جميلة وبقايا أعمدة رخامية. ووقف إسماعيل باشا التكية والدار على الشيخ قادر مع عقارات لمصاريف التكية، وعليها التاريخ المذكور. وهذه الدار التراثية المهمة، بزخارفها الجميلة وأعمدتها الرخامية، من الضروري الحفاظ عليها وصيانتها من قبل دائرة آثار كركوك.
وقد تولى ولاية شهرزور أيضاً تقي الدين باشا الكوردي، والي بغداد، وكان من الأسرة الكوردية الشهيرة في حلب بـ«آل المدرس»، التي كانت في الأصل من مدينة كلس، والتي كانت تنافس أسرة «باقي زاده» الكوردية في حلب شهرة. وكان تعيينه على ولاية شهرزور قبل أن يتولى ولاية بغداد للمرة الأولى في أواخر سنة 1284هـ (1867م).
وفي عام 1870 عدّل مدحت باشا، والي بغداد، النظام الإداري في العراق، وبدّل اسم ولاية شهرزور إلى «متصرفية شهرزور»، وكانت أقضية أربيل ورواندز ورانية وكويسنجق وصلاحية (كفري) تابعة لها. وفي سنة 1879 رُبطت متصرفية شهرزور (كركوك) ولواء السليمانية بولاية الموصل، وعُيّن فيضي باشا والياً على ولاية الموصل، فتذمّر سكان الموصل من ذلك وقدّموا شكوى إلى الدولة بسبب امتلاء الدوائر بموظفي كركوك. ونُقل ثابت باشا من متصرفية شهرزور إلى متصرفية السليمانية، وعُيّن ناظم أفندي متصرفاً لشهرزور، ولكن ظلت كركوك باسم «متصرفية شهرزور»، كما تشهد على ذلك وثائق عديدة موجودة، منها وثيقة من وثائق تكية الشيخ باقي بكركوك مؤرخة في 5 ربيع الآخر سنة 1302 و30 كانون الثاني 1302 رومي، أي أنها كُتبت في 22/1/1885م، فقد كُتب فيها «شهرزور متصرفلغنه».
وكذلك كُتبت عبارة «شهرزور متصرفلغنه»، أي متصرفية شهرزور، على وثيقة أخرى بالتاريخ المذكور نفسه، ويوجد على وثيقة تليها في الورقة نفسها ختم كُتب فيه «شهرزور محاسبه».
إلغاء اسم ولاية شهرزور الكوردية
إن ولاية شهرزور، بعد أن استمرت أكثر من ثلاثمئة سنة، صغُرت وغُيّرت من ولاية إلى متصرفية، وأُلحقت بولاية الموصل، وأخيراً حُذف منها اسم شهرزور العريق في التاريخ الكوردي. ففي الثاني من شباط 1309 رومي (2 شباط 1893م) طلب رئيس الوزراء (الصدر الأعظم) جواد باشا، بكتاب رسمي، من السلطان العثماني عبد الحميد حذف اسم شهرزور، إذ طلب تغيير اسم «سنجق شهرزور» إلى «سنجق كركوك»، محتجاً بأنه يحصل التباس بين اسم سنجق شهرزور واسم «سنجق زور» (دير الزور) الواقع حالياً في سوريا. لقد أتى بهذه الحجة الواهية لتغطية نواياه العنصرية، ووافق السلطان العثماني على طلبه. وبعد تغيير اسم شهرزور صار يُكتب في التحريرات الرسمية «كركوك سنجاغى».
تبيّن لنا من خلال هذه المعلومات والوثائق كيف أن الدولة العثمانية اتخذت مدينة كركوك عاصمة إقليمية لكوردستان الجنوبية، كما كانت عاصمتها الأولى في عهد دولة أديابين الكوردية في القرن الأول الميلادي، وكما كانت عاصمتها أيضاً قبل أربعة آلاف سنة، عندما كانت عاصمة الدولة الكوتية الكوردية، ثم عاصمة للدولة الميتانية الحورية الكوردية في عهد عدد من ملوكها، كما سيأتي. فكركوك لها المكانة الأولى والأهم بين المدن الكوردية في هذا الجزء من كوردستان، فهي مدينة كوردية عريقة، سكنها في تاريخ لاحق قريب، إلى جانب سكانها الأصليين الكورد، أبناء قوميات أخرى، مثلما سكنت بغدادَ وإستنبولَ وطهرانَ قوميات شتى، وإن هذا لا يؤثر في تغيير الهوية القومية لهذه المدن، وإنما الفرق بينها وبين كركوك هو النفط الذي طمعت به دول وشعوب، والذي احترق به مالكه الشرعي، الشعب الكوردي، الذي يُحارَب ويُقلَّل من نفوذه لكي لا يصبح له كيان كوردي مستقل.
وللمزيد راجع كتابنا «كركوك: تاريخها، جغرافيتها، محاولات تعريبها».