الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

موطن الكورد (جغرافية كوردستان) (الجزء الثاني)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2020

مصطلح كوردستان

لقد تعرّض مصطلح كوردستان لتفسيرات عديدة، ومع أن التعبير السلالي لكلمة كوردستان يعني بصورة عامة البلاد التي يسكنها الكورد، فإن الحدود الجغرافية لكوردستان، أو لهذا الاصطلاح، لم تتفق دائماً والناحية العنصرية. ولعل أقدم المصادر التي ظهر فيها اصطلاح كوردستان هي المصادر اليونانية؛ فقد سمّى الكتّاب والمؤرخون اليونانيون والرومانيون كوردستان باسم كوردونس (Gorduene) أو كَوردياي (Gordiaea)، وسمّاها السريان باسم كاردو (Qardu). وكان المقصود بهذه الأسماء البلاد التي يسكنها الكاردوخيون الكورد، وهي تقع في الجبال بين المناطق الكوردية ديار بكر ونصيبين وزاخو، وإن لم تكن حدودها واضحة تماماً. ولم تكن تلك المنطقة الكوردية تمثل جميع البلاد (كوردستان) التي كان الأكراد يسكنونها بالفعل.

أما الكتّاب العرب القدماء فلم يستخدموا الأسماء اليونانية في الحديث عن بلاد الكورد، بل كانوا يسمّونها «إقليم الجبال». وكان إقليم الجبال الكوردية هذا يشتمل على المنطقة الواقعة شمال غربي إيران (كوردستان إيران) حتى أورمية، ممتداً من سهل العراق حتى الصحراء الإيرانية الكبرى، ومشتملاً على منطقة الجبال جنوب شرقي أذربيجان. وكان إقليم الجبال الكوردية (كوردستان) ينطبق في الواقع على المنطقة التي أطلق عليها الكتّاب اليونانيون اسم ميديا الكوردية. وقد سمّى المؤرخون العرب فيما بعد المنطقة نفسها باسم «العراق العجمي» ليميّزوه عن العراق العربي، وهو منطقة السهول.

أما كلمة كوردستان اصطلاحاً جغرافياً للمناطق الكوردية فيبدو أنها ظهرت لأول مرة في القرن الثاني عشر الميلادي في عهد السلاجقة الترك؛ فقد فصل السلطان سنجر السلجوقي القسم الغربي من إقليم الجبال الكوردية (كوردستان) ووضعه تحت حكم قريبه سليمان شاه.

وكانت هذه الولاية الكوردية الجديدة (كوردستان) تشتمل على الأراضي الممتدة بين أذربيجان ولورستان (سنه، ودينور، وهمدان، وكرمنشاه وغيرها)، بالإضافة إلى المناطق الواقعة غرب جبال زاغروس الكوردية، كشهرزور وكويسنجق. ولقد استعمل المؤرخون المسلمون فيما بعد هذا الاصطلاح الجغرافي، وكان أول ظهوره في كتاب «نزهة القلوب» لمؤلفه حمد الله المستوفي القزويني الذي كتبه عام 740هـ. ويبدو أن هذا الاصطلاح قد عُمّم فيما بعد حتى شمل جميع الإمارات الإقطاعية الكوردية في كوردستان تركيا وكوردستان إيران. أما شرف خان البدليسي فقد ذكر في كتابه «الشرفنامه» أن كوردستان تبدأ عند شواطئ بحر هرمز (أو الخليج الفارسي المجاور للبحر الهندي)، ممتدة في خط مستقيم حتى ولاية ملاطية (وهي مدينة في ولاية خربوط في كوردستان تركيا) ومرعش (مدينة في شمال حلب)، وتمتد شمال هذا الخط فتشمل ولاية فارس (كوردستان إيران) والعراق العجمي (كوردستان العراق) وأذربيجان وأرمينيا الصغرى والكبرى (أي ولاية أضنة – كيليكيا، ويريفان).

وفي عهود تالية أصبحت ولاية كوردستان في تركيا مشتملة على ألوية ديار بكر وموش ودرسيم (أي منطقة جمشكزك).

ويستنتج الأستاذ مينورسكي، بعد مناقشة التطور التاريخي لاصطلاح كوردستان، أنه «مهما كان المعنى الجغرافي لاصطلاح كوردستان، فإن الثابت أنه لا يدل على الانتشار الحقيقي للأكراد، وأن كلمة كوردستان بمعناها الشائع تعني الأراضي التي يسكنها الكورد».

نبذة جغرافية عن كوردستان

تقع أرض الكورد، كوردستان، في الشرق الأوسط من آسيا الغربية، وهي لا تؤلف دولة واحدة، فالأراضي المعروفة باسم كوردستان مقسمة بين إيران وتركيا والعراق وسوريا. وكلمة كوردستان لا يُعترف بها قانونياً أو دولياً، ولا تُستعمل في الخرائط وكتب الأطلس الجغرافية، ولا تُستعمل رسمياً إلا في إيران، حيث تُطلق فقط على إقليم سنه من كوردستان الإيرانية.

فثمة شيء من الصعوبة، إذن، في تحديد خط الحدود لكوردستان كلها. ونتيجةً لدراسة المنطقة الجغرافية التي يقطنها الكورد، وهي تؤلف من الناحية التاريخية والموضوعية أرضاً واحدة، فإن بالوسع أن نرسم الحدود بشكل تقريبي كما يلي:

يبدأ الخط مستقيماً عند قمة آرارات في الشمال الشرقي، وينحدر جنوباً إلى الجزء الجنوبي من زاغروس وبشتكوه، ومن تلك النقطة نرسم خطاً مستقيماً نحو الغرب يمتد من الموصل إلى المنطقة التركية من لواء الإسكندرونة، ومن تلك النقطة يمتد خط نحو الشمال الشرقي حتى أرضروم في كوردستان تركيا، ثم يمتد الخط من أرضروم نحو الشرق إلى قمة جبال آرارات.

وهكذا فإن المساحة الكلية لكوردستان تبلغ زهاء 409.650 كيلومتراً مربعاً، أي أنها أوسع رقعة من مساحات بريطانيا وهولندا وبلجيكا وسويسرا والدانمارك مجتمعة. ومن أرض كوردستان 194.400 كم² في كوردستان تركيا، و124.950 كم² في كوردستان إيران، و72.000 كم² في كوردستان العراق، و18.300 كم² في كوردستان سوريا. ويبلغ طول كوردستان، إذا قيست من الشمال إلى الجنوب، 1000 كم، أما معدل العرض فهو 200 كم في الجزء الجنوبي، ثم يتزايد شمالاً حتى يبلغ 750 كم.

وتقع كوردستان بين خطي طول 30° – 40° شرقاً و37° – 48° غرباً، وهي بلاد جبلية يختلف مناخها من مكان لآخر. ففي غرب كوردستان جبال طوروس والهضبة العليا لما بين النهرين (الجزيرة) وجبال ماردين السفلى. أما في الشرق فتقع سلسلة الجبال الكوردية، وذلك في الرقعة الجغرافية المحصورة بين بحيرتي أورمية ووان. وفي الجنوب الغربي تقع جبال زاغروس. وإن أعلى جبال كوردستان هو جبل آكَري الكبير، أي جبل آرارات الكبير، ويبلغ ارتفاعه 5.158 م، ثم جبل ره شكو في منطقة جيلو داغ (4168 م)، وجبل آكَري الصغير، أي جبل آرارات الصغير، وارتفاعه 3925 م.

وعلى العموم، فليست جبال كوردستان وحدها مرتفعة، بل إن معدل ارتفاع البلاد برمتها كبير إلى درجة ملحوظة، إذ يتراوح بين 1000 و1500 متر فوق سطح البحر. وهناك مدن تقع على ارتفاع أكبر من ذلك، مثل مدينة بيجار، وارتفاعها 1920 متراً، ومن الجهة الأخرى هناك مدن تقع على ارتفاع أقل بكثير، مثل أربيل، وارتفاعها 430 م، وهي واقعة على تخوم الصحراء العراقية.

المناخ في كوردستان

إن لسهول كوردستان مناخاً شبه استوائي، فمعدل الأمطار يتراوح سنوياً بين 200 و400 مم. أما في الأراضي المنخفضة المنحصرة بين سلاسل الجبال فيبلغ المعدل السنوي بين 700 و2000 مم، وقد يصل أحياناً إلى 3000 مم، وهذه الأراضي المنخفضة تغطيها الغابات عادة، ويجري خلالها عدد من الأنهار والجداول. أما المناخ في وديان كوردستان الوسطى فهو قاري إلى حد ما، وقد يكون قاحلاً، إذ يبلغ المعدل السنوي للمطر بين 300 و500 مم.

ويبلغ الفرق بين درجة الحرارة الدنيا ودرجة الحرارة القصوى 80°؛ إذ تنخفض الحرارة في قره كوسه الواقعة في شمال كوردستان إلى 30–35° تحت الصفر، وقد تهبط أكثر من ذلك أحياناً، إذ بلغت في كانون الثاني من عام 1940 (43°) تحت الصفر. وترتفع الحرارة في الصيف في كوردستان الجنوبية إلى 35°–45° في كرمنشاه، وإلى 40°–45° في خانقين.

ويوضح الجدول رقم (1) الظروف المناخية لمختلف المدن في كوردستان.

جدول رقم (1)

المدينة معدل الحرارة بالدرجات المئوية في شهر تموز معدل الحرارة بالدرجات المئوية في شهر كانون الثاني المعدل السنوي للأمطار بالمليمترات
ملاطيا 26.5 -1.5 440
وان 22.5 -3.5 380
أورفا 32 -4.5 440
ديار بكر 31 2.5 470
سنه 35 -15 500
كرمنشاه 37.5 -10 إلى -15 489
كركوك 41.8 12 334.5
خانقين 43 14.5 385.2

الأنهار في كوردستان

تمتلك غالبية المناطق الجغرافية الكوردية مصادر وفيرة من الماء، ما عدا بعض المناطق الواقعة في العراق وسوريا التي تتاخم الصحراء، فهي تعوزها المياه ليس لأغراض الزراعة فقط، بل حتى للاستعمال المنزلي.

وتنبع في جبال كوردستان أربعة أنهار كبيرة:

  1. نهر آراس، الذي ينبع ويجري من إقليم بينكَول، وخلال مجراه البالغ 435 كم في كوردستان التركية يشكّل ملتقى حدود تركيا وإيران والاتحاد السوفياتي، ثم يصب في بحر قزوين. ويبلغ طول نهر آراس 920 كم.
  2. نهر دجلة، الذي ينبع عند بحيرة كَول جوك في أواسط طوروس الجنوبية الشرقية، شمال مدينة ديار بكر الكوردية. ويتجاوز طول مجراه في كوردستان 600 كم، منها 450 كم في الجزء الكوردي من كوردستان تركيا، وما يزيد على 150 كم في كوردستان العراق، أما طوله الكلي فيبلغ 1900 كم.
  3. نهر الفرات، الذي ينبع من دوملوتبه شمال أرضروم الكوردية، وذلك بالنسبة لفرعه المسمى نهر قره صو، وطوله 460 كم، ومن آلاداغ الواقعة في المنطقة المحصورة بين بحيرة وان وآكَري، وذلك بالنسبة لفرعه المسمى نهر مراد صو، وطوله 615 كم. ويلتقي نهرا مراد صو وقره صو شمال غربي مدينة ألازيغ ليكوّنا نهر الفرات، الذي يجري خلال كوردستان تركيا مسافة 647 كم أخرى إلى حدود تركيا مع سوريا. أما طول نهر الفرات الكلي فهو 2800 كم، ويبلغ مجراه في كوردستان 1110 كم. ويلتقي نهر الفرات بنهر دجلة قرب مدينة البصرة (القرنة) ليشكّلا معاً شط العرب الذي يصب في الخليج العربي (الفارسي).
  4. نهر قيزل أوزن، الذي ينبع جنوب غربي مدينة ديوان دره في كوردستان الإيرانية، ثم يجري في إقليمي زنجان وميانه، ثم في جنوب مدينة رشت، حيث يُدعى سفيد رود، ويصب في بحر قزوين.

وبودّنا أن نذكر من أنهار كوردستان المهمة الأخرى: الزاب الكبير (450 كم) الذي ينبع ويجري في كوردستان تركيا وكوردستان العراق، والزاب الصغير (200 كم)، وكلاهما يصبان في نهر دجلة، ثم نهرَي بدليس وبوتان في كوردستان تركيا، ونهر سيروان في كوردستان الإيرانية والعراقية، وكَومه سياب وجغتو (240 كم) وتتهو في كوردستان الإيرانية.

البحيرات في كوردستان

يقع الجزء الشمالي الغربي من كوردستان بين بحيرتين هما بحيرة وان وبحيرة أورمية. الأولى بحيرة وان، ومساحتها 3765 كم²، ومعدل عمقها 100 م، وتقع على ارتفاع 1120 م عن مستوى سطح البحر. ولما كانت هذه البحيرة شديدة الملوحة فإنها خالية من الحيوانات البحرية.

والثانية بحيرة أورمية، وتقع شرق مدينة أورمية (رضائية)، وتشكّل شواطئها الغربية جانباً من الحدود الشرقية لكوردستان. ويبلغ طولها 130 كم، ويصل عرضها إلى 50 كم، ومساحتها 6000 كم²، ومعدل عمقها 6 م، وقد يبلغ أحياناً 15 م، وأكبر جزيرة فيها جزيرة شاهي التي تقارب مساحتها 25 كم².

والثالثة بحيرة أصغر منهما هي بحيرة خامزار، أو كَول جوك، وتقع شمال ديار بكر عند منبع نهر دجلة، على ارتفاع 1155 م عن سطح البحر.

وتقع بحيرة زريبار في منطقة سنه قرب مريوان، وطولها 4.5 كم، وعرضها 1.7 كم، ومعدل عمقها 15 م.

الغابات في كوردستان

قلّما تكسو الغابات جبال كوردستان، غير أن في الوديان وفرة من الغابات الطبيعية والمزروعات التي تحيط بالمدن والقرى الكوردية. وتغطي الغابات أكثرية الجبال في كوردستان الإيرانية، اعتباراً من جنوب غربي بحيرة أورمية حتى لورستان، على مساحة تتجاوز أربعة ملايين هكتار، وتتألف في الغالب من أشجار البلوط. وتغطي الغابات في كوردستان التركية حوالي 6% من مجموع الأرض، أما في كوردستان الإيرانية فإنها تغطي 32% من الأرض، في حين تغطي 8% في كوردستان العراق. وتبلغ المساحة الكلية للغابات في كوردستان حوالي ستة ملايين هكتار، أي زهاء 14% من مساحة الأرض. ومهما كانت هذه النسبة واطئة بطبيعة الحال، فإنها عالية إذا ما قورنت ببلدان الشرق الأوسط، كما هو موضح في الجدول رقم (2).

جدول رقم (2)

العراق إيران تركيا سوريا كوردستان
مساحة الغابات بآلاف الهكتارات 1540 19000 10548 449 5740
نسبة الغابات إلى المساحة الكلية 3.5% 11.6% 13.8% 2.4% 14%

وليست غابات كوردستان كثيفة نسبياً، وهي ما فتئت تقلّ كثافة، إذ إنها لا تحظى بحماية من حكومات تلك الدول، ويجري السطو عليها من قبل السكان بشكل غير اقتصادي تماماً، لأنهم لا يجدون غيرها مصدراً للوقود، وخاصة في الشتاء القارس.

الثروة المعدنية في كوردستان

لم تُجرَ في أراضي كوردستان تحريات جيولوجية كافية حتى اليوم، ويُعتقد أن هناك عدداً من الخامات الأخرى المهمة سيغيّر الكشف عنها وجه البلاد (كوردستان) تغييراً تاماً.

النفط والمعادن الأخرى في كوردستان

ويشكّل النفط أهم ثروة تكمن في أرض كوردستان، فقد تم العثور فيها على حوالي 2600 طن من النفط الخام، أي حوالي 8% من كل احتياطي النفط في العالم الرأسمالي.

ويجري الآن استخراج النفط من كركوك في كوردستان العراق، ومن شاه آباد قرب كرمنشاه في إيران، ومن سعرت في تركيا، وكل هذه المناطق هي ضمن جغرافية كوردستان. وهناك بطبيعة الحال مكامن أخرى للنفط في مناطق أخرى من كوردستان، وقد تم العثور على مكامن جديدة في المنطقة الجغرافية الكوردية من الجزيرة في سوريا.

وتقع أكبر مكامن النفط في بابا كَوركَور قرب كركوك، حيث تستثمرها شركة نفط العراق الاحتكارية الاستعمارية، ويزيد الإنتاج السنوي للنفط في كوردستان على 50 مليون طن، أي حوالي 1/90 من احتياطي النفط المكتشف في البلاد (وهو الآن أكثر من هذا الرقم).

وقد تم العثور في كوردستان على خامات الحديد في ديفريك في كوردستان التركية، وعلى النحاس في أرغني في كوردستان التركية وفي لورستان، وعلى الكروم شمال ديار بكر، وعلى الكبريت في إقليم سنه في إيران، وعلى الذهب جنوب كرمنشاه، وعلى الفضة في كابان. كما أن هناك مكامن عديدة للفحم والملح والخارصين والزئبق في أنحاء كوردستان.


أجزاء «موطن الكورد (جغرافية كوردستان)» (2 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني (هذا الجزء)

→ الجزء الأول