الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
من الدول الكوردية في التاريخ الإسلامي والحكومات الكوردية في العهد الإسلامي (الجزء الرابع)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
ز. إنجازات حضارية للدولة الأيوبية
لم تكن الانتصارات التي حققها الأيوبيون نتيجة للقوة العسكرية فقط، بل كانت نتاج النهضة الشاملة التي لاحت بوادرها في عهد نور الدين زنكي، ثم تولّاها صلاح الدين الأيوبي بعبقريته القيادية وبصبره وحكمته، وحقّق ما يُدعى في عصرنا «التوازن الإستراتيجي» مع الفرنج. وعندما يدقّق المرء النظر في سيرة صلاح الدين يتضح أن إستراتيجيته قامت على مبدأ «القوة الشاملة»، وهي تعني القوة الروحية (المعنوية)، والقوة الثقافية (المعرفية)، والقوة الاقتصادية، والقوة السياسية، والقوة العسكرية.
وقد توجّه الاهتمام في عهد الدولة الأيوبية إلى العلم والعلماء، فشجّع الملوك الأيوبيون العلماء على الدرس والبحث وتحصيل المعارف، ووفّروا لهم المال الكافي والمسكن المناسب، كي يتفرّغوا للعلم ونشره. وكانت المدارس التي تدرّس الفقه أشبه بالجامعات، لأنها كانت في الأصل معاهد شبيهة بما يسمّى اليوم «التعليم العالي»، وكان يُلحق بكل مدرسة مسجد ومسكن ومكتبة عامرة بالكتب يستخدمها الطلبة والأساتذة. وكانت الكتب في المكتبات مرتّبة البيوت، مقسّمة الرفوف، مفهرسة لتسهيل الوصول إليها، كما هو الشأن في تصنيف المكتبات في عصرنا هذا، وكان لكل مكتبة موظفون يقومون بتنظيم الكتب والمحافظة عليها.
ولم يقتصر التعليم في العهد الأيوبي على المدارس، وإنما قامت المساجد بمهمة تعليم العلوم الدينية والعربية أيضاً، ونال المدرّسون مكانة سامية لم يصل إليها غيرهم، حتى أصحاب المراكز السياسية والعسكرية، وكان رجال العلم لا يتردّدون في توجيه النقد في المجالس التي كان السلطان الأيوبي يعقدها، إذا رأوا خروجاً على المألوف.
ودعونا نسمع طرفاً مما شهده ابن جبير الأندلسي (ت 614هـ) بنفسه خلال رحلته في أراضي الدولة الأيوبية ورواه بإعجاب وتقدير، قال في زيارته لمدينة الإسكندرية:
«ومن مناقب هذا البلد ومفاخره العائدة في الحقيقة إلى سلطانه: المدارس والمحارس الموضوعة فيه لأهل الطلب والتعبّد، يفدون إليها من الأقطار النائية، فيلقى كل واحد منهم مسكناً يأوي إليه، ومدرّساً يعلّمه الفن الذي يريد تعلّمه، وإجراءً يقوم به في جميع أحواله. واتّسع اعتناء السلطان بهؤلاء الغرباء الطارئين حتى أمر بتعيين حمّامات يستحمّون فيها متى احتاجوا إلى ذلك، ونصب لهم مارستاناً لعلاج من مرض منهم، ووكّل بهم أطباء يتفقّدون أحوالهم، وتحت أيديهم خُدّام يأمرونهم بالنظر في مصالحهم التي يشيرون بها من علاج وغذاء».
وأضاف ابن جبير مبدياً إعجابه بالنظام الصحي الذي أقامه صلاح الدين الأيوبي في الدولة الأيوبية:
«ومما شاهدناه من مفاخر هذا السلطان المارستان الذي بمدينة القاهرة، وهو قصر من القصور الرائقة حسناً واتساعاً، أبرزه لهذه الفضيلة تأجّراً واحتساباً، وعيّن قيّماً من أهل المعرفة وضع لديه خزائن العقاقير… ووُضعت في مقاصير ذلك القصر أسرّة يتخذها المرضى مضاجع بكرةً وعشيّة… وبإزاء هذا الموضع موضع مقتطع للنساء المرضى، ولهنّ أيضاً من يكفلهنّ… والسلطان يتطلّع إلى هذه الأحوال كلها بالبحث والسؤال، ويؤكّد في الاعتناء بها والمثابرة عليها غاية التأكيد».
وكان السلاطين الأيوبيون يهتمّون بتحصيل المعارف والعلوم؛ فكان صلاح الدين الأيوبي يجمع حوله رجال العلم، ويحضر مجالسهم، ويشاركهم في أبحاثهم، وكان ابنه الملك العزيز عثمان عالماً بالحديث والنحو. أما السلطان الكامل فكان يحبّ أهل العلم، ويفضّل مجالستهم، وكان شغوفاً بسماع الأحاديث النبوية، فمن أثبت رسوخه في العلم قدّمه وخصّه بالحظوة، وكان يبيت عنده بالقلعة جماعة من أهل العلم ليكونوا من سُمّاره.
وقد برز في الأسرة الأيوبية عدد من العلماء، وعلى رأسهم المؤرخ الشهير أبو الفداء صاحب حماة (ت 732هـ/1331م)، مؤلف كتاب «المختصر في أخبار البشر»، وكذلك بهرام شاه بن فرّوخ شاه صاحب بعلبك (ت 628هـ/1231م)، والملك الناصر الأيوبي صاحب اليمن (ت 721هـ/1321م)، وكان من أهل العلم، واشتملت خزائنه على مئة ألف مجلّد، ومنهم أيضاً الملك المعظّم عيسى ابن الملك العادل صاحب دمشق (ت 624هـ/1227م)، وكان راغباً في الأدب وأهله، يعطي كلّ من يحفظ كتاب «المفصّل» للزمخشري مئة دينار وخلعة.
وامتاز العصر الأيوبي بالتسامح الديني والمذهبي، فرغم أن الأسرة الأيوبية كانت شافعية المذهب، كانت المدارس تُفتح للمذاهب الأربعة، وعُرف الأيوبيون بمعاملتهم الحسنة للمسيحيين، شرقيين كانوا أم غربيين، وكذلك لليهود، وكانوا أقل تشدّداً من الزنكيين والسلاجقة الأتراك في تعاملهم مع أتباع الفرق الشيعية.
وإلى جانب الاهتمام بالمعارف والعلوم، انصبّ اهتمام السلاطين الأيوبيين على تطوير الزراعة والصناعة والتجارة أيضاً، فقد قاموا بتنظيم الري في مصر، وأمروا بحفر الترع والمصارف وعمارة القناطر والجسور، وحموا الفلاحين من استغلال الإقطاعيين، واعتنوا بتطوير الصناعة، مثل استخراج المعادن، وصناعة النسيج، واستخراج الزيوت، ونظّموا إدارة الحسبة للإشراف على نقابات أرباب الحرف، هذا إضافةً إلى العناية الكبيرة بالتجارة الداخلية والخارجية.
أسماء سلاطين الدولة الأيوبية وفترة حكم كل منهم
| السلطان | هجري | ميلادي |
|---|---|---|
| صلاح الدين يوسف الأيوبي | 567–589 | 1171–1193 |
| العزيز عثمان عماد الدين | 589–595 | 1193–1198 |
| المنصور محمد ناصر الدين | 595–596 | 1198–1200 |
| العادل أبو بكر سيف الدين | 596–615 | 1200–1218 |
| الكامل محمد ناصر الدين | 615–635 | 1218–1238 |
| العادل الصغير (الثاني) سيف الدين | 635–637 | 1238–1240 |
| الصالح نجم الدين أيوب | 637–647 | 1239–1249 |
| المعظّم تورانشاه | 647 | 1249 |
| عصمة الدين أم خليل (شجرة الدر) | 648 | 1250 |
| الأشرف موسى (ابن المسعود) | 648 | 1250 |
3. الدولة الزَّنْدية الكوردية في إيران (1760–1779م)
أ. الجغرافيا أولاً
كي نفهم التاريخ فلنبدأ بالجغرافيا، وكي نفهم الأديان فلنبدأ بالجغرافيا، وكي نفهم السياسة والاقتصاد فلنبدأ بالجغرافيا، وكي نفهم القيم والأخلاق فلنبدأ بالجغرافيا، وكي نفهم الآداب والفنون فلنبدأ بالجغرافيا؛ تلك هي الحقيقة.
ولا نقصد بالجغرافيا التضاريسَ من جبال ووديان، وسهول وصحارى، وأنهار وبحار فقط، ولا نقصد بها المُناخ من أمطار وثلوج، وحرّ وبرد، وخصوبة وجفاف فقط، بل نقصد جميع هذه العناصر وهي في حالة تفاعل مع البشر أفراداً وجماعات، وبعبارة أخرى: نقصد الجغرافيا الجيولوجية والجغرافيا البشرية والجغرافيا السياسية (الجيوبوليتيك).
وعندما نأخذ هذه الحقيقة التاريخية والعلمية بالحُسبان في قراءتنا للأحداث، وفي تحليلنا للأمور صغيرها وكبيرها، نصبح أقدر على فكّ كثير من الطلاسم في تاريخ البشر، ونصبح أيضاً أكثر معرفة بالعوامل الحقيقية التي وقفت وراء كثير من الأحداث الكبرى. وليس هذا فحسب، بل نصبح أكثر قدرة على فهم الأحداث الكبرى المعاصرة، ونغدو أقدر على تأسيس المستقبل لأجيالنا القادمة.
ب. صَفَويّون (فرس) وعُثمانيّون (أتراك)
في الحديث عن الدولة الزَّنْدية ومؤسِّسها الحاكم الكوردي اللُّرّي محمد كريم خان زند، لا بدّ من أن نأخذ الجغرافيا بدلالتها الشاملة في الاعتبار، وهذا يقودنا بطبيعة الحال إلى الصراع الآرياني (الإيراني)–الطوراني (التركي) القديم منذ حوالي خمسة آلاف سنة، ويقودنا في الوقت نفسه إلى الصراع داخل البيت الآري بين الفرس والكورد. فقد هيمن الفرس الأخمينيون على مملكة ميديا الكوردية سنة 550 ق.م، لكنهم كانوا بحاجة على الدوام إلى الاستقواء بالجغرافيا الكوردية وبالقوة القتالية الكوردية للوقوف في وجه الطورانيين (الأتراك) المندفعين شرقاً وجنوباً، وفعلوا الأمر نفسه حين تصدّوا للغزوات العربية الإسلامية. ولم يكن الصراع البُوَيْهي (الديلمي)–السَّلجوقي (التركي) في العصر العبّاسي إلا شكلاً آخر من أشكال الصراع الآرياني (الإيراني)–الطوراني (التركي).
ومع بدايات القرن السادس عشر الميلادي برز الصراع الآرياني–الطوراني في صيغة الصراع الصَّفَوي (الفارسي)–العثماني (التركي)، وقاده من الجانب الفارسي الشاه إسماعيل الصَّفَوي (حكم بين 1501 و1524م)، ومن الجانب التركي السلطان العثماني سليم الأول (حكم بين 1512 و1520م)، وكانت كوردستان الجنوبية (إقليم كوردستان–العراق) في بؤرة الصراع بين الفريقين العثماني والصفوي.
وفي سنة 1722م أنهى نادر شاه، من قبيلة أَفْشار التركمانية، حكمَ الأسرة الصَّفَوية الفارسية، لكن معظم الإيرانيين عدّوه، وما زالوا يعدّونه، مغتصباً للعرش، وكان يعتزم إزالة المذهب الشيعي وإعادة المذهب السنّي، فاغتاله القادة الشيعة سنة 1747م في معسكره بمدينة فتح آباد في خَبوشان، وكان قد جاء إليها بجيشه للقضاء على ثورة للكورد نشبت هناك.
وتبع الزوالَ السريع لحكم نادر شاه فوضى عامة في بلاد فارس والقوقاز وكوردستان الشرقية، وأدّى النزاع بين الزعماء القبليين على العرش الفارسي إلى نشوب حروب طاحنة بينهم. وفي خضمّ تلك الحروب برزت الجغرافيا الكوردية ثانية، وبرزت معها القوة القتالية الكوردية الفاعلة، لتترك بصماتها على المسرح السياسي والحضاري في بلاد آريان (إيران الحالية)، وحدث ذلك بقيادة شخصية كوردية بارزة، هي محمد كريم خان زَنْد، ويُعرَف في المراجع اختصاراً باسم «كريم خان زند».
فمن هو كريم خان زند؟ وماذا عن الدولة الزندية الكوردية؟
ج. تأسيس الدولة الزندية
مرّ بنا أن جذور الأمّة الكوردية تمتد في عمق التاريخ إلى حوالي خمسة آلاف عام، وأن الشعب الكوردي حفيد أسلافه الزاغروسيين الآريين (إيلامي/عيلامي، غُوتي/جُوتي، لُوللُو، سُوبارتي، كاشُّو، حُوري/مِيتّاني، مَنّاي، خَلْدي/أُورارْتُو، مِيدي، كوردوخ)، ونتيجة لتمازج هؤلاء الأسلاف أصبح الشعب الكوردي، بحسب اللهجات، أربعة فروع رئيسة، هي: كُرْمانْج في الشمال، وسُوران وگُوران في الوسط، ولُرّ وكَلْهُور في الجنوب.
ويذكر مِهْرداد إيزادي أن قبيلة زَنْد (Zand) من منطقة دِهْ پاري (Deh Pari) في شرقي كوردستان، وهي تنتمي إلى شُعبة لَكي (Laki) من فرع لُرّ، وما زال الناطقون بلهجة لَكي الزَّنْدية يقيمون في مناطق مختلفة من جنوبي كوردستان، من كِفري (Kifri) إلى مَلايِر (Malayer). ويسمّى فرع لُرّ في بعض المصادر «لُور»، والصواب «لُرّ».
وقال ياقوت الحموي في كتابه «مُعجم البُلدان»: «اللُّرُّ: بالضم وتشديد الراء، وهو جيل من الأكراد في جبال بين أَصْبَهان وخُوزِستان، وتلك النواحي تُعرَف بهم، فيقال: بلاد اللُّرّ، ويقال لها: لُرِستان، ويقال لها اللُّور أيضاً». وقال الفَيّومي الحَمَوي في كتابه «المصباح المنير»: «واللُّورُ جِنْسٌ من الأكْرادِ بِطَرَف خُوزِستانَ بين تُسْتَرَ وأصْبَهان، وأهلُ اللِّسان يَحذِفونَ الواوَ في النُّطق بها».
وكان الزَّنديون يثورون على نادر شاه (شاه إيران)، وهو من التركمان، وعلى العثمانيين الأتراك، فهاجمهم نادر شاه بقسوة، وقضى على ثورتهم، وأجبر قسماً كبيراً منهم على الهجرة إلى إقليم خراسان شرقاً، وأسكنهم حوالي مدينة أَبِيوَرْد، ليكونوا في مواجهة التركمان الغزاة القادمين من الشرق والشمال.
وبعد مقتل نادر شاه على أيدي القوّاد الشيعة، عيّن الزَّنديون المهجَّرون كريم خان قائداً لهم، وكان كريم خان قبل ذلك من قادة جيش نادر شاه القدامى، وصاحب خبرة وتجربة في ميادين القتال، فأحسن استغلال الظروف، وعاد بالزَّنديين إلى موطنهم الأصلي (مَلاير) في لُورِستان، يعاونه في ذلك أخوه صادق الزندي، وأفلح في ذلك رغم الأخطار التي كانت تحيط بهم، ومنذ ذلك الوقت أصبح كريم خان زعيماً لقبيلة زَنْد عن جدارة.
وفي عام 1750م، ونتيجة لتفاقم الصراع على السلطة في بلاد فارس، أعلن علي مراد خان، زعيم قبائل بَخْتياري (وهي قبيلة كوردية، والأرجح أنها من فرع كَلْهُور)، نفسه وصيّاً على عرش بلاد فارس، وتحالف معه كريم خان الزندي، فحاربا معاً الغزاةَ الأفغان، وحقّقا الانتصار عليهم. وكان علي مراد خان ظالماً محبّاً لسفك الدماء، في حين كان كريم خان محبّاً للعدل والإنصاف، لذلك اختلفا، وظهرت الخصومة بينهما، ثم قُتل علي مراد خان.
ودخلت بلاد فارس تحت سلطة كريم خان الزندي ونفوذه، فأمسك بجميع السلطات، وأسّس الدولة الزَّنْدية سنة 1163هـ (1750م)، واتخذ مدينة شيراز، عاصمة إقليم فارس في جنوبي إيران حالياً، عاصمةً لحكمه، وهي المنطقة التي نشأت فيها السلالتان الأخمينية والساسانية قديماً. وحارب كريم خان منافسيه، وألحق بهم الهزيمة بدعم من قومه الكورد اللُّرّ المخلصين، ومن عشائر بختياري الكوردية، ومن بعض الخيّالة العرب.
ولم يبقَ لكريم خان الزندي إلا خصمان لدودان، هما أسد خان الأفغاني ومحمد حسين خان قاجار. وقد اشتبك كريم خان مع أسد خان في عدة معارك، ثم انتصر عليه، واضطرّه إلى الاستسلام، وبعد مدة استرحمه أسد خان الأفغاني، فعفا عنه، وسمح له بالسكن في العاصمة شيراز، وعامله باحترام وأريحية.
وانتصر كريم خان الزندي على محمد حسين قاجار (قازار)، وصفا له حكم بلاد فارس، وسار إلى أصفهان (أصبهان) التي كانت تحت سلطة محمد حسين قاجار ففتحها سنة 1170هـ، وبسط نفوذه على المناطق المجاورة، بما فيها كوردستان الجنوبية في العراق الحالي، والتي تُسمّى في المصادر العربية «عراق العجم». ثم وجّه كريم خان جيشاً بقيادة علي خان الزندي إلى مازندران لتأديب محمد حسين قاجار الذي كان قد تحصّن هناك، فوقع هذا الأخير في قبضة جيش كريم خان. وبعد السيطرة على مازندران سيطر كريم خان على القسم الأكبر من أذربيجان، وثارت عليه قبائل أفشار التركمانية بقيادة رئيسها فتح علي خان، لكن فتح علي خان هُزم، وطلب العفو من كريم خان سنة 1174هـ (1760م).
وبعد قضاء كريم خان الزندي على خصومه الألدّاء مرّت سنوات من الهدوء والسلم في الدولة الكوردية الزندية، سوى بعض القلاقل المحدودة. وكان يلاحظ بقلق قسوة أخيه لأبيه زكي خان الزندي وبطشه، ولم يكن راضياً عن سيرته، وقد ثار عليه زكي خان، وهرب إلى لورستان، لكنه عاد وطلب الصفح من أخيه كريم خان فجاد به عليه. وظهرت ثورة في دامغان ومازندران، لكنه قضى عليها، وأعاد المنطقتين إلى دائرة نفوذه. وساد السلام والرخاء في بلاد فارس طوال حكم كريم خان الزندي حوالي عشرين عاماً، ولم يغتصب العرش في فارس كما فعل نادر شاه الأفشاري التركماني، وإنما نصّب نفسه «وكيل الشاه»، وكان الشاه حينذاك هو الشاه إسماعيل الصفوي، وكان صبياً صغيراً.
وقد توتّرت العلاقات بين كريم خان الزندي وحكومة بغداد التابعة للدولة العثمانية، فجهّز جيشاً بقيادة أخيه صادق خان الزندي، وسيّره إلى البصرة، فنسّق صادق خان مع الأسطول البحري، وشيّد بسرعة جسراً عائماً، وعبر الجيش الزندي عليه إلى البصرة في شتاء سنة 1189هـ (1775م)، وبعد حصار دام ثلاثة عشر شهراً استسلمت قلعة البصرة للجيش الزندي سنة 1190هـ.
وأُصيب كريم خان الزندي في أواخر عمره بداء السل، وتوفي في شيراز سنة 1193هـ (1779م) عن عمر يناهز الثمانين سنة، بعد أن حكم ثماني وعشرين سنة، قضى العشرين الأخيرة منها في هدوء. قال ول ديورانت: «وخرج كريم خان منتصراً من الصراع، وأسس الأسرة الزندية (1750) التي احتفظت بسلطانها حتى 1794. واختار كريم خان شيراز عاصمة لملكه، وزيّنها بالمباني الجميلة، وساد جنوبي فارس تسعة وعشرين عاماً من نظام وسلام لا بأس بهما. فلما مات جعل التطاحن على السلطة يتخذ من جديد صورة الحرب الأهلية، وعادت الفوضى تضرب أطنابها من جديد».
وتولّى السلطة بعده كوردي آخر هو لُطْف علي خان، زعيم اتحاد قبائل اللُّرّ الكوردية، ولكنه لم ينجح في مكافحة سلالة قاجار (قازار) Qajar، وهي قبيلة تركمانية كان مركزها في طهران، وكانت تسيطر على شمالي فارس. ونُصب كمين للزعيم الكوردي لطف علي خان، وسُلّم إلى آغا محمد خان مؤسس السلالة القاجارية، فقتله سنة 1209هـ (1794م) بعد أن اقتلع عينيه.
وخشيةً من انبعاث نهضة كوردية جديدة في جنوبي بلاد فارس، وفي لورستان وأراضي بختياري خاصة، عمد ملوك قاجار التركمان إلى مضايقة الأمراء والشخصيات المنحدرين من سلالة كريم خان زند بقسوة، فأعدموا بعضهم جهراً، وقتلوا آخرين سراً، ولذلك لم تستطع القبائل الكوردية في فارس أن تكون قوة سياسية حتى العصر الحديث.
د. إنجازات كريم خان زند
يشهد المؤرخون أن كريم خان الزندي كان من ملوك إيران المحمودي السيرة؛ فقد كان محبّاً لرعيته، حسن المسلك معهم، متواضعاً يعيش ببساطة شديدة، غير مكترث لأبّهة السلطة وترف العيش، حتى إنه رفض طوال حكمه قبول لقب «ملك» و«سلطان»، رغم أنه كان جديراً بهما، واكتفى بلقب «وكيل الشاه»، وفي رواية «وكيل الرعايا». وكان حليماً بعيداً عن العنف حتى مع أعدائه، رحيماً بالضعفاء، متسامحاً غير متعصّب، لا يحقد ولا يقسو، لكنه كان شديداً في المسائل التي تمسّ جوهر الدين الإسلامي. وكان محبّاً للدروس والعلوم ورجالها، مع أنه لم يكن متعلّماً، وحبّب العلوم إلى شعبه، وأصلح مرقدَي الشاعرين الشهيرين سعدي وحافظ، وخصّص لهما أوقافاً، وأنشأ حديقة «باغ جهان نما»، وهي حديقة واسعة على أحسن طراز، كما كان ماهراً في فنون الحرب، بارعاً في وضع الخطط القتالية وتحقيق النصر.
يقول عباس إقبال الآشتياني: «ولا يزال جارياً على ألسنة الناس حكايات وأساطير كثيرة، تحكي بساطة حياة كريم خان الزندي وحسن معاملته، وسعيه لتحسين أحوال الشعب». وقال باسيلي نيكيتين: «لم يكن مجيء الكورد للسلطة، ممثَّلين بشخص كريم خان زند…، الملك الإنساني العادل والمحب للفنون، إلا عهداً مبتوراً لأنه لم يدم طويلاً».
وأشاد شاهين مكاريوس بمزايا حكم كريم خان الزندي قائلاً: «فحكم مدة طويلة حكماً لم يُسمع في إيران بأحسن منه، واطمأنت قلوب الأهالي، وبطلت الأهوال والمذابح من بلادهم، ومُنعت المظالم والمغارم، وراجت الصناعة والتجارة والزراعة، وتحسّنت موارد الأهالي تحسّناً بيّناً، وكثرت موارد الثروة».
وأضاف شاهين مكاريوس واصفاً اهتمام كريم خان زند بالعمران والازدهار: «وجعل شيراز عاصمة ملكه، وبنى فيها أبنية فخمة، مثل البساتين والأسواق والحمّامات والجوامع التي لا تزال باقية إلى الآن…، وأحسن إلى الأمناء من أهل دولته، وشدّد على الظالمين، وأتى كل ما في وسعه لتعميم الأمن والعدل في البلاد، فتمّ له ذلك».
إن سيرة القائد الكوردي كريم خان زند في بلاد فارس تعيد إلى الذاكرة سيرة قائد كوردي آخر سبقه بستة قرون، وحكم مصر والسودان وليبيا وبلاد الشام والحجاز وجزءاً كبيراً من كوردستان، إنه السلطان صلاح الدين الأيوبي. وثمة قواسم مشتركة عديدة بين هذين القائدين، من أبرزها: العبقرية العسكرية والسياسية والإدارية، والاهتمام بتحسين أحوال الرعية، والاهتمام بالحضارة والثقافة والعمران، وبساطة العيش، والنزعة الإنسانية النبيلة.
وتلك هي سِيَر معظم كبار الحكام الكورد عبر التاريخ.
الحكومات الكوردية في العهد الإسلامي
- ذكر المؤلف الحكومات الكوردية في العهد الإسلامي، ومنها الحكومة الروادية (230–618هـ)، وهي تُعدّ من أقدم الحكومات الكوردية، وأسّسها محمد الروادي في مدينة تبريز.
- كما تحدّث عن حكومة بني عنّاز في حلوان (380–510هـ)، وكان أول من وضع أساس هذه الحكومة الكوردية ودعم أركانها الأمير أبو الفتح بن عنّاز أمير أكراد الشاذنجان، وظلّ متربّعاً على العرش مدة عشرين عاماً دون منازع، وقامت القلاقل والفتن بعد وفاته، وأدّت إلى انهيار هذه الحكومة.
وذكر المؤلف بإسهاب أحوال الإمارات الكوردية التي نشأت منذ صدر الإسلام، مثل إمارة الجزيرة التي يرجع نسب أمرائها إلى الأسرة الأموية، وإمارة خيزان التي تأسست في أواخر عهد السلاجقة، وإمارة شيروات التي تأسست بعد انقراض حكومة الأيوبيين في سوريا سنة 662هـ، وإمارة بدليس التي يرجع نسبها إلى الملوك الساسانيين، وإمارة صاصون، وإمارة عزى ومؤسسها الأمير أبو بكر الذي وضع أساس إمارته في عهد حكومة الآق قوينلو، ثم خضع أمراؤها لسلطان الشاه إسماعيل الصفوي حتى وقعت معركة جالديران سنة 1514م.
كما أشار المؤلف إلى إمارة السويدية التي ينتمي أفرادها إلى البرامكة الذين قدموا إلى كوردستان من قلعة السويداء الواقعة بين آمد والرها، وقد دامت فترة طويلة في عهد العثمانيين.
وأشار المؤلف إلى إمارة أخرى باسم إمارة البازوكيين، أسّستها عشيرة البازوكي الكوردية الإيرانية، وشقّ أمراؤها عصا الطاعة على إسماعيل الصفوي، ولجؤوا إلى السلطان العثماني سليم الأول. وإمارة أخرى هي إمارة مرده سي التي أسّسها الشيخ بير منصور بمعاضدة العشيرة المرداسية، وكان مقرّها قلعة أكيل، وظلّت هذه الأسرة تتوارث الإمارة حتى تمّ ضمها إلى العثمانيين في عهد الشاه إسماعيل الصفوي. وإمارات أخرى مثل إمارة حصن كيفا، وإمارة سليماني، وإمارة زراكي، وإمارة الهكارية، وإمارة المحمودي، وإمارة الدنايلة. وتناول أيضاً المجموعة المكارية الجنوبية، وإمارات إيران الشرقية، وإمارتَي خراسان، ومنهياً حديثه بإمارات جبل لبنان، ومنها إمارة مشايخ العماديين الدروز، وإمارة بني سيفا، وإمارة رأس نماش، وكان أفرادها من الأكراد الذين أسكنهم السلطان العثماني سليم الأول في مقاطعة الكورة بجبل لبنان لحماية الجبل وحراسته من الإفرنج.
القومية الكوردية: عددهم ومناطقهم
يقول الدكتور صلاح سالم زرنوقة: يتراوح عدد الأكراد ما بين 35 و40 مليون نسمة، ويتوزّعون على أربع دول هي من أكثر دول منطقة الشرق الأوسط تشبّثاً بكياناتها القومية: تركيا (15–20 مليوناً)، وإيران (7–10 ملايين)، والعراق (5–6 ملايين نسمة)، وسوريا (1.5–2 مليون نسمة). وتعيش غالبية الأكراد في المناطق الكوردية المنسوبة إليهم، والتي كان يُطلق عليها اسم كوردستان، وتقدَّر مساحتها ما بين 430 و530 ألف كيلومتر مربع، وقد توزّعت بين الدول الأربع السابقة بنسبة 50% في تركيا، و35% في إيران، و17% في العراق، و13% في سوريا.
النتيجة من الناحية القومية للعراق
تبيّن من خلال دراسة العصور السومرية والأكدية والبابلية الأولى والكاشية والبابلية الحديثة، أي عهود الدول العراقية القديمة التي نشأت داخل العراق، عدمُ وجود الشعوب التي أسّست تلك الدول وعدم بقائها في المناطق التي تقع خلف سلسلة حمرين، ثم في المناطق الكوردية الواقعة شرقي نهر دجلة، التي هي الآن من كوردستان الجنوبية الداخلة ضمن حدود الدولة العراقية الحديثة؛ ويُضاف إلى ذلك أن الشعب الكاشي كان من شعوب جبال زاگروس الكوردية، وكان شعباً دخيلاً في العراق. فلم يوجد في هذه المنطقة أي وجود قومي للسومريين والأكديين والبابليين، أي الأموريين، والكلدان، أي مؤسّسي الدولة البابلية الحديثة، ولم يستوطن تلك المنطقة الكوردية شعب من تلك الشعوب، ولم تكن موطناً له، وإنما وُجدت فيها شعوب عرفها الباحثون والمؤرخون والآثاريون بشعوب جبال زاگروس الكوردية، وهي شعوب الگوتي واللولو والحوري، ثم الميديون، وهي من أصول الشعب الكوردي، إذ تكوّنت منها، ومن الميديين الكورد القادمين إلى المنطقة في الهجرات الأولى من التاريخ القديم، الأمة الكوردية الحالية.
ومما تجدر الإشارة إليه أن الأموريين حاولوا الاستيطان في مناطق كركوك وأربيل، وعبر قسم منهم نهر دجلة، لكن الملك إدي سين، ملك سيمورّوم المتاخمة لكركوك، وكان قسم من كوردستان الجنوبية تحت حكمه، قاتلهم وهزمهم، وأسر خمسة من رؤسائهم، وردّهم على أعقابهم، وذلك منذ حوالي أربعة آلاف سنة. وقد شُخّص مكان قبره تحت صخرة سنجيان الكبيرة في قرية بيتواتة في قضاء رانية، وقُرئت الألواح المسمارية الأربعة التي عُثر عليها في قبره، ويُحتمل أن بيتواتة كانت عاصمته أو عاصمته الصيفية.
أما الدولة الآشورية فلم يعدّها علماء الآثار والباحثون في التاريخ القديم دولة عراقية أصيلة كالدولة الأكدية والسومرية والأمورية، وإنما نشأت خارج الحدود الجغرافية للعراق القديم، واحتلّت العراق في بعض الفترات. أما ذكرها ضمن الدول العراقية وضمن تاريخ العراق القديم من قِبل العلماء والباحثين، وخاصة العراقيين منهم، فإنما هو من حيث الوضع الجغرافي والحدود الدولية للدولة العراقية الحديثة التي تشمل منطقة الموصل، منشأ الدولة الآشورية.
ولم تكن منطقة الموصل جزءاً من العراق لا جغرافياً ولا تاريخياً، سواء في عهد الخلفاء الراشدين أو الدولة الأموية أو العباسية، بل كانت جزءاً من إقليم الجزيرة الكوردية. وقد قدم الآشوريون الساميون من بوادي سورية الكبرى إلى بلاد سوبارتو الكوردية، أي إلى القسم الأوسط الجنوبي منها، واستوطنوها. وكانت بلاد سوبارتو الكوردية تشمل إقليم الجزيرة الكوردية، أي بلاد ما بين دجلة والفرات حتى ديار بكر، وتشمل مناطق بوتان وبهدينان وأربيل وكركوك وخانقين أيضاً، على ما هو معلوم من مصادر التاريخ القديم، وكانت بلاد سوبارتو موطن أصول الشعب الكوردي.
وإن المناطق المركزية للإمبراطورية الآشورية هي منطقة كوردستان، ما عدا الجزء الواقع غربي نهر دجلة الذي تقع فيه الآن مدينة الشرقاط (آشور القديمة) والقسم الغربي من مدينة الموصل حتى الحضر، كما ذكرنا في موضوع العهد الآشوري. وإن ارتباط تاريخ الدولة الآشورية بتاريخ كوردستان أكثر من ارتباطه بتاريخ العراق، فثلاث من عواصمها الأربع تقع في جانب كوردستان، وهي نينوى ونمرود (كالح) وخورسباد، فهي تُعدّ من دول كوردستان القديمة، رغم كونها سامية، ومن أقسى الدول القديمة إزاء الشعوب التي غزتها والتي كانت تحت سيطرتها.
أجزاء «من الدول الكوردية في التاريخ الإسلامي والحكومات الكوردية في العهد الإسلامي» (4 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث
- الجزء الرابع (هذا الجزء)