الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

من الدول الكوردية في التاريخ الإسلامي والحكومات الكوردية في العهد الإسلامي (الجزء الأول)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

أبرز الدول والإمارات الكوردية

ذكر العلامة محمد أمين زكي في المجلد الثاني من كتابه «خلاصة تاريخ الكورد وكوردستان» (ص82) أربع عشرة دولة وإمارة كوردية، بدءاً من القرن الثالث الهجري إلى نهاية القرن الثالث عشر الهجري، أي على امتداد ألف سنة. وتلك الحكومات الكوردية، بحسب التسلسل التاريخي لقيامها، هي:

  1. الحكومة الروادية الكوردية في أذربيجان (230–618هـ).
  2. الحكومة السالارية الكوردية في أذربيجان (300–420هـ). وقد ذكر الدكتور جمال رشيد أحمد في كتابه «لقاء الأسلاف» (ص212، هامش 44) أن هذه الأسرة ديلمية الأصل، فهل يعدّ محمد أمين زكي الديلم فرعاً من الكورد؟ وكما سبق، هناك احتمال أن تكون كوردية أو بويهية.
  3. الحكومة الحسنويهية (البرزيكانية) الكوردية في همذان (330–405هـ).
  4. الحكومة الشدادية الكوردية في أرّان (340–465هـ)، وتتوزع أرّان اليوم بين جمهوريات أذربيجان وأرمينيا وجورجيا، ومن مدنها نخجوان وتفليس وقره باغ.
  5. الحكومة الدوستكية الكوردية، المشهورة في كتب التاريخ الإسلامي باسم «المروانية»، في شمالي كوردستان بجنوب شرقي تركيا (350–478هـ).
  6. الحكومة العنازية الكوردية في حلوان بجنوبي كوردستان (380–446هـ).
  7. الحكومة الشبانكارية الكوردية في فارس (412–658هـ).
  8. الحكومة اللورية الكوردية الكبرى في لورستان (550–827هـ).
  9. الحكومة الأيوبية الكوردية في مصر والشام (567–950هـ).
  10. الحكومة اللورية الكوردية الصغرى في لورستان (570–1250هـ).
  11. الحكومة الأردلانية الكوردية في جنوب غربي إيران (617–1284هـ).
  12. الحكومة الملكية الكوردية في خراسان (643–785هـ).
  13. الحكومة الزندية الكوردية في إيران (1167–1202هـ).
  14. الحكومة البراخوئية الكوردية في بلوشستان (1172–1300هـ).

وإضافة إلى هذه الحكومات الكوردية قامت في أرجاء كوردستان إمارات تتمتع بالاستقلال الذاتي، وهي:

  1. إمارة حسن كيفا: أسسها أحفاد صلاح الدين الأيوبي سنة 736هـ في جهات سعرد (سرت) بين ديار بكر وجزيرة ابن عمر (جزيرة بوتان).
  2. إمارة سليماني (سليفاني): تقع هذه الإمارة في منطقة بدليس، وامتدت إلى البلاد الواقعة على نهر دجلة جنوباً، وظلت قائمة حتى أوائل القرن العشرين.
  3. إمارة بدليس: ينتسب أمراؤها إلى الأسرة الساسانية الفارسية، وهذا أمر يثير إشكالية العلاقة بين الساسانيين والكورد. ومن أشهر أمرائها الأمير شرف خان البدليسي صاحب كتاب «شرف نامه». وقد بقيت الإمارة حتى أواسط القرن التاسع عشر الميلادي، إذ انتزعتها الدولة العثمانية من شرف خان بدليسي بك، آخر أمرائها، سنة 1836م.
  4. إمارة بابان: بسطت هذه الإمارة نفوذها على المنطقة الواقعة بين نهر سيروان (ديالى) جنوباً ونهر الزاب الصغير (الأسفل) شمالاً، وقد ثارت على الدولة العثمانية، وأفلح العثمانيون في إخضاعها وضمها إليهم سنة 1850م.
  5. إمارة سوران: قامت هذه الإمارة في منطقة وان، ثم توسعت فشملت المنطقة الواقعة بين نهري الزاب الكبير والزاب الصغير، وأشهر مدنها أربيل (هولير) وكويسنجق وراوندوز ورانيا، وكانت أربيل مركزها، وقضى العثمانيون عليها سنة 1850م.
  6. إمارة بادينان (بهدينان): الأرجح أن هذه الإمارة تأسست في النصف الأول من القرن الخامس عشر الميلادي، وظلت قائمة إلى منتصف القرن التاسع عشر، وشمل نفوذها منطقة بادينان (بهدينان) في جنوبي كوردستان، ويرفع أمراؤها نسبهم إلى الأسرة العباسية العربية الإسلامية، وكانت مدينة العمادية قاعدتها.
  7. إمارة الهكارية: هي من أكبر الإمارات في كوردستان الوسطى، وكانت تقع شمالي إمارة بادينان، واستمرت حتى القرن التاسع عشر، إذ ضمتها الدولة العثمانية إلى ممتلكاتها سنة 1845م.

وكانت ثلاث دول كوردية متزامنة قائمة في مناطق كوردستان وعلى أطرافها إبان الغزو السلجوقي التركي لها، وهي: الدولة الحسنويهية في الجنوب، والدولة الشدادية في الشمال الشرقي، والدولة الدوستكية (المروانية) في الشمال الغربي. لكن هذه الدول كانت متخاصمة فيما بينها، فكان من السهل على السلاجقة الأتراك القضاء عليها.

ونكتفي في هذا الموضوع بالحديث عن ثلاث دول كوردية، هي:

  1. الدولة الدوستكية (المروانية) الكوردية.
  2. الدولة الأيوبية الكوردية.
  3. الدولة الزندية الكوردية.

1. الدولة الدوستكية (المروانية) الكوردية (372–478هـ)

تُسمّى الإمارة الدُّوسْتكية الكوردية في المصادر الإسلامية باسم الدولة المروانية، وقد نشأت سنة 372هـ/982م، وظلت قائمة إلى سنة 478هـ/1086م. وتأسّست في شمالي كوردستان، وشمل حكمها جميع الأراضي الواقعة في ولايات ديار بكر وماردين وسِعِرْد (سِيرت) وبَدْليس، وقسماً من ولاية مُوش، إضافةً إلى قضاء أَرْدِيش (أَرْجِيش) من ولاية وان، وأجزاءً من ولايتَي آلَزِگ (العزيز = خَرْبوت = خَرْتَبِرْت = حِصن زياد) وأُورفا (الرُّها)، وجزءاً من مناطق غربي كوردستان حتى نهر دجلة.

أمّا أهمّ مدن الإمارة الدُّوستكية فهي: ديار بكر (آمِد)، ومَيّافارقين (فارْقين = سِليڤان Silvan)، ونِصيبين، وجزيرة بُوتان (جزيرة ابن عُمَر)، وأَرْزَن (قاليقَلا)، وبَدْليس، وخِلاط، وأَرْدِيش (أَرْجيش)، وحَسَنْكَيف (حِصْن كَيْفا). وقدّر الأستاذ عبد الرقيب يوسف مساحة الدولة الدوستكية بأكثر من ستين ألف كيلومتر مربع.

أ. عهد التأسيس

مؤسّس هذه الإمارة هو «باد»، ويسمّى «باذ» أيضاً، وسمّاه محمد أمين زكي «باز»، وتعني كلمة «باز» بالكوردية «الصَّقْر»، ونرجّح أن هذا اللقب هو الأصحّ، لأنه من الألقاب التي يُطلقها الكورد على المشاهير الشجعان. واسم باز هو حسين بن دُوسْتِك، وكنيته «أبو شُجاع»، وهو أحد أمراء عشيرة حَمِيدي (ربما أصلها: آميدي) أو عشيرة شَيرَوان. ويذكر الفارِقي (أحمد بن يوسف، توفي بعد 577هـ/1181م) في تاريخه أنّ باد (باز) هو باد بن دُوسْتِك الحارْبَخْتي، وهو أبو عبد الله الحسين بن دُوسْتِك. و«باد» تعني بالكوردية «الريح»، ولعلّ لهذا اللقب علاقةً بخفّة حركة حسين بن دُوسْتِك في حروبه، وسرعة انقضاضه على الأعداء وتراجعه، كما هو الأمر في حروب الكرّ والفرّ.

وذكر الأستاذ عبد الرقيب يوسف أن «حارْبَخْت» اسم مركّب من «حار»، ويعني الأصلي العريق، و«بَخْت»، وهي من «بُخْتان» (بُهتان = بُوتان)، الاسم التاريخي لمقاطعة بوتان التي تقع فيها جزيرة ابن عمر. وكان اسم «حاربَخْت» يُطلَق إلى عهد الفارِقي على المقاطعة المعروفة اليوم باسم «شَيرَوان»؛ فالبَخْتيون هم القاطنون في المقاطعة الجنوبية (بوتان)، والحاربَختيون هم كورد المقاطعة الشمالية (شَيرَوان)، والطائفتان من أصل واحد. ويرجِّح عبد الرقيب يوسف نسبة «الحاربختي» على نسبة «الحميدي».

وكان باد (باز) يمتاز بالحِنكة ورجاحة العقل وكرم الطبع، وقد التفّ حوله المعجبون به، فهاجم أَرْدِيش (أَرْجِيش)، وكانت أول مدينة دانت لسلطانه. وأقام علاقات ودّية مع الملك البُوَيْهي عَضُد الدولة، بل إنه أمدّ الجيش البُوَيْهي بمساعدات قيّمة لكسر شوكة الأمير أبي تَغْلِب الحَمْداني.

وحين دخل البُوَيْهيون الموصلَ سنة 368هـ جاء باد أبو شجاع للقاء الملك عَضُد الدولة، وما إن اجتمع بالملك البُوَيْهي حتى فطن إلى أنه لن يُبقي عليه، وكان ظنّه صائباً؛ إذ قال عَضُد الدولة بعد أن خرج أبو شجاع من مجلسه: «له بأس وشدة، وفيه شَرّ، لا يجوز الإبقاءُ على مثله»، وأمر بالقبض عليه، لكن أبا شجاع كان قد غادر المدينة سرّاً، ولحق بجيشه.

وبعد وفاة الملك عَضُد الدولة سنة 372هـ ضمّ باد أبو شجاع إلى ممتلكاته كلّاً من آمِد ومَيّافارقين وماردين وحِصْن كَيفا وهَتاخ وغيرها، واتّخذ مَيّافارِقين عاصمةً لدولته الدوستكية المروانية. ثم امتدّ نفوذه إلى نِصيبين وضواحي الموصل، ودخل بعدئذٍ الموصل وخلّصها من أيدي البُوَيهيين، ولعله كان يمهّد بذلك لإنقاذ بغداد، مركز الخلافة العباسية، من سلطة بني بُوَيه الذين تسلّطوا على الخلفاء العباسيين واستبدّوا بشؤون الدولة، وما كان الخليفة العباسي إلا ألعوبة بين أيديهم.

ولمّا علم صَمْصام الدولة بن عَضُد الدولة بخطط أبي شجاع قلق أشدّ القلق، وسرعان ما تفاوض مع الأمير الحَمْداني سَعْد الدولة بن سيف الدولة، وأطمع الحمْدانيين في البلاد الواقعة ضمن نفوذ أبي شجاع. لكنّ سعد الدولة أخفق في كسب المعركة ضد أبي شجاع، فلجأ إلى الحيلة، ودبّر له من يغتاله، فخابت مساعيه أيضاً.

ثم هاجم أبو شجاع الموصل، وخاض معركة ضارية ضدّ بني بُوَيه والحَمْدانيين وبني عُقَيل، فسقط حين قفز من على ظهر فرسه إلى ظهر فرس آخر، وجُرح، ثم قُتل، وحلّت الهزيمة بجنده، وكان ذلك سنة 380هـ/990م. «وحُملت جثّتُه إلى الموصل… وصُلِّيَ عليها بالموصل، ودُفِنت، ولحق أهلَ الموصل من الحزن عليه والأسف لقتله ما لا يوصف، وعملوا عليه المآتمَ والنّدب والبكاء».

وجملة القول أنّ الأمير باد أبا شجاع كان أحد قادة الكورد الميامين، توافرت في شخصيته صفات قيادية مهمّة ونادرة، منها علوُّ الهمّة وبُعد النظر والفروسية والجود والعدل والذكاء والصبر على الشدائد، إضافةً إلى القوة البدنية الفائقة. قال ابن الأثير: «كان ابتداءُ أمره أنه كان يغزو بثغور ديار بكر كثيراً، وكان عظيمَ الخِلْقة، له بأسٌ وشِدّة… وكان كريماً جَواداً، وكان يذبح الغنم التي له ويُطعم الناس، فظهر عنه اسمُ الجود، فاجتمع عليه الناس».

إنّ صفات الأمير باد أبي شجاع تذكّر بصفات القائد الميدي الكوردي التاريخي دَياكو (دَهْياكو)، وهذه الصفات هي التي جعلته يتحوّل من رجل عادي إلى زعيم كوردي بارز، يوحّد القوى الكوردية المتفرقة، ويقارع الدولة البُوَيهية في أوج سطوتها.

ب. عهد النهوض

بعد مصرع باد أبي شجاع تولّى القيادةَ ابنُ أخته الأمير أبو علي حسن بن مروان، وكان شهماً جريئاً، ودارت معارك بينه وبين الحَمْدانيين جنوباً، وبينه وبين الأرمن شمالاً، إضافةً إلى صراعه مع الدولة البيزنطية من ناحية الغرب. وكان ينوب عنه في شؤون الحكم سياسيّ كورديٌّ موهوب يُدعى «مَمْ»، «وكان شيخاً مِقداماً مُجرَّباً شَهماً من الرجال، قد حنّكته التجارب، وبقي يَسوس دولة الأمير أبي علي حسن بن مروان ويدبّرها أحسن تدبير».

على أنّ الأمور تحسّنت بين الأمير أبي علي حسن بن مروان والحَمْدانيين، فخطب سِتَّ الناس، أختَ الأمير أبي الفضائل بن سَعد الدولة بن سيف الدولة الحَمْداني، وفي غمرة انشغاله بشؤون الزفاف فوجئ بمؤامرة أَوْدَت بحياته، وأُعيدت الأميرة ستّ الناس إلى حلب قبل أن يصل موكبها إلى ديار بكر، وكان ذلك سنة 387هـ/997م.

وأصبح الأمير سعيد بن مروان، وكنيته أبو منصور ولقبه مُمَهِّد الدولة، ملكاً على الدولة الدوستكية (المروانية) بعد مقتل أخيه أبي علي. واعترفت القوى الإقليمية حينذاك بحكومة الملك الكوردي الجديد؛ فقد أرسل الخليفةُ العبّاسي القادر بالله وفداً رسمياً لتهنئته، كما اعترف بها كلٌّ من الملك البُوَيْهي بَهاء الدولة في العراق وفارس، والخليفة الفاطمي الحاكِم بأمر الله في مصر. واجتمع مُمهِّد الدولة بالإمبراطور البيزنطي باسيل سنة 390هـ في المنطقة الحدودية بين الدولتين، واتفقا على التفاهم والتحالف.

وقد حرص مُمهِّد الدولة سعيد بن مروان على تجنّب الأزمات الخارجية، وإقامة علاقات متوازنة مع الدول المجاورة، إضافة إلى اهتمامه على الصعيد الداخلي بالمحافظة على الأمن والاستقرار، وتوفير العدالة والحياة الرغيدة السعيدة لشعبه، مسلمين وغير مسلمين، حتى إنّ مدير الأوقاف في عهده كان رجلاً مسيحياً يُدعى ابن شَلِيطا، ويظهر من اسمه أنه سرياني.

واغتيل مُمهِّد الدولة سعيد بن مروان حوالي سنة 402هـ بمؤامرة دبّرها حاجبه شَيرُوه بن مَمْ، وتعرّض كيان الدولة الدوستكية (المروانية) للخطر، فقد حاول شيروه بن مم الاستئثار بالحكم والقضاء على الأسرة المالكة، لكن رؤساء العشائر الكوردية وقفوا إلى جانب الأمير نصر الدولة أحمد بن مروان، فتولّى الحكم بعد أخيه، وبدأ معه عهد القوة والازدهار في الدولة الدوستكية.

ج. عهد الازدهار

أعظم أمراء الدولة الدوستكية (المروانية) هو الأمير نصر الدولة أحمد بن مروان، أخو الأمير سعيد بن مروان، واستمر حكمه من سنة 401هـ/1011م إلى سنة 453هـ/1061م، وقد ذكر المؤرخ الكوردي أحمد بن يوسف الفارقي تفاصيل عهد هذه الدولة الكوردية. فقد باشر نصر الدولة تنظيم شؤون دولته على قواعد متينة، فعيّن الولاة والموظفين على أساس الكفاءة والإخلاص، وأعاد إلى الدولة الدوستكية (المروانية) هيبتها، ورسّخ في حكمه دعائم العدل والمساواة، وهيّأ لشعبه حياة يسودها الأمن والاستقرار، وأعاد الأمور إلى نصابها بعد أن تزعزعت بشدة إثر اغتيال سلفه وأخيه مُمهِّد الدولة.

ولما انتهى نصر الدولة من تنظيم أمور الدولة وإرسائها على العدل والرخاء، اهتمّ بتعزيز مكانتها السياسية على الصعيد الإقليمي، وكان حصيفاً في بناء العلاقات الخارجية المتوازنة، فكسب ودّ الدول المجاورة واحترامها، وتجنّب الانضمام إلى التحالفات المتعادية، واستعان بعلاقات المصاهرة لتأمين سلامة بلاده وتعزيز مركزها السياسي؛ فتزوّج الفَضْلونية بنت فَضْلُون بن مَنُوجَهْر الكوردي صاحب أرّان وأرمينيا العليا، وتزوّج السيدة بنت شرف الدولة قِرْواش بن المقلَّد العُقَيلي الذي كان يهيمن على الموصل، وتزوّج بنت سنحاريب ملك السناسنة الأرمن التي كانت زوجة أخيه الأمير أبي علي حسن بن مروان.

واستطاع بهذه السياسة الحكيمة أن يجنّب بلاده كثيراً من ويلات الحروب، ويحقّق لرعيته الهدوء والاستقرار والسلام، رغم أن دولته كانت تقع في منطقة تتقاطع فيها مصالح سياسية إقليمية حادّة: العباسيون، والبويهيون، والأرمن، والبيزنطيون، والحمدانيون، والفاطميون.

وأثمرت سياسة نصر الدولة الحكيمة سلاماً ورخاءً، فاعترفت الدول الشرق أوسطية الثلاث الكبرى في ذلك العصر بالدولة الدوستكية الكوردية، وهي الخلافة العباسية والخلافة الفاطمية والدولة البيزنطية، ووطّدت علاقة الصداقة معها، وأرسلت كل دولة ممثّلها إلى العاصمة الكوردية فارقين (ميّافارقين) سنة 403هـ/1013م مصحوباً بالهدايا والتحف الثمينة، لإبلاغ الملك الكوردي اعترافها بحكومته، بحسب منطق السياسة آنذاك. وهذا دليل على أمرين:

  • أولهما: حنكة الملك الكوردي نصر الدولة أحمد بن مروان في بناء علاقات سياسية متوازنة مع دول الجوار المتعادية.
  • وثانيهما: الأهمية الإستراتيجية التي كانت تحظى بها الإمارة الكوردية المروانية (الدوستكية)، وتأثيرها في التوازنات الإقليمية والحسابات العسكرية.

والطريف أن ممثّلي هذه الدول وصلوا إلى العاصمة مَيّافارقين في يوم واحد، وزاد في سرور نصر الدولة مصادفةُ وصول الوفود مع الانتهاء من بناء القصر الملكي وإطلالة عيد الأضحى. ولندع الفارقي يصف طرفاً من الأحداث السياسية المهمة التي ازدانت بها الإمارة الكوردية الدوستكية: «في ذي الحجّة من سنة ثلاث وأربعمائة…، قبل العيد بثلاثة أيام، وصل خادم من خدم الخليفة القادر بالله، ومعه حاجب من سلطان الدولة ابن بويه يسمّى أبا الفرج محمد بن أحمد بن مَزْيَد، ووصل معهما الخُلَع والتشريف والمنشور بديار بكر أجمع من الخليفة والسلطان، ولُقّب بنصر الدولة وعمادها ذي الصَّرامتين».

«وفي عشيّة ذلك اليوم وصل رسول من خليفة مصر، وهو الحاكم بأمر الله أبو علي منصور، وورد معه من الهدايا والتحف والألطاف شيء كثير، ولقّب نصر الدولة بعزّ الدولة ومجدها ذي الصَّرامتين، فخرج كل من في الدولة إلى لقائه، ودخل البلد. ومن بُكرة ذلك اليوم ورد رسول من ملك الروم باسيل الصقلّي، وكان ملك القسطنطينية، فخرج الناس إلى لقائه، ووصل معه من القُود والجنائب والتحف ما لا يوصف».

«وكان اليوم الرابع للعيد، وجلس نصر الدولة أحمد بن مروان لهناء العيد على التَّخْت، وحضر رسول الخليفة والسلطان، فجلسوا على اليمين، وحضر رسول مصر ورسول ملك الروم، فجلسا على الشمال، وحضرت الشعراء والقرّاء، وكان يوماً عظيماً وعيداً مشهوداً، وقرئت المناشير على الناس بحضور الرسل والأمراء، ولبس الأمير الخلع، وخلع على الرسل من الخلع ما لم يمكن أن يكون مثلها».

نفهم من هذا أن الدول المجاورة كانت تتعامل مع الإمارة الكوردية باهتمام، وتقدّر مناخ الأمن والاستقرار والغنى فيها، فراحت تخطب ودّها، وتقيم معها أفضل العلاقات. ولا ريب أن السياسة الحكيمة التي رسمها نصر الدولة أحمد بن مروان لإمارته كانت سبب ذلك الاهتمام، فقد قامت سياسته على الحياد وعدم التدخل في الصراعات والنزاعات الناشبة في المنطقة، وتجنّب الحروب، والانصراف إلى الشؤون الداخلية، والسهر على مصالح الشعب الذي كان آنذاك أغنى شعوب المنطقة وأسعدها، إضافة إلى ترسيخ مبدأ التسامح بين الأديان والمذاهب.

د. إنجازات حضارية للإمارة الكوردية الدوستكية (المروانية)

عُني الأمير نصر الدولة أحمد بن مروان بالمشاريع العمرانية، ومنها بناء مدينة النصرية على ضفة نهر باطمان، وصرف اهتمامه إلى بناء المساجد والجسور وقنوات المياه والتحصينات الدفاعية، وخاصة في المناطق المتاخمة للحدود البيزنطية. وقرّر تشييد قصر ملكي فخم في العاصمة ميّافارقين يدلّ على أبّهة الملك، فحشد له المهندسين ورجال الفن، وأجرى في حيطانه وسقوفه الذهب، وعمل فيه ما لا نظير له، وزوّده بأسباب الراحة والعيش الرغيد، واشتمل القصر على قاعات للاجتماعات والاحتفالات، وأجرى إليه قناة الماء من رأس العين، وعمل فيه البرك والحمّام.

ولما ذاعت شهرة نصر الدولة، وتناقلت الألسن أخبار عدله وجوده، أقبل عدد كبير من الشعراء على بلاطه، وتغنّوا بأمجاد الدولة الكوردية الدوستكية (المروانية)، ومدحوه بالقصائد الرائعة لينالوا من هباته وجوائزه، ومنها القصيدة التي قال فيها أبو الحسن علي بن محمد التهامي:

إنْ قال: لا، فهي آلاءٌ مضاعفةٌ وإن يقلْ: نَعَماً، أفضتْ إلى نِعَمِ

وكان لنصر الدولة شعراء يلازمون بلاطه، منهم ابن الظريف الفارقي، وابن السوادي، وابن الفطيري، والشاعر الأمير حسين بن داود البَشْنَوي، والمَنازي. ولم يكن الشعراء وحدهم المعجبين بنصر الدولة وعهده الزاهر، بل شاطرهم العلماء وأصحاب الفن الشعور ذاته، قال ابن الأثير يصفه: «وكان مقصداً للعلماء من سائر الآفاق، وكثروا ببلاده…، وقصده الشعراء، وأكثروا مدحه، وأجزل جوائزهم».

ولم يكن نصر الدولة محبّاً للحروب، بل كان حريصاً على الأرواح من الهلاك، وعلى البلاد من الخراب، لذا اختار منهجاً سلمياً في علاقات دولته بالدول المجاورة، وحلّ المشكلات عن طريق التفاوض والتفاهم. قال ابن كثير (ت 774هـ) في ذلك: «وكان كثير المهادنة للملوك، إذا قصده عدوّ أرسل إليه بمقدار ما يصالحه به فيرجع عنه». وقال ابن الجَوْزي (ت 597هـ): «وكان إذا قصده عدوّ يقول: كم يلزمني من النفقة على قتال هذا؟ فإذا قالوا: خمسون ألفاً، بعث بهذا المقدار، أو ما يقع عليه الاتفاق، وقال: ادفعوا هذا العدوّ».

أما على الصعيد الداخلي فقد شهد المؤرخون لنصر الدولة بنشر العدل بين الرعية والعطف على الشعب. فهذا ابن كثير يصف انتشار الأمن والعدل في ربوع الدولة الكوردية الدوستكية قائلاً: «وكانت بلاده آمن البلاد وأطيبها وأكثرها عدلاً». وقال ابن الأثير يشيد بسيرته في رعيته: «وسيرته في رعيته أحسن سيرة». وقال الفارقي يصف ابتعاده في حكمه عن الطغيان: «وعظُم شأن نصر الدولة، وكبُر أمره، وتقرّرت مملكته، وفَعَل الخير، وعَدَل في الناس…، وفَعَل من الخير ما لم يفعله أحد من بيته وأهله».

وبتحقيق العدل والأمن وحسن المعاملة مع الرعية تحقّق الازدهار الاقتصادي، فأصبحت كوردستان الوسطى واحة وارفة الظلال، يقصدها التجّار والصنّاع وأهل العلم، وهذا ما أكّده الفارقي بقوله: «وانعمرت ميافارقين أيام نصر الدولة أحمد بن مروان، وقصدها الناس والتجار وجماعة من كل الأطراف، واستغنى الناس في أيامه، وكانت أحسن الأيام، ودولته من غير الدول».

هـ. مواقف إنسانية للدولة الكوردية الدوستكية (المروانية)

اشتهرت الدولة الكوردية الدوستكية (المروانية) في عهد الأمير نصر الدولة أحمد بن مروان بالعطف على الغرباء، وأصبحت ملاذاً آمناً لعدد غير قليل من اللاجئين السياسيين في ذلك العصر، بغضّ النظر عن الدين والمذهب والقومية، وفيهم الملك والأمير والوزير؛ فكان نصر الدولة يرحّب بهم، ويعطف عليهم، ويبالغ في إكرامهم، ويوفّر لهم العيش اللائق بمكانتهم. فقد لجأ إليه، على سبيل المثال، الملك العزيز البويهي، ووزير الدولة الفاطمية أبو القاسم المغربي، والوزير ابن جَهِير الموصلي، وابن خان التركي. قال الفارقي في ذلك: «وقصده الناس من كل جانب، وحصل كهفاً لمن التجأ إليه».

وفي سنة 450هـ خرج البَساسِيري التركي (قُتل سنة 451هـ) على الخليفة العباسي القائم بأمر الله، وكان البساسيري من زعماء الأتراك ومن مماليك الملك البويهي بهاء الدولة، وخطب للخليفة الفاطمي المستنصر بالله صاحب مصر، فهرب الخليفة القائم بأمر الله من بغداد إلى الحَدِيثة، وضاقت الدنيا بأسرته، فلم تجد أمّ وليّ العهد ملاذاً إلا في كنف الملك نصر الدولة أحمد بن مروان. قال الفارقي: «وخرجت السيدة ومعها أبو العبّاس محمد بن القائم، وهو الذخيرة أبو المقتدي، فقصدت السيدة ميّافارقين ومعها الذخيرة صغيراً، وخرج نصر الدولة أحمد بن مروان إلى لقائهم، فأنزلهم واحترمهم وأضافهم، وأنفذهم إلى آمد، وأنزلهم في القصر، وتقدّم بما يحتاجون إليه».

والطريف أن رعاية نصر الدولة لم تقتصر على الناس، بل شملت الحيوانات أيضاً، وبكيفية لم نعهدها عند سائر الملوك؛ فقد بلغه أن الطيور تجوع شتاءً لكثرة الثلج، وأن الناس يصطادونها بسبب حاجتها إلى الحَبّ، فأمر بفتح مخازن الحبوب، وإلقاء ما يكفيها من الغلال طوال الشتاء، فكانت الطيور في ضيافته كلّ شتاء مدة عمره.

ومن تتبّع سيرة الملوك الكورد الدوستكيين (المروانيين) يجد أنهم كانوا ينزعون إلى رغد العيش والترف. وذكر الفارقي أنه كان لنصر الدولة ثلاثمئة وستون جارية من الحظايا، فلا تصل نوبة إحداهن في السنة إلا مرة واحدة، وكانت له في كل ليلة عروس جديدة، وكان له من المغنيات والراقصات وأصحاب سائر الملاهي ما لم يكن لسواه من الملوك والسلاطين، وكان كلما سمع بجارية مليحة أو مغنّية مليحة طلب شراءها، وبالغ في ثمنها، ووزن أضعاف قيمتها. وقال الفارقي ملخّصاً النعيم الذي عاشه نصر الدولة، مقارناً إياه بغيره من الملوك: «واستقرّ نصر الدولة في الملك، وملك ما لا يملك أحد مثله، وتنعّم بما لا يتنعّم أحد غيره»، ووصف عهده السعيد بقوله: «وكانت أيامه كالأعياد». وقال ابن الأثير في هذا الصدد: «وتنعّم تنعّماً لم يُسمَع بمثله عن أحد من أهل زمانه».


أجزاء «من الدول الكوردية في التاريخ الإسلامي والحكومات الكوردية في العهد الإسلامي» (4 أجزاء):

  1. الجزء الأول (هذا الجزء)
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع

الجزء الثاني ←