الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
من الدول الكوردية في التاريخ الإسلامي والحكومات الكوردية في العهد الإسلامي (الجزء الثاني)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
و. عهد الانحدار للدولة الدوستكية الكوردية (المروانية)
لا نستبعد أن يكون في الأخبار المتعلقة بإقبال الأمير نصر الدولة أحمد بن مروان على الملذات شيء من المبالغة، لكن يبدو مع ذلك أنه أسرف في الترف ورغد العيش، وأنفق كثيراً من الأموال في هذا الباب، في وقت كانت المخاطر تتربّص بدولته، ولا سيما من قِبل السلاجقة الأتراك الذين احتلوا فارس والعراق، وكانوا يخططون لاحتلال كوردستان. وكان الأمر يتطلب أن يشمّر نصر الدولة عن ساعد الجد، ويتحلّى بالعزم والحزم وبُعد النظر، ويهيّئ لدولته من القوة الذاتية، عسكرياً واجتماعياً، ما يجعلها قادرة على مواجهة الأطماع المتربّصة بها؛ فالتوازنات الإقليمية وحدها غير كفيلة بصيانة استقلال الدول، لأنها عرضة للاختلال في كل وقت.
ولم يطل الأمد حتى بدأ السلاجقة الأتراك بتنفيذ مخطط احتلال كوردستان الوسطى. وذكر الفارقي أن السلطان طُغْرُلْ بَگ السلجوقي أرسل سنة 434هـ أميرين من أصحابه، هما بُوقا وناصغلي، وكانا من كبار الأتراك، ومعهما عشرة آلاف فارس إلى ديار بكر، وأقطعهما البلاد، فوصلا والجيوش معهما، وأغاروا على البلاد ونهبوا، ونزلوا على باب ميّافارقين، وكان هذا أول ظهور للسلاجقة الترك في هذه الديار، ولم يكن الكورد قد رأوا صورهم قبل ذلك.
ولم تقرّ عين طغرل بگ ببقاء الدولة الكوردية الدوستكية (المروانية) خارج نفوذه، فقام سنة 441هـ بخطوة سياسية هدفها تجريدها من استقلالها، إذ «أرسل إلى الأمير نصر الدولة أحمد بن مروان يطلب منه إقامة الخُطبة له في بلاده، فأطاعه وخطب له في سائر ديار بكر». وخسرت الدولة الدوستكية استقلالها، وأصبحت تابعة للدولة السلجوقية التركية، ومع ذلك احتفظ نصر الدولة بمكانته السياسية الإقليمية الرفيعة؛ ففي سنة 441هـ نفسها سأل إمبراطورُ الروم نصرَ الدولة أن يسعى في فداء ملك الأبخاز الذي كان في الأسر عند طغرل بگ، «فأرسل نصر الدولة أحمد بن مروان شيخ الإسلام أبا عبد الله بن مروان في المعنى إلى السلطان طغرل بك، فأطلقه بغير فداء، فعظم ذلك عنده وعند ملك الروم».
وبعدئذ تولّى السلطان طغرل بگ بنفسه الهجوم على الدولة الكوردية الدوستكية. قال ابن الأثير في أحداث سنة 448هـ: «لما فرغ طغرل بك من العرب سار إلى ديار بكر التي هي لأحمد بن مروان، وكان ابن مروان يرسل إليه كل يوم الهدايا والثلج، فسار السلطان إلى جزيرة ابن عمر فحصرها، وهي لنصر الدولة أحمد بن مروان… ولما كان السلطان طغرل بك يحاصر الجزيرة سار جماعة من الجيش إلى عمر أكمن، وفيه أربعمائة راهب، فذبحوا منهم مائة وعشرين راهباً، وافتدى الباقون أنفسهم بستة مكاكيك ذهباً وفضة».
توفي الأمير نصر الدولة أحمد بن مروان سنة 453هـ، وكان عمره نيّفاً وثمانين سنة، بعد حكم دام قرابة ثلاث وخمسين سنة، وخلّف من الذكور نيّفاً وعشرين ولداً. وتلاه في الملك ابنه نظام الدين، ونافسه أخوه الأمير سعيد مستعيناً بالسلاجقة الأتراك، لكن نظام الدين استطاع أن يكسب ودّ الوزير السلجوقي التركي نظام الملك وعطفه، وبتدبير من هذا الوزير أبقاه السلطان السلجوقي ألب أرسلان، ابن أخي السلطان طغرل بگ، أميراً، ومنحه لقب «سلطان الأمراء». وهذا يعني أن الدولة الكوردية تقلّصت في نهاية الأمر من مملكة كوردية إلى إمارة كوردية.
ونهج نظام الدين نهج أبيه نصر الدولة في إشاعة العدل وحسن السيرة بين الرعية، وفي الاهتمام بالتعمير والازدهار. قال الفارقي في ذلك: «وبقي نظام الدين في الإمارة، وكان ملكاً عادلاً، خفيف الوطأة، حَسن السيرة، كثير الإحسان إلى الناس، وعمرت ميافارقين في أيامه أحسن عمارة، ولقي الناس منه الخير والبركة».
وبعد وفاة نظام الدين سنة 472هـ خلفه في الإمارة الدوستكية ابنه ناصر الدولة منصور، وكان سيّئ التدبير، لا يقبل مشورة أصحابه، فتعرّضت الإمارة الدوستكية لكثير من القلاقل الداخلية. كما أنه لم يكن يملك المؤهلات السياسية التي امتاز بها أبوه نظام الدين وجدّه نصر الدولة في مداراة السلاجقة الأتراك، فلم يستطع الصمود طويلاً أمام التهديد السلجوقي المتواصل، وبعد صراع مرير سقطت ديار بكر في أيدي السلاجقة الأتراك، ثم سقطت العاصمة الدوستكية ميّافارقين، وتبعتها جزيرة بوتان (جزيرة ابن عمر) الكوردية، وحدث ذلك سنة 478هـ/1086م على الأرجح. وتتابع بعدئذ سقوط بقية أجزاء الإمارة الدوستكية (المروانية)، وزال ذلك العهد الزاهر من كوردستان.
قال الفارقي: «ولما أخذت البلاد منه نفّذ إليه السلطان ملكشاه وقال له: انظر ما تريد عوض بلادك حتى أعطيك. فقال: حربة تقع في صدري تخرج من ظهري! فقيل للسلطان: قد طلب حربى، فأقطعه القرية المعروفة بحربى».
ز. الانتفاضة الأخيرة للإمارة الدوستكية (المروانية)
أقام ناصر الدولة منصور في قرية حربى مترقّباً الفرصة لاسترجاع بلاده وإحياء دولته الكوردية الدوستكية (المروانية)، وقد سنحت له الفرصة بوفاة السلطان السلجوقي ملكشاه بن ألب أرسلان سنة 485هـ/1092م، واتخذ ابن أسد وزيراً، ومنحه لقب «محيي الدين».
غير أن الأمور لم تسر كما كان يريد ناصر الدولة منصور، فقد تحرّك الملك السلجوقي تتش بن ألب أرسلان، أخو السلطان ملكشاه، من دمشق طمعاً في السلطنة، منافساً لابن أخيه السلطان بركياروق بن ملكشاه. وتوجّه بجيشه شمالاً، فاحتل حلب والرقة وحرّان وسروج، وحاصر نصيبين إلى أن «فتحها سيفاً، وقتل من أهلها ما لا يحصى، ونهب البلد أجمع، وسبى الناس، وجرى على أهل نصيبين ما لم يجرِ مثله على الكفار».
وإزاء هذا الخطر القادم من الجنوب تحالف ناصر الدولة منصور مع الأمير العُقَيلي إبراهيم بن قريش بن المقلَّد حاكم الموصل، وخاض الجيشان الكوردي والعربي معركة عنيفة ضد قوات السلطان السلجوقي تتش المتفوقة سنة 486هـ، لكن الهزيمة حلّت بالجيشين، وارتكب السلاجقة الأتراك مجزرة هائلة، إذ بلغ عدد القتلى عشرة آلاف قتيل، عدا الأسرى والنساء السبايا.
وبعد أن احتل تتش مدينتَي نصيبين والموصل توجّه إلى الإمارة الكوردية الدوستكية، فاحتل ديار بكر، ثم احتل العاصمة ميّافارقين، وخرج ناصر الدولة منصور متخفّياً، واستجار بوزير السلطان تتش، وكانت مدة ولايته الثانية خمسة أشهر فقط. وهكذا زالت الدولة الكوردية الدوستكية (المروانية) بعد أن عاشت مائة وست سنين.
أسماء حكام الدولة الكوردية الدوستكية (المروانية) وفترة حكم كل منهم
| الأمير / الملك | هجري | ميلادي |
|---|---|---|
| باد بن دوستك | 372–380 | 982–990 |
| حسن بن مروان | 380–387 | 990–997 |
| سعيد بن مروان (ممهّد الدولة) | 387–401 | 997–1011 |
| أحمد بن مروان (نصر الدولة) | 401–453 | 1011–1061 |
| نصر بن نصر الدولة (نظام الدين) | 453–472 | 1061–1080 |
| ناصر الدولة بن نظام الدين (منصور) | 472–478 | 1080–1086 |
2. الدولة الأيوبية الكوردية (567–950هـ)
لا تقاس قيمة الدول بطول المدة التي عاشتها، ولا بسعة الأراضي التي حكمتها، وإنما بالإنجازات التي حققتها، وبالأدوار التي قامت بها في عصرها، وبالآثار التي تركتها في العصور اللاحقة. وفي إطار هذه الرؤية الواقعية الشاملة تتحدّد أهمية الدولة الأيوبية الكوردية، فهي أعظم الدول الكوردية شأناً في التاريخ الإسلامي، وأوسعها رقعة. وقد قامت أكثر الحكومات والإمارات الكوردية في أرض كوردستان، أما الدولة الأيوبية فقامت في الأصل خارج كوردستان، ثم توسعت بعدئذ فشملت مناطق مهمة من كوردستان نفسها.
وقد أدرك المؤرخون المسلمون، بل الأوروبيون أيضاً، قديماً وحديثاً، أهمية الدولة الأيوبية الكوردية، فكتبوا عنها الكتب الكثيرة، واستفاضوا في ذكر الأحداث التي عاصرتها، كما عُنوا بتحليل إنجازاتها. ونحسب أن أهمية هذه الدولة ترجع إلى ما حققته من إنجازات كبيرة على صعيدين: الصعيد الإقليمي والصعيد العالمي. وقبل القيام بجولة في تاريخها، دعونا نُلقِ نظرة على أوضاع الشرق الأوسط قبل العهد الأيوبي.
أ. أوضاع الشرق الأوسط قبيل العهد الأيوبي
كان الشرق الأوسط، في نهاية القرن الخامس ومطلع القرن السادس الهجريين، يفتقر إلى الوحدة السياسية، وكانت ثمة مراكز قوى عديدة تتحكم فيه، وتجرّه بين حين وآخر إلى الخلافات والحروب الداخلية، وأبرز تلك القوى السياسية:
أولاً: الخلافة العباسية. كان خلفاء بني العباس قد خسروا النفوذ القوي الذي عُرف به أجدادهم الأوائل، من أمثال أبي جعفر المنصور وهارون الرشيد والمأمون والمعتصم بالله، وأصبحوا ألعوبة بين أيدي الوزراء والحجّاب ونساء قصر الخلافة، ثم بين أيدي البويهيين الديلم الشيعة والسلاجقة الأتراك، ورضوا من الحكم بالاسم، حتى إن أحد الشعراء قال في ذلك:
خليفةٌ في قفصٍ بين وصيفٍ وبُغا
يقول ما قالا له كما يقول الببغا
ونتيجة لذلك خرجت غالبية أراضي الدولة العباسية من سلطة الخلافة، واقتصر نفوذها على بغداد والمناطق المحيطة بها، وكان النفوذ الحقيقي على جميع الأصعدة في أيدي ملوك البويهيين الديلم، ثم في أيدي سلاطين السلاجقة الترك الذين حلّوا محلّ البويهيين الديلم الشيعة الهوى.
ثانياً: السلاجقة الأتراك. قبل أن يبسط الترك السلاجقة نفوذهم على الخلافة العباسية، وعلى أجزاء مهمة من شعوب الشرق الأوسط، كان البويهيون هم الذين يقومون بهذا الدور في القرن الرابع الهجري، وبنو بويه أسرة ديلمية شيعية الهوى، وهذا ما كان يؤرّق الخليفة العباسي السنّي، لذا وجد المخرج على أيدي السلاجقة الأتراك السنّة، فاستعان بهم، وتخلّص من النفوذ البويهي الديلمي الشيعي، لكنه وقع في قبضة السلاجقة الأتراك.
وتوسّع النفوذ السلجوقي تدريجياً، وشمل معظم الأراضي الشرقية للخلافة العباسية. وتصدّى السلاجقة الأتراك، ولا سيّما في أيام سلاطينهم الأقوياء مثل طُغْرُلْ بَگ وأَلْب أَرْسَلان ومَلِكْشاه، لجهود الدولة البيزنطية في استرجاع المناطق التي خسرتها سابقاً، وفتحوا كثيراً من الأراضي الواقعة في دائرة النفوذ البيزنطي. غير أنّ قوّتهم بدأت بالانحسار بعد وفاة السلطان مَلِكْشاه سنة 485هـ، فانقسموا على أنفسهم، ودبّ التناحر فيما بينهم، وانتهى بهم الأمر إلى التعارك والخصام، ثم إلى الضعف مع نهاية القرن الخامس الهجري.
ثالثاً: الخلافة الفاطمية. أقام الفاطميون دولتهم في شمالي إفريقيا بعيداً عن مركز الخلافة العباسية، واتخذوا مدينة المَهديّة في تونس عاصمة لهم، ثم فتحوا مصر، وبنى لهم قائد الجيش الفاطمي وفاتح مصر جَوْهَر الصِّقِلّي مدينةَ القاهرة، فاتخذوها عاصمة، وشرعوا يقارعون الخلافة العباسية كلما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً. كما نافس الفاطميون الحَمْدانيين على بلاد الشام، ودخلوا بعد ذلك في صراع مع السلاجقة الأتراك، وتمكّن السلاجقة من دحرهم في النهاية، ولم يبقَ للفاطميين نفوذ في الشام سوى في القدس، مع مساحة ساحلية محدودة، بدءاً من مدينة جُبَيْل (في لبنان) وإلى الجنوب.
وتفاقم التنافس على الخلافة في الأسرة الفاطمية، وخاصّة بعد وفاة الخليفة المُستنصِر بالله سنة 487هـ، إذ ولّت مراكزُ القوى ابنَه الأصغر المُستَعلي بالله أحمد الخلافةَ، بدلاً من ابنه الأكبر ووليّ عهده أبي منصور نِزار، الأمر الذي أدّى إلى حدوث انشقاق عقائدي عميق، كان من أخطر نتائجه ظهور طائفة الإسماعيلية (الحشّاشين) بقيادة الحسن بن الصَّبّاح. وعندما بدأت الحروب الفرنجية (الصليبية) كانت الخلافة الفاطمية في أدنى دَرَكات الضعف لعوامل كثيرة، أبرزها عاملان:
- أولهما: انعدام التجانس بين عناصر الجيش الفاطمي، والصراع بين الجنود الأتراك والمغاربة والسودان والأرمن.
- وثانيهما: استبداد الوزراء بالحكم الفاطمي، نظراً لصغر سنّ بعض الخلفاء الفاطميين وضعفهم.
رابعاً: الحملات الصليبية. كانت معركة منازكرد (ملاذكرد) سنة 463هـ/1071م حدثاً سياسياً خطيراً في تاريخ شرقي البحر المتوسط؛ فبعد أن انتصر السلاجقة الأتراك، بقيادة السلطان أَلْب أَرْسَلان، انتصاراً ساحقاً على الإمبراطور البيزنطي أَرْمانوس، أصبحت أبواب آسيا الصغرى مفتوحة أمامهم للاندفاع في غربيّها.
وكانت تلك المعركة أهمَّ أسباب الحروب المعروفة باسم «الحروب الصليبية»، فقد عقد البابا أُورْبان الثاني مَجمع كِليرمُونْت في فرنسا سنة 1095م، ودعا شعوب أوروبا وملوكها وأمراءها إلى المشاركة في الحرب المقدّسة (الصليبية) ضد المسلمين. وانطلقت الحملة الصليبية الأولى سنة 489هـ/1096م شرقاً، وعبرت البوسفور، واقتحمت أراضي آسيا الصغرى (غربي تركيا حالياً) الخاضعة للسلطان السَّلجوقي قِليجْ أَرْسَلان، وأسّست إمارة الرُّها سنة 490/491هـ/1098م، ثم إمارة أنطاكية سنة 491هـ/1098م، ومملكة القدس سنة 492هـ/1099م، وإمارة طرابلس في لبنان سنة 502هـ/1109م.
خامساً: الدولة الزَّنكية. هناك رأيان في أصل الزنكيين: أنهم تركمان، أو أن لهم صلة قرابة بالكورد عن طريق التزاوج من قبائل (ساپ يو). ولمع نجمهم على يد جدّهم قَسِيم الدولة آقْسُنْقُر في عهد السلطان السَّلجوقي مَلِكْشاه. وبعد مقتل آقسنقر في حرب سلجوقية داخلية حلّ ابنه عماد الدين زَنْكي محلّه في الولاية على الموصل والجزيرة، فبسط سيطرته على مناطق مهمة من شمالي كوردستان (نِصيبين، سِنْجار، منطقة الخابور، حَرّان، جزيرة ابن عُمَر)، إضافةً إلى المناطق الكوردية المحيطة بالموصل، ثم ضمّ حلب إلى إمارته، وتطلّع إلى جنوبي بلاد الشام، وسيطر على بَعْلَبَك (في لبنان).
وهكذا أصبح عماد الدين زنكي على تماسّ مع الفرنج: شمالاً وشرقاً مع إمارة الرُّها، وجنوباً وغرباً مع إمارتَي أنطاكية وطَرابلس، فخاض سلسلة من المعارك ضدهم، وقضى على إمارة الرُّها سنة 539هـ/1144م، وشرع بعدئذ يقضي على بقيّة معاقل الفرنج شرقي الفرات. وبعد مقتل عماد الدين زنكي انتهج ابنه نور الدين نهجه في الصراع ضد الفرنج، وكان الغضب قد استبدّ بالفرنج لسقوط إمارة الرُّها، فشنّوا الحملة الصليبية الثانية (542هـ/1147م). وقد استعان نور الدين زنكي بحنكة قائد جيوشه الكوردي أسد الدين شيركوه وببسالته، فاستولى على عدد من حصون الفرنج في بلاد الشام، واستخلص دمشق من أيدي بني أُرْتُق السلاجقة الأتراك سنة 549هـ/1154م، وامتدّ بنفوذه إلى مصر.
ولمّا توفّي السلطان نور الدين زنكي سنة 569هـ/1174م نشب الصراع على السلطة بين ورثته ومن وراءهم من مراكز القوى، وضعفت الدولة الزنكية، في حين كان الفرنج يتربّصون بها، فلم يرَ صلاح الدين الأيوبي بُدّاً من التدخل وتأسيس الدولة الأيوبية.
سادساً: دولة المُوحِّدين. طوال قرن ونصف القرن من الزمان هيمن المُرابطون على شمالي إفريقيا والأندلس، ومع بدايات القرن السادس الهجري تضاءلت قوتهم، وظهرت قوة منافسة جديدة تحت اسم «المُوحِّدين».
ومع سنة 540هـ/1145م قضى المُوحِّدون على الدولة المُرابطية، وبسطوا نفوذهم على شمالي إفريقيا من المحيط الأطلسي غرباً إلى تونس شرقاً بقيادة عبد المؤمن بن علي (ت 558هـ/1162م)، وهو شخصية أمازيغية (بربرية)، إضافةً إلى أنهم عبروا إلى الأندلس (إسبانيا) التي كانت ممزّقة بسبب خصومات ملوك الطوائف، وسيطروا عليها سنة 556هـ/1160م. وحمل عبد المؤمن بن علي لقب «أمير المؤمنين»، وأعلن نفسه خليفة للمسلمين، واحتفظت دولة المُوحِّدين بقوتها زمن السلطان أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن (ت 580هـ/1184م).
غير أنّ أقوى عهود الدولة المُوَحِّدية هو عهد السلطان أبي يوسف يعقوب المنصور (ت 595هـ/1198م)، وقد أنشأ هذا السلطان قوّة ضاربة برّاً وبحراً، وحقّق الانتصار على ملوك إسبانيا في معركة «الأَرَك» سنة 591هـ/1195م، رغم أنّ جيوشاً أوروبية متمرّسة في القتال هبّت إلى نجدة الإسبان، قادمةً من فرنسا وألمانيا وهولندا وغيرها من الدول الأوروبية. وكان الصراع بين المُوحِّدين والدول الأوروبية المتعاطفة مع الإسبان موازياً، من حيث الزمان، للصراع بين المسلمين والفرنج في شرقي البحر الأبيض المتوسط.
أجزاء «من الدول الكوردية في التاريخ الإسلامي والحكومات الكوردية في العهد الإسلامي» (4 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني (هذا الجزء)
- الجزء الثالث
- الجزء الرابع