الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
موطن الكورد (جغرافية كوردستان) (الجزء الأول)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2020
يعيش الأكراد على أرضهم (كوردستان) في جميع أصقاع سلاسل جبال أرمينيا، وتنتهي حدودهم الشمالية في تركيا بمحاذاة أرضروم. وفي الجنوب يسكن الأكراد مناطق واسعة تمتد إلى نهاية سهول ما بين النهرين.
وفي الغرب حدودهم نهر الفرات، أو بصورة أدق نهر قره سو.
ولم يقفوا عند هذا الحد، بل إن وجودهم يمتد في أعماق المناطق الجنوبية الشرقية، ليس من سيواس فقط، بل هناك جماعات متفرقة منهم حتى حوالي كيليكيا.
وبهذه الصورة يصلون إلى البحر الأبيض المتوسط.
ويسكن الأكراد في روسيا في مقاطعة يريفان، في الأقسام المتصلة بجبال آرارات، وفي مناطق أخرى من نواحي أردهان وقاغزمان في منطقة قارس، وكذلك في مقاطعة إليزابيتبول.
وهكذا نرى أننا، نحن الكورد، نعيش في الوقت الحاضر على أرض واسعة عند حدود تركيا وفارس (إيران) والعراق وأجزاء من سوريا، من مدينة مندلي في العراق حتى جبال آرارات، حيث تتعدى أرضنا حدود روسيا فتدخل القفقاس.
إن الأقسام العليا من نهر الفرات ومناطق بحيرة وان في أرمينيا القديمة هي المهد، أو الأرض القديمة التي ظهر فيها الكورد (الأكراد). (العالم ف. ف. مينورسكي – الأكراد).
وإن الأقسام الجنوبية من طوروس والضفة اليسرى لدجلة (بوتان – خربوط – الزاب الأعلى) هي الوطن الأم للشعب الكوردي في الأزمنة التاريخية القديمة.
وعلى ذلك فإن وطن الأكراد منذ فجر التاريخ هو الأقسام الشرقية البعيدة والجنوبية للمناطق الثلاث (السلاسل الجبلية العليا في أرمينيا – كوردستان تركيا – جبال فارس الغربية)، فهي موطن الأكراد. راجع محاضرة «المشكلة الكوردية».
سلاسل جبال زاغروس وطوروس الكوردية: جبال زاغروس في جنوب غرب إيران، تمتد من فارس وشيراز جنوباً حتى كرمنشاه وهمدان شمالاً؛ وجبال طوروس في جنوب تركيا، تمتد من قيصرية ونهري سيحان وجيحان شرقاً حتى جبال أنطاليا غرباً. وبين جبال زاغروس شرقاً وجبال طوروس غرباً تقع سلسلة جبال كوردستان في شمال غرب إيران وشمال العراق (كوردستان العراق).
ولعل مثل هذا الوصف لأرض كوردستان وجغرافيتها يقرّبنا من تصوّر هذه الجبال وكأنها عظام الظهر لهذا الوطن الذي يمتد على مرتفعات كبيرة فوق البلاد المحيطة به.
لذلك تشمخ بعض قمم الجبال فوق المناطق المجاورة، مثل جبل آرارات الكبير الذي استقرت عليه سفينة نوح (عليه السلام)، وارتفاعه 16,500 قدم.
وجبل الجودي له المنزلة نفسها، ويصل ارتفاعه إلى 16,500 قدم، وجبل نمرود داغ يرتفع إلى 10,500 قدم، وقمة جبل سيبان، الذي يتغنى به الجميع، ترتفع إلى 11,500 قدم.
وفي كوردستان العراق جبل بيرة مكرون في السليمانية، وارتفاعه 9,500 قدم، وتغطي الثلوج قمم تلك الجبال خلال أكثر فصول السنة.
1- في كوردستان بلاد فارس (إيران)
يسكن الأكراد في جميع أقسام مقاطعتي كرمنشاه وكوردستان (سنندج) ومنطقة كاروس، وفي قسم من أذربيجان، وفي جميع مناطق ساوجبلاغ (مهاباد حالياً) من جنوب بحيرة أورمية وغرب نهر تاتاو إلى حدود تركيا، وهم من السكان القدماء في الأقسام الجنوبية.
أما في الأقسام الشرقية من بلاد فارس (إيران) فقد كانت سلماس تشكّل مقاطعة مستقلة، وكان الأرمن يطلقون عليها اسم «كورتجيا» بمعنى «كوردستان».
وهناك مناطق كوردية أخرى مستقلة متناثرة في خراسان (شاويلي) وفي قزوين (أمبرلو) وحوالي شيراز (كالون عبدو)، حيث هجّرهم الملك الفارسي نادر شاه من مدنهم وقراهم الكوردية قسراً بين عامي 1736 و1747م.
2- في كوردستان تركيا
يسكن الأكراد بصورة أساسية في ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية (كوردستان العراق الحالية)، وتشمل المحافظات: الموصل، وأربيل، والسليمانية، وكركوك، ودهوك، وأجزاء من ديالى، وهي منطقة كوردية خالصة عدا مدينة الموصل العربية. وأما في ولايتي وان وبتليس فللكورد أكثرية 65%، وهذا يتعلق بالأراضي الواسعة حول بحيرة وان التي تتوافر فيها المياه.
أما سنجق حكاري، الذي يمتد إلى الحدود الفارسية (إيران)، وكذلك أقسام كثيرة أخرى، فالأكثرية الساحقة فيها من الأكراد.
والأكراد أكثر عدداً في ولايتي ديار بكر وخربوط من جميع الأقوام الأخرى.
وإن مدينة الجزيرة تقع في ولاية ديار بكر على نهر دجلة في منطقة بوتان، وهي تُعدّ مهداً للأمة الكوردية، ومنها توزّع الكورد، وفيها ظهرت الحركة القومية الكوردية.
وإن منطقة درسيم، التي تقع بين النهرين اللذين يشكلان الفرات، يفوق فيها عدد الأكراد عدد غير الأكراد بثماني مرات.
وفي أودية أرضروم والأقسام الجنوبية الشرقية يشكّل الأكراد الأكثرية الساحقة.
3- في كوردستان سوريا
يسكن الأكراد في حلب أيضاً، وهناك مستعمرات كوردية متفرقة في سوريا حوالي جبال دمشق، وفيها محلات كوردية، ويشكلون نسبة 10–12% من سكان سوريا.
عرف الجغرافيون الإغريق في أوائل القرون الميلادية معرفة جيدة مناطق «الكوردوئين» الكوردية، وهي لا تزال قائمة على نهر دجلة، ويسمونها «فينيك». وعليه يمكننا المقارنة بين كلمة «كوردوئين» وكلمة «كورجيا»، أي بلاد الأكراد، التي ذكرها الأرمن الأرشاكيون. وكانت الأقسام الجنوبية الشرقية من كوردستان المركزية (كوردستان تركيا) واقعة تحت حكم أسرة هايكان الأرمنية، وكانت مستقلة لا تدخل ضمن دولة الأخمينيين، ثم خضعت للإسكندر المقدوني الكبير، وللأرمن الأرشاكيين، وللإسكندر بن مارك أنطوني وكليوباترا، وللبارثيين، وللرومان، وللساسانيين (أردشير وشابور)، وللأباطرة الرومان من جالبيري إلى جوليات، وللساسانيين مرة أخرى، وللإمبراطورية البيزنطية (فيودوس)، وللعرب المسلمين الذين فتحوا الإمارات الأرمنية في فتوحاتهم، وأخيراً للأسرة الكوردية الأولى المستقلة (المروانية) التي حكمت بين عامي 990 و1096م.
إذاً نلاحظ عدم استقرار المنطقة الكوردية (كوردستان)، حيث حدثت فيها غزوات كثيرة؛ ففي القرن الحادي عشر استولى السلاجقة الأتراك على المنطقة، ثم اضطر الأكراد إلى النضال ضد المغول، وفي القرن الثالث عشر ظهر غزاة آخرون من الغرب (الأتراك العثمانيون 1299). وفي سنة 1514م (معركة جالديران) صار مصير الأكراد وكوردستان مرتبطاً بالعثمانيين، وأناط السلطان العثماني سليم الأول إدارة كوردستان بعد احتلالها بالمقرّب منه المؤرخ الحكيم إدريس البدليسي، وهو من أبناء بتليس.
وبحسب كتاب «الشرفنامه» كانت الضفة اليسرى الغربية من نهر الفرات، وجميع مناطق الضفة الشرقية من نهر مرادسو تقريباً، تحت حكم الإمارات الكوردية، وكانت إمارة بتليس أكبر الإمارات الكوردية، وأميرها شرف خان البدليسي مؤلف كتاب «الشرفنامه».
ونلاحظ عدم تمكن السلاطين العثمانيين من السيطرة على الإمارات الكوردية، ولكن هذه الحالة انتهت في القرن التاسع عشر عندما رفض المصلح التركي الكبير السلطان محمود الثاني قرار السلطان سليم الأول بشأن الأكراد، أي أراد احتلال كوردستان، وقد تم ذلك سنة 1834م، حيث قاد الحملة محمد رشيد باشا، وأصبح الأكراد من مواطني الدولة العثمانية بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
وعليه قام الأكراد بحركة قومية بين عامي 1843 و1846م بقيادة بدر خان باشا، وعلى أثرها أُسر بدر خان باشا ونُفي إلى جزيرة كريت. وفي أيام حرب القرم (1853–1856) ضد روسيا قام الأمير الكوردي يزدان شير، ابن عم بدر خان باشا، بالحرب والمطالبة بدولة كوردية في هكاري وبوتان سنة 1855م، واحتل بتليس والموصل، وانحدر جنوباً فاستولى على جميع الأراضي التي تقع بين وان وبغداد، ولكنه أُسر بالخدعة العثمانية المعروفة.
كلمة كوردستان
لقد كتب الكثير من الباحثين عن كوردستان وعن موطن الأكراد، ومنهم من قال عن كلمة كوردستان:
كوردستان مصطلح جغرافي ظهر لأول مرة في القرن الثاني عشر الميلادي في عهد السلاجقة الأتراك، فقد فصل السلطان السلجوقي سنجر القسم الغربي من إقليم الجبال ووضعه تحت حكم قريبه سليمان شاه.
وكان هذا القسم الغربي من إقليم الجبال يضم الأراضي الممتدة من أذربيجان ولورستان وهمدان وكرمنشاه، بالإضافة إلى المناطق الكوردية الواقعة غرب جبال زاغروس، مثل شهرزور وكويسنجق.
كلمة كوردستان تعني بلاد الأكراد، وهي منطقة واسعة لا حدود سياسية لها، وكانت هذه المنطقة تضم عدة ولايات كوردية تفصل بينها سلسلة جبال زاغروس الكوردية.
ينتشر الأكراد حالياً بين أذربيجان وأرمينيا في الاتحاد السوفيتي (السابق)، وفي شرق تركيا (كوردستان تركيا)، وشرق العراق وشماله (كوردستان العراق)، وغرب إيران (كوردستان إيران)، وشمال سوريا وشرقها (كوردستان سوريا)، بين خطي عرض (34 – 39) وخطي طول (30 – 40) شرقاً و(37 – 48) غرباً.
الأكراد في العراق يقطنون في محافظات السليمانية وأربيل ودهوك وكركوك، وفي جزء كبير من محافظتي ديالى والموصل.
بعض الوقائع والحقائق الأثرية في كوردستان العراق
إن قرية جرمو الواقعة في جمجمال بين كركوك والسليمانية هي أقدم قرية في الشرق الأوسط، وهي كوردية، وهذا دليل على وجود الكورد في منطقتهم كوردستان منذ القدم (منذ آلاف السنين).
وكذلك موقع بردة بلكة ومغارة هزار ميرد في المنطقة نفسها، ومغارة شانيدر قرب راوندوز التي اكتُشف فيها أول هيكل عظمي لإنسان العصر الحجري في العراق، وهذا دليل على أن المنطقة الكوردية في كوردستان العراق كانت مسكونة من قبل القبائل الكوردية منذ القدم (منذ آلاف السنين).
إذاً كانت هذه المنطقة الكوردية (كوردستان العراق) مسكونة من قبل الكورد قبل آلاف السنين.
وكذلك «لافا» أي «عرفا» في كركوك، وهي حضارة أثرية تعود إلى الأكديين الكورد.
إن السجلات السومرية لا تترك شكاً في أنه منذ سنة 2000 ق.م كان هناك شعب كوردي يدعى «كوتو» أو «كوتي»، وسمّاهم الآشوريون فيما بعد «كرتي»، وهم أكراد سكنوا المنطقة الكوردية في أواسط نهر دجلة، من منطقة بوتان وجبل الجودي إلى سلسلة جبال زاغروس الكوردية شرقاً. أما العلامة مينورسكي فيقول إن الأكراد ينحدرون من أصل آري، إلا أنهم امتزجوا بعناصر كوردية أخرى.
أما سدني شميت، الخبير البريطاني في شؤون الآثار القديمة، فيقول إن الشعب الكوردي هو أحد الأقوام الهندية الأوروبية، قدم إلى كوردستان في الوقت الذي قدم فيه الميديون الكورد إلى ميديا والإيرانيون إلى إيران، ويستند سدني شميت إلى النقوش الآشورية التي يرجع تأريخها إلى سنة 650 ق.م.
أرض الكورد كوردستان
كوردستان أرض من دون حدود، ومن البديهي أن يكون سكانها من الأكراد، وقد أُطلق هذا الاسم (كوردستان) على تلك الأراضي الكوردية مع مرور الزمن وتعاقب الأجيال الكوردية، أما حدودها، زيادةً أو نقصاناً، فكان لا بد لها أن تتغير من عصر إلى آخر.
فمثلاً كوردستان تركيا اليوم لم يُحدَّد لها شكل رسمي على أي خارطة، غير أنها كانت ظاهرة ومحددة إبان الحكم العثماني.
وفي كوردستان إيران تشير الخارطة إلى الإقليم الغربي (كوردستان) الذي يضم جميع الأكراد الموجودين في كوردستان إيران.
كوردستان تشكّل العمود الفقري للشرق الأوسط، حيث إنها تقوم في قلب آسيا الصغرى، وتحتل القسم الجبلي الأكبر الذي يمتد بين البحر الأسود وسفوح جبال ميزوبوتاميا، أي بلاد ما بين النهرين (الرافدين دجلة والفرات)، من طرف، وتقابل سلسلة جبال طوروس وهضاب إيران من الطرف الآخر.
إن مساحة كوردستان تعادل تقريباً مساحة فرنسا، أي بحدود 500 ألف كم²، وتشكّل أجزاء كبرى من تركيا وإيران والعراق وسوريا، وعلى الرغم من هذا فإن سكانها الكورد يمتازون ويختلفون بوضوح من حيث الأصالة واللغة والتاريخ عن الأتراك والفرس والعرب.
منطقة كوردستان في خرائط الجغرافيين
من الخرائطيين القدماء الذين أشاروا إلى أرض كوردستان المؤرخ والجغرافي واللغوي الشهير محمود الكاشغري (1008–1102)، الذي ألّف كتاب «ديوان لغات الترك» ونشر فيه خريطة أشار فيها إلى كوردستان باسم «أرض الأكراد»، وجعل حدودها أرض العراقيين (عراق العجم) وأرض خراسان وأذربيجان والشام ومصر. ولا شك أن عبارة «أرض الأكراد» ترجمة حرفية لكلمة كوردستان، إذ إن لفظة «ستان» أو «استان» تعني في اللغة الفارسية بلاداً أو أرضاً.
وفي خريطة رسمها الرحالة والتاجر والمستكشف الهولندي يان هويغن فان لينسخوتن عام 1596 تظهر منطقة مكتوب عليها (Curdi) أسفل منطقة أرمينيا إلى الغرب من بحيرة وان، وأعتقد أنه يقصد بها أرض الكورد. وهذه من أقدم الخرائط التي يظهر فيها هذا الاسم (كورد). وقد دأبت كثير من الخرائط السابقة عليه، وحتى بعض اللاحقة، على تسمية أرض الكورد الواقعة بين نهري دجلة والفرات بالتسمية التاريخية المعروفة، وأقصد «ميزوبوتاميا»، وتعني بلاد ما بين النهرين.
ولعل هذه أول إشارة ظهرت في خرائط الأوروبيين الذين اهتموا بالمنطقة الجغرافية وحاولوا رسم حدودها ومناطق توزع الأقوام فيها. ويمكننا القول إن اسم الكورد ظهر في الخرائط الأوروبية منذ أكثر من أربعة قرون، وسنبقى عند هذه المعلومة إلى أن نكتشف المزيد في الخرائط القديمة التي أصبحت أثرية. أما اسم كوردستان، وطناً كوردياً أو منطقة يسكنها الأكراد، فيعود إلى عام 1680، أي إلى ما قبل ثلاثمئة وأربعين عاماً من الآن، عندما نشر الهولندي فريدريك دي فيت (1630–1706) خريطته التي رسم فيها بلاد العثمانيين وإيران وأرمينيا وجورجيا وغيرها من بلدان الشرق الأوسط.
في خريطة فريدريك دي فيت هذه تظهر كوردستان بالحروف اللاتينية على الشكل التالي: (Churdistan)، وهو إملاء غريب نوعاً ما لم يُتداول كثيراً، إذ شاع الاسم (Kurdistan) أو (Kurdestan) وحتى (Curdistan) في الخرائط التالية لخريطة دي فيت، كما عند الخرائطي الإنكليزي الشهير إيمانويل بوين (1714–1767).
كان الخرائطي إيمانويل بوين رسام خرائط رسمياً عند الملك الإنكليزي جورج الثاني، وكذلك عند الملك الفرنسي لويس الخامس عشر. وعلى الرغم من قدراته الكبيرة ومجهوداته الواسعة في سبيل تأمين خرائط لهذين الملكين تساعدهما على فتح بلدان جديدة واحتلالها، فقد مات فقيراً، وورث عنه ابنه توماس الفقر وحب الخرائط.
وما يهمنا من أمر هذا العالم الجغرافي إيمانويل بوين أنه رسم خريطة للبلاد العثمانية ضمّنها كوردستان أيضاً، واللافت للانتباه أن حدود كوردستان في هذه الخريطة تختلف عن حدودها عند سلفه الهولندي فريدريك دي فيت.
نرى في خريطة إيمانويل بوين المرسومة عام 1680 أن كوردستان عبارة عن دائرة بيضوية الشكل تقريباً تحيط ببحيرة أورمية من كل الجوانب، بينما كانت كوردستان في خريطة فريدريك دي فيت منزاحة إلى الغرب، وعبارة عن منطقة كوردية شاسعة تتوزع بين الحدود الغربية لبحيرة أورمية وحتى نهر دجلة الذي يفصلها عن ولاية ديار بكر وجنوبي بحيرة وان.
وفي عام 1711 رسم الفرنسي هنري شاتلان خريطة ضمّنها كوردستان بلفظ (Curdistan)، وحدودها تقريباً هي الحدود نفسها لدى الإنكليزي إيمانويل بوين.
أما في الخريطة التي رسمها عالم الرياضيات ورسام الخرائط الفرنسي روبرت بون لبلاد فارس عام 1771، فتبدو ملامح كوردستان أكثر وضوحاً مما لدى سابقيه (الفرنسي هنري شاتلان والإنكليزي إيمانويل بوين)، فهي تضم كركوك والموصل وحتى حدود همدان شرقاً. ونجد لدى هذا العالم الفرنسي روبرت بون خريطة أخرى رسمها بعد ستة عشر عاماً، وقد ظهرت فيها هذه المرة حدود كوردستان وقد وصلت إلى ملتقى نهري دجلة والزاب الصغير.
إن اختلاف حدود كوردستان جغرافياً يعود، في رأيي، إلى اختلاف مصادر هؤلاء الرحالة والجغرافيين (الخرائطيين) ومعلوماتهم، إضافة إلى الغموض الذي كان يكتنف هذا الاسم: هل هو فقط المنطقة الجغرافية (كوردستان) التي يوجد فيها الكورد؟ فمثلاً لم يضم جميع رسامي الخرائط ديار بكر الكوردية ومناطق من جنوبي كوردستان إيران الحالية إلى حدود كوردستان التي رسموها، ولكن تلك المناطق بالتأكيد كانت تضم قبائل من الشعب الكوردي مستوطنة فيها منذ زمن قديم.
بالإضافة إلى ذلك فإن الولايات الكوردية التي رسم حدودها أولئك الأوروبيون لم تحمل الصبغة القومية الكوردية، فهم يكتبون مثلاً ولاية ديار بكر أو الجزيرة أو أرضروم دون أن يحددوا القوميات التي تسكن فيها (وهم الكورد).
ونستطيع القول أيضاً إن معلومات أولئك الرحالة كانت مغلوطة وخاطئة أحياناً، وتعتمد على التصور الجغرافي للمنطقة أو على الخيال، دون أن يكون الرحالة قد زار المنطقة الجغرافية لكوردستان بالفعل وعاين حدودها والقوميات التي تعيش فيها، بل وصل الأمر بأحد مصوري الخرائط إلى أن رسم اليمن في وسط شبه الجزيرة العربية، على حدود ما يُعرف حالياً بقطر والبحرين.
الأنهار والطبيعة في كوردستان
في كوردستان نهرا دجلة والفرات وروافدهما المتعددة (مرادسو، والخابور، ونهر الزاب، وديالى «سيروان»)، التي تخترق جبال كوردستان بتعاريجها وفجواتها فوق الصخور وفي منحدرات عميقة، فتضفي جمالاً أخّاذاً يزيد في روعة تلك المناظر الطبيعية في كوردستان، كما تُسهم في خصوبة أرض الوديان الكثيرة، ذلك الخصب الذي يتمثل غالباً في منحنيات الفرات الكبيرة، مثل سهل أورفة. ونهر دجلة يغذّي ديار بكر والجزيرة ووادي موش الكورديات، وهو وادٍ غني جداً بخصبه، ووديان نهري الزاب حول مدينتي أربيل وكركوك الكورديتين.
بهذه العناصر الطبيعية الأخّاذة نرى أن البلاد لا تفتقر إلى الجمال الطبيعي، فهي جميلة جداً، كما يتجلى في أهازيج الصبية التي تحكي عن جمال تلك الطبيعة الجغرافية الكوردية الساحرة، لذلك ترى ما يدفعك إلى المقارنة بين سحر جمال الحبيب وسحر الطبيعة الكامن في المنطقة الجغرافية الكوردية في كل مكان، كأزهار أشمخان (شيخان)، وتفاح ملاطية، وعنب سنجار، وما يشير إليه جمال المنحدرات الجبلية الصخرية المغطاة بالأشجار الطبيعية في سيبان وكلاط، إلى الينابيع الثرّة التي تتدفق من بنغول (Bingöl)، أي جبال بنغول داغ عند أرضروم غرب جبال آرارات، حيث منابع دجلة والفرات في تلك المنطقة الجغرافية من كوردستان، لتروي حدائق مريغان. هناك نهر يخترق القرية بروعته، وهناك الأثمار وأشجارها التي تزيّن كل مكان، والثلوج التي تغطي القمم الجبلية كالقنديل، وعجائب فاتنة أخرى يتغنى بها المنشد، فيصف بها سحر حبيبته أو سحر جمال الطبيعة الجغرافية التي يحيا في أرجائها.
إلا أن الحياة ليست شاعرية بكل معنى الكلمة، لأن الطبيعة قاسية جداً؛ ففيما ترى الثلوج تتوّج الجبال وتسبب البرد والصقيع، ترى الطقس حاراً ومحرقاً في مناطق أخرى في الجنوب. وتستمر الأمطار من تشرين الثاني (نوفمبر) حتى نيسان (أبريل). وهكذا فإن واقع الطبيعة القاسية هو الذي يمنح القوة والصلابة لسكان الجبال من الأكراد، وهو ما استثمرته بريطانيا في سياستها اللاحقة تجاه الكورد.
بريطانيا وكوردستان بعد الحرب العالمية الأولى
ورثت بريطانيا المحتلة أرض العراق خلال الحرب العالمية الأولى، بما فيها أرض كوردستان الكبرى. فهي من الناحية الفعلية تمارس سياسة نشيطة مع العائلة القاجارية الحاكمة في إيران، وتركيا ليس لها صوت مسموع في السياسة البريطانية بعد هزيمتها في الحرب العالمية الأولى، أما الملك العراقي فيصل الأول (لاحقاً) فهو مكبّل اليدين بفعل المحتل البريطاني في كل ما يمتّ إلى الكورد بصلة. أما ما يُعرف حالياً بكوردستان العراق أو كوردستان الجنوبية، فقد أُلحقت ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية بالعراق الجديد، كما كانوا يقولون عن كوردستان الشمالية (كوردستان تركيا اليوم) إن إلحاقها بولاية ديار بكر «مؤجَّل». وفي مجال الإدارة (جغرافية المنطقة) فقد ورث الساسة البريطانيون ثلاثة سناجق لولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية، وهي:
- سنجق المركز (الموصل)، وتتبعه أقضية: دهوك وزاخو والعمادية وعقرة.
- سنجق كركوك، وتتبعه أقضية: أربيل ورانية وراوندوز وكويسنجق وكفري.
- سنجق السليمانية، وتتبعه أقضية: بازيان وحلبجة وشهرزور ومركه سور.
إن نقطة الإثارة لدينا نحن الكورد هي كثرة الاتهامات الموجهة إلى السياسة البريطانية بعدم الاستجابة لمطالب الكورد في إنشاء دولة كوردستان مستقلة لهم بعد الحرب العالمية الأولى، في حين رأى ساسة لندن أن الكورد، المختلفين على من يمثلهم ويتكلم باسمهم وعن مطالبهم، يبالغون في مقاصدهم. وكثيراً ما تردّد على ألسنة ساسة لندن وباريس القول: لماذا لم يمنحكم المسلمون العثمانيون والإيرانيون ذلك الحق وأنتم تدينون بدين الإسلام أيضاً؟ أو هل من المنطق في شيء أن تقوّض إمبراطورية إسلامية، كالدولة العثمانية والدولة الفارسية الإيرانية، دولة كوردية إسلامية بجوارها؟ أم أن السبب هو النفط المكتشف في إيران والعراق في بداية القرن العشرين، واندفاع القيصر الألماني إلى استثماره ما دام قريباً من قلب السلطان العثماني عبد الحميد الثاني الذي رفض هجرة اليهود إلى فلسطين؟ أو ربما جال في عقول عرب العراق وكورده أن المنافسة البريطانية الفرنسية على استثمار الملاحة في نهري دجلة والفرات ستبعدهما تماماً عن منطقة الشرق الأوسط وكوردستان، وعن إيران النفطية الواقعة على حدود الدولة الروسية. لقد نسّقت بريطانيا الاستعمارية مواقفها السياسية مع شريكتها فرنسا لقتل الشعور الوطني والقومي لدى العرب والكورد.
أجزاء «موطن الكورد (جغرافية كوردستان)» (2 أجزاء):
- الجزء الأول (هذا الجزء)
- الجزء الثاني