الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
من الدول الكوردية في التاريخ الإسلامي والحكومات الكوردية في العهد الإسلامي (الجزء الثالث)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
ب. الأسرة الأيوبية الكوردية
تؤكد الروايات التاريخية الموثّقة أن صلاح الدين الأيوبي هو يوسف بن نجم الدين أيوب بن شادي (شاذي) بن مروان، وتنتسب أسرته إلى عشيرة رُوادي (رواندي = روندي) الكوردية، و«روند» بالكوردية تعني «الرحّال، المتنقّل»، وهي فرع من قبيلة هذباني الكبيرة القاطنة في منطقة دَوِين (دُوِين) في أرمينيا. وجدير بالذكر أن ثمة بلدة تحمل هذا الاسم في منطقة أربيل (جنوبي كوردستان)، وكانت عاصمة لحكومة سوران الكوردية فترة من الزمن، وذكر محمد أمين زكي أن قسماً كبيراً من قبيلة هذباني كان يسكن تلك الجهة في عهد الأتابكة الأتراك، أما دوين الأرمينية فكانت مركز الحكومة الشدادية الكوردية (340–465هـ).
وعُيّن نجم الدين أيوب بن شادي بن مروان، في عهد السلطان السلجوقي ملكشاه، والياً على تكريت بمساعي صديقه مجاهد الدين بهروز قائد شرطة بغداد. وفي سنة 526هـ اشتبك أتابك الموصل عماد الدين زنكي في معركة ضد الخليفة العباسي وأنصاره من السلاجقة الأتراك، ولحقت به الهزيمة، فتقهقر إلى الموصل، ومرّ في طريقه بقلعة تكريت حيث نجم الدين أيوب، فأحسن نجم الدين استقباله، وسهّل له ولجنده عبور دجلة بسلام، ويسّر له النجاة، فأثار بذلك غضب حكومة بغداد.
وزاد الأمرَ تعقيداً أن أسد الدين شيركوه، أخا نجم الدين أيوب، قتل واحداً من كبار الضباط في حامية قلعة تكريت بسبب تحرّش ذلك الضابط بامرأة، فطلب بهروز قائد شرطة بغداد من نجم الدين أيوب مبارحة تكريت. ووُلد صلاح الدين الأيوبي سنة 532هـ/1137م في الليلة ذاتها التي رحل فيها أبوه من تكريت متوجّهاً إلى عماد الدين زنكي في الموصل، وقد أكرمه عماد الدين زنكي، وعيّنه حاكماً على قلعة بعلبك في لبنان حين بدأ هجومه على سوريا سنة 534هـ.
وبعد اغتيال عماد الدين زنكي تقاسم أولاده البلاد، واستغلّ حكّام الشام من بني أرتق الوضع، فسيطروا على بعلبك بعد أن تقاعس الزنكيون عن نجدة نجم الدين أيوب، فأصبح نجم الدين تابعاً للأراتقة مرغماً، وانتقل معهم إلى دمشق، وأصبح قائد جند الشام كافة، أي «وزير الدفاع». أما أسد الدين شيركوه فعمل تحت إمرة نور الدين زنكي، وتدرّج في المناصب حتى أصبح من أكبر قادة الجيش الزنكي، لما كان يتميّز به من مواهب عسكرية وبسالة. واستطاع نور الدين زنكي فتح بلاد الشام ودخول دمشق بمساعدة من نجم الدين أيوب، وكافأه على ذلك مكافأة كبرى.
وكانت مصر حينذاك مركز الخلافة الفاطمية، غير أن تلك الدولة كانت تعاني الضعف، وأصبحت ألعوبة في أيدي الوزراء والقوّاد والنساء في القصر الفاطمي، الأمر الذي أحدث كثيراً من الاضطرابات، وأسال لعاب الأطماع الفرنجية. وقد استعان الخليفة الفاطمي العاضد لدين الله بالسلطان نور الدين زنكي لينقذ البلاد من صراع الوزيرين ضرغام وشاور ومن هجوم الفرنج، فانتدب نور الدين قائده المحنّك أسد الدين شيركوه لهذه المهمة، وأرسل معه ابن أخيه الشاب صلاح الدين يوسف الأيوبي.
بدأت حملة أسد الدين شيركوه الأولى سنة 559هـ/1164م، وأتبعها بحملة ثانية سنة 562هـ/1166–1167م، وبحملة ثالثة سنة 564هـ/1168م. واستطاع، بعد حروب ضارية ضد ملك القدس الفرنجي أموري الأول والوزير المصري شاور المتآمر مع الفرنج، أن يُخرج الفرنج من مصر، ويقضي على ألاعيب الوزير المتآمر شاور، فعيّنه الخليفة الفاطمي وزيراً بدلاً من شاور، وكان كل ذلك بمشاركة مباشرة من ابن أخيه صلاح الدين الأيوبي.
ج. عهد التأسيس للدولة الأيوبية
بعد وفاة أسد الدين شيركوه سنة 564هـ/1169م أسند الخليفة الفاطمي العاضد منصب الوزارة إلى صلاح الدين الأيوبي. وكان لا بدّ من توحيد صفّ شعوب غربي آسيا في مواجهة الهجوم الفرنجي، وما كان ذلك ليتحقق والمنطقة منقسمة بين خلافتين متناحرتين: العباسية في بغداد، والفاطمية في القاهرة. وباشر صلاح الدين الأيوبي، وهو مرغم، عملية التغيير بإلحاح شديد من الخليفة العباسي، وبأمر من نور الدين زنكي، فأُلقيت أول خطبة في مصر باسم الخليفة العباسي المستضيء بأمر الله في أول جمعة من شهر محرم سنة 567هـ/1171م.
وكان الخليفة الفاطمي العاضد مريضاً يعيش أيامه الأخيرة، فأمر صلاح الدين بإخفاء الخبر عنه رحمةً به، فتوفي في السنة نفسها (567هـ/1171م) وهو لا يعلم بقطع الخطبة الفاطمية في مصر. وأصبحت مصر وما يتبعها من بلاد تحت سلطة صلاح الدين الأيوبي، التابع بدوره للسلطان نور الدين محمود زنكي، وهكذا تمّ توحيد مصر والشام في مواجهة الغزو الفرنجي.
غير أن بعض كبار القادة الذين رافقوا أسد الدين شيركوه إلى مصر، وخاصة التركمان بقيادة عين الدولة الياروقي، لم يرضوا بصلاح الدين قائداً عاماً، وكانوا يرون أنهم أجدر منه بالمنصب، لذا تركوا مصر وتوجّهوا إلى دمشق، وراحوا يوغرون صدر السلطان نور الدين زنكي على صلاح الدين، ويوهمونه بأنه يحاول الاستقلال بحكم مصر.
ويبدو أن نور الدين زنكي كان يفكّر في الاتجاه نفسه، لذا شرع يستفزّ صلاح الدين على نحو متعمَّد، ويضيّق عليه، بغية استدراجه إلى إعلان العصيان، فيكون عصيانه حجة لإزاحته أو القضاء عليه. ذكر أبو شامة (ت 665هـ) في هذا الصدد: «أن نور الدين لما اتصل به وفاة أسد الدين، ووزارة صلاح الدين، وما انعقد له من المحبة في قلوب الرعايا، أعظم ذلك وأكبره، وتأفّف منه وأنكره، وقال: كيف أقدم صلاح الدين أن يفعل شيئاً بغير أمري؟ وكتب في ذلك عدة كتب، فلم يلتفت الملك الناصر إلى قوله، إلا أنه لم يخرج عن طاعته وأمره».
كان صلاح الدين الأيوبي أذكى من أن يقع في الخطأ، فتحلّى بالصبر، واسترشد بآراء والده نجم الدين أيوب السديدة، وحرص على تجنّب الاصطدام بالسلطان نور الدين زنكي. وذكر صلاح الدين محنته مع مضايقات نور الدين له قائلاً: «والله لقد صبرت منه على حزّ المدى ووخز الإبر، وما قدر أحد من أصحابه أن يجد عليّ ما يعتدّه ذنباً، ولقد اجتهد هو نفسه أيضاً أن يجد لي هفوةً ويعتدّها عليّ فلم يقدر، ولقد كان يعتمد في مخاطباتي ومراسلتي الأشياء التي لا يُصبر على مثلها، لعلّي أتضرّر أو أتغيّر، فيكون ذلك وسيلة إلى منابذتي، فما أبلغته أربه يوماً قط».
وبوفاة السلطان نور الدين زنكي سنة 569هـ/1174م دبّ الخلل في التوازن العسكري بين المسلمين والفرنج، وكانت الدولة الزنكية تمتد من النوبة غرباً وجنوباً إلى جوار همذان شرقاً وشمالاً، لا يتخلّلها سوى بلاد الفرنج. وقد تسلّم الملك الصالح إسماعيل السلطة بعد وفاة والده، وله من العمر خمسة عشر عاماً، لكن رجال والده وقوّاد جيشه استأثروا بالحكم، وثار عليه بعض أقاربه، ونازعوه السلطة. وكان لا بدّ من توحيد شعوب غربي آسيا مرة أخرى للوقوف في وجه الفرنج، خاصة أن الأمور في بلاد الشام ازدادت سوءاً.
عندئذٍ تحرّك صلاح الدين الأيوبي بجيشه من مصر إلى سوريا، بعد أن راسله الأمراء في دمشق، وحصل على تأييد الخليفة العباسي في بغداد، فدخل دمشق سنة 570هـ، ونظّم شؤون البلاد. واضطرّ إلى خوض معركة فاصلة ضد الحلف الزنكي الذي كان بقيادة الملك الصالح إسماعيل وابن عمه سيف الدين زنكي، وجرت المعركة على مقربة من حماة سنة 570هـ، فانتصر صلاح الدين على الزنكيين، وبسط نفوذه على سائر الديار الشامية. وتوسّع نفوذه فشمل اليمن سنة 569هـ، وسنجار وآمد سنة 578هـ، وحلب سنة 579هـ، وميّافارقين سنة 581هـ، وامتدت الدولة الأيوبية في عهده من سنجار والموصل شرقاً إلى تونس غرباً، ومن ميّافارقين والأناضول شمالاً إلى اليمن والسودان جنوباً.
د. طور القوة والصراع الأيوبي ضد الفرنج
أوقف صلاح الدين الأيوبي حياته على محاربة الفرنج في مصر والشام، وظلّ كذلك إلى آخر حياته. فمنذ أيامه الأولى في مصر اتفق ملك بيت المقدس الفرنجي عموري (أموري) الأول وإمبراطور بيزنطة مانويل كومنين على ضرب مشروع الوحدة بين مصر والشام، وقاما بغزو مصر برّاً وبحراً عن طريق دمياط سنة 565هـ/1169م، وأصبح موقف الأيوبيين في دمياط حرجاً جداً. لكن صلاح الدين أصرّ على المقاومة، وكلّف ابن أخيه تقي الدين عمر، وخاله شهاب الدين محمود الحارمي، بالدفاع عن دمياط، وأمدّه السلطان نور الدين زنكي بالمعونة، واستطاع في النهاية إلحاق الهزيمة بالتحالف الفرنجي–البيزنطي.
واستثمر صلاح الدين انتصاره في دمياط، فانتقل من الموقف الدفاعي إلى الموقف الهجومي، وخرج من مصر سنة 566هـ/1170م لمهاجمة قلاع الفرنج في الأردن، فوجد الفرنج أنفسهم بين فكَّي كمّاشة: صلاح الدين من الجنوب (مصر)، ونور الدين زنكي من الشمال (بلاد الشام).
وبعد أن تسلّم صلاح الدين السلطنة في الدولة الأيوبية كان عليه البدء بتوحيد جبهة شعوب المنطقة، لذا عاد إلى الإستراتيجية الدفاعية، ليحمي أملاك الناس وأراضيهم من ناحية، وليمنع التعاون بين الفرنج والقوى المتخاذلة في بلاد الشام من ناحية أخرى، تلك القوى التي شغلتها شهوة الحكم عن رؤية الخطر الخارجي. وما كاد ينتهي من القضاء على القوى المتخاذلة، وكان يقودها آل زنكي ومن يرتزقون باسمهم من القوّاد، حتى عاد مرة أخرى إلى إستراتيجيته الهجومية ضد الفرنج، فبدأ بالهجوم على عسقلان سنة 573هـ/1177م. وكانت الحرب سجالاً بين الفريقين: فالفرنج يحاولون جاهدين تمزيق وحدة شعوب الشرق الأوسط جغرافياً، وصلاح الدين يبذل كل جهوده لصيانة تلك الوحدة وتدمير مراكز القوة الفرنجية.
وأصبحت الدولة الأيوبية أكثر قوة بعد ضمّ الموصل وحلب، وغدت مرهوبة الجانب إقليمياً وخارجياً. أما إقليمياً فقد اعترف بها الخليفة العباسي، وأيّدها أمراء المسلمين رغبةً أو رهبة. وأما خارجياً فقد فرضت احترامها على الدول المحيطة، وامتلكت أسطولاً بحرياً قوياً قام بعمليات عسكرية كبرى في البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط. وتمكّن صلاح الدين من تحقيق النصر على جيوش الفرنج مجتمعةً في معركة حطّين سنة 583هـ/1187م، ثم فتح كثيراً من المدن الساحلية، وتكلّلت جهوده بفتح بيت المقدس سنة 583هـ/1187م.
وتصدّت الدولة الأيوبية في عهد صلاح الدين للحملة الصليبية الثالثة التي بدأت سنة 585هـ/1189م، وكانت بقيادة إمبراطور ألمانيا فريدريك بربروسا، وتبعه بعدئذٍ فيليب أوغست ملك فرنسا سنة 587هـ/1191م، ثم وصل ملك إنكلترا ريتشارد قلب الأسد في السنة ذاتها، وكان الهدف استعادة القدس من الأيوبيين. وكان على صلاح الدين أن يحارب بعتاده وجَلَده أضخم الجيوش الأوروبية وأقواها في ذلك العصر، وبعد معارك ضارية وصراع طويل مرير دحر الغزو الفرنجي، وألحق الهزيمة بالحملة الصليبية الثالثة.
وبعد وفاة صلاح الدين الأيوبي سنة 589هـ/1193م اقتسم أولاده الدولة، ودبّت الخلافات الحادة فيما بينهم، وما لبث أن سيطر عمّهم الملك العادل، أخو صلاح الدين، على الحكم سنة 596هـ/1200م، وأعاد توحيد الدولة الأيوبية تحت سلطته ثانية، واستمرّ في مقاتلة الفرنج، ولا سيما في أثناء الحملة الصليبية الخامسة (615هـ/1218م). وبعد وفاة الملك العادل في السنة نفسها تابع ابنه الملك الكامل سياسة والده في المحافظة على تماسك الدولة ومواجهة الفرنج، رغم النزاعات التي كانت تدبّ بين أمراء البيت الأيوبي.
وظلّ الصراع قائماً بين الأيوبيين والفرنج خلال الحملة الصليبية السادسة سنة 625هـ/1228م، وقد قاد هذه الحملة فريدريك الثاني إمبراطور ألمانيا بضغط من البابا غريغوري التاسع. وختمت الدولة الأيوبية كفاحها بالوقوف في وجه الحملة الصليبية السابعة، وكانت بقيادة ملك فرنسا لويس التاسع (646–647هـ/1248م)، وكانت وجهتها مصر، مركز السلطة الأيوبية الرئيسي، وقد حقق الأيوبيون النصر على الفرنسيين في مدينة المنصورة، وأسروا الملك لويس التاسع سنة 648هـ/1250م.
هـ. زوال الدولة الأيوبية
بوفاة السلطان الصالح نجم الدين أيوب سنة 647هـ/1249م انحدر نجم الأيوبيين في مصر إلى الأفول، إذ تولّى الحكم بعده ولده الملك المعظم تورانشاه. ويبدو أن دسائس البلاط الأيوبي فيما مضى كانت قد أفسدت العلاقة بينه وبين والده أيام كان وليّاً للعهد، فأبعده السلطان الصالح عن مصر، مركز السلطة الأيوبية، وعيّنه نائباً له في حصن كيفا بشمالي كوردستان.
وبمراجعة الأحداث التي واكبت الحملة الصليبية السابعة، وما وقع بعدها من أحداث، يتضح أن المماليك الأتراك كانوا قد هيمنوا على المراكز المهمة في الدولة الأيوبية، خاصة على الصعيد العسكري، وكان أبرز أعلامهم الأمير فخر الدين، وعز الدين أيبك التركماني، وفارس الدين أقطاي، وبيبرس البندقداري، وقطز.
أما الكورد فكانت قواهم مشتّتة، ورغم ذلك حاولوا الوقوف في وجه المماليك الأتراك، والدليل على ذلك أنه بمجرد وفاة الملك الصالح أسرع الأمير الكوردي حسام الدين بن أبي علي الهذباني، نائب الملك الصالح في القاهرة، بإيفاد رسول إلى حصن كيفا لاستقدام تورانشاه، ووصل رسوله إلى تورانشاه قبل وصول فارس الدين أقطاي رسول شجرة الدر.
وبطبيعة الحال كان المماليك الأتراك في مصر قد أصبحوا أقوى، ولذا بدأ تورانشاه، بعد الانتصار على الحملة الفرنسية، بعزل بعضهم، وعدم تمكين آخرين من المناصب التي كانوا يطمعون فيها، فثارت ثائرة قادتهم. وفي يوم الاثنين 28 من شهر محرم سنة 648هـ/1250م هجموا على تورانشاه في «فارسكور» وهو على مائدة الطعام، وكان بيبرس في مقدمة المهاجمين، وهو الذي ضربه بالسيف، فتلقّى تورانشاه الضربة بيده، فقُطعت بعض أصابعه، فأسرع إلى برج خشبي كان قد نصبه، فأشعلوا النار في البرج، فرمى بنفسه في مياه النيل، فلم ينفعه ذلك، إذ رموه بالسهام، وخاضوا إليه الماء، وقطّعوه بالسيوف، وبقيت جثته على شاطئ النيل ثلاثة أيام لا يجرؤ أحد على دفنها، إلى أن شفع فيه رسول الخليفة العباسي المستعصم بالله، فدُفن.
ولا نحسب أن تورانشاه كان سيّئاً إلى الدرجة التي أُشيعت عنه، ولعل للمماليك الأتراك يداً في الترويج لما أُشيع عنه من خفّة وهَوَج وإقبال على الخمر، إذ يُفهم من الأخبار أنه كان مولعاً بمجالس العلم، ويناظر الفقهاء والعلماء من أمثال العز بن عبد السلام وسراج الدين الأرموي، وكان جدّه الملك الكامل يحبّه لذلك.
كما أن تورانشاه كان يمتاز بقدرات حربية ممتازة، ويجيد إدارة المعارك، ويعرف كيف يوظّف قدرات رجاله على النحو الأمثل في إلحاق الهزيمة بالعدو، وكيف يستثمر النصر لتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب خلال المفاوضات التي تلت أسر الملك لويس التاسع. والدليل على ذلك أمران: أولهما الانتصار على الفرنسيين بمجرد وصوله إلى مصر، رغم أنه كان بعيداً عنها قبل ذلك، وثانيهما الشروط التي استطاع فرضها على الملك الفرنسي خلال المفاوضات.
لكن يبدو مع ذلك أن تورانشاه كان معتدّاً بنفسه أكثر مما يجب، وكان يمنح ثقته أناساً ما كانوا يستحقونها، هذا إضافةً إلى تسرّعه في اتخاذ القرارات الخاصة بأمور الدولة على الصعيد الداخلي، واستهانته بقوة المماليك الأتراك، وعدم مراعاة مكانتهم، فكان يضرب رؤوس الشمع في الليل ويقول: «هكذا أفعل بالبحرية»، ويسمّي كل واحد منهم باسمه.
إن سياسات تورانشاه القاصرة، وتدابيره الارتجالية ضد زوج أبيه شجرة الدر وزعماء المماليك الأتراك، أوصلته إلى تلك النهاية المأساوية، وأدّت بالدولة الأيوبية إلى الزوال. فقد بدأ، على سبيل المثال، بالقضاء على نفوذ كبار رجالات البيت الأيوبي والكورد الآخرين، فأخرج الملك المغيث الأيوبي من قلعة الجبل في القاهرة إلى قلعة الشوبك في الأردن، واعتقله بها، ثم أخرج الملك السعيد الأيوبي من مصر إلى دمشق، وأمر باعتقاله هناك. ولم يكتفِ بذلك، بل أساء إلى الأمير حسام الدين الهذباني أيضاً، فعزله عن نيابة السلطنة بالقاهرة وأهمل شأنه، «بعدما كان عُدّة الملك الصالح وعُمدته».
إن سياسات تورانشاه المرتجلة تذكّرنا بسياسات الملك الميدي الكوردي الأخير أستياك، ونتيجة لذلك بقي تورانشاه في ساعة المحنة وحيداً، ولم يهبّ أحد إلى نصرته، بل إن بعض القادة الكورد الذين أساء إليهم انحازوا إلى صفّ المماليك الأتراك، ومنهم الأمير حسام الدين الهذباني نفسه، فقد ندبه رئيس المماليك ليفاوض الملك الفرنسي بخصوص تسليم دمياط للمسلمين وسائر الشروط الأخرى التي طالب بها المسلمون للإفراج عن الملك الأسير. كما نجد كوردياً آخر يقف مع المماليك الأتراك، وهو الخطيب أصيل الدين محمد بن إبراهيم بن عمر الإسعردي، فقد أوفده المماليك إلى دمشق لاستحلاف الأمراء بها والحصول على البيعة.
و. محاولة يائسة لإعادة الدولة الأيوبية
بعد مقتل تورانشاه تولّت شجرة الدر الحكم، لكن الخليفة العباسي المستعصم بالله عاب على أمراء مصر أن تملكهم امرأة، وكتب إليهم يقول: «إن كانت الرجال قد عُدمت عندكم فأعلمونا حتى نسيّر إليكم رجلاً». فاتفق المماليك الأتراك على إقامة عز الدين أيبك سلطاناً، ولقّبوه بالملك المعزّ، وخلعت شجرة الدر نفسها بعد حكم دام أقل من ثلاثة أشهر.
والحقيقة أن اتفاق المماليك الأتراك على تنصيب عز الدين أيبك سلطاناً لم يأتِ استجابةً لرسالة الخليفة العباسي فقط، وإنما لأن البيت الأيوبي في بلاد الشام تحرّك بقوة لاسترجاع الملك المسلوب. وقد تزعّم تلك الحملة صاحب حلب الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن العزيز محمد بن الظاهر غازي بن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، فقد كتب إليه الأمراء القيمرية الكورد في دمشق «يخبرونه بامتناعهم من الحلف لشجرة الدر، ويحثّونه على المسير إليهم حتى يملك دمشق».
فسار الملك الناصر إلى دمشق، فسيطر عليها وعلى قلعتها بمساعدة الأمير الكوردي ناصر الدين أبي المعالي حسين بن عزيز القيمري، وسمع المماليك الأتراك بذلك فقبضوا على أمراء مصر «الذين ليسوا من الترك»، كما يقول ابن واصل، أي الأمراء الكورد، وأصبح الصراع تركياً–كوردياً بكل وضوح.
وانضمّ ملوك أيوبيون آخرون إلى الحملة ضد المماليك الأتراك، فسيطر الملك المغيث على الكرك والشوبك في الأردن، وسيطر الملك السعيد على غزة وقلعة الصبيبة. وأحسّ المماليك الأتراك بالخطر يداهمهم، فلجؤوا إلى مناورة سياسية بارعة، وقالوا: «لا بدّ من إقامة شخص من بيت الملك مع المعزّ أيبك، ليجتمع الكلّ في طاعته، ويطيعه الملوك من أهله».
واتفق المماليك الأتراك على إقامة الملك الأشرف مظفر الدين موسى بن الملك المسعود يوسف بن الملك الكامل بن الملك العادل الأيوبي سلطاناً، وله من العمر ست سنين، على أن يقوم بتدبير الدولة الملك المعزّ أيبك. وقال المقريزي معلّقاً على هذه المناورة السياسية: «إلا أن الأشرف ليس له سوى الاسم في الشركة، لا غير ذلك، وجميع الأمور بيد المعز أيبك».
والحق أن تنصيب الملك الأشرف مظفر الدين موسى سلطاناً لم يكن، بالنسبة إلى المماليك، إلا حصان طروادة سياسياً، وحققوا بتنصيبه أموراً أربعة:
- الأول: إجهاض حملة البيت الأيوبي بقيادة الملك الناصر، وتمزيق الصف الأيوبي نفسه، والحدّ من التفاف المؤيّدين حوله.
- الثاني: الاحتماء بغطاء سياسي شرعي، باعتبار أن الملك الأشرف من البيت الأيوبي، فلا داعي إلى مناهضته، بل إن مناهضته تعني الخروج على السلطة الشرعية.
- الثالث: استغلال صغر سنّ الملك الأشرف لتمرير سياساتهم الخاصة باسمه، وتقوية مركزهم، وترسيخ نفوذهم.
- الرابع: إمكانية التخلّص من الملك الأشرف الأيوبي بسهولة بمجرّد القضاء على الحملة الأيوبية المناهضة لهم.
ويُفهم من الأحداث أن الصف المملوكي التركي نفسه لم يكن موحّداً بشكل مطلق، فإن فريقاً من العسكر في غزة، بقيادة الأمير ركن الدين خاص ترك، اتفق مع بعض الأمراء على إقامة الملك المغيث صاحب الكرك سلطاناً. فعمد المماليك الأتراك إزاء هذه المنافسة الجديدة إلى مناورة سياسية جديدة على مستوى أوسع، ألا وهي الاحتماء بغطاء الخلافة، واستمداد الشرعية منها. قال المقريزي: «فلما ورد الخبر بذلك نودي في القاهرة ومصر أن البلاد للخليفة المستعصم بالله العباسي، وأن الملك المعز أيبك نائبه بها».
وأخيراً توجّه الملك الناصر الأيوبي إلى مصر بجيش كبير، ومعه من زعماء الأسرة الأيوبية الملك الصالح عماد الدين إسماعيل بن الملك العادل، والملك الأشرف موسى بن المنصور إبراهيم بن شيرگوه، والملك شادي بن الناصر داود، وأخوه الملك الأمجد حسن، والملك الأمجد تقيّ الدين عباس بن العادل، وملوك أيوبيون آخرون، إلى جانب عدد آخر من كبار القادة الكورد، وفي مقدّمتهم الأمير شمس الدين الحميدي، والأمير بدر الدين الزَّرْزاري، والأمير ضياء الدين القَيْمَري.
وعلى الجانب المملوكي التركي دبّ الاضطراب، وقُبض على جماعة من الأمراء المتّهمين بالميل إلى الملك الناصر. وتجاوز الناصر غزّة فالداروم، ووصل إلى التخوم الفاصلة بين الشام ومصر، وخرج إليه الملك المعزّ أيبك بقواته، والملاحظ هنا أن الأمير الكوردي حسام الدين الهذباني كان من أبرز قوّاده، وكان قائداً على ميسرة العسكر المملوكي. والتقى الجيشان قرب العبّاسة، وكانت الجولة الأولى للجند الأيوبي على الجند المملوكي، لكن العصبية التركية لعبت دورها في أشدّ لحظات القتال حرجاً، في حين ظلّ الكورد من أمثال الهذباني مخلصين للجانب التركي، وتلك واحدة من أبرز سلبيات الشخصية الكوردية على مدار التاريخ. قال المقريزي بشأن العصبية التركية: «وكان في ظنّ كل واحد أن النصرة إنما تكون للملك الناصر على البحرية، لكثرة عساكره، ولميل أكثر عسكر مصر إليه، فاتفق أنه كان مع الناصر جمعٌ كبير من مماليك أبيه الملك العزيز، وهم أتراك يميلون إلى البحرية لعلّة الجنسية».
وقال المقريزي أيضاً: «ووقف الناصر في جمع من العزيزية وغيرهم تحت سناجقه، وقد اطمأنّ، فخرج عليهم المعزّ ومعه الفارس أَقْطاي في ثلاثمائة من البحرية، وقرب منه، فخامر عدّة ممن كان مع الناصر عليه، ومالوا مع المعز والبحرية، فولّى الناصر فارّاً يريد الشام في خاصّته وغلمانه، واستولى البحرية على سناجقه، وكسروا صناديقه، ونهبوا أمواله».
إذاً، خسر الأيوبيون المعركة لأن من كان في صفوفهم من المماليك الترك انحازوا إلى أبناء جنسهم، وغدروا بالأيوبيين، وكانوا قوة قتالية مهمة، بدليل كونهم في القلب مع الملك الناصر، وكانت النتيجة وقوع ملوك البيت الأيوبي وقادة الكورد في الأسر، ومقتل بعضهم. والحقيقة أن انحياز المماليك الترك إلى بني جنسهم، ووقوف الأمير الكوردي حسام الدين الهذباني ضد بني جنسه، يذكّر بانحياز القائد الميدي هارباك إلى جانب الملك الأخميني كورش الثاني في الصراع ضد الملك الميدي أستياك.
واستمرّ الصراع المحموم بين البيت الأيوبي بقيادة الملك الناصر والمماليك الأتراك بقيادة المعزّ أيبك، وأخيراً اتفقا سنة 651هـ «على أن يكون للمصريين إلى الأردن، وللناصر ما وراء ذلك، وأن يدخل في ما للمصريين غزة والقدس ونابلس والساحل كله، وأن المعز أيبك يطلق جميع من أسره من أصحاب الملك الناصر، وحلف كل واحد منهما على ذلك، وكُتبت به العهود».
هكذا زالت الدولة الأيوبية بعد أن سطّرت صفحات مجيدة في تاريخ غربي آسيا، لكن بقي للأيوبيين بعض مراكز السلطة على نحو متفرّق، فقد ظلّوا يحكمون في حمص إلى سنة 661هـ، وفي حلب إلى سنة 685هـ، وفي حماة إلى سنة 698هـ، وفي كوردستان الوسطى إلى حوالي القرن العاشر الهجري.
أجزاء «من الدول الكوردية في التاريخ الإسلامي والحكومات الكوردية في العهد الإسلامي» (4 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث (هذا الجزء)
- الجزء الرابع