الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
أسباب غياب الدولة الكوردية
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2015
في أوروبا، وفي منتصف القرن التاسع عشر، خرج الفكر القومي من معطف البرجوازية الغربية، فتأثرت به جميع الشعوب، ومنها الشعب الكوردي. ومما زاد من لهيب المشاعر القومية لدى الأكراد إلحاقُ ولاية الموصل (كوردستان العراق) ذات الأغلبية الكوردية بالدولة العراقية العربية الجديدة المصطنعة، وتعرُّضُ الأكراد في كوردستان إيران لأبشع أنواع الاضطهاد القومي بعد وصول رضا خان بهلوي إلى السلطة سنة 1921، وقيادةُ حركة الاتحاديين الأتراك في تركيا العثمانية لانقلاب عام 1908، ووصولُ القوميين الشوفينيين الأتراك في تركيا بزعامة مصطفى كمال (أتاتورك) إلى السلطة عام 1919، وإزالتُهم خلافة آل عثمان الإسلامية سنة 1923.
فاندلعت الثورات والانتفاضات الكوردية في كوردستان تركيا، مثل انتفاضة الملا سليم أفندي الخيزاني في بدليس عام 1914، وثورة الشيخ سعيد بيران سنة 1925، وثورة إحسان نوري باشا عام 1930، وانتفاضة ديرسم (1937–1938). واندلعت ثورات كوردية في كوردستان العراق، منها ثورة الشيخ محمود الحفيد (1918 – 1922 – 1930)، وثورة الشيخ عبد السلام البارزاني، والد الملا مصطفى البارزاني، في عام 1914، وثورة الشيخ أحمد البارزاني، شقيق الملا مصطفى البارزاني، في عام 1932، والثورات العديدة التي قادها الملا مصطفى البارزاني في السنوات 1945 و1961 و1963 و1966 و1969 و1974. وفي كوردستان إيران قاد الشيخ عبيد الله النهري ثورة عام 1880، وكان الشيخ أول كوردي يدعو إلى تحرير كوردستان وتوحيدها. وقامت في كوردستان إيران ثورة كوردية تزعمها سمكو آغا الشكاكي بدعم من الشيخ محمود الحفيد، واندلعت انتفاضة الأكراد ضد الدولة الإيرانية عام 1925. وفي عام 1931 قاد جعفر سلطان ثورة في همدان، وفي عام 1941 اندلعت ثورة أكراد كوردستان إيران بقيادة الشيخ حمه رشيد خان، ثم قامت جمهورية مهاباد سنة 1946م برئاسة القاضي محمد. وفي عام 1979 قام الحزب الديمقراطي الكوردستاني في كوردستان إيران بثورة شاملة، ردًّا على رفض الخميني مطلب الدكتور عبد الرحمن قاسملو بالحكم الذاتي لكوردستان إيران، فأدت إلى تحرير جميع قرى كوردستان إيران وقصباتها.
ولكن على الرغم من كل المحاولات الكوردية القديمة والجديدة، وخاصة في القرنين التاسع عشر والعشرين، لتشكيل دولة كوردية قومية مستقلة تضم الكيان الكوردي في كوردستان وتحميه من الذوبان ويُكتب لها دوام النجاح والاستمرار، فإن جهود الكورد لم تُكلَّل بالنجاح.
فما الأسباب التي منعت فرسان الشرق وقريش العجم من تشكيل الدولة القومية الكوردية في كوردستان؟
نعتقد أن الجواب كالآتي:
- النفط: إذا كانت الثروة النفطية عامل نعمة لبعض الشعوب، ولعبت دورًا أساسيًّا في نشوء بعض الدول، مثل اتحاد شركات النفط مع بعض القبائل العربية في الخليج وتحول القبيلة إلى دولة، فإن النفط الكوردي، وبشكل خاص نفط كركوك (حقول بابا كركر)، كان وبالًا على الأكراد. فإذا قلّبنا صفحات التاريخ القريب نجد أنه كان من المنطقي أن تختفي حدود الدولة التركية في دخان الحرب العالمية الأولى (1914–1918) لتظهر حدود دول أخرى، مثل الدولة الكوردية والدولة الأرمنية، كما ظهرت الدول العربية في حينها.
فعندما بدأت الأعمال العسكرية ضد تركيا في 5 تشرين الثاني سنة 1914 كتبت جريدة «الديلي نيوز» في 31 تشرين الثاني 1914: «إذا خسرت ألمانيا الحرب فإن عقاب تركيا لدخولها الحرب إلى جانب الألمان سيكون القضاء التام عليها كدولة». وكذلك طرح الرئيس الأمريكي ويلسن مبادئه الأربعة عشر في مؤتمر الصلح في باريس سنة 1919، وأحدها منح الشعوب الواقعة تحت السيطرة التركية حق تقرير المصير. وأشارت عصبة الأمم في ميثاقها إلى حق تقرير المصير للأقليات في الدول المهزومة في الحرب العالمية الأولى، ومنها الدولة العثمانية. وأتت معاهدة سيفر في 10 آب سنة 1920، إحدى نتائج الحرب الكونية الأولى، لتنص صراحة على حق الشعبين الجارين الكوردي والأرمني في إقامة الدولة القومية المستقلة؛ فالمواد 62 و63 و64 من تلك المعاهدة (سيفر 1920) أكدت حقوق الشعب الكوردي:
- المادة 62: نصت على تعيين لجنة دولية تتولى الإشراف على إقامة دولة كوردية مستقلة في كوردستان تتمتع بحكم ذاتي برعاية عصبة الأمم في جنوب شرق تركيا، شرق نهر الفرات (كوردستان تركيا).
- المادة 63: ألزمت السلطة العثمانية بالموافقة على نتائج تحقيق اللجنة الأممية (لجنة عصبة الأمم).
- المادة 64: أكدت ما يلي: «إذا طالب السكان الأكراد في كوردستان تركيا عصبةَ الأمم بمنحهم الاستقلال لكوردستان عن تركيا الحديثة، وأقنعوا عصبة الأمم بأن هؤلاء السكان الأكراد قادرون على ممارسة استقلالهم في كوردستان، ووافقت عصبة الأمم على منحهم إياه، فإن تركيا الحديثة تتعهد منذ الآن بالانصياع لهذه التوصية من اللجنة الأممية لتقصي الحقائق التابعة لعصبة الأمم، وبالتخلي عن جميع حقوقها في هذه المنطقة» الكوردية (كوردستان تركيا).
ونصت أيضًا على أنه «لا يحق لأي من الدول الحليفة الاعتراض في حال طلب الأكراد المقيمون في ذلك الجزء من كوردستان التابع في الوقت الحاضر لولاية الموصل» (كوردستان العراق ذات الأغلبية الكوردية) الانضمام إلى الدولة الكوردية المستقلة في كوردستان. وكان هذا النص الأخير بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير؛ فالدولة البريطانية التي وضعت يدها على منابع نفط كركوك سنة 1918 أصابها مرض رهاب الأكراد (الخوف المرضي منهم)، إذ إن الدولة الكوردية المراد إنشاؤها في جنوب شرق تركيا (كوردستان تركيا) قد تُلحَق بها، استنادًا إلى هذا النص، ولايةُ الموصل (كوردستان العراق) الغنية بالنفط، التي اقتطعتها بريطانيا بالقوة من تركيا بواسطة الجنود الهنود. وهذا الأمر دفع الحكومة البريطانية إلى المشاركة الفعالة، بالتعاون مع مصطفى كمال أتاتورك، في عملية قلب الطاولة ونثر أوراق معاهدة سيفر 1920 في مهب الريح، وترك الشعبين الكوردي والأرمني لمصيرهما.
وكان منح الامتياز للشركات الأمريكية للتنقيب عن النفط في كوردستان العراق قد حيّد الدولة الأمريكية الجديدة على الساحة الدولية؛ فالولايات المتحدة الأمريكية امتنعت لمدة عام عن الاعتراف بالدولة العراقية العربية الجديدة التي شكلتها بريطانيا، إلا أن الموقف الأمريكي تغير بعد أن منحت المملكة المتحدة (بريطانيا) شركاتِ النفط الأمريكية حصة من عائدات نفط كركوك. ومن تلك الحقبة انقلبت السياسة الأمريكية من مبادئ ويلسن المؤيدة لحق الشعوب في تقرير مصيرها إلى الحياد، ومن الحياد إلى الانحياز ضد مصالح الشعب الكوردي. وهذا ما يفسر الدعم الأمريكي المتواصل للحكومات المتعاقبة في إيران وتركيا والعراق في مواجهة حركة التحرر الكوردية، وغض النظر عن القمع الممارس ضد الشعب الكوردي، وهذا ما يذكّرنا بالدعم الأمريكي المكشوف لشاه إيران في إسقاط جمهورية مهاباد سنة 1947م.
بقي أن نقول إن نفط كركوك بقي على الدوام يغذي آلة البطش والتنكيل بأكراد كوردستان العراق؛ فالأنظمة العراقية المتتالية أصبحت بفضل موارد النفط أكثر تنظيمًا وأشد وحشية تجاه المواطنين الأكراد والشعب الكوردي في كوردستان العراق (ولاية الموصل).
- الموقع الجغرافي لكوردستان: إن وقوع كوردستان في منطقة كانت على الدوام ساحة للصراع بين الإمبراطورية العثمانية والإمبراطورية الصفوية حرم الأكراد من الهدوء والاستقرار والأمان. لقد أصبحت المنطقة الكوردية، وكوردستان بشكل عام، بلجيكا الشرق الأوسط وميدانًا لقتال ديوك الحرب، بالإضافة إلى اتباع الإمبراطوريتين السابقتين سياسة الأرض المحروقة وتهجير الأكراد من مناطقهم الأصلية في كوردستان، أرض الآباء والأجداد منذ آلاف السنين، لحرمان الطرف الخصم من الموارد المادية والبشرية اللازمة لمواصلة الحرب. كما أن قرب كوردستان من مراكز السلطة في الدولتين العثمانية والصفوية أدى إلى استمرار السيطرة على هذا الشعب الكوردي في أرضه ووطنه كوردستان الذي يعيش فيه منذ آلاف السنين. فعلى سبيل المثال قرر السلطان العثماني محمود الثاني عام 1834م احتلال كوردستان بشكل مباشر والقضاء على استقلال الإمارات الكوردية، وهي: (1) هكاري وبوطان (بوتان) في كوردستان الشمالية (كوردستان تركيا)، (2) أردلان وصوران (سوران) في كوردستان الشرقية (كوردستان إيران)، (3) بابان وبادينان في كوردستان الجنوبية (كوردستان العراق).
فالدولة العثمانية، التي أصبحت في بداية القرن التاسع عشر عاجزة عن فرض سيطرتها على المناطق البعيدة عن مراكز السلطة، مكّنت سيطرتها على المناطق القريبة من هذه المراكز. وبالإضافة إلى ذلك فإن وقوع كوردستان في منطقة تقاطع الطرق الرئيسة التي سلكها الغزاة (مثل التتر والمغول والجلاليين) أدى إلى عرقلة قيام سلطة مركزية كوردية في أرض كوردستان. فالأكراد في كوردستان كانوا يُحكمون من قبل أمرائهم الأكراد طوال الحكم العربي الأموي والعباسي ولعدة قرون، ولكنهم تعرضوا لسيل من الغزوات: ففي القرن الحادي عشر تعرضوا لغزو السلاجقة الأتراك، ثم لغزو المغول في القرن الثالث عشر، ثم لغزو التتر، وكان آخر الغزوات غزو الأتراك العثمانيين لكوردستان في القرن السادس عشر.
إن القبائل الكوردية في كوردستان، مثل المروانيين والحسنويهيين والروّاديين، شكلت نواة دولة كوردية، فبنت هياكل لدول كوردية لها سمات الدول، ولكنها انهارت أمام غزوات الأتراك الأوغوز.
- تضارب المصالح الغربية: إن عدم اتفاق الدول الغربية على تقاسم تركة الرجل المريض (الإمبراطورية العثمانية) جعل حدود الدولة العثمانية التركية خطوطًا حمراء، فلم تستطع أي دولة بمفردها الانقضاض على الدولة العثمانية التركية.
فالروس والمصريون شنوا حروبًا عديدة ضد العثمانيين، ولكن البريطانيين والفرنسيين كانوا حراسًا يقظين لممتلكات الدولة العثمانية في ذلك الوقت. ففي عام 1853 اشتبك الجيش الروسي المهاجم مع الجيش العثماني التركي في قرية بياندور على الحدود الروسية التركية، وامتدت الحرب على مساحات واسعة وعُرفت بحرب القرم. وكان تفوق الروس واضحًا، وكان هدفهم من الحرب في القرم حل المسألة الشرقية (احتلال الأتراك للبلقان والقسطنطينية سنة 1453م)، ولكن الجيوش البريطانية والفرنسية تدخلت لصالح العثمانيين. وفي 24 نيسان 1877م أعلن الروس الحرب على الأتراك مرة أخرى، فتدخل البريطانيون والفرنسيون كذلك. وفي سنة 1839م سحق المصريون، بقيادة إبراهيم باشا ابن محمد علي باشا والي مصر الكوردي الأصل، الجيشَ العثماني في قونية وكوتاهية ونزيب شمالي سورية، فتدخلت الدولتان السابقتان (بريطانيا وفرنسا) لوقف هجوم المصريين. ومن الطريف أن الروس زحفوا بقواتهم سنة 1833م فوصلوا إلى قرية خونكار إسكلسي على شاطئ البوسفور الآسيوي لوقف هجوم إبراهيم باشا ابن محمد علي باشا، حاكم مصر الكوردي الأصل، على تركيا العثمانية. وكانت المساعدة العسكرية البريطانية واضحة عندما استعاد العثمانيون سورية من المصريين. وهكذا دخلت الدولة التركية في سياسة توازن القوى بين الدول، وكان ضعفها من أهم أسباب قوتها.
- استغلال الإمبراطوريتين العثمانية والفارسية الأيديولوجيةَ الدينية للأغراض السياسية: فعندما هزم الأمير الكوردي المير محمد الرواندوزي، أمير صوران (سوران) وسليل صلاح الدين الأيوبي، الذي أقام معملًا للسلاح في رواندوز، القواتِ التركية في تموز 1835م، أصاب الجيشَ الكوردي الإرباكُ والضعف عندما لجأ السلطان العثماني إلى إصدار فتوى دينية قضت بأن كل الذين قاتلوا جيش السلطان (الخليفة المسلم) كفار.
وقام السلطان العثماني سليم الأول بنقل أعداد كبيرة من المشايخ من رجال الدين العرب إلى منطقة القبائل الكوردية في كوردستان لتحويلها إلى مذهب أهل السنة الشافعي، لكي يقرّب الأكراد إلى الدولة العثمانية التركية ويضمن ولاءهم ويضعف الروح القومية الكوردية لديهم، في حين اعتنقت الدولة البويهية المذهب الشيعي لغرض سياسي أيضًا، وهو تقوية الروح القومية الفارسية حتى تستقل إيران عن باقي الدول الإسلامية التي تدين بالمذهب السني. وعلى العموم فإن الأكراد كانوا أميين في غالبيتهم، وكانوا يُوعظون بالقدرية والتسليم، فيجهلون حقوقهم القومية الكوردية، وكانوا خاضعين لأوامر الظالمين، وهذا أضعف لديهم القضية القومية الكوردية.
عدم النضج السياسي للقادة الأكراد: وغياب قيادة كوردية تقدمية توجّه كفاحهم الكوردي وتقوده، وافتقار القيادات الكوردية إلى الحنكة اللازمة في السياسة الدولية، وهيمنة العقلية الإقطاعية، والإفراط في الاعتماد على علماء الدين غير الملمّين بالشؤون والظروف السياسية. فعندما بدأت الانتفاضة الكوردية سنة 1843م بقيادة بدرخان باشا ضد الأتراك العثمانيين تمكنت السلطة العثمانية من تحويل الانتفاضة الكوردية ضد الآشوريين (الآثوريين). وكذلك نجح الفرس في تأليب الأكراد الإيرانيين بقيادة سمكو آغا الشكاك ضد الآشوريين (الآثوريين)، وقام سمكو آغا الشكاك بقتل زعيم الآشوريين (الآثوريين) مار شمعون بعد خروج الأخير من دار سمكو آغا الشكاك في قرية كوهنه شهر. وعند قيام الثورة الكوردية بقيادة الشيخ سعيد بيران في كوردستان تركيا سنة 1925، التي هزت كيان الدولة التركية الكمالية لمدة أربعة عشر يومًا، لم يتعاون قائد الثورة الشيخ سعيد بيران مع فرنسا بحجة عدم التعاون مع الكفار ضد المسلمين، في حين طلب الأتراك الكماليون من الفرنسيين السماح لهم بدخول الأراضي السورية والالتفاف على الثوار الأكراد، وكان هذا أحد الأسباب التي ساعدت الأتراك على إلحاق الهزيمة بالأكراد. وكذلك فإن العقلية الإقطاعية الكوردية ألقت بظلالها الكثيفة على تجربة جمهورية مهاباد الكوردية في كوردستان إيران.
الطبيعة الجبلية الوعرة لكوردستان: فقد شكّلت حاجزًا طبيعيًّا أمام توسع الإمارات الكوردية في كوردستان وتحوّلها من إمارة إلى دولة كوردية مستقلة.
نمط المعيشة عند الأكراد: فاعتماد غالبية الأكراد على نمط البداوة وتربية الماشية أدى إلى عزلة الأفراد والعشائر الكوردية، وأضعف كثيرًا بالتالي فكرة التحالف بين هذه العشائر الكوردية، فلم تتحول إلى نظام مركزي يشكّل نواة دولة كوردية مستقلة.
الاقتتال الداخلي بين العشائر الكوردية: فقد استنزف الاقتتال الطاقات الكوردية، وأبعد العشائر الكوردية عن قتال أعدائها. وعلى سبيل المثال كان الأمير الكوردي يرى بسرور سقوط خصمه الكوردي على يد الحكومة، ثم يأتي دوره فيما بعد فيُسعد سقوطُه غيرَه.
يقول الميجر سون: «إن الكوردي كان دائمًا مقدامًا وشجاعًا لا يُقهر، بعيدًا عن الخضوع والطاعة للغير، فلم يخضع لأحد ولم ينكسر إلا في حروبه الداخلية، الأمر الذي زاد نفوذ الغاصبين والمحتلين لبلاده كوردستان ومكّنهم منه».
ممانعة الأغوات والمشايخ الأكراد لفكرة قيام الدولة الكوردية المستقلة في كوردستان: بسبب خشية هؤلاء الممسكين بزمام الأمور في كوردستان من أن يقوم المثقفون من الشباب الأكراد من أبناء المدن، الساعون لاستقلال كوردستان، بتقليص نفوذهم، بالإضافة إلى خيانة معظم الإقطاعيين الأكراد للقضية القومية الكوردية. وقد كان للخيانة دور أساسي في فشل معظم الثورات والانتفاضات الكوردية، وأرشيف الذاكرة الكوردية مليء بقصص الخيانة وبأسماء الأشخاص والأسر والعشائر الكوردية ممن خانوا قضايا أمتهم الكوردية في أحلك الظروف.
الحرب الباردة: إذا كان الرجل المريض (الإمبراطورية العثمانية) القابع على فراش الموت قد وجد لعقود طويلة من يحميه ويساعده على البقاء (بريطانيا وفرنسا)، فإن الدولة التركية الحديثة التي تأسست عام 1923 على أنقاض إمبراطورية آل عثمان قد استفادت كثيرًا من الصراع في الحرب الباردة بين المعسكرين الشيوعي والرأسمالي. وكان الرئيس الأمريكي روزفلت قد أعلن صراحة في 3 كانون الأول 1941: «إن الدفاع عن تركيا أمر حيوي للدفاع عن الولايات المتحدة».
هوامش مهمة في القضية الكوردية
اشترك الأكراد والأرمن في انتفاضة 1930، وسمح شاه إيران رضا بهلوي للقوات التركية بدخول إيران وتطويق المنتفضين في جبال آرارات في كوردستان.
أكدت وثيقة وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية المؤرخة عام 1979، التي نشرتها الثورة الإيرانية عند اقتحام السفارة الأمريكية في طهران عام 1979، ما نصه: «اكتشاف النفط عام 1927 في منطقة قريبة من كركوك (بابا كركر)، وتملّك شركات أمريكية وأوروبية امتيازات للتنقيب عن النفط، أدى إلى الحد من التعاطف مع الحركة الاستقلالية الكوردية».
في 30 أيار 1910 كتب البارون فون مارشال، السفير الألماني في إسطنبول، إلى مستشار ألمانيا بيتمان هولفيغ: «إن الإمبراطورية العثمانية التركية استطاعت في القرن الماضي أن تحافظ على بقائها لا بفضل قوتها، بل بفضل تضارب مصالح الدول العظمى؛ فقد كان الوارثون المتنافسون على إرث الرجل المريض (الإمبراطورية العثمانية) من القوة والعدد بحيث لم يجرؤ وارث واحد بمفرده على أن يلجأ إلى القوة ليعجّل موت المورِّث وينال حصته من الإرث».
يقول الدكتور عبد الرحمن قاسملو في كتابه «أربعون عامًا من الكفاح من أجل الحرية للشعب الكوردي» واصفًا الحالة العسكرية الكوردية أثناء قيام جمهورية مهاباد الكوردية في كوردستان إيران: «كل رئيس عشيرة كوردية يظن أن الإكثار من النجوم على كتفيه يزيده قدرًا واحترامًا». ومثال على ذلك أن شخصًا مثل زيرو بهادوري، وهو رئيس عشيرة صغيرة (عشيرة هركي)، منح نفسه رتبة مارشال، وكانوا يلقبونه بالمارشال زيرو. ويبيّن هذا المثال عدم استقرار قواعد الضبط العسكري في الجيش الشعبي الكوردي.
ومن أمثلة الخيانات الكوردية: في شهر آب 1945 أعلن الملا مصطفى البارزاني الثورة ضد القوات الحكومية العراقية، إلا أنه اضطر إلى الانسحاب بسبب انضمام بعض القبائل الكوردية إلى جانب الحكومة العراقية ضده، بعد نجاح وزير داخلية العراق في تحريض تلك القبائل على البارزاني. فانسحب الأخير مع قواته إلى كوردستان إيران بسبب ضغوط بعض هذه القبائل الكوردية وخيانتها للقضية الكوردية، وساهم مساهمة كبيرة في تأسيس جمهورية مهاباد الكوردية.
حارب الأمير بدرخان باشا، أمير بوطان (بوتان)، الدولة العثمانية في السنوات 1842–1848م، إلا أن قائد القوات الكوردية الأمير عز الدين شير (ابن عمه) خان بدرخان وساعد الأتراك في الاستيلاء على مركز الإمارة الكوردية بوتان، عندما انضم عز الدين شير مع القوات الموالية له إلى جيش الأتراك في معركة أورمية.
عندما أعلن الشيخ سعيد بيران الثورة ضد الدولة التركية العلمانية سنة 1925 خان كثير من رجالات الأكراد قضية شعبهم الكوردي، ومنهم كامل بك السوركجي، وحاجي نجيم الديركي، وأمين أحمد الرمي، ومحمد جميل باشا ديار بكر. وكان جميل جتو ورسول محمد يحميان مدنًا مثل سِرت وخرزة للأتراك، ولذلك كان الكوردي رسول محمد يقول: «على الأكراد أن يقتلوني دون محاكمة»، وكذلك كان يقول حسين باشا حيدري.
يقول الدكتور عبد الرحمن قاسملو: كان لعشيرة شكاك الكوردية بقيادة رئيسها صادق خان دور في تأسيس الحكومة القاجارية الفارسية التي أسقطت سنة 1794م حكم كريم خان زند الكوردي، الذي استولى بالقوة على عرش بلاد فارس، وقد دام ذلك الحكم 41 عامًا.
قام الخائن رهبر، وهو ابن عم قائد انتفاضة ديرسم سيد رضا، بإعطاء معلومات قيّمة لقوات الأمن التركية عن الانتفاضة الكوردية في ديرسم وعن السيد رضا قائد الثورة الكوردية، ومنها مكان وجود أحد أبرز قادة الانتفاضة الكوردية علي شير، فقُتل الأخير في فراشه على يد القوات التركية، وحاولت زوجته الدفاع عنه فقتلوها، ولم يسلم ابنها الذي كان في المهد من القتل أيضًا.
يقول الدكتور عز الدين مصطفى رسول: «قُضي على جمهورية الكورد الحبيبة (جمهورية مهاباد) هذه بمكيدة من الرجعيين الإيرانيين ودعم من بعض الإقطاعيين الكورد».