الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

أكراد كوردستان العراق بين النظام الدولي الجديد والنظام العالمي الجديد

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

صاحَبَ تفكك الاتحاد السوفيتي وسقوط جدار برلين بعثٌ وإحياءٌ للنعرات القومية في كثير من الدول التي كانت ترتبط أيديولوجياً وسياسياً بموسكو، فانتفضت الأقليات العرقية واشتعلت ثوراتها كالنار في الهشيم لتحرق النسيج الاجتماعي في تلك الدول، منادية بحق تقرير المصير، أو الحكم الذاتي، أو الاستقلال الناجز.

ونال بعض هذه المجموعات الإثنية مطلبه، في حين أن بعضها الآخر ما يزال في صراع مع الحكومات المركزية.

وقبل ذلك بعدة عقود كانت الأمة الكوردية تتوق إلى الشيء ذاته، وكان سكان المناطق الكوردية (كوردستان) في حالة من الغليان نتيجة ما يعانونه من صنوف التفرقة والقهر والاضطهاد، فقد تعرضت الحركات الكوردية في كوردستان للقمع من قبل بريطانيا العظمى أولاً، ومن قبل حكومات العراق وتركيا وإيران لاحقاً.

ففي حقب تاريخية متعددة قامت مواجهات عنيفة بين الشعب الكوردي في كوردستان والسلطات المسيطرة، أُخمدت بعمليات حربية وإبادة جماعية، أو بتحريض عشيرة كوردية على أخرى، أو بالاغتيالات السياسية التي طالت حتى الناشطين في أوروبا، أو بإبعادهم وإعادة توطينهم خارج مناطقهم (كوردستان)، كما حدث في جنوب شرق تركيا وكوردستان العراق وغرب إيران.

ويكشف لنا التاريخ أن إستراتيجيات ونستون تشرشل، رئيس وزراء بريطانيا السابق، والشاه الإيراني محمد رضا بهلوي، وكذلك ريتشارد نيكسون الرئيس الأمريكي السابق، والعراق وإسرائيل وتركيا، متشابهة إلى حد التطابق في محاولة تصفية القضية الكوردية وإخضاع الشعب الكوردي (منفردين أحياناً وبالتواطؤ أحياناً أخرى) بما يحقق مصالحهم.

النظام الدولي الجديد وتبعاته على مصير الأكراد وكوردستان

من سخرية الأقدار بالنسبة للشعب الكوردي في كوردستان أن يرتبط ما سُمّي بالنظام الدولي الجديد بعد الحرب العظمى الأولى (الحرب العالمية الأولى)، والنظام العالمي الجديد بعد حرب الخليج الثانية، بقضيته الكوردية ارتباطاً عضوياً مباشراً، إذ قرر الأول مصيره (الشعب الكوردي وكوردستان) عام 1920، فيما أثّر الثاني فيه عام 1991م.

ففي 10 آب عام 1920 وقّع وفد من الحلفاء المنتصرين معاهدة سيفر مع ممثلي الحكومة العثمانية، ونصت المادة 64 منها على إعطاء الشعب الكوردي في كوردستان حق المطالبة بدولة كوردستان مستقلة، بعد تقديم طلب بذلك إلى عصبة الأمم خلال مدة سنة، كما نصت معاهدة سيفر على أن تقبل إستانبول بذلك، وأن تمتثل لهذا القرار الوارد في المادة 62 من المعاهدة، وأن تتنازل عن أية مطالبة بأرض منطقة كوردستان التي كانت تقع ضمن أراضي الإمبراطورية العثمانية.

وقيل إن بريطانيا قاومت هذا المشروع (سيفر 1920) خوفاً من أن يتخذ الاتحاد السوفيتي موطئ قدم لنفسه في كوردستان، فيمدّ نفوذه ويهيمن على الدولة العراقية العربية الحديثة الضعيفة في بدء نشوئها، أو أنها عارضت مشروع دولة كوردستان خشية ردّ فعل الدولة العربية التي قد تستاء من إقامة دولة كوردية مستقلة في كوردستان على حدودها.

أما التحليل من منظور السياسة الواقعية، المبنية على عوامل مادية وعملية لا تقبل الجدل (لا على عوامل نظرية أو أخلاقية)، فيشير إلى ما يلي: استناداً إلى الوثائق البريطانية الرسمية التي نُشرت عام 1922م، فقد اكتُشف النفط بكميات هائلة في منطقة كركوك التي يسكنها الأكراد، فأراد البريطانيون وضع أيديهم على منابعه في وقت كانوا فيه ينوون إنشاء المملكة العراقية العربية تحت انتدابهم بولاياتها الثلاث (الموصل، بغداد، البصرة).

وعندما انتفض الشعب الكوردي ضد سياسة الأمر الواقع التي حاول البريطانيون فرضها، قرر وزير المستعمرات والطيران البريطاني آنذاك ونستن تشرشل مهاجمة الأكراد بالطائرات.

وتكشف الوثائق البريطانية الرسمية أن ونستن تشرشل سلك هذا السبيل لأن استخدام الطائرات أقل كلفة من إرسال حملة عسكرية لاحتلال مناطق الأكراد، وكذلك لإتاحة الفرصة للطيارين للتدرب على التهديف، ولاختبار الأسلحة الحديثة (كالنابالم والقنابل المؤجلة الانفجار). وصدرت الأوامر للطيارين البريطانيين بألا يميّزوا بين المقاتلين الأكراد (البيشمركة) والمدنيين العزّل عند القيام بالقصف العشوائي، وبهذا الأسلوب الوحشي قُمعت الثورات والانتفاضات الكوردية في العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن رئيس أركان الطيران البريطاني في ذلك الوقت، السير هيو ترينشارد، أصدر أوامره بأن تُخفي تقارير العمليات العسكرية أعداد القتلى والمصابين من المدنيين الأكراد، والكميات الهائلة من القنابل والمتفجرات المستعملة، ومدى الوحشية التي تتعرض لها المدن والقرى الكوردية على يد المهاجمين البريطانيين، وذلك تجنباً لاستنكار الرأي العام البريطاني لهذه السياسة، وخشية أيضاً من أن يؤدي هذا العمل إلى مطالبة البرلمان البريطاني بالتحقيق مع المسؤولين عن المذابح المرتكبة ضد الأكراد، مما سيقود إلى إحراج الحكومة البريطانية.

وقدّر ونستن تشرشل عند التخطيط لتلك العمليات أن تدمير المدن والقرى الكوردية في كوردستان سيؤدي إلى تشريد الآلاف من الأهالي الأكراد الذين سيتعرضون للأخطار نتيجة الظروف الطبيعية القاسية في الجبال، والجوع والعطش وتفشي الأوبئة، مما سيجبر شيوخ العشائر الكوردية على الانصياع لمطالب لندن. وهي الإستراتيجية نفسها التي اتبعها النظام العراقي ضد الشعب الكوردي بعد سبعين سنة، وكذلك التي نفذتها إسرائيل ضد سكان جنوب لبنان في تموز عام 1993م ونيسان عام 1996م.

أما الهدف الآخر، وهو اختبار الأسلحة الحديثة، فقد طبقته الولايات المتحدة الأمريكية عند ضرب أهداف واقعية أثناء عملية «عاصفة الصحراء» عام 1991م ضد الجيش العراقي في الجنوب، وكذلك التحالف في قصف مدن العراق والمدنيين عند احتلال العراق عام 2003.

ونتيجة لهذه العمليات، وبسبب تقاطع الحدود عبر الأراضي الكوردية، تجزأت مناطق الأكراد، التي تتميز بخصائص جغرافية ولأهلها تاريخ وثقافة قومية، بين أربع دول هي تركيا والعراق وإيران وسوريا، ولا يزالون يتعرضون فيها حتى هذه الأيام للقمع والممارسات اللاإنسانية من قبل تلك الحكومات.

استنتاجات

منذ أن تشكلت الجبهة الكوردستانية عام 1988م لم يكن ضمن بنود أجندتها آنذاك إثارة موضوع المطالبة بدولة كوردية مستقلة (كوردستان) أو الانفصال عن العراق العربي، وإنما كان الاتفاق ينص على «إسقاط النظام العراقي، وتمتع الأكراد بحكم ذاتي، مع عدم إغفال حق الشعب الكوردي في تقرير المصير». بل اقترح رؤساء الفصائل الكوردية الأخذ بمبدأ إقامة الفيدرالية في عراق له مؤسسات ديمقراطية حقيقية. وإن قيادات الأكراد العراقيين يطالبون بما يتماشى مع الحقائق الجيوبوليتيكية، ومنها أنهم يعيشون في منطقة محظورة، وعلى الرغم من أن لقواتهم من البيشمركة تاريخاً طويلاً في الصراع المسلح، فإن العنف في حقيقة الأمر يتعارض مع مصالحهم وقد يؤدي إلى تدميرهم.

وظهر هذا التوجه في مشروع تمهيدي تداولته وناقشته الدوائر الكوردية وبعض أحزاب المعارضة العراقية عام 1992م.

ومن قراءة المسودة يمكن استنتاج مطالب الجبهة الكوردستانية:

  1. إن الأكراد حريصون على الموازنة بين سيادة العراق واستقلاله وبين التمسك بتاريخهم وثقافتهم وتقاليدهم الكوردية، ويظهر أيضاً أنهم متمسكون بإنشاء مناطق كوردية تتمتع بالحكم الذاتي داخل نطاق جمهورية رئاسية ديمقراطية دستورية فيدرالية، يتمتع مواطنوها من الرجال والنساء من جميع الإثنيات والأديان بحقوق متساوية، ولها العاصمة نفسها (بغداد) والعلم والنشيد الوطني والعملة والجنسية العراقية.

  2. وعند تدقيق المسودة يمكن أن يُستشفّ أن الأكراد ليسوا على استعداد لأن يستمروا في العيش في منطقة غير نامية تحت حكم مركزي عربي قوي. وخلال السنوات الأخيرة قبل عام 2000 اقتربت الكثير من الأحزاب الديمقراطية والليبرالية وبعض القوى القومية من هذا المفهوم، وأقرّت في برامجها هذا الحق، ودعت إلى إقامة «العراق الديمقراطي الفيدرالي».

  3. إن إقامة كيان كوردي مستقل، أو تمتع الأكراد بحكم ذاتي حقيقي، تعارضه وتقاومه الدول الإقليمية (إيران، تركيا، سوريا) بسبب تخوفها من انعكاس ذلك وتأثيره على أوضاع الأقلية الكوردية فيها. والدليل على ذلك أن وزراء خارجية الدول الثلاث، منذ اجتماعهم الأول في تشرين الثاني عام 1992م، يؤكدون في أعقاب كل اجتماع أن حكوماتهم تقف ضد المساس بسيادة العراق أو تقسيمه.

    وكان البيان الرسمي المشترك الذي صدر في أعقاب اجتماعهم الأول قد نص على أن عدم الاستقرار في منطقة الأكراد بالعراق سببه غياب السلطة في كوردستان العراق. وقد جاءت هذه الاجتماعات الدورية بعد أن أجرى الأكراد في العراق انتخاباتهم لأول برلمان كوردي في 19 أيار عام 1992م.

    أما معارضة الدول الكبرى لإقامة كيان كوردي مستقل في كوردستان فتعود إلى عوامل جيوستراتيجية وجيوبوليتيكية، منها موقعه بالقرب من دول آسيا الوسطى، وأن ملاصقته لعدة دول (تركيا، إيران، سوريا) قد تشكل خطراً عليها بسبب جذبه لبقية الأكراد في تلك الدول في المنطقة وفي أوروبا، وبالتالي قد يتطور هذا الكيان إلى قوة إقليمية نتيجة كثافته السكانية، وامتلاكه معادن طبيعية إستراتيجية كالنفط بكميات وافرة، واليورانيوم، إلى جانب النحاس والفوسفات والكروم والحديد والفحم الحجري.

  4. ثبت بالواقع والأحداث أن وحدة الحركة الكوردية ضمانة أكيدة لحصول الشعب الكوردي على حقوقه، سواء في وقت السلم، أم أثناء الكفاح المسلح المشترك ضد الحكومات المركزية المتعاقبة التي تقاوم منحه تلك الحقوق وتعارضه، وأن كثرة الانقسامات والانشقاقات داخل الحركة الكوردية تفسح المجال أكثر للتدخلات الإقليمية والدولية في شؤون كوردستان العراق، وهذا ما تسعى إليه أيضاً الحكومة المركزية كما حصل في السابق.

    ودخول القوات العراقية إلى أربيل في 31 آب 1996م خير دليل على هذا، وكذلك محاولات إيران وتركيا المتكررة للتأثير على هذا الطرف الكوردي أو ذاك أثناء الاقتتال بين الحزبين الكورديين منذ اندلاعه عام 1994م وحتى عام 1998م، حين توقف بضغط دولي.

  5. إن الحركة القومية الكوردية في العراق جزء من الحركة التحررية الكوردية في المنطقة، وحل هذه القضية مستقبلاً يجب أن يرتبط بحل سياسي، حين تتمتع الدول التي يشكل فيها الأكراد أقلية قومية بحكم ديمقراطي يمنح الحقوق السياسية والاجتماعية والثقافية لكافة الأقليات.

    وإن قومية أي بلد لا يمكن أن تكون متحررة أو إنسانية إن كانت تضطهد قومية أخرى داخل حدودها. فالأكراد الذين قاتلوا سنوات طويلة منذ انتهاء الحرب العالمية الأولى، وقدّموا الآلاف من الضحايا والشهداء، نالوا بعض الحقوق التي سعوا إليها عن طريق الكفاح المسلح أو في فترات سياسية سليمة، بصدور قانون الحكم الذاتي لمنطقة كوردستان العراق في 11 آذار عام 1974م، الذي بقي حبراً على ورق.

    إلا أن الحكومة العراقية ونظام حزب البعث العراقي السابق سرعان ما تنكّرا لهذه الحقوق، انطلاقاً من تعصبهما القومي غير المبرر، وشنّا الحرب ضدهم مجدداً في مطلع عام 1975م، بل زادا من اضطهادهما وقهرهما للشعب الكوردي بمجزرة حلبجة في 16 آذار 1988م والأنفال، وتدمير قراهم تدميراً شاملاً تجاوز (4500) قرية، وتهجير 182,000 كوردي في عمليات الأنفال السيئة الصيت عام 1988.

    ورغم ذلك فقد نجح الأكراد بعد انتفاضة آذار 1991م في إقامة المؤسسات الشرعية والتمتع بالحريات العامة السياسية والثقافية والاجتماعية في حدود تجربة ديمقراطية وليدة، نالت إعجاب المجتمع العربي والدولي وتقديره على الصعيد الشعبي، وإلى حد ما على صعيد الحكومات والمؤسسات الإنسانية والسياسية.

    إلا أن هذه التجربة سرعان ما تعرضت لهزة أثّرت إلى حد كبير على قضية الشعب الكوردي في الأوساط العالمية، نتيجة الممارسات الخاطئة التي تمثلت فيما يلي:

    1. الأخذ بمبدأ المناصفة في البرلمان والحكومة الكوردية، بل وعلى صعيد التعيينات في دوائر الإقليم، الذي لجأ إليه الطرفان الكورديان، الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني، حلاً مؤقتاً للخلافات التي ظهرت بعد الانتخابات، وهو يتعارض مع الديمقراطية التي تحفظ للطرف الخاسر حق المعارضة.
    2. إن عدم فسح المجال للأحزاب الأخرى، الكوردية وغيرها، للتمتع بحق المشاركة في الانتخابات إلا وفق نظام النسب (نسب القوائم) تجربة غير عملية في وضع جديد كوضع كوردستان الحديثة التجربة، تؤدي إلى ترسيخ نفوذ الحزبين الكورديين الكبيرين وتعاظمه، وإفراغ العملية الديمقراطية من مضمونها.
    3. استحواذ الحزبين الكورديين الكبيرين على واردات الإقليم وحرمان ميزانيته منها، وما سببه ذلك من عجز في دفع رواتب الموظفين، وتأثر قطاع الخدمات، وتوقف المشاريع الإنمائية، وإصلاح البنية التحتية، وإعادة بناء القرى المهدمة، وتوفير مستلزمات العيش للمواطن الكوردي.
    4. اعتداء الطرفين المتنازعين على حقوق الإنسان بقتل الأسرى وتعذيبهم، وهو ما جاءت به بيانات منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان في الإقليم مؤخراً (قبل عام 2000)، ونشرته بعض الصحف العربية والأجنبية.
    5. اتباع كلا الطرفين المتنافسين على السلطة في الإقليم سياسة الكسب الحزبي الضيق، عن طريق كسب الأرض والإنسان والمال بالترغيب أو الترهيب، دون النظر إلى رفاهية الشعب الكوردي ككل.
    6. تعطيل المؤسسات الشرعية، وخصوصاً البرلمان والحكومة، عن أداء واجباتها، بل وتشكيل حكومتين، واحدة في أربيل والثانية في السليمانية.
    7. استمرار حالة اللاحرب واللاسلم حتى عام 1998 نتيجة الاقتتال العبثي بين الحزبين الكورديين منذ عام 1994 تقريباً.
    8. النتائج السيئة المباشرة على حركة المعارضة العراقية في كوردستان العراق، إذ خسرت من جهة قاعدة مهمة ومتقدمة لمقاومة النظام العراقي السابق (نظام حزب البعث في حينها)، وخسرت من جهة أخرى قوتين رئيسيتين من قواها (الحزبين الكورديين).

وفي الختام، ونتيجة لما ذُكر آنفاً، فإن قضية الشعب الكوردي وكوردستان، إن أُريد لها الاستمرار كقضية شعب وكيان، تقع مسؤوليتها الأولى وقبل كل شيء على عاتق القوى الكوردية برمّتها، وخصوصاً الحزبين الكورديين الرئيسيين الكبيرين (الديمقراطي والاتحاد).

لذا يجب إنهاء الأوضاع غير الطبيعية التي مرّت بها كوردستان سابقاً (حتى عام 2000)، وعقد المصالحة الوطنية، وإشراك جميع الفصائل والشخصيات الكوردية التي يهمها الشأن الكوردستاني في تحمّل المسؤولية، ووضع القضية الكوردية في مسارها الصحيح من أجل الحصول على الدعم والتأييد من كافة القوى الدولية على الصعيدين الرسمي والشعبي.