الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

أناجيل الكنيسة الكاثوليكية وقرآن الإسلام في القرون الوسطى: الخلاف بين الإسلام والمسيحية

من محاضرات «الكنيسة والإسلام والسياسة» – 2011

الحق أن تصورات الصلب والألوهية والتثليث هي المسائل الطارئة على العقيدة المسيحية، وهي التي مكّنت الأشخاص من التطاول على العقيدة ذاتها ثم استغلال البشر، فذلك يسهّل نقل الألوهية من المسيح عيسى (ع) إلى من يخلفه من بني البشر.

أولاً: مسألة الصلب

جاءت فكرة الصلب من أن الله عادل ورحيم؛ ولأنه عادل فلا بد أن يعاقب آدم عليه السلام، ويعاقب ذرية آدم على خطيئة أبيهم التي طُرد بسببها من الجنة، ولأنه رحيم فإنه يغفر سيئات البشر. ولكي يجمع بين عدله ورحمته لا بد أن يكون المسيح وسيطاً في ذلك الأمر، فهو بمثابة ابن الله، وكأن الله في ابنه، وقد أرسله على شكل إنسان ليعيش مع البشر، فيأكل كما يأكلون ويشرب كما يشربون، ثم يُصلب لا لذنب ارتكبه، ولكن ليكفّر عن خطيئة أبيه آدم، وهو الإنسان. وقد ورد في كتب العهد الجديد (الإنجيل):

«إن ابن الإنسان جاء ليخلّص ما قد هلك»، فبمحبته ورحمته صنع طريقاً للخلاص، ولهذا كان المسيح هو الذي يكفّر عن خطايا العالم، وهو الوسيط الذي وفّق بين محبة الله تعالى وبين عدله ورحمته؛ إذ إن مقتضى العدل أن يستمر الناس في الابتعاد عن الله بسبب ما اقترفه أبوهم، ولكن باقتران العدل والرحمة، وبتوسّط الابن الوحيد المسيح وقبوله التكفير عن خطايا الخلق، اقترب الناس من الرب بعد الابتعاد (1).

فمن يصدّق أن ذلك من أساسات المسيحية الأولى، أو أنه نصوص إلهية موحاة، وكأن الله دبّر طريقة للفداء، وهي صلب ابن الله (المسيح عيسى) نيابة عن البشر؟ أليس الأجدر أن كل نفس بما كسبت رهينة؟ وفي الواقع بقيت مسألة الصلب موضع اختلاف كبير بين النصارى (2)، حتى نزل القرآن فحسم هذه القضية بقوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ (النساء: 157).

ويذكر خواجه أفندي في كتابه «ينابيع المسيحية» ما يلي: «لم تكن المسيحية مصدر الصليب، ولم تبتدئ معرفة الصليب من تاريخ الصلب المسيحي» (3).

ويقول أحد علماء النصرانية، وهو المسيو إدوارد سيوس، في كتابه «عقيدة المسلمين في بعض المسائل النصرانية»: «إن القرآن ينفي قتل عيسى وصلبه، ويقول إنه أُلقي شبهه على غيره، فغلط اليهود وظنوا أنهم قتلوه»، ويتابع قائلاً إن ما قاله القرآن موجود عند طوائف نصرانية (4).

ويذكر الطهطاوي في كتابه «الميزان في مقارنة الأديان» مجموعة من هذه الطوائف.

نذكر منها: السيرفنيون، فإنهم قرروا أن أحد الحواريين صُلب بدل النبي عيسى عليه السلام، وقد عُثر على فصل من كتب الحواريين (5).

وإنجيل برنابا يفصّل كثيراً في هذا الأمر، ويذكر أن الذي صُلب هو يهوذا الإسخريوطي، وهو ينكر فكرة صلب المسيح من أساسها. وها هو أحد العلماء الألمان يشهد بأن ذلك لم يحدث، وإنما هو من مبتكرات الرسول بولس ومخترعاته (6).

وهي، كما يظهر، من نسج الخيال الإنساني، لكنها اعتقاد ذهني يدحض اعتقاداً ذهنياً آخر، إذ يعني الصلب ضعف المسيح أمام عظمة الله، ولا يُعقل أن يكون ضعيفاً ثم يكون ابن الله أو هو الله؛ فهذه تدحض تلك، والعكس صحيح.

ثانياً: مسألة التثليث

أما عقيدة التثليث فكانت من وحي الرسول بولس وأفكاره، وهو الذي نقلها إلى المسيحية من العقائد الرومانية واليونانية والمصرية العريقة في مسألة التثليث والفداء.

وهنا يقول يوحنا في رسالته الأولى (5: 7): «إن الذين يشهدون في السماء هم ثلاثة: الآب والكلمة والروح القدس، وهؤلاء الثلاثة هم واحد»، والواحد في ثلاثة.

أما الدكتور جورج بوست فيقول عن عقيدة التثليث، كما ورد في كتابه «قاموس الكتاب المقدس» (7):

«إن طبيعة الله في ثلاثة أقانيم، فالله هو الآب، وإليه ينتمي الخلق بواسطة الابن، والله هو الابن، وإلى الابن خُوّلت مهمة الفداء، والله هو الروح القدس، وبالروح القدس يصير التطهير، والأقانيم الثلاثة تتقاسم الأعمال الإلهية».

ويقول محمد رشيد رضا في «تفسير المنار» (8):

إن تعاليم الأب بولس أقرب إلى عقائد الرومانيين الوثنية، لذا كانوا هم الذين رجّحوها ورفضوا ما عداها، وكذلك كانوا أصحاب السلطة الأولى في النصرانية. أما ما يذكره «قاموس الكتاب المقدس» عن التثليث فهو: اعترف كبار علماء اللاهوت بأن كلمة التثليث لم ترد في الكتاب المقدس، ويُظن أن أول من صاغها واخترعها واستعملها الراهب ترتليان في القرن الثاني للميلاد.

وقد خالفه كثيرون، ولكن مجمع نيقية أقرّ التثليث سنة 325م.

وهذا الكلام مذكور في «قاموس الكتاب المقدس»، وينقله محمد رفعت الطهطاوي في كتاب «الميزان في مقارنة الأديان».

ويتابع القول: إن التثليث استقر بعد ذلك عند الكنيسة المسيحية على يد أوغسطينوس في القرن الخامس الميلادي (9).

وفي الواقع إن عقيدة الثالوث غير مفهومة لدى الكثيرين، إلا أن الأستاذ محمد مجدي مرجان، وكان نصرانياً فأسلم، جمع بعض تفسيرات دعاة التثليث فقال: يرى فلاسفة المسيحية أن الله سبحانه يتكون من أقانيم، أي ثلاثة عناصر أو أجزاء: الذات والنطق والحياة؛ فالله موجود بذاته، ناطق بكلمته، حيّ بروحه، وكل خاصية من هذه الخواص تعطيه وصفاً معيناً؛ فإذا تجلى الله بصفته ذاتاً سُمّي الآب، وإذا نطق فهو الابن، وإذا ظهر حياةً فهو الروح القدس (10).

وهناك تخيلات وتفسيرات كثيرة لعقيدة الثالوث، وكلها تقريباً تعتمد على ثلاثة أقانيم، وكلها بمثابة إشراك مع الله، والله لا شريك له في الملك، ولذا يقول القرآن في آياته: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ (المائدة: 73).

ويمكن القول إن الإنسان، لقصوره العقلي، يلجأ دائماً إلى تصوير الأمور على صورته هو حتى يفهم ما أشكل عليه، لذا كان لا بد من العودة إلى القرآن في هذه الأمور. وقد جاء في كتاب «ينابيع المسيحية» (11) أنه لا يمكن أن نعزو الألوهية إلى المسيح وننسبها إليه، للأسباب الآتية، نذكرها بتصرف:

  1. أن المسيح لم يدّعِ الألوهية أبداً، كما ورد في الكتب المقدسة، وكما رأينا.

  2. يتضح من سيرة عيسى ابن مريم أنه كان رجلاً له جسم ونفس وعقل، وهذه قطعاً لها متطلبات تجعلها تحتاج إلى غيرها، بعكس الألوهية التي هي في غنى عن الغير.

  3. أن الولادة العذرية لا تثبت ألوهية المسيح عيسى ابن مريم (ع)، فولادته من غير أب لا تعني أنه يتصف بأي صفة من صفات الألوهية.

ويقول القس ماجور، رئيس معهد ريبون بأكسفورد: «يجب أن نعلم علم اليقين أن عيسى لم يقل في الأناجيل إنه ابن الله بحالة طبيعية أو بحالة نفسية، وإنما قال ذلك بحالة مجازية، أي بالحالة التي يكون بها أبناء البشر أبناء الله».

إلا أن النصارى، أو المسيحيين كما غلب على تسميتهم، يؤمنون في عقيدتهم التي ورثوها عن أسلافهم بأن المسيح عليه السلام «هو صورة الله في الأرض، أي أن فيه طبيعة لاهوتية، وما دام كذلك فهو الله متجسداً» (12).

وهناك فرقة تقول: «المسيح هو الله، وهو ابن الله، وهو روح القدس». ويذكر محمد الحاج رأيين ينتشران عند النصارى اليوم (13):

الرأي الأول: تتزعمه الكنيسة الغربية الكاثوليكية، وملخّصه أن الآلهة ثلاثة متميزون منفصلون، تسمى الأقانيم الثلاثة: الآب والابن والروح القدس، ويكمل القول بأن المذهب البروتستانتي موافق لذلك تماماً.

والرأي الثاني: تتزعمه الكنيسة الأرثوذكسية، ويقرّ بهذه الأقانيم، إلا أنه يقول باتحادها في طبيعة واحدة. ولقد ظُلم المسيح كثيراً، فهو يقول: «إني أشهد أمام السماء، وأُشهد كل ساكن على الأرض، أني بريء من كل ما قال الناس عني من أني أعظم من بشر، لأني بشر مولود من امرأة، وعرضة لحكم الله، أعيش كسائر البشر عرضة للشقاء العام»، وقد ورد ذلك في الإصحاح 94: 1-2 من إنجيل برنابا.

ثالثاً: ألوهية المسيح عيسى ابن مريم (ع)

جاء المسيح عليه السلام، في نظر المسلمين كما هو في نظر المسيحيين، بمعجزات أهّلته في نظر المسلمين ليكون رسولاً إلى بني إسرائيل.

أما في نظر المسيحيين فإن تلك المعجزات أهّلته لأن يكون إلهاً، لا بشراً رسولاً. يقول برنابا: إن ادعاء ألوهية المسيح لم يكن حديث العهد، بل حدث مثل ذلك حتى في زمنه.

وهذا القول يؤكد الآيات القرآنية التي تخاطب عيسى، إذ يقول تعالى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (المائدة: 116).

فيقول عيسى عليه السلام بالنص القرآني: ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ (المائدة: 116)، ويؤكد القول: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ (المائدة: 117).

وبقي المسلمون يؤكدون بشرية المسيح الرسول، كيف لا وهو مكتوب في كتابهم المقدس، القرآن، ولم يُحرَّف هذا أو يُغيَّر رغم مرور السنين والأعوام وتكالب الأمم على هذه الأمة وتراثها الحضاري.

أما عندهم، فلا إنجيل المسيح الأول باقٍ يرشدهم إلى الصواب، ولا الأناجيل الموجودة متفقة على ذلك المبدأ، وما بقي منها يؤكد ألوهية المسيح كما رأينا.

ولنتابع الآن رأي برنابا في تفسير المسيحيين لألوهية المسيح، إذ يورد قصة عن إحياء المسيح للموتى وممارسته بعض المعجزات، الأمر الذي زرع في أذهان الناس، والوثنيين منهم، بذرة الألوهية.

ثم ترعرعت ونمت في ظل الوثنية المادية وغياب الإنجيل الصحيح. يقول برنابا: «نزل يسوع في السنة الثانية من وظيفته النبوية من أورشليم إلى نايين، فلما اقترب من باب المدينة كان أهل المدينة يحملون إلى القبر ابناً وحيداً لأمه الأرملة، وكان كل أحد ينوح عليه.

فلما وصل يسوع علم الناس أن الذي جاء إنما هو يسوع النبي الجليلي، فلذلك تقدموا وتضرعوا إليه لأجل الميت، طالبين أن يقيمه لأنه نبي، فتقدم يسوع إلى أم الميت وقال لها بشفقة: لا تبكي أيتها المرأة، ثم أخذ يد الميت وقال: أقول لك أيها الشاب، باسم الله قم صحيحاً، فانتعش الغلام». ولما كانت الوثنية مسيطرة في عهد الرومان، وكان يُعبد الأشخاص الذين يقدمون منافع للناس، فقد اعتُبر المسيح، لهذا الأمر السالف الذكر، إلهاً أيضاً. ويقول برنابا في الإصحاح التالي:

«وكانت عادة الرومان أن يدعوا كل من فعل شيئاً جديداً فيه نفع للشعب إلهاً ويعبدوه، فلما كان بعض هؤلاء الجنود في نايين وبّخوا واحداً منا بعد آخر قائلين: لقد زاركم أحد آلهتكم وأنتم لا تكترثون له، حقاً لو زارتنا آلهتنا لأعطيناهم كل ما لنا. فوسوس الشيطان بهذا الأسلوب من الكلام حتى أثار شغباً بين شعب نايين، فقال قوم منهم:

إن الذي زارنا إنما هو إلهنا، وقال آخرون: إن الله لا يُرى، فلم يره أحد ولا موسى، فليس هو الله، بل هو بالحري ابنه.

وقال آخرون: إنه ليس الله ولا ابن الله، لأنه ليس لله جسد فيلد، بل هو نبي عظيم». ورد هذا في الإصحاحين 47 و48.

ولكن عيسى نفسه ينكر ألوهيته، بعد أن رأى من قومه ما رأى لمّا أظهر لهم معجزاته من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ونزول مائدة من السماء.

فيقول برنابا عن المسيح وهو ينكر ألوهيته: «إني أشهد أمام السماء، وأُشهد كل ساكن على الأرض، أني بريء من كل ما قال الناس عني من أني أعظم من بشر» (الإصحاح 94: 1-2). وفي الإصحاح 52: 10-14 يقول: «الحق أقول لكم متكلماً من القلب: إني أقشعر لأن العالم سيدعوني إلهاً».

وهكذا هو يتألم من هذه الافتراءات، لأنها تحريف لحقيقته وحقيقة رسالته، وهذا لأمر عظيم، لأن الذي بعثه أرسله هدى وبشرى للعالمين من بني إسرائيل ليس إلا: «وإنما أقامني الله نبياً على بيت إسرائيل لأجل صحة الضعفاء وإصلاح الخطأة، خادماً لله، وأنتم شهداء على هذا». فكيف يكون عيسى إلهاً بعد هذا، وهناك إنجيل كهذا يصرخ بعدم ألوهية المسيح؟ فالأمر محض افتراء وتكريس للوثنية السالفة.

ويؤكد ذلك مرقس في إنجيله بقول عيسى عليه السلام: «الرب إلهنا إله واحد، وليس آخر سواه» (12: 30-31).

أسباب الصراعات الدينية

أولاً: التحولات المادية

كان جوهر رسالة عيسى عليه السلام التركيز على الأهداف الروحية، حتى إنه توعّد الغني بالويل والثبور وعظائم الأمور، وأنذره بأن لا أمل له في دخول الجنة أو ملكوت الله، كما لا أمل للجمل أن يدخل في سمّ الخياط، فهذا لا شك أمر مستحيل الحدوث.

والحقيقة أن هذا أثر من آثار المسيحية، وهو محسوب عليهم، وهو عكس ما نراه من انتشار اللهو وحب المادة والترف في الغرب المسيحي.

إن الوثنيات المادية هي التي استشرت في تلك المجتمعات بحجة النظام الرأسمالي الحر.

وهذا لا شك يؤجج الصراعات بين الدول والمجتمعات والأفراد، وهو موروث من الإقطاعيات القديمة.

فما إن انتصرت البابوية في أوروبا على الأباطرة واستقر لها الحال حتى أخذت المجتمعات الاقتصادية والزراعية الشكل الإقطاعي.

وها هو الكاتب محمد كامل ليلة يلاحظ ذلك في كتابه «النظم السياسية» فيقول: «ويلاحظ أن الكنيسة ساهمت بوضوح في تطور النظام الإقطاعي» (14).

والمقصود بالإقطاع هنا احتكار الإقطاعيات والأراضي وتركّزها في أيدي السادة، وهذا يترتب عليه نشوء طبقة العبيد أو الخدم.

فهل كانت رسالة المسيح ترشد الناس وتوجههم إلى مثل تلك الأعمال؟ وهل جاء المسيح من أجل تقسيم المجتمعات إلى طبقتي السادة والعبيد؟ قيل إن الكنيسة أضحت جزءاً لا يتجزأ من النظام الإقطاعي (15).

ما بال أولئك لا يدركون من الحقيقة إلا نصفها؟ قالوا بتقديس المسيح، وإنه ابن الله أو هو الرب. فكيف يكون ذلك وهم لا يدركون حقيقة ما يفعلون مع ما يؤمنون به؟ فالمسيح قال بالحرية والزهد والتواضع؛ أيُعقل أنه كان يقصد حرية الأغنياء والإقطاعيين فقط؟

ويتابع محمد كامل ليلة في كتابه «النظم السياسية» فيقول: «وكان أصحاب الإقطاعيات مسيحيين فقط، وكانت مقصورة عليهم دون غيرهم من أتباع الأديان الأخرى» (16).

إنه احتكار ما بعده احتكار! فأين المساواة والعدل اللذان ما انفك المسيح يبشّر بهما، وهي المواعظ التي لم يخلُ إنجيل من ذكرها؟ وهذا لا شك تحول خطير عن مواعظ المسيح ورسالته السمحاء، وانتقال خطير نحو الوثنية المادية التي تستتبع نهماً وشرهاً لا حدود لهما في السعي وراء المادة ومشتقاتها، مهما كانت الوسائل، وهو أمر خطير على الأفراد والمجتمعات، المسيحية وغير المسيحية.

ثانياً: تأليه المسيح عيسى (ع) الإنسان

أما التحول الآخر الذي كان له الأثر الكبير في إذكاء الصراعات الدينية فهو فكرة تأليه المسيح، وهذا لا شك أمر جدّ خطير، لأن الرب في نظرهم تقمّص شخص المسيح الإنسان.

وهذا أضفى نزوعاً مادياً وسلطوياً على الحياة الدينية والأخلاقية للإنسان، وهو في الوقت نفسه ينقل القدرة الإلهية والسلطة الدينية إلى الإنسان، وذلك بالخلافة والاستخلاف أو بالحلول، فيصير الله في السماء، والمسيح ابنه في الأرض وكأنه ممثل للرب. وهذه السهولة في توزيع القدرات ومنحها لأشخاص هم من خلق الله، لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، اتجاه خطير، ومن خطورته:

أن الذي يمثل السلطة الدينية يكون بمثابة خليفة المسيح، فيكون القائم على الكنيسة هو خليفة المسيح الوحيد في الأرض، وهذا الأمر يمنحه سلطات لا حدود لها في حياة الناس، لذا نشأت بدع كثيرة، منها عصمة البابا. وكانت هذه أخطر الأمور في المسيحية، فكان تأثيرها أولاً داخلياً على سلطة الدولة أو سلطة الأباطرة، مما سحب البساط من تحت أقدامهم، ثم أصبحت السلطة الدينية والدنيوية بيد أشخاص أو بابوات يضعون التشريعات كلها بأيديهم لاعتبارات منها اعتبارات شخصية.

مما أحدث صراعات داخلية، وهذا كله في غياب نص ديني واحد. يضاف إلى ذلك أن تشريعات أخرى بدأت تنسحب على الأمم الأخرى، وكانت بداية لإشعال الحروب الصليبية على العرب والمسلمين. وهذا لا شك نتيجة النزوع إلى المادية وحب السيطرة على العالم برمّته، وهو ما لم يأتِ به المسيح من عند الله، وقد كان من دعاة السلام وحب الآخرين.

ثالثاً: التحول عن دعوة المسيح عيسى (ع) إلى السلام

جاء في معظم الأناجيل أن المسيح كان يقول لقومه وهو يعظهم: «أحبوا أعداءكم، أو مبغضيكم»، إلى بقية المواعظ عن الأصدقاء والأعداء. وكان سبيله لنشر دعوته بين قومه هو السلام والوعظ والإرشاد، وكان يؤكد دائماً أن رسالته محلية خاصة ببني إسرائيل فقط. والذي حصل أن الذين تسلّموا دفّة الأمور الدينية والمادية من بعده كانوا ينزعون نزعات مادية تشوبها الأنانية والقسوة والثأر والتسلط، وهذا لا ريب فيه انقلاب على مبادئ المسيح عيسى (ع).

فنرى لجوءهم إلى تصفية الحسابات بينهم وبين أعدائهم بالعنف والذبح والقتل، داخلياً أو خارجياً، دون أن يبسطوا أيديهم لأولئك الأعداء بالتبشير والوعظ السلمي الذي كان سبيل المسيح الوحيد.

ولا غرابة، فقد حدث الكثير من ذلك داخل الدين المسيحي نفسه، من اضطهاد للمخالفين والمفكرين.

وهناك أمثلة على حالات من الصراع البابوي الإمبراطوري بين البابا والإمبراطور؛ فقد تحدّى البابا جريجوري الإمبراطور هنري الرابع في مسألة تعيين رجال الدين.

ولما عارض الإمبراطور هنري الرابع رأي البابا جريجوري، استخدم البابا في وجهه السلاح الرهيب سنة 1076م، فحرمه من رحمة الكنيسة وعزله من منصبه، ودارت رحى الحرب بين البابا جريجوري والإمبراطور هنري الرابع، وانتصر فيها البابا. ومثل ذلك حدث بين فردريك الأول والبابا إسكندر الثالث، وغيرهم كثير (17).

رابعاً: تحويل المسيحية إلى رسالة عالمية

وكان الأمر الأخطر من ذلك، في نظر البابوات، تحويل المسيحية إلى رسالة عالمية، وهذا الأمر تترتب عليه أشياء خطيرة، منها اعتقاد المسيحيين أنهم موكَلون بهذا الأمر وهذه الوظيفة إلى قيام الساعة.

وذلك على أسس ومبادئ لم يثبت أنها آتية من السماء على الوجه القطعي، وهذا لا شك تدمير للناموس الإلهي، لأن المسيح ما جاء إلا حلقة واحدة من حلقات الرسالة السماوية، وقد أشار المسيح إلى أنه سيأتي من بعده رسول اسمه أحمد يكمل هذه الحلقات، فتصبح رسالة واحدة إلى كل الأمم من خلال خاتم الرسل وختام الوحي السماوي.

إن القرآن ثابت، لم ينله تحريف أو تبديل رغم الأعاصير والأهواء التي حاولت ذلك، والسبب قاله خالق الإنسان والكون في قوله الأبدي: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9). والأهم أنه رسالة عالمية، بعكس الأناجيل المتعددة والمختلفة، وهذا أمر أدركه كثير من المفكرين الغربيين الأحرار. وعليه فإن فكرة عالمية الرسالة المسيحية قد أخرجتها عن الأهداف المرسومة لها، من أنها لبني إسرائيل فقط، ولمرحلة من مراحل البشرية انتهت بمجيء القرآن، الذي ما جاء ليهدم الناموس ولكن ليتممه، لتبدأ بعدها مرحلة جديدة أساسها استخدام السلاح في حرب أُطلق عليها الحروب الصليبية، لتحقيق مآرب البابوات لا الشعوب المسيحية.

المصادر

  1. إنجيل يوحنا، 3: 16، ورسالة رومية، 3: 23.
  2. محمد الحاج، النصرانية من التوحيد إلى التثليث، ص302.
  3. خواجه أفندي، ينابيع المسيحية، المصدر السابق، ص141.
  4. الطهطاوي، الميزان في مقارنة الأديان، المصدر السابق، ص138.
  5. المصدر نفسه، ص139.
  6. المصدر نفسه، ص140.
  7. أحمد شلبي، المصدر السابق، ص139.
  8. تفسير المنار، جزء 10، ص330.
  9. الطهطاوي، الميزان في مقارنة الأديان، المصدر السابق، ص137.
  10. محمد الحاج، النصرانية من التوحيد إلى التثليث، المصدر السابق، ص210.
  11. خواجه أفندي، المصدر السابق، ص79.
  12. الطهطاوي، المصدر السابق، ص210.
  13. محمد الحاج، المصدر السابق، ص204.
  14. محمد كامل ليلة، النظم السياسية، المصدر السابق، ص402-405.
  15. المصدر نفسه، ص405.
  16. محمد كامل ليلة، النظم السياسية، المصدر السابق، ص405.
  17. محمد كامل ليلة، المصدر السابق، ص403.