الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

الحملات الصليبية في بلاد الشرق: حركة التجديد والإصلاح للمجتمع الإسلامي (الجزء الأول)

من محاضرات «الكنيسة والإسلام والسياسة» – 2015

اشتدت الحاجة إلى تغيير الاتجاهات القائمة في المجتمع الإسلامي لمواجهة التحديات الصليبية الزاحفة، وصار العالم الإسلامي أمام مصيرين: إما أن يغيّر أوضاعه تغييرًا جذريًا من داخله، وإما أن يستسلم للتحديات التي تنذر بتدمير الإسلام والإجهاز عليه.

برزت المحاولات الأولى للإصلاح لدى الوزير السلجوقي نظام الملك(1)، وهو تركي سني، تدل سيرته على أنه كان شديد التدين، يقرأ القرآن ولا يتلوه إلا مستندًا احترامًا له. ولم يكن وحده، فقد كان هناك عشرات التقاة الذين تولوا أمور الإدارة والجيش والقضاء والحسبة، وآخرون تولوا أمور المدارس النظامية، مثل الإمام الجويني(2)، وأبي إسحاق الشيرازي(3)، وأبي القاسم القشيري(4)، وأبي علي الفارمذي(5)، والإمام الغزالي(6)، والكيا الهراسي(7).

ولكن ما يبدو ظاهرًا أن أهداف الدولة السلجوقية في قبول جمهرة العلماء المصلحين كانت مقترنة بخطر الدولة الفاطمية في مصر، المتمردة على مقر الخلافة العباسية في بغداد. ولما زال هذا الخطر أخذت نوايا المحيطين بالسلطان السلجوقي ملكشاه بن ألب أرسلان، منذ عام 1072م، وطروحاتهم تعارض إصلاحات الوزير نظام الملك، التي عكست هيمنة شخصية له ولأسرته، وانعكس ذلك على إدارة الدولة نفسها، فأدى إلى التنافس والقتال واقتسام النفوذ.

وقاد ذلك السلطان ملكشاه إلى تعنيف نظام الملك واتهامه بأنه يهدف إلى توزيع المناصب على أبنائه، وقد أخبره بوضوح: «إن كنت شريكي في الملك ويدك مع يدي في السلطة فلذلك حكم، وإن كنت نائبي فيجب أن تلتزم حدّ التبعية»(8)، أي أن تكون مصغيًا لأوامري. وانتهى الأمر بمقتل نظام الملك عام 1092م.

وأعقبت ذلك فترة من العزلة لفريق التقاة الشافعية، منتظرين القضاء الإلهي والمحاكمة في الآخرة، وكان على رأس ذلك الفريق أبو حامد الغزالي(9)، الذي استمد منهاجه في الإصلاح من الأصول الإسلامية مباشرة.

1. السلالة الزنكية تستظل بإصلاحات أبي حامد الغزالي

أسست السلالة الزنكية، ممثلة بالأمير أو «الأتابك» وهي كلمة تركية، دولة في أتابكية الموصل وحلب بقيادة عماد الدين زنكي، ومن بعده ابنه نور الدين زنكي (1127–1174م).

وبدا ما كتبه أبو حامد الغزالي (1058–1111م) كأنه خارطة طريق للسلالة الزنكية في كيفية إدارة الحكم، دون الالتفات إلى حكم ملكشاه السلجوقي الموجود في بغداد.

فالغزالي يرى أن خبرته الإصلاحية قد شملت كشف فضائح الباطنية، وهي حركات هدامة، وعلاقتها بالرموز الصليبية والإسماعيلية والصوفية، كما عرف عن كثب كيف تخاصم أميرا دمشق دقاق وحلب رضوان وجيش الفرنجة على أبواب الشام. ويجد أبو حامد الغزالي أن رحلاته إلى بلدان منابع الدين والثروة الزراعية في بلاد الشام ووادي الرافدين ووادي النيل قد وفّرت له تصورًا عن سبب الاستهداف الصليبي والفاطمي لأرض العرب المسلمين، وفيها كانت مشورته الشفهية أو المكتوبة للحكام والسلاطين المسلمين.

أ. منهج أبي حامد الغزالي الإصلاحي

يجد أبو حامد الغزالي أن الأساس في وجود الأمة المسلمة هو إخراجها لحمل رسالة الإسلام إلى العالم كله، وحين تكاسل المسلمون عن أداء هذا الواجب المقدس امتلأت الأرض بالفتن والفساد، فكثرت التوترات السلبية القائمة على التلاوم وتبادل الاتهامات. فهو إصلاح فكري أساسه قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ» (الرعد: 11)، وتطهير المجتمع الإسلامي من الأمراض التي كانت تغتاله من الداخل، حتى تبلغ الدعوة العالم وتتوطد دعائم الإيمان والسلام فيه.

إن مثل هذا المنهج الإصلاحي في المجتمع الإسلامي ما كان ليُحدث دويًّا وتأثيرًا في أوساط الناس لو لم يكن أبو حامد الغزالي قد بدأ به بنفسه. ومن حسن الحظ أن كثيرًا من أصحابه وتلاميذه ساروا على نهج معلمهم، وكان من ثمار ذلك ظهور جيل من الحكام الذين يخشون ربهم بالغيب، ومنهم نور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي، وقد ملأ قلبيهما قول الحق والعدالة في قيادة الجيوش الإسلامية، وفي عقليهما كيف يستردان عافية فتوحات الخلفاء الراشدين وعفّتها قبل خمسة قرون خلت.

ومن المنهج الفكري للغزالي في إصلاح المجتمع الإسلامي أنه شخّص بفكره المخلص الصادق «فساد رسالة العلماء»، أي العلاقة القائمة بين العقيدة والسياسة والاجتماع، وحدد أن العقيدة الصافية الراسخة هي التي تجعل السياسة والاجتماع يدوران في الفلك الصحيح.

أما حين تدور العقيدة في فلك السياسة، ويهبط العلماء الممثلون للعقيدة إلى تبرير ما يريده الموجِّهون للسياسة، فإن الخلل والفساد يتسربان إلى المجتمع حتى ينتهيا به إلى الانهيار والسقوط. والأصل في ذلك أن الله سبحانه وتعالى حين خلق الخلق، وخلق الدنيا والآخرة، وخلق الجنة والنار، جعل الدنيا زادًا للمعاد، ليتناول كل إنسان منها ما يصلح للتزود في طريقه إلى الآخرة.

ولو أن الناس تناولوها بالعدل لانقطعت الخصومات، ولكنهم تناولوها بالشهوات فتولدت الخصومات، ونشأت الحاجة إلى سلطان يسعى إلى قانون يساوي بينهم. ومن هنا ركن أبو حامد الغزالي إلى قاعدة: أن الدين أصل والسلطان حارس، ومن لا أصل له فمهدوم، ومن لا حارس له فضائع.

وهو ما تمسكت به السلالة الزنكية عندما أرشدها أبو حامد الغزالي في منهاجه إلى أن فساد الرعية بفساد الملوك، وفساد الملوك بفساد العلماء، وفساد العلماء باستيلاء حب المال والجاه.

ويذكر أبو حامد الغزالي في منهجه الفكري «أن تفتيت وحدة الأمة إنما كان بظهور الجماعات والمذاهب»، فعندما انتشرت في أوساط المجتمع الإسلامي أشاعت التعصب بين طبقاته، وأن علماء المذاهب إنما أرادوها ليكون لهم جاه ومنزلة، فعمدوا إلى تجميع الأتباع حولهم، وقد تربّى هؤلاء الأتباع على التعصب لا على الفهم.

وهو منهج فكري منحرف يقود، كما يذهب أبو حامد الغزالي، إلى أن اختفاء العلماء الصادقين أدى إلى فساد العقيدة ونظم التربية، وفقدان الحياة الاجتماعية صبغتها الإسلامية، وأصبح ما يجول في عقول الناس أنه تديّن هو في الواقع غرور وشكليات يمارسها أصحابها أقنعةً تخفي نواياهم الحقيقية، وهم مدفوعون بأهداف فردية شهوانية.

وقد صنّفهم أبو حامد الغزالي في أربعة أصناف: العلماء، وأرباب العبادة، والمتصوفة، وأرباب الأموال. وكأي مجاهد مسلم لم يغفل الغزالي عن مجابهة التيارات الفكرية المضادة التي استهدفت العقيدة الإسلامية، وقد تمثلت بتيارين هما الباطنية والفلاسفة، وكلاهما متستر بمصطلحات دينية لغايات دنيوية إلحادية.

ولكنه استدرك أن «العدالة الاجتماعية» لا حياد عنها، فقال: «إن المال آلة صبّها الله في أيدي عباده لتكون وسيلة لدفع حاجاتهم، ووسيلة ليتفرغوا لطاعته؛ فمنهم من أكثر ماله فتنةً وبليةً فأقحمه في الخطر، ومنهم من حماه وأحبه وفرّغه لعبادته، وساق إليه حاجته على أيدي الأغنياء، ولذلك عليه أن يأخذ بقدر الحاجة»(10).

ويظهر من سير الأحداث التي رافقت مسيرة منهج أبي حامد الغزالي الإصلاحي أن هذا النهج تواصل على يد تلميذ آخر اتصل بالغزالي، هو الشيخ عبد القادر الكيلاني، الكوردي الأصل(11).

ولعل من حسن حظ المجتمع الإسلامي في سورية ومصر والعراق أن القائد صلاح الدين الأيوبي، الكوردي الأصل والمولود في تكريت (العراق) عام 1138م، قد رافق مسيرة قائده نور الدين زنكي، وكانوا جميعًا على قدر المسؤولية التاريخية وهم يقرؤون ما سطّره أبو حامد الغزالي.

وأصبحوا أمام مدرسة فكرية أخرى هي المدرسة القادرية، التي أسسها وقاد نشاطها مدة نصف قرن شيخ الحنابلة عبد القادر الكيلاني في بغداد عاصمة الخلافة العباسية.

وحينما قامت الدولة الزنكية توحدت المدرسة القادرية مع الدولة الجديدة، وشاركتها في تحمل مسؤولياتها في مجابهة تحديات الحملة الصليبية على بلاد الشام.

ب. صلاح الدين الأيوبي يستظل بإصلاحات أبي حامد الغزالي والشيخ عبد القادر الكيلاني

أولًا: المنهج الإصلاحي للشيخ عبد القادر الكيلاني

بدأ الشيخ عبد القادر الكيلاني منهاجه الفكري الإصلاحي في بغداد عام 1127م، وبدأ مجلسه بالرجلين والثلاثة، ثم تزاحم الناس عليه للاستماع إلى أفكاره، فصار مجلسه يضم سبعة آلاف.

ثم تزايد الإقبال على مدرسته حتى ضاقت بالناس، فوُسّعت عند سور بغداد، وعاد خلق كثير إلى بيوتهم وقد أقسموا على التوبة.

كان صلاح الدين الأيوبي يرى أن صلاح الفرد لا يتم إلا بإصلاح القلب وتحرير السرائر من حب الدنيا والأخلاق الذميمة، ومن كل ما يشغل عن الله.

ومن دراستنا لما ورد في مواعظ الشيخ عبد القادر الكيلاني يتبين أنه شخّص أمراض عصره بالمنطق نفسه الذي سار عليه الغزالي.

فقد طرح مسألة دوران العقيدة في فلك السياسة، وخضوع العلماء للحكام ولشهوات الدنيا، فتفشت الأمراض الاجتماعية والاقتصادية.

ولعل الشيخ عبد القادر الكيلاني قد ركّز على مسألة مركزية في إصلاح الجسد الإسلامي، هي «انتقاء العلماء»، فوجد أن كثيرًا منهم قد اشتركوا في الفتن التي كانت تدور بين رجال الخلافة والسلاطين والأمراء، فكانوا يؤيدون المنتصر ويفتون بفساد المهزوم، كما فعلوا عند تغلب السلطان السلجوقي على الخليفة العباسي المسترشد بالله عام 1135م.

لم تنقطع انتقادات الشيخ عبد القادر الكيلاني للعلماء والفقهاء، وتكاد لا تخلو موعظة أو درس له من التعريض بهم وتنفير الناس منهم، والمقصودون بهذا التنديد هم كبار الفقهاء الذين كانت لهم مكانة عند الخلفاء والأمراء، أما من هم دونهم فقد حرصوا على صحبة الكيلاني. ويقارن الشيخ عبد القادر الكيلاني في مواعظه بين الخلفاء والسلاطين وبين أقطاب التصوف السني، فيخلص إلى وجوب طاعة أقطاب التصوف، لأنهم الخلفاء الحقيقيون للرسول محمد ﷺ في أمر الدين.

ولكنه ركّز على محاربة الخصومات المذهبية والابتعاد عنها، أو بالأحرى على ألّا يتعرضوا لقضايا الخلاف بين مذاهب السنة.

ويسوق لذلك أمثلة، منها أن الحنابلة يرون عدم جواز لعب الشطرنج بينما يجيزه أصحاب المذهب الشافعي، وأن الأحناف لا يعدّون النبيذ من المسكرات(12).

ويجد الشيخ عبد القادر الكيلاني أن ما يخفف من الغلو بين أصحاب المذاهب مراعاة العدالة الاجتماعية بين أفراد المجتمع الإسلامي، وأن حالة الغنى والفقر ليست محصورة في الإسلام، وإنما هي موجودة في الأديان الأخرى، وأن على الأغنياء تطييب خواطر إخوانهم الفقراء بأطايب الطعام والكسوة.

ثانيًا: الشيخ عبد القادر الكيلاني يوظف التصوف في خدمة الإسلام

إن ما عناه الشيخ عبد القادر الكيلاني بالتصوف الذي أراده هو غرس معاني التجرد الخالص والزهد الصحيح الذي اتبعه السلف الصالح وأبو حامد الغزالي.

ولم يكن الشيخ عبد القادر الكيلاني في هذه المهمة معتمدًا على البحث النظري بقدر ما كان يطبّقه في ميدان التربية العملية في مدرسته.

ولكنه في المقابل شن حملة على المتطرفين من رجال الطريقة الصوفية، فعرّض في مواعظه وكتابيه «الغنية لطالبي طريق الحق» و«فتوح الغيب» بالذين تلبّسوا بالتصوف أو شوّهوا معناه؛ ذلك لأن التصوف الصحيح صفاء وصدق، لا يتحقق بتغيير الخِرَق (قطع القماش)، وتصغير الوجوه، ولقلقة اللسان بحكايات الصالحين، وتحريك الأصابع بالتسبيح والتهليل، وإنما يأتي بالصدق في طلب الحق عز وجل، والزهد في الدنيا.

ورأى الشيخ عبد القادر الكيلاني، قبل الاتصال بالمشاهير من شيوخ التصوف خارج العراق، أن يعمل على توحيد مشيخات الصوفية عام 1156م، وهو ما جمعه بكل من الشيخ عثمان بن مرزوق القرشي في مصر، والشيخ أبي مدين المغربي الذي يرجع إليه نشر التصوف في المغرب وبلدان المغرب العربي، كما عمد إلى اللقاء بشيوخ اليمن، وأرسل معهم رسولًا ينظم أمورهم(13).

وفي بلاد الشام اتصل الشيخ عبد القادر الكيلاني بالشيخ رسلان الدمشقي، الذي انتهت إليه تربية المريدين ورياسة المشايخ في بلاد الشام.

وبذلك نجح الشيخ عبد القادر الكيلاني في خلق اتحاد للطرق الصوفية في مختلف أقطار العالم الإسلامي، وهو ما سهّل الأمر على رموز السلالات الزنكية والأيوبية والمماليك(14)، وهم من أتباع شيوخ الطريقة الصوفية المعتمدين في العراق ومصر وبلاد الشام. فهذا الاتحاد، كما يراه الشيخ عبد القادر الكيلاني، هو السبيل الوحيد لمجتمع الإسلام في الذود عن دينه في مواجهة الأخطار الصليبية التي شنها بابوات الكنيسة على مدار قرنين من الزمن (1095–1291م).

وكان استعداد الشيخ عبد القادر الكيلاني كبيرًا وهو يوظف الصوفية ذات النبع الصافي في خدمة دين الإسلام، ولم يتوانَ عن مناقشة العقائد الباطنية التي مثّلتها الدولة الفاطمية وفرقة الإسماعيلية، والفرق الأخرى التي تسترت بالتشيع لخلق ثغرات في المجتمع العربي والإسلامي، وبين المقاتلين المسلمين وقادتهم في الميدان، وقد وضع ذلك في حدود العدالة وأخلاق العلماء. ويستفاد من رواية التادفي أن علماء الشيعة كانوا يقصدون مجالس الشيخ عبد القادر الكيلاني ومواعظه ومدرسته، ولم يجد حرجًا، في حدود كتاب الله، في مناقشتهم في عقائدهم(15)، وهو إسهام فعال في تقويض دولة الفاطميين في مصر على يد صلاح الدين الأيوبي، كما سنرى لاحقًا.

ولعل المفارقة الكبيرة في أوج أحداث الحملات الصليبية، التي بدأت الأولى منها عام 1098م باحتلال إمارتي الرها وأنطاكية (في تركيا حاليًا)، وكانت التاسعة منها عام 1270م بقيادة لويس التاسع في تونس، أن ولاة مصر التي كانت تحت حكم الدولة الفاطمية (969–1171م)، المنسوبة إلى فاطمة الزهراء بنت النبي محمد ﷺ وزوجة الإمام علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه، قد تميزوا في حكمهم بفلسفة روحية أساسها اعتقادهم بظهور الأئمة الذين ينحدرون من نسل الإمام علي رضي الله عنه وفاطمة.

وبظهور الإمام المهدي، الإمام الثاني عشر، في آخر الزمان(16)، وكان ذلك في تعارض ديني مع ما عليه المصريون من اتباع المذهب الشافعي، ولكنهم اعتادوا بمرور الزمن الخضوع والطاعة في قضايا الإيمان(17).

كان الشيعة الفاطميون في مصر على خلاف مذهبي مع دولة السلاجقة، وهم أتراك سنة في بغداد، وقد توسعت دولة السلاجقة بعيدًا(18)، وكان فرح الفاطميين كبيرًا عندما هُزمت جيوش السلاجقة أمام الصليبيين في بلاد الشام عام 1092م.

فأرسلوا وزيرهم الفاطمي شاهنشاه إلى أنطاكية لعقد حلف مع الصليبيين بغية اقتسام مناطق الإمبراطورية السلجوقية التركية السنية، أي أن تكون مناطق الشمال (دمشق) من حصة القوى الصليبية، وفلسطين في الجنوب من حصة الدولة الفاطمية(19).

إلا أن فلسطين (بيت المقدس) ومدينة بيت لحم (مهد المسيح) أماكن مقدسة يحج إليها الآلاف من نصارى الغرب.

وكان الوزير الفاطمي شاهنشاه يفهم ذلك جيدًا، إلا أن المسألة التي ذهب من أجلها هي بزوغ سلالة جديدة في الموصل اسمها الزنكية، تحت قيادة الأمير عماد الدين زنكي(20) الذي تسلّم أتابكية الموصل عام 1127م، وقد وجدتها الدولة الفاطمية خطرًا عليها، إذ كان الملك وحاشيته في مرحلة ترف وثراء في قصورهم الجميلة في القاهرة، وإنما كان أكثر وقت الإمام الفاطمي، المدفون في مخادع حريمه، لحفظ السلطة الروحية.


أجزاء «الحملات الصليبية في بلاد الشرق: حركة التجديد والإصلاح للمجتمع الإسلامي» (2 أجزاء):

  1. الجزء الأول (هذا الجزء)
  2. الجزء الثاني

الجزء الثاني ←