الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

أناجيل الكنيسة الكاثوليكية وقرآن الإسلام في القرون الوسطى: الكنيسة الكاثوليكية والأناجيل

من محاضرات «الكنيسة والإسلام والسياسة» – 2011

المعنى الخاص للكنيسة في المسيحية

الكنيسة ترجمة للكلمة اليونانية «إكليسيا»، وتعني: الاجتماع، أو الجماعة المدعوة، أو جماعة المؤمنين. ويُستعمل هذا المعنى للدلالة على تجمع الناس في مكان معين أو بناء محدد يجلسون فيه (1).

أما المعنى العام للكنيسة فيُستعمل للدلالة على كل المؤمنين الحقيقيين بالمسيح، سواء الأحياء منهم أو الذين رقدوا في الرب (2).

ويعتقد المسيحيون أن المسيح (ع) هو ابن الله، أو هو الإله.

وقد استمدت الكنيسة الرومانية صلاحياتها على الناس من النصوص الواردة في إنجيل متى، كما سيرد ذكره لاحقاً، وهذه النصوص هي:

أولاً: ما ورد على لسان المسيح عيسى (ع) مخاطباً بطرس الرسول، كبير الحواريين: «أنت بطرس، وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي، وقوات الجحيم لن تقوى عليها، وأعطيك مفاتيح ملكوت السماوات، فكل ما تربطه على الأرض يكون قد رُبط في السماء، وما تحله على الأرض يكون قد حُلّ في السماء» (3).

ثانياً: ما ورد على لسان السيد المسيح (ع): «الحق أقول لكم: إن كل ما تربطونه على الأرض يكون قد رُبط في السماء، وما تحلّونه على الأرض يكون قد حُلّ في السماء» (4).

وبناءً على هذه النصوص قامت سلطة البابوات والكنيسة، وقد فسّروا هذه الآيات في إنجيل متى بالطريقة التي تخدم مصلحتهم، ومن ذلك:

  1. أن ابن الله (المسيح) أنشأ الكنيسة بأن جعل الرسول بطرس الأول رئيساً لها، وأن أساقفة روما ورثوا سلطات بطرس الأول في حلقة متصلة، ولذلك فإن البابا ممثل الله على ظهر الأرض، ويجب أن تكون له السيادة العليا والسلطان الأعظم على جميع المسيحيين، حكاماً كانوا أو محكومين (5).

  2. أن الكنيسة هي صاحبة السيادة في العالم كله، إذ تستمد نفوذها من الله مباشرة، وأن للبابا مركزاً فذاً في العالم؛ فهو الذي يولّي الأساقفة (الذين يقدّمون الترشيحات للبابا) ويعزلهم، وله الحق في خلع الأباطرة لأنه سيدهم الذي لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون (6). ويُعدّ البابا شخصياً رئيس المحكمة الكاثوليكية العليا، ولا محكمة نقض أو استئناف لحكمه (7).

وعن التاريخ المعتمد عند المسيحيين لتأسيس الكنيسة وبنائها، نجد أن هناك قولاً يعارض تأسيسها في اليوم الخمسين من قيامة المسيح، كما يذكر الإصحاح الثاني من سفر أعمال الرسل.

ويرى أصحاب هذا القول أن تأسيس الكنيسة إنما كان في ختام سفر الأعمال عند سجن بولس، وليس في اليوم الخمسين. ويترتب على هذا القول، الذي ينظر إليه المسيحيون على أنه خطير، أن يُفهم منه أن هنالك كنيسة قد تأسست في غير اليوم الخمسين لقيامة المسيح.

وأن هذه الكنيسة كانت يهودية، وقد أشار إليها العهد القديم بتحريف مقصود (8). ويسلّم المسيحيون، بناءً على إيمانهم بالعهد القديم (التوراة)، بأنه كان لله شعب وأمة بين الشعوب هو شعب إسرائيل، وأن هذا الشعب الإسرائيلي كانت له علاقة مع الله ينظمها عهد، لكنهم يرون «أن هذا الشعب الإسرائيلي لم يكن هو الكنيسة التي لها مع المسيح علاقة أكثر قرباً وأوفر بركة مما كان لإسرائيل» (9).

ويذكر القس كامبل أن للرب كنيسة واحدة فقط، وأن الكنيسة التي ذُكرت في اليوم الخمسين هي جسد المسيح تماماً، وأنه لا توجد كنيسة يهودية وأخرى أممية، أو كنيسة من اليهود وأخرى من الأمم (10).

وقد تعاطف الناس من المسيحيين مع أتباع الكنيسة باعتبارهم رموز البابا، وظهرت للكنيسة أبنية، وإن كانت صغيرة متفرقة، في معظم أرجاء العالم.

ويظهر أن اعتناق إمبراطور الرومان قسطنطين (275-337م) لها قد جعلها ديانة مرخّصة. والحقيقة أن الدولة الرومانية التي رفعت شعار الصليب أعلنت أن ديانتها الرسمية هي المسيحية، سواء أكان اعتناق الإمبراطور للمسيحية سياسياً أم اعتقادياً (11).

ولكي تتمتع الكنيسة بهيبتها ونفوذها صار الحديث عن تسميات لها، منها: الكنيسة الغربية أو اللاتينية، لامتداد نفوذها إلى الغرب اللاتيني خاصة، وبرزت تسمية الكنيسة البطرسية أو الرسولية، لأن أتباعها يؤمنون أن مؤسسها هو الرسول بطرس، كبير الحواريين (12). فلم يجد البابوات في روما، عاصمة إيطاليا، بُدّاً من أن يطلقوا عليها اسم الكنيسة الكاثوليكية. وكلمة «البابا» مشتقة من الكلمة اللاتينية Papa أي الأب، أما «الكاثوليكية» فلفظة يونانية مأخوذة من Katholikos وتعني العالمي. وهي أكبر تجمع مسيحي في العالم، إذ يُقدّر عدد أتباعها بنحو مليار مسيحي ينتشرون في جميع بقاع المعمورة (13).

وكان لقب البابا يُطلق على كل أسقف في القرنين الرابع والخامس الميلاديين، إلا أنه أصبح تدريجياً مقصوراً على أسقف روما بعد تأسيس العرش البابوي عام 590م، دون أورشليم القدس، رغم جاذبيتها الخاصة بوصفها عاصمة لمملكة الله (14).

إن ما ورد من كتب عن حقيقة المسيح والمسيحية قد بدا مختلفاً باختلاف مصادره وأصحابه ودوافع مؤلفيه أو ناقليه، إذ لم تسلم مسألة واحدة تتعلق بالمسيح وسيرته من التشويه أو الحيرة أو الاضطراب أو الشك (15).

ويظهر أن أقدم النسخ التي لدينا من الأناجيل تعود إلى القرن الثالث، أما النسخ الأصلية فيبدو أنها كُتبت بين عامي 60 و120م. ويذكر و. ل. ديورانت أن أمر الأناجيل ليس بهذه السهولة، لأن الأناجيل الخمسة التي وصلت إلينا هي البقية الباقية من عدد أكبر منها بكثير (16).

وعلى مدى قرنين من الزمان تعرضت الأناجيل لتحريف مقصود أُريد به التوفيق بينها وبين الطائفة التي ينتمي إليها الناسخ أو أغراضها (17).

وهذا يقودنا إلى أن الأناجيل صناعة بشرية لا تمتّ إلى الوحي الإلهي بصلة، بل هي ليست أكثر من قصص من تاريخ المسيح، أو شيء من النصائح نقلها الأتباع بعد صياغتها بالزيادة والنقصان. والأناجيل هي:

أولاً: إنجيل متى: كُتب باللغة الآرامية، وهذه النسخة مفقودة، وله ترجمة باليونانية. ويُذكر أن متى وضع تأليفه بين عامي 60 و65م، قبل دمار أورشليم القدس، بينما يُرجع الدارسون تاريخ تدوين هذا الإنجيل إلى ما بين عامي 80 و100م، لأنهم يعتقدون أنه يصف دمار الهيكل بدقة، وأن كتابته، التي لا تمثل متى، قد جرت فعلاً بعد دمار الهيكل، ويقولون إن كاتبه تصرف بحرية خطيرة مع النصوص.

ثانياً: إنجيل مرقس: كُتب قبل بقية الأناجيل، ويرجع تاريخه إلى ما بين عامي 65 و70م. ويقول القس وليم باركلي إن إنجيل مرقس كان مصدراً لإنجيلَي متى ولوقا، وإنه يؤمن بألوهية المسيح.

ثالثاً: إنجيل لوقا: ومعنى «لوقا» باليونانية «محبّ الله»، وكاتبه أديب وثني آمن بالمسيحية يُدعى البشير لوقا، وقد حذف من روايته أكثر الآيات اليهودية. وصدر هذا الإنجيل بين عامي 61 و64م. ويذكر كتاب «تاريخ ولاهوت العهد الجديد» أن اللغة والنظام اللاهوتي لإنجيل لوقا وسفر أعمال الرسل يدلان على أن كاتبهما واحد، وفيه روايات لا توجد في الأناجيل الأخرى.

رابعاً: إنجيل يوحنا: كُتب باللغة اليونانية بين عامي 89 و98م. وهذا الإنجيل عرضٌ للمسيح من وجهة النظر اللاهوتية، بوصفه كلمة الله وخالق العالم ومنقذ البشرية، وهو يناقض الأناجيل الأخرى في كثير من التفاصيل. وقد أشارت دائرة المعارف البريطانية إلى ذلك: «والحق بعد هذا لا يمكن القول بأحقية هذه الكتب أو هذه الأناجيل بتأسيس مبادئ المسيح الأصلية الواضحة في التوحيد والإيمان والعمل الصالح، فهؤلاء ينسجون من خيالاتهم صوراً وثنية لصورة المسيح الحقيقية».

خامساً: إنجيل برنابا: ذُكر اسم برنابا بين الحواريين الاثني عشر، فقد جاء في إنجيل برنابا ما نصه: «فلما رأى يسوع أن الجمهور عاد إلى نفسه ليسلك في شريعة الله، صعد الجبل ومكث كل الليل في الصلاة، فلما طلع النهار نزل من الجبل وانتخب اثني عشر رسولاً هم: سلوانس، تيموثلوس، أندراوس، بطرس الصياد، برنابا، يعقوب، تداوس، يهوذا، برتولو، فيلبس، متى، زبدي».

وقد اختفى هذا الإنجيل، الذي يُعتقد أنه كُتب نحو عام 492م، ولم يظهر إلا في القرن السادس عشر، لأن مرقس كان ينكر الألوهية، وجاء برنابا ليؤكد بشرية عيسى المسيح وينكر ألوهيته (18). وهذا يتوافق مع ما جاء في القرآن الكريم، كما سنرى لاحقاً.

1. الكنيسة الإسبانية ترسم الطريق للحرب ضد المسلمين

تميّز موقف الكنيسة الإسبانية في القرن السابع الميلادي بأنها كانت السبّاقة إلى فتح النار على العرب المسلمين، لاعتبارين أساسيين:

الأول: أن إسبانيا المسيحية خضعت لحكم العرب المسلمين مدة امتدت خمسة قرون (732-1212م).

والثاني: أن الثقافة العربية والحديث بلغتها قد ظهرا بوضوح بين المسيحيين أنفسهم في إسبانيا، حتى أُطلق على هؤلاء لفظ «المستعربين». وهذا ما أقلق رواد الكنيسة الكاثوليكية، فقد وجدت نفسها في خضم مشكلة كبيرة، وكان عليها أن تكافح في اتجاهين:

الأول: مواجهة الوجود الإسلامي على أرضها في إسبانيا.

والثاني: ردّ هؤلاء الإسبان إلى هويتهم ولغتهم الأصلية الإسبانية.

ومع الإخفاق الكبير للكنيسة الإسبانية في مواجهة الخطر الإسلامي على مواطنيها الإسبان، صار الحديث عن فتاوى تصدر في الخفاء تحرّض على محاربة المسلمين وتشويه صورة رسولهم النبي محمد (ص).

وهنا نذكر ما سُمّي «شهداء قرطبة»؛ ففي عام 850م خرج راهب يُدعى بيرفكتوس إلى سوق قرطبة، عاصمة دولة الأندلس المسلمة، فسألته مجموعة من العرب عن النبي محمد (ص) والنبي عيسى (ع)، فأدرك على الفور المغزى من السؤال، لأن قانون الإمبراطورية الإسلامية كان يقضي بإعدام كل من يشتم النبي محمداً (ص). غير أنه لم يلبث، بعد أن تحفّظ مدة من الزمن، أن عاود ترديد حديث الكنيسة الإسبانية المتداول، فزعم أن نبي الإسلام محمداً (ص) دجّال مولع بالجنس، بل إنه المسيح الدجال نفسه (19).

وكان يرتعد خوفاً عندما اقتيد إلى السجن، إلا أن القاضي قرر ألا يصدر حكم الإعدام بحقه، إذ رأى أنه كان ضحية استفزاز ظالم من المسلمين. ولم يلبث الراهب بيرفكتوس في غضون أيام معدودة أن أفلت زمامه من جديد، وعاد إلى سبّ الرسول محمد (ص) وشتمه بكلام بذيء.

فقرر الحاكم تنفيذ حكم الإعدام بالراهب بيرفكتوس. وما إن تأكد المسيحيون من خبر إعدامه حتى قاموا بتمزيق جسده إلى قطع صغيرة، ليضفوا هالة من القداسة على رفات شهيدهم.

ويظهر أن الكنيسة الإسبانية أرادت أن تستثمر الحدث، فدفعت براهب آخر يُدعى إسحاق أخذ يسبّ النبي أمام القاضي، فلم يجد القاضي بُدّاً من أن ينفذ حكم القانون فيه. واشتهرت الحادثتان في التاريخ المسيحي باسم «شهداء قرطبة»، لينتهي القول إلى أن الإسلام ليس ديناً مستقلاً منزّلاً، بل بدعة وصورة مشوهة من صور المسيحية القديمة، وأنه دين عنيف يؤمن بحدّ السيف (20).

2. الخوف من الإسلام

إن أحد أسباب خوف المسيحيين من دين الإسلام هو الجهل به. وقد ارتبط خوف المسيحيين الغربيين بجهلهم بحقيقة دين الإسلام، وهو ما عمدت إليه الكنيسة على مدى قرون مضت، إذ حجبت الحقيقة عنهم، بل حرصت على عرضه لهم كما تريده: مشوهاً، مرعباً، زائفاً.

ولعل أبرز عوامل الخوف المسيحي الغربي أن وجود الإسلام في العصور الوسطى قد أثار إحساسات عميقة بالخوف والصدمة وعدم الرضا.

فالغرب لم يكن يعرف نوايا المسلمين، كما لم يكن بوسعه تحديد أهداف الإسلام على أرض الواقع. كما أن الانتشار السريع للإسلام، وتحوّل كثير من المسيحيين إليه واعتناقهم الدين الإسلامي دون إكراه، وتحرير العبيد الذي غضّت المسيحية الطرف عنه، كل ذلك أثار حفيظة أوروبا المسيحية على الإسلام والمسلمين.

ولعل الفتوحات الإسلامية السريعة لبلاد الشام قد أثارت الرعب في قلوب المسيحيين الغربيين على مصير الدولة البيزنطية وعاصمتها القسطنطينية، التي عُدّت خط دفاعهم الأول في مواجهة الشرق.

أما إعلان المسلمين الجهاد، لا طمعاً في المكاسب والمغانم كما روّج القائد المسيحي في معركة بلاط الشهداء (تور) عام 732م، بل طلباً للفوز بالجنة كما وعدهم الله، فقد زاد من مخاوفهم، وتحولت هذه المخاوف إلى قلق مستمر ودائم (21)، وهو ما سنراه لاحقاً.

3. شحن عواطف المسيحيين الغربيين وتعبئتهم ضد الخطر الإسلامي

إن ظهور المسلمين سنوياً على جبل عرفات لأداء موسم الحج بلباس موحد، دون تفريق بين حاكم ومحكوم، أو أبيض وأسود، صار مصدراً للغيرة والحسد لدى أتباع الديانتين اليهودية والمسيحية. وفي تفسير سياسي لهذه الحالة، ورغم النكوص الذي أصاب العديد من الدول العربية والإسلامية في أيامنا هذه، فإن دين الإسلام لا يزال مؤثراً في نفوس الكثيرين من مواطني أوروبا المسيحية والولايات المتحدة الأمريكية.

فقد أشارت قناة (Fox) الإخبارية الأولى إلى أن عدد الذين يتحولون سنوياً إلى الإسلام في أمريكا يبلغ نحو عشرين ألف أمريكي، كما أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية أن الإسلام هو الأكثر انتشاراً في أمريكا (22).

ولكي لا تضيع جهود الكنيسة المسيحية في شحن العواطف التي مالت، وما زالت تميل، لصالح دين الإسلام، كما اعترفت صحيفة التايمز البريطانية عام 2006م (23)، عمدت الكنائس الغربية إلى تشجيع المؤمنين بها على ضرورة الالتزام بالحج إلى القدس، التي لها مكانة عظيمة في قلوب أتباع الأديان السماوية الثلاثة، بهدف محو الآثام والذنوب والتطهر من الخطايا، وهو ما يسمى بالحج عند المسيحيين.

ويعتقد المسيحيون أن المسيح (ع) قد هبط إلى الأرض وتجسّد بشراً في مدينة بيت لحم القريبة من القدس، ثم رُفع إلى السماء من جبل الزيتون.

وساد الاعتقاد أن بيت لحم هي المكان الذي لمس الله فيه عالمنا، فصارت لها قوتها الروحية (24). ومعنى ذلك أنها تمكّن المسيحيين من الشعور بوجود الله عن طريق إزالة الحاجز المكاني، لا الزماني، بينهم وبين حياة المسيح، وأن المسيحيين حين يلمسون الأشياء التي لمسها المسيح، مثل الصليب والقبر والأرض التي يقفون عليها، فإنهم يتصلون بالمسيح الغائب عبر السنين.

وكانت كنيسة القيامة أبرز المعالم التي يزورها الحجاج المسيحيون، لاعتقادهم أنها تضمّ قبر المسيح، وهو اعتقاد الغالبية العظمى من مسيحيي الغرب الذين توافدوا بحماسة لزيارة الأراضي المقدسة، في رحلة شاقة محفوفة بالمخاطر عبر الأراضي المسلمة في القرنين التاسع والعاشر الميلاديين.

والحقيقة أن مسيحيي الغرب الزائرين كثيراً ما كانوا يمتعضون من الإشراف الإسلامي على مقدسات المسيحيين، وينادون كنائسهم بتطهيرها من دنس المسلمين الكفار.

وهي دعوة للبابا لأن يكون المرجع الروحي للمسيحية، تصدر منه التوجيهات لحشد جهود الآخرين باتجاه الأراضي المقدسة.

4. تشبّث البابا بالسلطة الروحية على الكنائس الكاثوليكية في القرنين التاسع والعاشر الميلاديين

تمحورت الكنيسة الكاثوليكية حول شخص البابا بوصفه خليفة للقديس بطرس الأول (الكبير).

كما تمتع البابا بصفة القداسة في ذاته وكلماته، وعدّه الكثيرون من الكاثوليك واسطة بين الله والخلق، وممثلاً لله على وجه الأرض.

وتطور الأمر إلى حدّ إطلاق وصف «العصمة» عليه، فهو معصوم حين يتكلم بصفته كاهناً أو معلماً. وهذه العصمة، في نظرهم، هبة من الله تثبت مشروعيتها في إنجيل يوحنا بقوله: «لم تختاروني أنتم بل أنا اخترتكم وأقمتكم لتنطلقوا فتثمروا ويبقى ثمركم، فيعطيكم الآب كل ما تسألونه باسمي» (25).

ولهذا قرر مجمع الكنائس الذي عُقد عام 869م أموراً مهمة، منها ما يتعلق بالكنيسة والبابا.

وكان من أبرزها تقرير مبدأ عصمة البابا، ومنح الكنيسة سلطة محو السيئات عن طريق إصدار صكوك الغفران، ووجوب الاحتكام إلى كنيسة روما في كل أمر يتعلق بالمسيحية، وأن المسيحيين في جميع بلاد العالم يخضعون لقرارات رئيس كنيسة روما (26).

وقد تعاقب على كرسي البابوية مئات البابوات، كان أولهم، حسب الاعتقاد الكاثوليكي، القديس بطرس.

وتذكر الكاتبة كارين آرمسترونج في كتابها «معارك في سبيل الإله» أن ثلاثة من البابوات حاولوا إثبات أحقيتهم بالجلوس على كرسي البابوية في خلافة القديس بطرس، فوجدوا أن أسلافهم قد أسندوا المنصب إلى غير من يشغلونه من الأحياء، فدعاهم ذلك إلى نبش قبورهم ومحاكمتهم. ومن ذلك ما حدث عام 897م، عندما أخرج البابا إتيان السادس جثمان سلفه البابا فورموزا بعد دفنه بعدة أشهر (27)، وأحضر الجثمان مسحوباً من قدميه أمام مجلس السينودس (28) المنعقد بأمره، وبعد أن أدان المتوفى البابا فورموزا إدانة طنانة أمر بقطع ثلاثة أصابع من يده اليمنى، ثم أمر برمي جثمانه في نهر التيبر، وقد دُفن بعد ذلك سراً دون علم البابا إتيان السادس.

وفي عام 905م علم البابا الجديد سرجيوس الثالث بهذه الواقعة، فأمر بإخراج البابا فورموزا من القبر وأُعيدت محاكمته، فقُطع رأسه وثلاثة أصابع أخرى، ثم أُلقي في النهر من جديد، وهذه المرة لم يدفنه أحد (29).

إن هذه المهانة الكبيرة والغريبة لأحد البابوات قد ولّدت حالة من الانكسار، وعزوف كثير من المسيحيين عن تقديم الولاء أو الإيمان للكنيسة، حتى أُرسيت قاعدة لانتخاب البابا عن طريق مجلس الكرادلة (جمع كاردينال)، وهم مستشارو البابا، ووُضع هيكل تنظيمي للإدارة البابوية في الكنيسة الكاثوليكية والرتب الكهنوتية فيها ليكون واضحاً للجمهور:

  1. الإدارة البابوية: تتكون من أمين سر وعدد من اللجان، منها لجنة الكرادلة، وفيها فريق يُطلق عليهم أمناء السر (السكرتارية)، يشرفون على المسائل الخاصة بالكنيسة، لا سيما القانونية والإدارية واللاهوتية.

  2. المطارنة (الأساقفة): وهم مسؤولون أمام البابا، ويتكون مجمع الأساقفة منهم ومن البابا الذي يرأس المجمع، والمجمع مسؤول عن قيادة الكنيسة، وهم أعلى رتبة من الكهنة والقسيسين.

  3. الأسقفيات أو الأبرشيات: وهي مناطق محددة من الكنيسة يديرها أسقف يتولى شؤونها الإدارية والدينية، وتُعدّ الأبرشيات الوحدات التنظيمية التي تتكون منها الكنيسة الكاثوليكية (30).

أما التسلسل الهرمي للإكليروس، أي رجال الدين، في الكنيسة الكاثوليكية فهو كالتالي:

  1. الشماس المساعد، ثم الشماس، ثم رئيس الشمامسة.

  2. القسيس، ويسمى أيضاً القس والكاهن والأب والخوري، وكل هؤلاء لقبهم التشريفي «المحترم»، ويناديهم الأتباع باسم «أبونا».

  3. الأسقف أو المطران، وأحياناً يكون المطران أعلى من الأسقف إذ يرأس عدة أساقفة، ثم رئيس الأساقفة، ولقبهم التشريفي «سيادة»، ويخاطبهم الأتباع بـ«سيدنا».

  4. البطريرك (أو البطريارك، أو الشيخ الجليل)، وهو رئيس الأساقفة، ولقبه «غبطة البطريرك».

  5. الكاردينال، ولقبه التشريفي «نيافة»، ومن الكرادلة يتشكل مجمع الكرادلة.

  6. البابا، ويلقب بقداسة الحبر الأعظم (31).

وتجدر الإشارة هنا إلى أن أربعة مجامع (مؤتمرات) قد عُقدت بعد المجمع الأول الذي عُقد في أورشليم القدس بعد مفارقة المسيح لأتباعه باثنتين وعشرين سنة (32).

وعُدّت القرارات الصادرة عن هذه المجامع الأربعة ملزمة لجميع أتباع الكنيسة الكاثوليكية. أما خطورتها فتكمن في أنها تختص بتقرير القواعد والقرارات الدينية العامة، لكونها تملك سلطة تشريعية تفضي إلى صرف الأموال لمحاربة دين الإسلام والانتقاص من شخصية الرسول العربي محمد (ص) ومن قرآن الإسلام، وعدم الاعتراف بأي عقيدة مغايرة لعقيدة الكنيسة الكاثوليكية، وأن من يخالف الكنيسة لا يختلف عن المعتنق للديانة المانوية (33) التي واجهتها المسيحية قديماً. ولكن علينا أن نعرف ماذا يقول قرآن الإسلام عن النبي عيسى (ع)، نبي المسيحية.

المصادر

  1. يوسف الحسن، البعد الديني في السياسة الأمريكية تجاه الصراع العربي الصهيوني، مركز دراسات الوحدة العربية، 1989م، ص74.
  2. آ. جبسون، و. ج.، الكنيسة النابضة، الفصل الأول.
  3. إنجيل متى، 16: 18-20.
  4. المصدر نفسه، 18: 18.
  5. و. ل. ديورانت، قصة الحضارة، ترجمة عبد الحميد يونس، مصر، طبعة الإدارة الثقافية، 1985م، ص352.
  6. محمد حسونة ومحمد رفعت، معالم تاريخ العصور الوسطى، ط1، مصر، المطبعة الرحمانية، 1925م، ص137.
  7. جان نوفسل، دولة الفاتيكان، نقله إلى العربية ميخائيل الرجي، بيروت، دار مكشوف، 1966م، ص12.
  8. أعمال الرسل، 7: 38.
  9. كامبل، المصدر السابق، ص2.
  10. المصدر نفسه، ص3.
  11. محمد أحمد الخطيب، مقارنة الأديان، الأردن، دار المسيرة، ط1، 2008م، ص258.
  12. الحواريون: هم أتباع النبي عيسى (ع)، وعددهم اثنا عشر من المؤمنين الأقوياء.
  13. الكاثوليك: استُخدمت كلمة «الكاثوليكية» لأول مرة على يد القديس إغناطيوس الأنطاكي عام 110م، ثم استخدمها اللاهوتي الإغريقي كليمنت الإسكندري (150-215م)، لكن الاستخدام الرسمي في التعبير عن الكنيسة المسيحية لم يحدث قبل القرن الثالث الميلادي.
  14. شفيق مقار، المسيحية والتوراة، ط1، لندن، دار رياض الريس للنشر، 1992م، ص62.
  15. و. ل. ديورانت، المصدر السابق، ص206.
  16. المصدر نفسه، ص207.
  17. المصدر نفسه، ص207.
  18. الطهطاوي، الميزان في مقارنة الأديان، ص139-140.
  19. كارين آرمسترونج، سيرة النبي محمد، ط1، ترجمة فاطمة نصر ومحمد عناني، القاهرة، دار الكتاب العربي، 1989م، ص32-33.
  20. كارين آرمسترونج، المصدر السابق، ص35.
  21. كارين آرمسترونج، المصدر السابق، ص33.
  22. علي الريس، الصليبية من عهد قسطنطين إلى اليوم وجذورها الدينية، ط1، مصر، دار طيبة، 2008م، ص4-5.
  23. صحيفة التايمز البريطانية: أقدم قس ألماني على الانتحار داخل أحد الأديرة احتجاجاً على ما وصفه بانتشار الإسلام وعجز الكنيسة البروتستانتية عن احتوائه. صحيفة التايمز اللندنية، عددها الصادر في 3 تشرين الثاني 2006م.
  24. كارين آرمسترونج، المصدر السابق، ص319.
  25. إنجيل يوحنا، 15: 16.
  26. أحمد شلبي، المسيحية، باختصار وتصرف، ط10، مصر، مكتبة النهضة، 1993م، ص168-169.
  27. كارين آرمسترونج، معارك في سبيل الإله، المصدر السابق، ص111.
  28. مجلس السينودس: هو مجلس يُعقد في الفاتيكان لبحث مستقبل المسيحيين في البلدان العربية.
  29. أحمد شلبي، المصدر السابق، ص169.
  30. سعد رستم، الفرق والمذاهب المسيحية منذ ظهور الإسلام حتى اليوم، دمشق، دار الأوائل للنشر، 2005م، ص68.
  31. سعد رستم، المصدر السابق، ص79.
  32. مجمع نيقية المنعقد عام 325م، ومجمع القسطنطينية الأول المنعقد عام 381م، ومجمع أفسس المنعقد عام 431م، ومجمع خلقيدونية المنعقد عام 451م. انظر: محمد أحمد الخطيب، مقارنة الأديان، ط1، الأردن، دار المسيرة، 2008م، ص287.
  33. الديانة المانوية: تعود إلى مؤسسها ماني الذي وُلد عام 216م في إحدى قرى ولاية بابل. وفي سن الرابعة رحل أبوه إلى إحدى قرى ولاية العمارة جنوب العراق، وهناك نشأ ماني على الدين الصابئي. وفي سن الشباب تنقّل ماني في ولايات وادي الرافدين، وأعلن نبوّته وتأسيسه للدين المانوي الذي انتشر خلال قرن من الزمن من الصين إلى إسبانيا. وكانت له علاقة بالملك الفارسي سابور، وهو الذي شجعه على جعل بابل مقر الكنيسة الأم ومرجع الحوزة العلمية لجميع الطوائف المانوية في العالم مدة ألف سنة. وقد أُعدم ماني في الأحواز بقرار من الإمبراطور الفارسي بهرام الأول لأسباب سياسية، بعد أن جعل بابل مركزاً لدين عالمي، وكان ذلك بين عامي 274 و277م. انظر: إبراهيم عبد الطالب، العراق البلد العربي الذي نخره السياسيون 1914-2003م، عمان، 2010م، ص15.