الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
إسبانيا وفرنسا المسيحية في حالة طوارئ (712 – 732م)
من محاضرات «الكنيسة والإسلام والسياسة» – 2010
بعد معركة لكة عام 711م التي كسبها الجيش الإسلامي، استمر المقاتلون العرب، المنظمون على أساس قبلي، بالتدفق على شمال إفريقيا، ومنها إلى إسبانيا. ثم ما لبثوا أن تجولوا منبهرين في شوارع المدن، وقد استهوتهم طريقة حياة الناس ومنازلهم، والمطر المنهمر، والسهول الخضراء، وعذوبة ينابيع المياه، والأثمار المتدلية من كل جانب. وهو ما انعكس على مجموعات كبيرة من المقاتلين العرب الذين وصلوا من صحارى العراق وبلاد الشام وجزيرة العرب، وقد اختلفت عليهم الحياة تماماً.
عيّن الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك (724 – 743م) عبدَ الرحمن الغافقي (1) لإمارة الأندلس خلفاً لعنبسة بن سحيم الكلبي (2) الذي قتلته مجموعات من الإفرنج (3).
ولكي يبدأ عبد الرحمن الغافقي عمله التدبيري في نشر الإسلام في ربوع فرنسا (بلاد الغال)، طلب من أمير الثغور عثمان بن أبي نسعة أن يشاغل جيوش الفرنجة بغارات متتالية إلى حين إكمال تعبئة الجيش الإسلامي. غير أن معلومات وصلت إلى عبد الرحمن الغافقي تفيد بأن أمير الثغور عثمان بن أبي نسعة متزوج من ابنة دوق أوكتانيا الجميلة مينين، وأنه لا يستطيع أن يلبي أوامره بسبب عهد وقّعه مع دوق أوكتانيا (4).
اتجه عبد الرحمن الغافقي بجيشه شمالاً نحو مقاطعة أوكتانيا، حيث خصمه اللدود أودي دوق المقاطعة، بعد مقتل صهره عثمان بن أبي نسعة وأسر ابنته مينين. وقد تمكن من اجتياز جبال البيرينيه، ليكون في الأراضي الفرنسية، في صيف عام 732م. وعند نهر غارون (الجارون)، وبعد معركة كبيرة، هزم جيشَ أودي دوق مقاطعة أوكتانيا ومن معه، فتراجعوا إلى باريس، وغنم عبد الرحمن الغافقي الكثير من الغنائم (5).
ويذكر المقدم المتقاعد مايكل لي لاننغ، صاحب كتاب «المعارك المائة»، أن الفرنجة وجدوا أنفسهم في أسوأ موقف، فطرحوا خلافاتهم جانباً، واتحدوا تحت قيادة الملك تشارلز (ملك فرنسا) للوقوف في وجه المسلمين، كما انضمت المجاميع الفرنجية الأخرى التي كانت معارضة لتشارلز ملك فرنسا لمقاتلة العدو المشترك، أي الجيش الإسلامي (6).
كان مضيّ عبد الرحمن الغافقي إلى بوردو، عاصمة الدوق أودي في مقاطعة أوكتانيا، هزةً قوية لكل أبناء المسيحية في فرنسا، ومن خلفها اهتزت أوروبا من أقصاها إلى أقصاها لسقوط نصف فرنسا الجنوبي بيد المسلمين خلال بضعة أشهر من عام 732م (7).
أما بابا الكنيسة الكاثوليكية الذي هزّته العاصفة، فكان يدعو كل شاب مسيحي إلى أن ينضم إلى الجيش الإفرنجي الذي جُهّز بقيادة شارل مارتل، الذي قبل نداء أودي (8). وبذلك توحدت القوى النصرانية في بلاد الغال (فرنسا) للتصدي للمسلمين. وفي هذا يصف الشاعر الإنكليزي سوزي تجمّع المسلمين في جنوب فرنسا بالقول: “جمع لا يحصى من شام وعرب وروم وخوارج وفرس وكورد وقبط وتتر، عصبة واحدة يجمعها إيمان هائم راسخ القوة، حمية مضطرمة وأخوة مروعة … حتى يصبح الغرب المغلوب كالشرق يطأطئ الرأس إجلالاً لاسم محمد ﷺ، ينهض الحاج من أقصى المتجمد ليطأ بأقدام الإيمان الرمال المحرقة … المنتشرة في صحراء العرب وأراضي مكة الصلدة” (9). أما الوصف الذي أعطاه لجيش الإفرنجة، فهو أنه خليط من العشائر الجرمانية المتوحشة والعصابات الأوروبية، نصف عراة، يتشحون جلود الذئاب، وتنسال شعورهم فوق أكتافهم العارية. وهو وصف لا يخلو من قصد إخافة المسلمين الذين تجمعوا من مواطن اعتنقت الإسلام خلال مئة سنة من الفتوحات الإسلامية التي انطلقت من جزيرة العرب (10).
ويظهر أن عقلاء الفرنجة، الذين استقوا معلوماتهم من أبناء القوط الذين خسروا معركة لكة عام 711م، رأوا أن يخاطبوا قائدهم قائلين: “ما هذا يا شارل مارتل؟ كنا نسمع بالعرب ونخافهم من مطلع الشمس، حتى أتوا من مغربها واستولوا على بلاد الإسبان بجمعهم القليل”. فأجابهم القائد الإفرنجي شارل مارتل في لقاء مباشر: “ينبغي ألا نعترضهم، فإنهم كالسيل يحملون ما يصادفونه، ولهم نيات تغني عن كثرة العدد، وقلوب تغني عن حصانة الدروع، ولكن أمهلوهم حتى تمتلئ أيديهم من الغنائم، ويتخذوا المساكن، ويتنافسوا في الرئاسة، ويستعين بعضهم على بعض، فحينئذ نتمكن منهم”. وكان بذلك يعوّل على الفتنة بين الشاميين وعرب الحجاز، وبين البربر والعرب، وبين القبائل المضرية واليمنية، لا للاستحواذ على الغنائم، وإنما على الزعامة إذا ما فُقد القائد عبد الرحمن الغافقي، وهو من أهل اليمن (11).
ولعله درس عملت به القوى الغربية في قادم الأيام والسنين لإجهاض عنفوان الإيمان بالجهاد.
كان القائد عبد الرحمن الغافقي يرى أن كمية الغنائم التي تكدست في أيدي جنوده هي التي أثقلت كاهلهم، وقد همّ بأن يأمر جنوده بالتخلص من هذه الثروات الطائلة، ولكنه خشي ألا تطيب قلوبهم بذلك القرار الخطير، وألا تسمح نفوسهم بالتخلي عن هذا الكنز الثمين، وهو ما أورده كل الكتّاب العرب.
وكذلك الكاتب الغربي مايكل لي لاننغ، الذي أشار إلى أن المسلمين تأخروا في الهجوم بسبب الغنائم التي جمعوها أثناء زحفهم من إسبانيا إلى جنوب فرنسا، ووضعوها في نقطة بعيدة عن ميدان المعركة (12).
دخل الطرفان في معركة في منتصف شهر تشرين الأول 732م عند نهر اللوار القريب من مدينة تور جنوب فرنسا، واستمرت سبعة أيام. وفي اليوم الثامن حدث ما لم يكن في الحسبان، فقد قُتل القائد عبد الرحمن الغافقي، وتمكنت فرقة من كتائب الفرنجة من تنفيذ غارة على معسكرات الغنائم للعرب المسلمين، وهو ما دفع الجيش الإسلامي إلى الاعتقاد بأن غنائمهم ربما صارت في قبضة عدوهم، فانسحبت معظم كتائبه القتالية عبر جبال البيرينيه إلى إسبانيا (13).
وأُطلق عليها معركة تور (Tours)، فيما هي عند العرب معركة بلاط الشهداء عام 732م (14). أما النصر الذي حققه ملك فرنسا، فهو أنه تمكن من المحافظة على الفرنجة موحدين تحت قيادته. وعندما توفي الملك تشارلز عام 741م، استطاع أولاده المحافظة على وحدة المملكة، وزادوا من قوتها السياسية والعسكرية، ليصبح اسمها فرنسا (15) بدلاً من بلاد الغال. أما آثارها على الديانتين الإسلامية والمسيحية، فإن أغلب الباحثين، بمن فيهم الكتّاب المسيحيون، يعترفون بأنه لو تمكن عبد الرحمن الغافقي من كسب معركة تور (بلاط الشهداء) عام 732م لانتشر الإسلام في بلاد أوروبا. ولكن ما حصل أن أهل بلاد الغال (فرنسا) كسبوا المعركة، ولم يعد المسلمون موحدين لشن أي هجوم رئيسي آخر، وهذا ما أعطى معركة تور (بلاط الشهداء) صفة أنها إحدى أكبر المعارك المؤثرة في التاريخ.
أما الدولة العباسية التي أسسها أبو العباس السفاح، ابن عم النبي محمد ﷺ، عام 750م في بغداد، فقد كانت دولة علم وحضارة أكثر منها دولة حرب وفتوحات، بعكس الدولة الأموية، رغم أن مدة حكم الدولة العباسية (750 – 1258م) كانت أطول من حكم الدولة الأموية التي شهدت فتوحات كبرى في الشرق والغرب كما أسلفنا (16).
والحق أن ما أنجزه خلفاء بني العباس من طرد الروم من بلاد المسلمين كان في عهد الخليفة المعتصم بالله (17) بن هارون الرشيد، الذي تولى الخلافة عام 833م.
وقد كتب التاريخ عن موقعة عمورية وسط تركيا عام 838م، رغم أن ما أنجزه الخليفة الوليد بن عبد الملك في وقت سابق (18) كان أكثر بكثير.
وكان معظم جيش المعتصم بالله يتألف من الأتراك والمغاربة ورجال من خراسان والكورد. ولقربه من عائلة والدته التركية، فقد اختار لقيادة جيشه الأفشين (حيدر بن كاوس)، وهو تركي من أشروسنة، أي من بلاد ما وراء النهر، اكتُشفت خيانته فيما بعد (19)، وإيتاخ، وأشناس، وعجيف بن عنبسة.
كان إمبراطور الروم تيوفيل بن ميخائيل يتحين الفرصة المناسبة للانتقام من المسلمين الذين ألزموه بدفع الجزية السنوية قهراً، وكان لهذا يبعث الأخبار إلى كل من يشق عصا الطاعة على الخليفة العباسي المعتصم بالله، حتى وجد ضالته في القائد المنشق بابك الخرمي، الذي زوّده بمعلومات عن خروج جيش إسلامي لمقاتلته. فدفعه ذلك إلى قتل المسلمين صغاراً وكباراً ونساءً، وسبي أعداد كبيرة من النساء في مدينة زبطرة. وكانت من بينهن امرأة هاشمية استغاثت بأعلى صوتها: “وامعتصماه”، وقد فهم الخليفة المعتصم بالله مغزى صوت المرأة (20).
لبّى الخليفة العباسي المعتصم بالله نداء المرأة العربية الهاشمية، وأعلن النفير والاستعداد للحرب، في الوقت الذي كانت تصله فيه المعلومات بأن عمورية واحدة من حصون الروم، وأنها مسقط رأس ملك الروم تيوفيل (21).
أمر الخليفة العباسي المعتصم بالله قائد جيشه الأفشين (حيدر بن كاوس) التركي أن يدخل بلاد الروم ويكون في أنقرة، العاصمة التركية الحالية، فيما يسلك القائد أشناس طريقاً آخر من طرسوس (22). واستمر الأفشين في مسيره، ووقعت بينه وبين ملك الروم معركة كان النصر في بدايتها للملك الرومي، إلا أن الأفشين أعاد الكرّة بفرسانه وهزمه. ثم التقى الخليفة العباسي المعتصم بالله وقائداه أشناس والأفشين في أنقرة، ولتنسيق حركة الجيش إلى عمورية قسّم جيشه إلى ثلاثة أرتال لمحاصرة المدينة، وكان الخليفة المعتصم بالله في قلب الجيش. وخلال ثلاثة أيام من القتال هُزم جيش ملك الروم تيوفيل، فقضى جند الإسلام ليلتهم بالتكبير والصلاة، وجمعوا الأسرى والغنائم، وكان من بين الأسرى البطريرك الكبير باطس (23).
أما ملك الروم تيوفيل فلم يكن لديه ما يفعله إلا اللجوء إلى القسطنطينية، عاصمة الدولة البيزنطية، بانتظار ما تصدره الكنيسة الكاثوليكية من تعليمات لرجالها في الميدان.
المصادر
عبد الرحمن الغافقي: هو عبد الرحمن بن عبد الله بن بشر الغافقي (أبو سعيد)، نزح من اليمن إلى الحجاز، وتتلمذ على يد الصحابي الجليل عبد الله بن عمر بن الخطاب. ذهب إلى شمال إفريقيا، ثم عاد إلى دمشق للاتصال بالخليفة هشام بن عبد الملك الذي رأى فيه خبيراً وعالماً جليلاً صادق الإيمان، فأعاده إلى الأندلس. وكان الخليفة عمر بن عبد العزيز قد عيّنه والياً عليها بعد موسى بن نصير وابنه عبد العزيز، والسمح بن مالك الخولاني. انظر: عدنان حسن صالح، المصدر السابق، ص 148 – 149.
عنبسة بن سحيم الكلبي: خلال السنوات الأربع الأولى من إمارته على الأندلس حاول عنبسة بن سحيم الكلبي مواصلة حروبه في بلاد الغال (فرنسا)، فوصل إلى نهر الرون ومدينة ساس. وأثناء عودته داهمته مجموعة كبيرة من الفرنجة (قبائل جرمانية شديدة المراس) عام 725م، فاستشهد على إثرها. انظر: عدنان حسن صالح، المصدر السابق، ص 148.
الفرنجة: قبائل جرمانية فتحت بلاد الغال (فرنسا) نحو عام 500م.
أرسل عبد الرحمن الغافقي مجموعة من فرسانه لمطاردة عثمان بن أبي نسعة حتى قتلوه وأسروا زوجته مينين، التي أُرسلت إلى الخليفة هشام بن عبد الملك في دمشق. عدنان حسن صالح، المصدر السابق، ص 151.
مايكل لي لاننغ، المصدر السابق، ص 140.
المصدر نفسه، ص 140.
أحمد عطيات، المصدر السابق، ص 59.
لبّى شارل مارتل نداء أودي، وقبل ذلك لم يكن يكترث بتحركات المسلمين في جنوب فرنسا لخلاف بينه وبين أودي دوق أوكتانيا، بسبب طمع شارل في الدوقية. انظر: عدنان حسن صالح، المصدر السابق، ص 151.
عدنان حسن صالح، المصدر السابق، ص 152.
المصدر نفسه، ص 151.
عدنان حسن صالح، المصدر السابق، ص 152.
أحمد عطيات، المصدر السابق، ص 60.
مايكل لي لاننغ، المصدر السابق، ص 139 – 140.
المصدر نفسه، ص 143.
المصدر نفسه، ص 142.
اشتبك الجيشان العباسي والأموي، والأخير بقيادة مروان الثاني، عام 750م في موقعة الزاب الكبير، وأدت إلى هروب مروان الثاني إلى مصر، حيث قُتل هناك.
الخليفة المعتصم بالله ابن هارون الرشيد: ولد في مدينة زبطرة (تركيا) عام 795م، وكان والياً على بلاد الشام ومصر خلال خلافة أخيه المأمون، وكان الأخير يحب المعتصم لشجاعته وإقدامه. استمر حكمه ثماني سنين وثمانية أشهر. وكان من معاصريه من حكام المسلمين في الأندلس عبد الرحمن الثاني بن الحكم بن هشام، ومن البيزنطيين في القسطنطينية الإمبراطور تيوفيل بن ميخائيل. كانت أمه ماردة تركية، ولذلك قرّب الأتراك أثناء حكمه، وبنى لهم عاصمة جديدة هي سامراء لإبعاد الجيش التركي عن العاصمة بغداد. توفي في سامراء عام 842م. انظر: عدنان حسن صالح، المصدر السابق، ص 161 – 162.
معركة عمورية والوليد بن عبد الملك: كان الفتح الأول لمدينة عمورية وما حولها في خلافة الوليد بن عبد الملك الأموية، عندما تمكن الجيش الإسلامي بقيادة البطال من فتح عمورية وحصون الدولة البيزنطية (طوانة وقمونية وسبسطية وطرسوس). انظر: عدنان حسن صالح، المصدر السابق، ص 161.
الأفشين (حيدر بن كاوس): أحد أبناء ملوك أشروسنة، حارب المنشق بابك الخرمي الذي خرج عن طاعة الخليفة المعتصم بالله ابن هارون الرشيد عام 835م. ولما غزا المعتصم عمورية (تركيا) كان الأفشين قائد الجيش، ولكن عندما وصلت المعتصمَ أخبار بأن الأفشين لا يزال على كفره، وأنه يخطط للوصول إلى الخلافة، سجنه حتى مات في سجنه.
هاني خيرو أبو غضيب، المصدر السابق، ص 66.
عدنان حسن صالح، المصدر السابق، ص 163.
عدنان حسن صالح، المصدر السابق، ص 164 – 165.
المصدر نفسه، ص 165.