الدكتور عبد العزيز المفتي

إسرائيل واحتلال الأراضي العربية وغياب العدالة الدولية

منذ نشأة إسرائيل عام 1948، ارتبط اسم إسرائيل بالصراع والاحتلال، وكانت دوماً بؤرة توتر في الشرق الأوسط. لم تكتفِ إسرائيل بالحدود التي رُسمت لها وفق قرار التقسيم الأممي رقم 181 عام 1948، بل تجاوزتها سريعاً نحو احتلال أراضٍ فلسطينية عربية جديدة.

وبعد النكبة جاءت النكسة في 1967 لتوسع إسرائيل رقعة الاحتلال، فاحتلت إسرائيل الضفة الغربية، قطاع غزة، شبه جزيرة سيناء، الجولان السوري، وأجزاء من جنوب لبنان لاحقاً، ولغاية اليوم لا تزال بعض هذه الأراضي العربية تحت السيطرة الإسرائيلية المباشرة، خصوصاً الجولان السوري وأراضٍ في الجنوب اللبناني.

ما يثير الدهشة والامتعاض في آنٍ معاً هو الغياب شبه التام لفعالية المجتمع الدولي، ممثلاً في الأمم المتحدة ومجلس الأمن، في تنفيذ قراراته المتعلقة بإسرائيل، التي تعتبر إسرائيل من أكثر الدول في العالم التي صدرت بحقها قرارات وعقوبات دولية، لكنها (إسرائيل) لم تلتزم بها يوماً، دون أن تواجه إسرائيل عقوبات فعلية أو إجراءات حقيقية تُرغمها على احترام القانون الدولي والقرارات الصادرة من الأمم المتحدة / مجلس الأمن.

احتلال الجولان وقرار ضم الجولان لإسرائيل في مواجهة الشرعية الدولية:

إن احتلال الجولان وقرار ضم الجولان لإسرائيل في مواجهة الشرعية الدولية، في يونيو 1967، احتلت إسرائيل الجولان السوري خلال حرب الأيام الستة عام 1967، بقيت المنطقة (الجولان السوري) تحت الاحتلال الإسرائيلي حتى قررت إسرائيل في ديسمبر / كانون الأول 1981 ضمها رسمياً إلى "دولة إسرائيل"، في مخالفة واضحة وصريحة للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.

جاء الرد الأممي سريعاً من خلال قرار مجلس الأمن رقم 497 الذي نص على أن "قرار إسرائيل بفرض قوانينها وولايتها القضائية وإدارتها على الجولان السوري المحتل لاغٍ وباطل وليس له أي أثر قانوني دولي".

لكن، رغم وضوح القرار 497، لم تُجبر إسرائيل على التراجع، ولم تُفرض عليها (إسرائيل) أي عقوبات، بل استمرت في تعزيز سيطرتها على الجولان السوري، وتكثيف الاستيطان اليهودي فيه، بل واعتبار الجولان جزءاً لا يتجزأ من خريطتها السياسية والتعليمية، مستفيدة من دعم بعض الدول الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، التي اعترفت بسيادة إسرائيل على الجولان السوري في عهد الرئيس دونالد ترامب الأولى عام 2019، في خرق فاضح للقانون الدولي.

الجنوب اللبناني: الاحتلال الإسرائيلي والمقاومة اللبنانية (حزب الله) والانسحاب الإسرائيلي المشروط:

لم يكن الجنوب اللبناني بمنأى عن الاعتداءات الإسرائيلية، فمنذ سبعينيات القرن الماضي، بدأ التوغل الإسرائيلي في جنوب لبنان تحت ذريعة "ملاحقة الفدائيين الفلسطينيين"، وتوسعت رقعة الاحتلال الإسرائيلي حتى وصلت إلى اجتياح بيروت في عام 1982.

ورغم انسحاب القوات الإسرائيلية من العاصمة (بيروت) إلا أن القوات الإسرائيلية بقيت في الجنوب اللبناني حتى عام 2000، عندما اضطرت إسرائيل إلى الانسحاب منها تحت ضغط المقاومة اللبنانية بقيادة حزب الله، لا بقرار دولي أو نتيجة لوساطة أممية، بل بمقاومة وضغط حزب الله اللبناني.

وخلال سنوات الاحتلال الإسرائيلي للبنان، ارتكبت إسرائيل العديد من الانتهاكات، مثل مجازر قانا، وتدمير البنية التحتية، واعتقال آلاف اللبنانيين في معتقل الخيام سيء السمعة.

ولم تتحرك الأمم المتحدة بشكل فعّال لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي أو لفرض التزاماتها على إسرائيل، حتى عندما صدر قرار مجلس الأمن رقم 425 في عام 1978، الذي دعا إسرائيل إلى الانسحاب الفوري وغير المشروط من جنوب لبنان، استغرق الأمر 22 عاماً لتنفيذه، وبشكل جزئي وغير كامل، حيث مازالت تحتل مزارع شبعا وتلال كفرشوبا.

ازدواجية المعايير في تطبيق القانون الدولي:

تتكرر الأسئلة في الأوساط السياسية والإعلامية والأكاديمية: لماذا لا تُحاسب إسرائيل على انتهاكاتها المتكررة للقانون الدولي؟ ولماذا لا تنفذ الأمم المتحدة قراراتها عندما يتعلق الأمر بإسرائيل؟ الجواب يكمن في السياسة، وتحديداً في حق النقض (الفيتو) الذي تملكه الولايات المتحدة داخل مجلس الأمن (الأمم المتحدة).

منذ عقود، تستخدم واشنطن الفيتو لحماية إسرائيل من أي مساءلة، حتى أصبحت الحماية الأمريكية مظلة دائمة تتيح لإسرائيل الاستمرار في سياساتها العدوانية والتوسعية دون خشية من العقاب.

هذا الواقع أدى إلى شعور عربي واسع بانعدام الثقة في النظام الدولي والأمم المتحدة، واعتقاد متزايد أن القانون يُطبق على الضعفاء فقط، أما الأقوياء وحلفاؤهم فلهم حصانة غير مكتوبة.

النتائج الكارثية للصمت الدولي للخروقات الإسرائيلية وللقرارات الدولية:

إن التغاضي الدولي عن خروقات إسرائيل للقرارات الأممية لم يؤدِّ فقط إلى إطالة أمد الاحتلال، بل ساهم أيضاً في خلق بيئة خصبة للتطرف وعدم الاستقرار في المنطقة العربية، فالشعوب التي ترى أراضيها تُسلب، وحقوقها تُهدر، وأبناءها يُقتلون دون أن تجد آذاناً صاغية في المجتمع الدولي والأمم المتحدة، قد تلجأ إلى العنف كرد فعل يائس في ظل غياب العدالة الدولية.

كما أن غياب المساءلة الدولية (الأمم المتحدة) شجع إسرائيل على المضي قدماً في بناء المستوطنات الإسرائيلية في فلسطين، وتهويد القدس، ومحاولات تغيير هوية الأراضي المحتلة (فلسطين)، في تحدٍّ صارخ لكل المواثيق الدولية، من اتفاقيات جنيف إلى قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة.

أين الأمم المتحدة من القرارات الصادرة منها؟

رغم إصدار الأمم المتحدة لعشرات القرارات التي تدين إسرائيل وتطالبها بالانسحاب من الأراضي المحتلة، إلا أن تأثير هذه القرارات بقي شكلياً، دون آلية تنفيذ فعلية، فمجلس الأمن وهو الجهة الوحيدة المخولة بإصدار قرارات ملزمة، يبقى مشلولاً بفعل الفيتو الأمريكي.

أما الجمعية العامة للأمم المتحدة فرغم إصدارها قرارات متكررة تؤكد حقوق الفلسطينيين والسوريين واللبنانيين، فإن قراراتها غير ملزمة قانوناً، ما يجعلها أشبه بإعلان نوايا دون قوة تنفيذ.

السبيل نحو تغيير المعادلة لغرض الخروج من هذا الوضع (تحركاً عربياً ودولياً):

إن الخروج من هذا الوضع المختل يتطلب تحركاً عربياً ودولياً حقيقياً لإصلاح النظام الدولي، أو على الأقل لخلق توازنات جديدة تردع إسرائيل عن استمرار انتهاكاتها.

من الضروري أن تتحرك الدول العربية بشكل موحد في المحافل الدولية، وتستخدم أدواتها الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية للضغط على حلفاء إسرائيل من أجل وقف دعمها لإسرائيل غير المشروط.

كما أن هناك حاجة لتعزيز ثقافة القانون الدولي داخل الشعوب العربية، وتحفيز المنظمات الحقوقية على توثيق الانتهاكات، ورفع قضايا ضد إسرائيل أمام المحاكم الدولية، مثل محكمة العدل الدولية أو المحكمة الجنائية الدولية، ولو بشكل رمزي، لإبقاء القضية الفلسطينية والعربية حية في الوعي القانوني العالمي.

خاتمة / خلاصة أعلاه:

لقد أثبت التاريخ الحديث أن إسرائيل دولة لا تلتزم بالقانون الدولي إلا إذا أُجبرت على ذلك، وغياب دور فاعل للأمم المتحدة في ردع العدوان الإسرائيلي على الأراضي اللبنانية والسورية يُظهر خللاً عميقاً في بنية النظام الدولي.

إن هذا الصمت المريب لا يبرره القانون، ولا تبرره الأخلاق، والشعوب العربية، ورغم خذلان المجتمع الدولي، لم تنسَ حقوقها، وما زالت تقاوم الاحتلال بوسائل متعددة، لكن العدالة ستظل ناقصة ما لم يتم مساءلة المعتدي، وتطبيق القانون على الجميع دون تمييز.

الدكتور عبد العزيز المفتي
نيسان 2025