الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

اتهامات تركية للولايات المتحدة الأمريكية عام 1993

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

جرت مناقشة تمديد بقاء «قوة المطرقة المتأهبة» بعد انقضاء ستة أشهر على وجودها في الأراضي التركية، في الثاني من شباط عام 1993 (1). وفي هذا المجال أكدت المعارضة التركية في المجلس الوطني التركي الكبير (البرلمان) أن الحكومة التركية انتهكت الدستور عندما فتحت قاعدة «إنجرليك» الجوية في جنوب تركيا من دون تفويض برلماني، وجعلت تركيا طرفاً في هجمات الحلفاء بقيادة الولايات المتحدة ضد العراق (2).

وفي تلك المناقشة اتهم «شوكت قازان»، نائب رئيس حزب الرفاه و«الصديق» للعراق وللرئيس صدام حسين، تركيا بأنها كانت خادمة لأمريكا «بسماحها للطائرات الأمريكية بضرب الشعب العراقي وبغداد من قاعدتها في إنجرليك … وأن القصف الأخير لبغداد في 17 كانون الثاني 1993 كان يستهدف اجتماع 450 أكاديمياً مسلماً من ستين بلداً في فندق الرشيد» (3).

وقد أثار اتهام شوكت قازان لرموز الحكومة التركية ردود فعل شديدة، ليس من الحزبين المؤتلفين الحاكمين فحسب، بل من نواب حزب الوطن الأم أيضاً، وهم الذين وقّعوا على طلب التصويت بالثقة. وفي هذا المجال قال «تونج بيلغيت» من حزب الطريق الصحيح: «إذا اتُّهمت تركيا بأنها خادمة الأمريكان، فإن أحداً ما ربما يُتّهم بأنه خادم لصدام حسين وخادم للمال»، مشيراً إلى علاقات حزب الرفاه الطيبة مع بغداد (4).

وهو ما أجبر شوكت قازان على تصحيح كلماته بقوله إنه كان يعني الحكومة، إلا أن ردود الفعل لم تتوقف. فقد قال رئيس الوزراء «سليمان ديميريل» إن على شوكت قازان أن يخجل من مقعده الذي يشغله بفضل تركيا الحاضرة، وإنه «لم تكن هناك حكومة تركية، لا في الماضي ولا في الحاضر، خادمة لأمريكا … وفي هذا المجال لا بد من التأكيد على عدم مشاركة أي طائرة من قاعدة إنجرليك في قصف بغداد» (5).

وقال سليمان ديميريل (6) إن الرادار العراقي المضاد للطائرات أقفل على طائرات قوة «توفير الراحة – المطرقة» أو أضاء عليها، بين منتصف كانون الأول ومنتصف كانون الثاني، إحدى وعشرين مرة، ولم يُردّ عليها إلا إحدى عشرة مرة فقط. وقال: «إن السلوك العراقي يعمل على إنهاء قدرة الردع لقوة التحالف، وإن الحكومة التركية لم تنتهك الدستور بتطبيقها الصلاحية الممنوحة من البرلمان التركي …

إن فتح النار على أولئك الذين كانوا يعدّون لفتح النار عليك هو دفاع عن النفس، وهذا منصوص عليه في الترخيص البرلماني الممنوح لتمديد مدة بقاء القوة، ولا يحتاج إلى موافقة إضافية من البرلمان أو الحكومة التركية. لقد طلبنا منهم عدم تجاوز حدود الدفاع عن النفس، وقد أنجزت الطائرات واجباتها» (7).

ومن جانب آخر، أشار سليمان ديميريل في كلمته أمام المجلس الوطني التركي الكبير إلى أن الحكومة الائتلافية التركية من حزبي الطريق الصحيح والشعبي الديمقراطي الاجتماعي لم تكن هي الداعية إلى القوة الدولية، بل حكومة حزب الوطن الأم هي التي فعلت ذلك، لتجنّب هجرة كوردية أخرى إلى البلاد (تركيا) بسبب هجمات الجيش العراقي على أكراد كوردستان العراق، وقال: «إن قرار حكومة حزب الوطن الأم كان صحيحاً، وإن الظروف التي أدت إلى اتخاذ القرار لا تزال قائمة، ولا يزال العراق يشكل تهديداً للأكراد والتركمان والعرب في كوردستان العراق، الذين هم أشقاء الشعب التركي» (8). وأضاف قائلاً: «إن وحدة أراضي العراق وحرمتها مهمة، وإن أي تقسيم للعراق سيسبب مشاكل كبرى في المنطقة … إن حلاً مطلقاً للمشكلة الكوردية في كوردستان يمكن إيجاده إذا واصل العراق السلام مع المجموعة الدولية ومع شعبه … لا تركيا ولا أي بلاد أخرى تريد رؤية حرب خليجية ثانية» (9).

وافق المجلس الوطني التركي الكبير (البرلمان) في جلسته التي عقدها في الرابع والعشرين من حزيران عام 1993 على قرار تجديد مدة بقاء قوة المطرقة المتأهبة في تركيا لمرحلة جديدة رابعة تستغرق ستة أشهر أخرى، تنتهي في أواخر شهر كانون الأول 1993؛ إذ صوّت لصالح القرار حزبا الائتلاف الحاكم، حزب الطريق الصحيح والحزب الشعبي الديمقراطي الاجتماعي، فضلاً عن حزب العمل الشعبي الكوردي والمستقلين من مجموعة الرئيس الراحل «تورغوت أوزال» الذين استقالوا من حزب الوطن الأم (10). وفي هذا المجال رغبت «تانسو تشيللر»، رئيسة الوزراء التركية، في أواخر حزيران عام 1993 في إتمام التصويت قبل إعلان تشكيل الحكومة، وذلك من أجل ضمان أكبر عدد ممكن من نواب حزبها لتأييد التمديد (11). وقد أوضح «نجم الدين أربكان» أن التصويت على تمديد بقاء قوة المطرقة كان في السابق قليلاً، أما الآن فقد لوحظت زيادة في التصويت، وكذلك اتساع الجبهة الرافضة للتمديد، والمتمثلة في حزب الرفاه وبعض نواب حزب الطريق الصحيح ونواب الحزب الشعبي الديمقراطي الاجتماعي والأحزاب المعارضة الأخرى (12).

أعلن حزب الرفاه معارضته الواضحة لبقاء قوة المطرقة، وطالب بإنهاء وجودها، متهماً إياها بأنها السبب في عدم الاستقرار في المنطقة (13). واتخذ الحزب اليساري الديمقراطي الموقف نفسه، إذ أكد رئيسه «بولنت أجاويد» أن هذه القوات خلقت فراغاً في السلطة في جنوب شرق تركيا، وأن تجديد بقائها سيعني انتحاراً لتركيا وتنفيذاً لرغبات الولايات المتحدة لا لرغبات الشعب التركي (14).

وفي نهاية المناقشات جرى التصويت على تجديد بقاء قوة المطرقة للمرة الخامسة ولمدة ستة أشهر أخرى تنتهي في نهاية حزيران 1994، إذ صوّت 196 نائباً من مجموع 446 نائباً لصالح التجديد، فيما عارضه 160 نائباً، وتغيّب 87 نائباً عن التصويت (15).

ويُلاحظ على مناقشات المجلس الوطني التركي الكبير أن هناك أصواتاً رافضة لبقاء قوة المطرقة المتأهبة، بدليل أن عدداً لا يستهان به من نواب حزب الطريق الصحيح والحزب الشعبي الديمقراطي الاجتماعي، بلغ سبعة وعشرين نائباً، قد تغيّبوا عن التصويت، وأن عدداً أقل منهم، بلغ أحد عشر نائباً، صوّتوا ضد قرار التجديد. وحقيقة الأمر أن أعضاء المجلس الوطني التركي الكبير لا يستطيعون التصرف خلافاً لما يطلبه رؤساء أحزابهم. ومن جانب آخر يقول «ماهر كيناك»، المستشار السابق لجهاز المخابرات التركي: «إن كثيراً من نواب المجلس هم ضد بقاء قوة المطرقة ويؤيدون طردها، إلا أنه في كل مرة تُمدَّد مدة بقائها، وكأن هناك قوة خفية تتدخل في هذا الموضوع» (16)!

المصادر

  1. صحيفة الصباح التركية الصادرة في 3 شباط 1993.

  2. صحيفة الجمهورية البغدادية الصادرة في 4 آذار 1993.

  3. شارك شوكت قازان نفسه في المؤتمر الإسلامي الشعبي الذي عُقد في بغداد في المدة بين 15 و17 كانون الثاني 1993، وقد جُرح شوكت قازان نتيجة تناثر الزجاج من جراء القصف الأمريكي لأهداف قرب فندق الرشيد. انظر: صحيفة الأهرام القاهرية الصادرة في 18 كانون الثاني 1993.

  4. صحيفة الأهرام القاهرية الصادرة في 22 كانون الثاني 1993.

  5. سالار أوسي، المصدر السابق، ص 40.

  6. سليمان ديميريل: وُلد في قرية إسلام كوي عام 1924. درس الهندسة وعمل مديراً لهيئة المياه التابعة للدولة. في عام 1964 انتُخب زعيماً لحزب العدالة خلفاً للجنرال راغب كوموش بالا. وفي عام 1965 شكّل وزارة من أعضاء حزبه، وجُدّد انتخابه عام 1969. استقالت وزارته عام 1970 إثر تصويت مجلس النواب ضد مشروع الميزانية، وتلت ذلك اضطرابات قادت إلى انقلاب عسكري عام 1971. وفي عام 1977 عاد ديميريل وشكّل حكومة بعد حكومة بولنت أجاويد. وفي عام 1980 أطاح انقلاب عسكري بالحكم المدني وأُبعد ديميريل عن كل مناصبه السياسية. وفي عام 1993 أسس ديميريل حزب الطريق الصحيح، وبعد وفاة تورغوت أوزال انتُخب رئيساً للجمهورية. وتعرض الرئيس لمحاولة اغتيال عام 1996. الموسوعة الحرة.

  7. وزارة الخارجية العراقية، 20 كانون الثاني 1993.

  8. صحيفة ملليت التركية الصادرة في 21 حزيران 1993.

  9. كان سليمان ديميريل يقصد حرب الكويت عام 1991. انظر: صحيفة الثورة البغدادية الصادرة في 22 حزيران 1993.

  10. صحيفة الثورة البغدادية الصادرة في 25 حزيران 1993.

  11. صحيفة التآخي الكوردية الصادرة في 26 حزيران 1993.

  12. حديث السيد حسام الدين جندوروك، رئيس المجلس الوطني التركي الكبير، في 28 حزيران 1993.

  13. جرت مناقشة تجديد مدة بقاء قوة المطرقة المتأهبة في 29 كانون الأول 1993 في المجلس الوطني التركي الكبير، وتحدث في الاجتماع حكمت جتين، وزير الخارجية التركي السابق، مؤكداً تبنّي وجهة نظر الحكومة في التصويت إيجاباً لصالح التجديد، إذ قدّم بعض التبريرات في هذا المجال، منها أن غياب تلك القوات قد يؤدي إلى نزوح كردي آخر من كوردستان العراق إلى كوردستان تركيا، كما حدث في نيسان 1991، وأن مثل هذا النزوح قد يخلق فوضى ومن شأنه أن يؤدي إلى زيادة قوة حزب العمال الكوردستاني. أما الحزبان الحاكمان (حزب الطريق الصحيح والحزب الشعبي الديمقراطي الاجتماعي) فقد تبنّيا التصويت لصالح تجديد بقاء «قوة المطرقة». وفي هذا المجال أفاد ممثل حزب الطريق الصحيح بأن وجهة نظر حزبه في تبنّي التجديد تستند إلى أن الاستقرار الذي تأمله تركيا لم يتحقق بعد، لذلك فإن الحزب يدعو إلى تجديد بقاء تلك القوات من أجل تعزيز الأمن على أرواح الأهالي وممتلكاتهم في كوردستان العراق. انظر: صحيفة الصباح التركية الصادرة في 30 كانون الأول 1993.

  14. وزارة الخارجية العراقية، شؤون الدول المجاورة، العدد 23/2/8/431 في 27/1/1993.

  15. وزارة الخارجية العراقية، شؤون الدول المجاورة، العدد 23/2/8/431 في 25/1/1994.

  16. أحمد نوري النعيمي، المصدر السابق، ص 317.