الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

الأطماع الأجنبية في كوردستان العراق واتصالات الشيخ محمود الحفيد السياسية

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

حركة الشيخ عبد السلام البارزاني

تُعدّ حركة الشيخ عبد السلام البارزاني تحدياً كبيراً لسلطة الاتحاديين الأتراك في كوردستان، لأنها اتخذت الإسلام والجهاد وسيلة في مقارعة السلطة المركزية العثمانية، التي كانت لا تزال تستمد شرعيتها من الإسلام بكونها تمثل سلطة الخلافة الإسلامية، رغم أنها جرّدت السلطان العثماني من كل صلاحياته، وقلّصت دور الشريعة الإسلامية كثيراً لصالح القوانين الغربية الوضعية، كما هو مثبت لدى المؤرخين. كما شكّلت حركة بارزان تحدياً كوردياً للدولة الطورانية التركية، وكان من الممكن أن ينتقل تأثيرها إلى باقي أجزاء كوردستان، وأن تكون حافزاً للعرب أيضاً (في العراق على أقل تقدير) لأن يحذوا حذو الكورد ويشكّلوا خطراً أساسياً على الاتحاديين.

لسنا هنا بصدد كتابة تاريخ البارزانيين، ولكن من الضروري إعطاء نبذة مختصرة عن خلفية الشيخ عبد السلام البارزاني، قائد الحركة الكوردية التي نحن بصدد الحديث عنها. يكتب الأستاذ مسعود البارزاني عن تاريخ البارزانيين قائلاً:

«سُمّيت عشيرة بارزان نسبة إلى قرية بارزان مركز المشيخة. وينتسب شيوخ بارزان إلى سلالة أمراء العمادية، حيث نزح جدهم مسعود إلى قرية هفنكا القريبة من بارزان واستقر فيها… انتقل حفيده تاج الدين، وكان هذا الأخير عالماً دينياً موهوباً، إلى بارزان، فالتفّ حوله عدد كبير من المريدين، وأسس تكية بارزان… وبعد وفاته خلفه ابنه الشيخ عبد الله الذي اشتهر بالتقوى، وأرسل ابنه الشيخ عبد السلام إلى مدرسة نهري ليتلقى فيها علومه على يد الشيخ الكبير سيد طه النهري… وفي إحدى زيارات حضرة مولانا خالد النقشبندي للتكايا، زار تكية بارزان وجعل الشيخ عبد السلام البارزاني خليفته… توفي الشيخ عبد السلام البارزاني في 1872، وتسلّم بعده ابنه الشيخ محمد المشيخة، واشتهر بين الناس بزهده وتقواه، وأصبح يُضرب به المثل في الورع، وأصبحت تكية بارزان في عهده ملجأً للمظلومين من أبناء العشائر المجاورة لبارزان؛ وأدى ذلك إلى قيام رؤساء العشائر الكوردية بتقديم شكاوى إلى السلطات العثمانية ضد الشيخ محمد بن الشيخ عبد السلام البارزاني، الذي وافته المنية بعد أن خلّف خمسة أولاد، هم: الشيخ عبد السلام، والشيخ أحمد، ومحمد صديق، وبابو، والملا مصطفى».

فالشيخ عبد السلام البارزاني الذي نحن بصدد دراسة حركته هو حفيد الشيخ العالم عبد السلام الأول، الذي عُرف بأفكاره الإصلاحية الجريئة التي سببت له الوشايات عند السلطات العثمانية واتهامه بالخروج على الإسلام، وسبب له ذلك السجن والتشريد في الموصل، وقد هاجم 300 من أنصاره مدينة الموصل لإنقاذه، إلا أنهم اعتُقلوا ومات معظمهم في السجون.

عُرف والد الشيخ عبد السلام الثاني، الشيخ محمد بن عبد السلام، بدفاعه المرير عن المزارعين الذين عانوا الأمرّين من ظلم الآغوات، خاصة آغوات الزيباريين، وهذا ما حداه إلى تشكيل جيش من «الديوانة» الصوفية قوةً ضاربة، وبدأ يرسل هذه القوات في حملات تأديبية على الآغوات للحد من ظلمهم. كما دخل والده الشيخ عبد السلام في معارك طاحنة مع شيوخ شمدينان النهرية في أيام الشيخ محمد صديق بن الشيخ عبيد الله، مما أجبر النهرية والزيباريين على ترك القرى الواقعة في الجهة اليسرى من الزاب الأعلى، وبذلك تحولت المشيخة إلى إمارة تشمل العديد من القرى الزيبارية والشيروانية والمزورية. ووشى الآغوات بالشيخ عبد السلام عند السلطات في الموصل، واتهموه بعدم الإخلاص للسلطان العثماني، فنُفي إثر ذلك إلى بدليس.

سار الشيخ عبد السلام الثاني على نهج والده الشيخ محمد، ثم أصبح مصلحاً دينياً وقائداً وطنياً، واكتسبت المشيخة البارزانية الحيوية والفاعلية من خلال:

  1. إلغاء الملكية.
  2. توزيع الأراضي على الفلاحين.
  3. إلغاء المهر والزواج القسري.
  4. تنظيم العلاقات الاجتماعية على أساس من العدالة والمساواة.
  5. تشييد مسجد في كل قرية لأداء الفرائض الدينية، وجعله مركزاً للحياة الاجتماعية والروحية والسياسية.
  6. تقريب العلماء من مختلف أنحاء بهدينان إلى مدينة بارزان الإسلامية، وبهذا قامت ثورة علمية وروحية في المنطقة. وكان الشيخ يكرم هؤلاء العلماء ويستشيرهم دوماً في أمور المشيخة السياسية والعلمية.

توفي الشيخ محمد سنة 1902، وقضى الشيخ عبد السلام السنوات الخمس الأولى من حكمه سائراً على نهج أبيه في بناء الإمارة من الداخل وتوسيعها. ويكتب نائب القنصل البريطاني في ديار بكر تقريراً عن الشيخ عبد السلام البارزاني قائلاً:

«ظهر في السنوات الأخيرة في هذه المنطقة مصلح باسم شيخ بارزان، له أتباع من قبائل كوردية وأرومار وشيروان. قاد الشيخ عبد السلام حملات تأديبية ضد الشيوخ الصغار، وحقق نجاحاً ملموساً، وسحقهم واحداً بعد الآخر. وللشيخ حالياً نحو 1500 مسلح من أتباعه المخلصين له جداً. وترتكز خطته الإصلاحية على سحق سلطة الآغوات، وتقديم المساعدة والدعم للمعدمين، وإشاعة السلام والاستقرار. وقد سيطر على بيوت الآغوات ووزع محتوياتها على القرويين الأكراد الفقراء، وهدم القلاع المحصنة للآغوات، وأخذ ضرائب معقولة من المزارعين، وأعطى الحكومة العثمانية التركية نيابة عنهم ضريبة مقطوعة سنوياً. إن الشيخ عبد السلام بحق من أحسن شيوخ المنطقة، فلم تكن له مع الحكومة العثمانية إلى فترة قريبة أية مشاكل، وهو عادل في معاملة رعيته، وحامٍ للنصارى».

بدأ الشيخ عبد السلام نشاطه السياسي مدافعاً عن الحقوق الوطنية الكوردية في عام 1907، حين حضر مؤتمراً لشيوخ الكورد ورؤسائهم بقيادة الشيخ محمد نور القادري في مدينة دهوك. وكان الشيخ وراء صياغة الوثيقة التاريخية التي صدرت عن ذلك المؤتمر، والتي نصت على:

  1. جعل اللغة الكوردية لغة رسمية في الأقضية (دهوك وعقرة وسنجار والعمادية وزاخو).
  2. إمكان التعليم باللغة الكوردية في منطقة بهدينان.
  3. تعيين الإداريين والموظفين في بهدينان ممن يحسنون اللغة الكوردية.
  4. تبقى ضريبة (بدل الخدمة العسكرية) كما كان متفقاً عليه، ويجب أن تُصرف لإصلاح الطرق وفتح المدارس في بهدينان.
  5. تجري الأحكام في بهدينان بمقتضى الشرع الإسلامي.
  6. تؤخذ الضرائب من المكلفين بمقتضى الشرع الإسلامي، وتُلغى الضرائب غير الشرعية.
  7. يُعيَّن لمنصبي القضاء والإفتاء في بهدينان من هم من أصحاب المذهب الشافعي.

ينقل الأستاذان مسعود البارزاني و(بي ره ش) عن الدملوجي قوله إنه جرى إرسال نسخة من هذه المضبطة الموقعة باسم الشيخ عبد السلام إلى المراجع العليا ومجلسي النواب والأعيان، ونسخ إلى الشيخ عبد القادر النهري وأمين عالي بدرخان والجنرال شريف باشا السليماني، الذين كانوا آنذاك على رأس الجمعيات والمنظمات الكوردية.

ويذكر (مكدول) إرسال هذه المضبطة ضمن الأحداث التي وقعت بعد سيطرة الاتحاديين الأتراك على الحكم في تركيا. إن محتوى هذه المضبطة ينمّ عن ظهور شعور قومي في بهدينان في أوساط علماء الدين وشيوخ الطرق الصوفية، وكان الشيخ عبد السلام على علاقة بالناشطين الكورد، خاصة سمكو والشيخ عبد القادر النهري وعبد الرزاق والجمعيات الكوردية المذكورة آنفاً. كما أن النقاط السبع في المطالب الكوردية تؤشر بكل وضوح على الارتباط الوثيق بين الطموحات القومية الكوردية والحرص على الشريعة الإسلامية. ولماذا يطالب علماء بهدينان بتطبيق الشريعة في منطقتهم؟ هذا دليل على أن المضبطة وُجّهت إلى الاتحاديين الأتراك الذين كانوا بصدد تحجيم دور الشريعة الإسلامية، وإدخال قوانين وضرائب غير شرعية في منطقتهم، وأن دفاعهم عن الحقوق الكوردية كان أيضاً من باب الحرص على الإسلام. وهذا ما يصرح به الشيخ عبد السلام البارزاني في مقابلته مع الدملوجي حين كان الأخير قائمقاماً في العمادية؛ إذ يسأله الدملوجي عن الأسباب التي دفعته إلى القيام بنشاطاته المؤيدة للكورد، فيرد الشيخ عبد السلام البارزاني قائلاً: «إننا لم نفعل أكثر مما يقتضيه الواجب الديني والقومي من دفع الظلم عن الأمة والشعب الكوردي المضطهد، وتخليصها من الرق والعبودية».

يعطي الأستاذ (بي ره ش) تفاصيل دقيقة عن العمليات العسكرية التي وقعت في منطقة بارزان في الفترة (1908 – 1914)، وهناك عدة محطات مهمة في هذه المواجهات، منها معركة بيرس الأولى في خريف عام 1908. وقعت هذه المعركة بعد أن استدعى الوالي الفريق محمد فاضل باشا الداغستاني الشيخ عبد السلام إلى الموصل للتحقيق معه، فرفض هذا الأخير ذلك، فأعلنت الحكومة الحرب عليه، متهمة إياه بشق عصا الطاعة والاتصال بدولة أجنبية، قد تكون روسيا، للقيام بحركة انفصالية. وحشد فاضل باشا فوجين من القوات النظامية مع الأسلحة الرشاشة والمدافع، وساعدت الحكومة قوات من المرتزقة من الزيباريين وريكان ومامش ومنكور وخوشناو ونيروي وهورماري وكتردي وبيرة سني وهركي، وكان هناك نفير عام في كوردستان، وشُنّ الهجوم من عدة محاور على أتباع الشيخ عبد السلام البارزاني.

وبعد مقاومة جيدة كبّدت قوات فاضل باشا الكثير من الخسائر، اضطر الشيخ عبد السلام البارزاني إلى الاختفاء في المناطق الجبلية الوعرة، وطلب من قواته الكف عن المقاومة والعودة إلى بيوتهم.

وتُعدّ معركة (سه رى باز) في ربيع 1909 المحطة المهمة الأخرى في الصراع؛ إذ خرج الشيخ عبد السلام البارزاني من مخبئه، وبدأ بجمع أعوانه من جديد للتصدي للحكومة العثمانية. وكان هناك هذه المرة خلاف بين العقيد صفوت، القائد العسكري في الموصل، الراغب في حل المسألة بطرق سلمية، وبين الوالي فاضل باشا الداغستاني المصرّ على الحل العسكري. ووقعت القوات الحكومية العثمانية هناك في فخ كبير وهُزمت شر هزيمة، فقُتل الكثير من الجنود والضباط، وغنم البارزانيون ثلاثة مدافع وكمية كبيرة من السلاح والعتاد. وكان من نتائج هذه المعركة أن ذاع صيت الشيخ في الأوساط الرسمية والشعبية، وأرادت الحكومة أن تعقد صلحاً معه، ويقال أيضاً إن الحكومة برّأت ذمة الشيخ عبد السلام البارزاني من التهم التي وجهها إليه الآغوات. فعاد الشيخ عبد السلام إلى بارزان والإمارة البارزانية أكثر قوة، وانتقم من آغوات الزيبار الذين سلبوا ممتلكات أنصاره.

وحلّ ناظم باشا محل فاضل باشا الداغستاني، وكان الوالي الجديد من أنصار حزب الحرية والائتلاف المعارض للاتحاديين الأتراك، فأرسل صفوت بك إلى بارزان، وعقد صلحاً مع البارزانيين جرى بموجبه الاعتراف بالإمارة البارزانية، وأُعطيت لهم تعويضات مناسبة، وتعهدت الحكومة العثمانية بالنزول عند طلب الشيخ عبد السلام البارزاني بفتح المدارس والمستشفيات لهم. وفي المقابل قرر الكورد تسليم الأسلحة الحكومية العثمانية التي غنموها، ومُنح الشيخ عبد السلام البارزاني وسام الدولة العثمانية من الدرجة الثالثة.

وفي عام 1914 أصبح سليمان نظيف والياً على الموصل، وكان ذلك بعد الانقلاب الثالث للاتحاديين الأتراك وسيطرتهم على الحكم العثماني من جديد في عام 1913. وكان سليمان نظيف، على الرغم من كورديته، يتشيع للطورانية أشد التشيع، وكان حاقداً على الكورد، فأراد القضاء على مشيخة بارزان وإمارتها، وطلب من الشيخ عبد السلام البارزاني تسليم نفسه. وحين رفض الشيخ هذا الطلب جهّز الوالي سليمان نظيف جيشاً كبيراً ضده، تدعمه قوة كبيرة من المرتزقة من العشائر الكوردية التي سبق أن حاربت إلى جانب الحكومة العثمانية في المعارك الماضية. وبعد مقاومة جيدة في معركة «بله» أدرك الشيخ عبد السلام البارزاني أن القوات الحكومية العثمانية والعشائر الكوردية الموالية لها تحاصر قواته، وأن القوات الحكومية استطاعت، تحت غطاء مدفعيتها، العبور إلى الجهة الشرقية من الزاب. فقرر الانسحاب إلى المناطق الحدودية مع إيران، وكانت عملية الانسحاب صعبة للغاية لأن المنطقة كانت وقتئذٍ مغطاة بالثلوج. ووصل الشيخ عبد السلام البارزاني في نيسان عام 1914 إلى قرية رازان، حيث مقر السيد طه الشمديناني داخل الأراضي الإيرانية.

وبعد وصوله إلى إيران، وفي شهر آب عام 1914م، سافر الشيخ عبد السلام البارزاني إلى تفليس في جورجيا، فالتقى هناك الغراندوق نائب القيصر الروسي وقائد جيوش الجنوب. ويعتقد الأستاذ مسعود البارزاني أن سمكو آغا الشكاك قد صاحبه في سفره هذا، ولكن الأستاذ (بي ره ش) يعتقد أن الشيخ سافر وحده وفي منتهى السرية، واستغرق سفره أربعين يوماً، وأن سمكو آغا الشكاك قام فقط بالاتصال بالروس وتسهيل السفر. ويذكر (ف. نيكيتين) أن الشيخ طلب الدعم الروسي في حربه ضد الاتحاديين، فقال له الروس: «إن من الأفضل له أن يختفي، لأنه ليس من صالحهم معاداة الأتراك في هذا الظرف، وهذا من مقتضيات السياسة، وإن عليه أن ينتظر شهرين أو ثلاثة، فإذا تحسنت العلاقة مع الأتراك فإنهم سيتوسطون للعفو عنه، أما إذا ساءت فإنهم سيزودونه بالقوات والسلاح ويعيدونه إلى بارزان».

وبعد هذه الزيارة، وبعد لقاءات مكثفة مع الزعماء الكورد ورؤساء القبائل، قرر الشيخ من جديد مقاومة الإدارة التركية في بهدينان، فزار سمكو آغا الشكاك وهمّ بالعودة، ولكن الحكومة التركية كانت تترقب خطاه، فاستطاعت من خلال أحد أفراد عشيرة شكاك، المدعو صوفي عبد الله، أن تنصب له كميناً وتأسره. ويعتقد (مكدول) أن سمكو آغا الشكاك كان وراء عملية أسر الشيخ عبد السلام البارزاني، ولكن ليس لهذا الادعاء أي سند أو وثيقة، وأعتقد أنه غير صحيح، وأن الغاية منه سياسة «فرّق تسد» البريطانية.

جُلب الشيخ عبد السلام البارزاني إلى الموصل، إذ حكمت عليه محكمة عرفية عسكرية، بتوصية من الوالي سليمان نظيف، بالإعدام، ونُفّذ حكم الإعدام قبل صدور موافقة السلطان على القرار. وقد دبّر سليمان نظيف فوضى داخل الموصل، واتهم أتباع الشيخ عبد السلام البارزاني بأنهم وراء تلك الأحداث، وذلك لتسويغ إعدامه خلافاً للقانون. وهكذا أدى الكوردي المتترّك سليمان نظيف في استشهاد الشيخ عبد السلام البارزاني الدور نفسه الذي سبق أن أداه ضياء كوك ألب، الكوردي المتترّك الآخر، في تأليب السلطات للقضاء على حركة إبراهيم باشا.

هناك عدة أسباب للصراع الذي دار بين المشيخة البارزانية في بهدينان والحكومة الاتحادية، أحدها رغبة الحكومة، والإدارة في الموصل بالذات، في استغلال الصراع التقليدي بين الآغوات وشيوخ بارزان لبسط سيطرة الحكومة على المشيخة التي تحولت إلى إمارة مستقلة. فقد كان الاتحاديون الأتراك عازمين على فرض السلطة المركزية في المشيخة وإدماجها في الإدارة الحكومية في عقرة، فحاولت الحكومة الاتحادية التركية، خلافاً للعرف المتبع لعقود عديدة في استلام مبلغ مقطوع سنوي من الضرائب من شيوخ بارزان، إجراء تعداد للسكان والمواشي في بارزان، وفرض ضرائب عديدة ومحاولة جبايتها مباشرة. وكانت الحكومة التركية تنوي أيضاً، من خلال إجراء التعداد السكاني، فرض الخدمة العسكرية على البارزانيين.

يقول نائب القنصل البريطاني في الموصل: «إن الشيخ عبد السلام البارزاني يعتبر الحكومة الحالية حكومة كافرة، وواقعة تحت سيطرة يهود الدونمة». وتُعدّ هذه مسألة في غاية الخطورة، فإذا انتقلت هذه الآراء بين الكورد خارج منطقة بارزان فستهدد وجود النظام التركي في المنطقة الكوردية. ولنائب القنصل البريطاني في وان رأي مماثل، إذ كتب في آذار عام 1914 قائلاً:

«إن معظم الكورد هنا يكنّون عداءً مبطناً للحكومة، ويبدو أن الحكومة قد وصلت مؤخراً إلى قناعة مفادها أنه لا يمكن تفادي خطر قيام هؤلاء الشيوخ، الذين لهم نفوذ سياسي وديني فعلي في المنطقة الكوردية، بتحدي السلطة المركزية في المستقبل إذا توافرت لهم الظروف المواتية، وذلك بتنظيم حركة رجعية قوية معادية للدولة. لقد اتخذ شيخ بارزان باستمرار موقفاً عدائياً من حكومة الاتحاد والترقي التركية، وكانت منطقة نفوذه مركزاً للاضطرابات، ويقال إن عبد الرزاق بدرخان، الذي كان يخطط ضد الترك في العام الماضي 1913م، قد انضم إلى شيخ بارزان، ولعل هذا هو السبب الذي دفع الحكومة إلى اتخاذ قرار بقمعه. وكان شيخ بارزان في السابق في عداء مع شيخ شمدينان (سيد طه الشمديناني)، ولكن يبدو أنهما اتفقا على حل المسائل المتنازع عليها بينهما، وتشكيل جبهة موحدة ضد الحكومة».

وهكذا عدّت الحكومة التركية حركة بارزان جزءاً من الثورة الكوردية الشاملة التي خطط لها في عام 1913 سمكو آغا الشكاك وسيد طه الشمديناني وعبد الرزاق بدرخان برعاية الروس ودعمهم، لذلك حاولت ضربها بكل قوة، كما ضربت من قبل حركة الملا سليم، قبل أن تنتشر وتستفحل قوتها بمساندة الكورد لها ومشاركتهم الفعلية فيها من المناطق الكوردية الأخرى. ولكن ليس هناك أي دليل يؤكد صحة هذا القلق الحكومي؛ فثورة بارزان، وإن امتلكت نقاطاً مشتركة مع الحركة الكوردية العامة في أهدافها، كانت إلى حد كبير نتيجة لإفرازات محلية، ورد فعل على رغبة السلطة المركزية ومبادرتها إلى قمع أية إدارة محلية كوردية.

ويؤكد الشيخ عبد السلام البارزاني دور الصابونجي ووجهاء الموصل وآغوات الزيبار في تأليب السلطات الحكومية التركية ضده، إذ يروي الدملوجي:

«إن الطريق مسدود أمامنا، وليس لنا من يدافع عنا… وكلهم أصحاب غايات ومصالح، وليس لدينا قرى نعطيها لوجوه الموصل كما يفعل خصومنا، وإننا ندافع عن أنفسنا بأنفسنا. سألته: من هم خصومكم؟ قال: ليس لنا خصوم سوى آغوات الزيبار…».

وهذا ما ذهب إليه نائب القنصل البريطاني في الموصل، إذ يقول إن وجهاء الموصل، وخاصة محمد جميل وصابونجي باشا، ذوي الأطماع في القرى البارزانية، حاولوا استغلال الصراع الدائر بين البارزانيين ورؤساء الزيبار من أجل الاستحواذ على المزيد من القرى الزراعية، وقام المدعو عثمان آغا الزيباري بإعطاء مجموعة من القرى الكوردية إلى صابونجي باشا، من أجل أن يتدخل الأخير لدى الوالي لإرسال قوة لقمع المشيخة البارزانية.

إن الوثائق العثمانية والبريطانية المنشورة فيما يأتي تؤكد جملة أمور: إن الاتحاديين الأتراك كانوا مصرّين كل الإصرار على إنهاء الاستقلال الكوردي الذي كانت تتمتع به مشيخة بارزان. فتؤكد الوثيقة الأولى أن الاتحاديين الأتراك كانوا يعدّون حركة بارزان خطراً عليهم، لأنها كانت، من جانب، جزءاً من حركة قومية كوردية تقف حجر عثرة أمام محاولات الاتحاديين الأتراك صهر القوميات الأخرى، وخاصة الكوردية، في بوتقة القومية التركية، ومن جانب آخر كان معظم دعاة الحقوق الكوردية من شيوخ الطرق الصوفية وعلماء الدين، وكانوا يشكلون قوة احتياطية لا بأس بها للدفاع عن الشريعة وعن الحركة الإسلامية المعارضة للاتحاديين الأتراك. كما تؤكد الوثائق العثمانية مدى الحقد الذي كان يحرك الاتحاديين الأتراك في قمعهم لحركة الشيخ عبد السلام البارزاني، حتى بلغ حداً طلب فيه وزير الحربية والداخلية من القادة العسكريين عدم منح الشيخ عبد السلام أية فرصة لعقد الصلح مع الحكومة، علماً أن الوثائق المنشورة تؤكد مدى حرص الشيخ عبد السلام البارزاني على تجنب إراقة الدماء، واستعداده لإعادة جميع الأسلحة الحكومية التركية، واحترام القوانين والعيش بسلام في ظل النظام الجديد.

لذلك يمكن أن نلخص أسباب الصراع في بارزان أيام الشيخ عبد السلام البارزاني في ثلاثة عوامل أساسية:

  1. رغبة الحكومة الاتحادية في فرض المركزية على بارزان، وإلغاء الحكم الذاتي الذي كانت تتمتع به لعقود من الزمن.
  2. الصراع بين آغوات الزيباريين والشيخ عبد السلام البارزاني على النفوذ.
  3. الصراع بين الطورانية العلمانية والكوردايه تي بمحتواها الإسلامي.

ولمزيد من الفائدة ننشر الوثائق التالية:

دائرة الأركان الحربية العمومية

الشعبة الثالثة

البرقية الشيفرة الواردة بتاريخ 3 كانون الأول سنة 1325 (16 كانون الأول 1909)

من فاضل باشا إلى والي الموصل وقائدها وما حولها

ج 30 تشرين الثاني سنة 1325 (13 كانون الأول 1909): على النحو الذي عرضناه أولاً وآخراً، فإنه بعد هزيمة شيخ بارزان المذكور وأعوانه استمرت المطاردات والملاحقات في الجبال ليلاً ونهاراً على مدى شهر تقريباً، وفي العديد من الاشتباكات قُتل من رؤوس البغاة: فقي عبد الرحمن حاجيك، وصارم علو فارس، ويونس، كما قُبض على حسن بك جريحاً، وقُتل من أعوانهم الكثير، وجرى القبض على مئة منهم أحياء.

وفي نهاية الأمر تمكن الشيخ المذكور، بمساعدة سعدي آغا، وهو من متغلبة ناحية جال بولاية وان، من الفرار إلى المنطقة التي يقيم فيها نصارى تمور وطياري بلواء حكاري، وهو يختفي الآن بقرية زاويته. كما جاء من أعوانه كل من ميجو وجيجو وخالد وملا حسن وفقي خالد، مع عدد من الرجال الآخرين وأهل بيته، إلى سعدي آغا المذكور، ومع أننا كررنا الطلب مرات عديدة إلى الآغا المذكور بضرورة القبض عليهم وتسليمهم، فإنه أنكر وجودهم عنده. وبناءً على إيوائه وحمايته لهم جرت الكتابة إلى ولاية وان ومتصرفية حكاري ببيان تخفيهم هناك وضرورة القبض عليهم.

وقد أرسلنا مفرزة محمولة على البغال، بقيادة بكباشي الدرك صالح بك، حتى قضاء العمادية منتهى حدود الولاية، ونتيجة للملاحقات جرى القبض على ثلاثة من أولئك البغاة وجيء بهم إلى الموصل. ونظراً لعدم وجود أي أثر للبغاة داخل الولاية، وللمحاذير من الدخول بين نصارى طياري، فقد جرت الكتابة إلى ولاية وان ببيان ضرورة قبض سلطات تلك الولاية عليهم. وقد قررنا بعد ذلك إعادة جميع الأهالي الذين كانوا يتبعون الشيخ المذكور خوفاً منه، ثم أداروا له ظهورهم وتقدموا بالطلب إلى الحكومة السنية بالرجوع إلى بيوتهم ومساكنهم.

ونظراً لعدم وجود أي أثر للمقاومة من الأشقياء في بارزان واللواء، ولضربهم والتنكيل بهم إذا ظهروا مرة أخرى، والمحافظة على الموقع، فقد اتخذنا بارزان نقطة لموقع عسكري، وأبقينا فيها طابورين من قوات الاحتياط، كما أبقينا وحدة نظامية في مركز ناحية شيروان، وعدنا إلى الموصل لمواصلة أعمال الولاية. وفور بلوغنا خبر عودة الشيخ المذكور من حكاري أصدرنا إلى قيادة بارزان أوامر مشددة بضرورة القبض عليه، لكن حصل خطأ أدى إلى فشل العملية. وبناءً على ما عرضته آنفاً، فإنه لم يحدث من جانبنا أي تقصير أو تقاعس، بل كانت الحوادث الأخيرة نتيجة للجبن وعدم الطاعة من أفراد القوات الاحتياطية وبعض الضباط.

وقد أُرسلوا إلى ديوان الحرب لإيقاع العقوبة بهم، وقمنا بإجراء التعبئة والسَّوق لتدارك ما فات، ولكن تعذّر القبض على البغاة المذكورين بسبب لجوئهم إلى سعدي آغا. وإذا لم توضع قوة عسكرية هناك ويُبعد سعدي آغا ويُعاقب، فإن الملاحقات التالية لن تأتي بنتيجة، وعليه يجب المبادرة إلى سوق القوة المطلوبة، والبحث عن سبل لإبعاد سعدي آغا من ناحية جال. رجاء الاطلاع.