الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
الأطماع الاستعمارية بكوردستان (الجزء الأول)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
أ- اهتمام الروس بالكورد يجذب الإنجليز إلى كوردستان
غبنت الجغرافيا الطبيعية لمنطقة كوردستان أبناءها الكورد الأصليين وأهملتهم، فهم ساكنون ومحشورون في منطقة جبلية وعرة تقل فيها الموارد الطبيعية. كما غبنت الجغرافيا السياسية أبناء الأمة الكوردية وأهملتهم، عندما وضعتهم في أحيان كثيرة بين فكي كماشة القوميات المتعصبة (الفارسية والتركية والعربية)، التي عملت على منعهم من إقامة دولة كوردية مستقلة في كوردستان أسوة بالآخرين. وبسبب ضعف الدولة العثمانية في أواخر حكمها، ولأسباب دينية وأخرى قومية أو أيديولوجية، دخلت الدول الاستعمارية، مثل روسيا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، المنطقةَ الجغرافية لكوردستان أطرافاً مستفيدة من النزاع الإسلامي – الإسلامي، لاستمالة الكورد لمصالحها، ولإضعاف الأطراف التركية والفارسية والعربية مرة، ولاتخاذهم حزاماً أمنياً يمنع الشيوعية من النفوذ إلى مناطق النفط مرة أخرى.
وهناك نزعة لدى الباحثين الغربيين إلى وصف المناطق الكوردية (كوردستان) داخل الدولة العثمانية بمصطلحي «أرمينيا» أو «كوردستان». ويبدو أن المصطلح الأول، أرمينيا، كان أكثر استعمالاً في الفترة التي سبقت الحرب العالمية الأولى، إذ استُعمل للإشارة إلى المقاطعات ذات الأغلبية الكوردية (كوردستان) في ولايات الأناضول الشرقية (الكوردية)، وبالتحديد ولايات وان وبتليس ومعمورة العزيز وأرضروم وسيواس وديار بكر.
أما مصطلح كوردستان فكان يُستعمل في الأغلب للإشارة إلى ولايتي وان وديار بكر في جنوب شرق الأناضول، وإلى ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية (كوردستان العراق). وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر كوّنت الدولة العثمانية وشكّلت ولاية سُمّيت «كوردستان»، شملت معظم الولايات ذات الغالبية الكوردية في جنوب شرق الأناضول (كوردستان تركيا).
وتشمل منطقة كوردستان أيضاً المنطقة الممتدة بين جبال طوروس، من «أضنة» إلى الحدود التركية الإيرانية غرب بحيرة أورمية، كما تسكن غالبية كوردية معظم الأقضية والنواحي الواقعة شرق أرضروم. وأخيراً تكوّن بلاد الكورد أيضاً شريطاً ضيقاً داخل جمهوريتي أذربيجان وأرمينيا، لامتداد الحدود التركية بين هاتين الدولتين (1).
وقد يكون هناك نوع من الإجماع بين المستشرقين والمؤرخين والجغرافيين على اعتبار المنطقة الجبلية الواقعة في شمال الشرق الأوسط، بمحاذاة جبال زاكروس وجبال طوروس الكوردية، هي المنطقة الجغرافية لكوردستان التي سكن فيها الأكراد منذ القدم. ويطلق الأكراد تسمية كوردستان على هذه المنطقة الجغرافية من أراضيهم، وهي عبارة عن أجزاء من شمال العراق (كوردستان العراق – ولاية الموصل)، وشمال غرب إيران (كوردستان إيران)، وشمال شرق سوريا (كوردستان سوريا)، وجنوب شرق تركيا (كوردستان تركيا) (2). ويظهر من هذا أن الكورد يسكنون معظم مناطق الحدود التركية – الإيرانية، والحدود التركية مع روسيا، والحدود العراقية – الإيرانية – التركية – السورية. وقد أعطى هذا الموقع الجغرافي لمنطقة كوردستان الكوردَ أهمية سياسية في صراع الدولة العثمانية مع كل من روسيا وإيران، ثم مع الغرب الأوروبي.
امتاز الحكم العثماني في كوردستان في الفترة الممتدة بين القرنين السادس عشر والثامن عشر بوجود الإمارات الكوردية المستقلة، إذ كان الأمراء الكورد يحكمون هذه الإمارات حكماً مستقلاً في أمورها الداخلية وبطريقة وراثية. ولكن السلطان العثماني محمود الثاني، تحت تأثير مستشاريه الغربيين وضمن خطة الإصلاحات، قام بالقضاء على تلك الإمارات الكوردية، ووضع محلها إدارة مركزية عثمانية معظم عناصرها من الموظفين الترك. كما ساهمت «التنظيمات» (الإصلاحات على الطراز الغربي) التي طُبّقت في الدولة العثمانية في الفترة (1839 – 1876) في تثبيت مركزية الدولة العثمانية والقضاء على سلطة القيادات الكوردية في تلك الإمارات الكوردية التقليدية. وهو ما ولّد فراغاً أمنياً، إذ لم يتمكن الموظفون الأتراك والجندرمة (قوة الشرطة العثمانية) من حكم كوردستان حكماً سليماً، بسبب الفساد المتفشي بينهم وجهلهم الإداري والسياسي بالواقع الكوردي، يضاف إلى ذلك عدم معرفتهم بخصوصية كوردستان، التي لم تعرف حكم الإدارة المركزية العثمانية فيها من قبل ولم تستسغه. لذلك عاشت كوردستان فراغاً أمنياً، فكثرت فيها حوادث السلب والنهب والمعارك بين القبائل الكوردية نفسها، وبين الكورد والأرمن الذين كانوا يسيطرون على جزء غير يسير من تجارة المنطقة، كما ازداد ظلم طبقة الآغوات (رؤساء العشائر) الكورد واستغلالهم للفلاحين وعامة الناس من الكورد.
ولم يكن أمام عامة الكورد من سبيل أو ملاذ يلجؤون إليه في مثل تلك الظروف الصعبة غير شيوخ الطرق الصوفية المنتشرة في تلك الفترة انتشاراً كبيراً في كوردستان، خاصة الطريقتين النقشبندية والقادرية. وبذلك بدأ شيوخ الطرق الصوفية يمارسون نفوذاً سياسياً، فكانوا يحظون بسطوة عند رؤساء العشائر الكوردية فضلاً عن سلطتهم الروحية، وكانت التكايا، وهي مراكز الدعوة الصوفية، تؤدي دوراً مركزياً في حياة الكورد. وكان شيوخ الطرق الصوفية يدافعون عن مصالح الفلاحين ويحاولون الحد من استغلال الآغوات الكورد واستبدادهم، فأصبحوا محط أنظار الكورد بسبب دفاعهم عن مصالحهم عند الحكومة العثمانية وعند الإدارة في كوردستان، التي كانت تحاول فرض الضرائب التي ترهق كاهل الفلاحين، وتفرض الخدمة الإلزامية على الكورد بالقوة (3).
إن هذا العرض الموجز للمجتمع الكوردي في كوردستان في القرن التاسع عشر يبيّن لنا حقيقتين أساسيتين:
أولاهما: أن عامة الكورد، وخاصة قيادتهم التقليدية، كانوا غير راضين عن الحكم العثماني، وذلك لقيامه بالقضاء على النظام الخاص في كوردستان (الإمارات الكوردية)، الذي كان سائداً فيها لقرون عديدة، وفرضه بالقوة على الكورد إدارة عثمانية تركية غير كفوءة وغير نزيهة.
ثانيتهما: أن ضعف الإدارة العثمانية، وحالة فقدان الأمن في كوردستان، وانتشار الظلم الذي كان يمارسه الموظفون والشرطة العثمانيون الأتراك أو آغوات الكورد انتشاراً واسعاً، قد هيّأت الأرضية الصالحة لظهور الطرق الصوفية وشيوخها، واعتبارها ملاذاً وطمأنينة للكورد المغلوبين على أمرهم.
وكان لهذين العاملين دور كبير في التأثير على الموقف الكوردي في كوردستان أثناء صراع الدولة العثمانية مع روسيا، كما سنتبين فيما يأتي.
ب- الكورد في الحرب الروسية – العثمانية (1828 – 1829)
إن اهتمام الروس بالكورد وكوردستان يعود إلى بداية القرن السابع عشر، لأسباب عدة كان في مقدمتها خطة القياصرة الروس في التوسع داخل ممتلكات الدولتين العثمانية والفارسية (إيران). وقد وردت قصة هذا الاهتمام بشكل تفصيلي في كتاب «كوردستان في سنوات الحرب العالمية الأولى» لمؤلفه البروفيسور الدكتور كمال مظهر، المطبوع ببغداد عام 1984م، وكتاب «الرحالة الروس» لمؤلفه ب. م. دانتسيغ، ترجمة وتحقيق الدكتور معروف خزندار عام 1981م. ومن الجدير بالذكر أن الرحالة والدبلوماسيين والكتّاب الروس تركوا العديد من الدراسات الاجتماعية والسياسية التي وضعتهم في مقدمة المهتمين بالدراسات الكوردية. ويكفي أن نشير هنا إلى أن المؤرخ والعلامة فلاديمير مينورسكي والباحثَين الروسيين لازاريف وإيفانون يُعدّون من شيوخ المستشرقين في الدراسات الكوردية.
ولكن اهتمام الروس بالكورد وكوردستان ازداد في مطلع القرن التاسع عشر، وذلك لأن المكاسب الاستعمارية التي حققوها داخل الدولتين العثمانية والفارسية (إيران) قد وضعتهم على حدود مباشرة وتماسّ مع الدولة العثمانية، خاصة في الأناضول الشرقية (كوردستان)، إذ تقطن فيها أغلبية كوردية على حدود الدولتين.
ففي عام 1826م أقدم السلطان العثماني محمود الثاني، بنصيحة من مستشاريه الأجانب الغربيين في البلاط العثماني، على ارتكاب مذبحة بحق الجيش الإنكشاري (الجيش التقليدي العثماني)، وكان لذلك الإجراء أبعاد مدمرة على العثمانيين في حينها، لأن هذا التصرف جاء قبل أوانه، أي قبل أن يقوم السلطان محمود الثاني بإعداد الجيش العثماني العصري البديل. وهذا ما أدى إلى وجود فراغ عسكري على الحدود الروسية – العثمانية. وقد حدث ذلك عملياً، ففي معركة نافارينو في اليونان عام 1827م دمّرت القوات المشتركة البريطانية والفرنسية الأسطول العثماني مع أسطول محمد علي باشا والي مصر، وأدى ذلك إلى إخلاء الطريق أمام القوات الروسية للتقدم داخل الدولة العثمانية، إذ استطاعت خلال سنتي 1827 و1828م أن تسيطر، من دون مقاومة تذكر، على معظم المدن الكوردية المهمة في شرق الأناضول (كوردستان تركيا)، وخاصة مدن قارص وأرضروم وبايزيد.
ويبدو أن القوات الروسية لم تلقَ أي مقاومة حتى من القبائل الكوردية في كوردستان تركيا، التي تميزت بموقفها الحيادي من القوات الروسية القليلة العدد التي دخلت المناطق الكوردية الجبلية الحصينة ذات الوديان العميقة. ويعزو الباحثون والمؤرخون موقف الكورد هذا إلى جهود الأمير غراف باسكوفيج، نائب الملك الروسي في القفقاس والقائد الأعلى للقوات الروسية هناك، إذ وضع غراف باسكوفيج خطة لاحتلال الأناضول الشرقية (كوردستان تركيا)، وهي بعض المناطق الكوردية من كوردستان، وضمّها إلى الإمبراطورية الروسية. وكان من تفاصيل هذه الخطة إعطاء اهتمام كبير للقبائل الكوردية الحدودية، ومحاولة دراسة أحوالها اجتماعياً وسياسياً، وكسب ودّ الكورد هناك عن طريق عقد تحالفات دفاعية ثنائية معهم، وذلك بإعطاء المناصب الفخرية والهدايا والنقود لرؤساء العشائر الكوردية المتنفذة، ومعاقبة بعضهم معاقبة شديدة بحرق قراهم وسلب ممتلكاتهم ونهبها ليكونوا عبرة لغيرهم. وكانت لغراف باسكوفيج معرفة جيدة بالمجتمع القبلي الكوردي، إذ حاول استغلال التناقضات الكوردية – العثمانية لصالح دولته روسيا. وفي برقية له في تشرين الأول من عام 1829م كتب غراف باسكوفيج ما يلي: «إذا لم نستطع أن نكسب ودّ الكورد في كوردستان فإن كل مكاسبنا في المعارك الجارية ستتعرض للخطر. إن هذا الشعب الشجاع يملك خيرة مقاتلي الشرق، وإن بإمكانهم أن يقطعوا خطوط اتصال قواتنا الخلفية، ويمكن أن يهاجمونا من جميع الجهات ويلحقوا أفدح الخسائر بقواتنا» (4).
ولكن العامل المهم الذي مكّن غراف باسكوفيج من بناء شبكة من الصلات الوثيقة مع رؤساء العشائر الكوردية القوية على الحدود كان سياسة السلطان العثماني محمود الثاني مع رؤساء الإمارات الكوردية، وعددها (18) إمارة كوردية، تلك السياسة التي أرادها السلطان محمود الثاني لقهر الرموز الكوردية. في حين استطاع غراف باسكوفيج إقامة علاقات مع هؤلاء الرموز الكوردية، ووعدهم بأنهم في حالة تمردهم على الدولة العثمانية وقبولهم السلطة الروسية ستعاد لهم الامتيازات السابقة (5) وأكثر منها.
ويبدو أن غراف باسكوفيج كان واثقاً من صلاته القوية مع رؤساء العشائر الكوردية الحدودية في كوردستان، لذلك أراد في عام 1828م، أي بعد بدء العمليات الحربية، تشكيل قوة من المرتزقة الكورد الموالين للروس قوامها عشرة آلاف فارس. وكان هذا المقترح من قبل علي القصير، الذي سرعان ما وافقوه على تشكيل تلك القوة من المرتزقة الكورد مقابل صرف مئة ألف قطعة ذهبية لتغطية مصروفاتها (6).
غير أن تشكيل تلك القوة الكوردية الموالية لروسيا بإشراف غراف باسكوفيج لم يتحقق لأسباب عديدة. يعود العامل الأول في فشل ذلك المشروع إلى وجود قناعات غير عملية وغير موضوعية عند غراف باسكوفيج حول مدى التأييد الذي كان يحظى به الروس، وخاصة شخصه، لدى رؤساء العشائر الكوردية. أما العامل الثاني فهو أن رؤساء الكورد، على الرغم من الوعود العديدة التي قطعوها لغراف باسكوفيج، لم يقدموا على التمرد العلني ضد الدولة العثمانية المسلمة، وأن كثيراً من الكورد احتفظوا بعلاقات ودية مع الطرفين العثماني والروسي. وكان موقف رؤساء العشائر الكوردية أثناء النزاعات، كما سنرى في الحروب القادمة، موقفاً براغماتياً، يتلخص في مراقبة الأوضاع في البداية، ثم الانحياز الكلي إلى جانب المنتصر (7).
إن هذا الموقف البراغماتي للكورد هو حصيلة التجارب المريرة التي تعلمها الكورد من أمراء خانات آسيا الوسطى (خيوة ومرو وبخارى) في القرن الثامن عشر، وكذلك أثناء الحروب الصفوية (إيران) والعثمانية (تركيا). إلا أن الأمير غراف باسكوفيج يقدّم سبباً آخر لفشل مشروعه السابق الذكر في تأسيس القوة الكوردية الموالية للروس (المرتزقة الكورد)، إذ يعتقد أن مؤامرات الدبلوماسيين الغربيين ودسائسهم، وخاصة الإنجليز والفرنسيين، وعلاقاتهم مع الكورد هي التي حالت دون إقدام الكورد على الانخراط في القوة التي أراد الروس تشكيلها. ويذهب غراف باسكوفيج إلى القول إن هؤلاء الدبلوماسيين الغربيين قاموا بمساعٍ مكثفة لإقناع الرموز الكوردية بأن الروس سينسحبون من المنطقة الكوردية، وأن السلطات العثمانية ستعود إليها، وستحاسب بشدة كل المتعاونين الكورد مع الروس (8).
ولم تكن جهود الأمير غراف باسكوفيج بين الكورد بلا ثمار، بل استطاع الروس تشكيل قوة كوردية موالية لهم في يريفان، وكان معظم أفراد هذه القوة من الكورد اليزيديين الحاقدين على الدولة العثمانية، وكان لهذا الفوج الكوردي اليزيدي دور واضح في المعارك التي دارت في المنطقة الحدودية من كوردستان. كما أفلح الروس في فرض الحياد على معظم القبائل الكوردية. أما نداءات السلطات العثمانية المتكررة للكورد لمقاومة الروس الغزاة وطردهم من كوردستان فلم تؤدِّ إلى اندفاع الكورد بشكل ملحوظ وملموس لمساعدة القوات العثمانية أثناء العمليات الحربية (9). ويكفي هنا أن نشير إلى أن قوة روسية صغيرة استطاعت في تموز عام 1828م أن تدخل مدينة بايزيد الكوردية على مرأى ومسمع من القوات الكوردية التي لم تكن تقل عن ألفي فارس كوردي، ولم تقاوم الاحتلال الروسي، والسبب هو عدم ثقتهم بالعثمانيين الأتراك.
إن ما حدث في بايزيد كان مثالاً حياً لما حدث في معظم المناطق الكوردية (كوردستان). ويوجز ت. والن وب. مولتيف الموقف الكوردي من الحرب الروسية – العثمانية (1828 – 1829م) في الفقرة الآتية:
«رغم أن الكورد بصورة عامة بقوا عاملاً غير موثوق به طيلة الحرب، فإن حيادهم أعطى الأمير غراف باسكوفيج الفائدة التي حظي بها نابير في غزوه الحبشة (إثيوبيا) بعد أربعين سنة. ففي كلتا الحالتين استطاعت قوة احتلال صغيرة الحجم نسبياً أن تدخل عمق أراضي العدو بعد أن ضمنت حياد القبائل، الذي كان من الممكن أن يشكل خطورة كبيرة عليها» (10).
ج- جهد إنجليزي لإجهاض ثورات وانتفاضات الكورد في كوردستان
إن الانتفاضات الكوردية في كوردستان التي حدثت في النصف الأول من القرن التاسع عشر توضح لنا جانباً آخر من الصراع العثماني – الروسي، وكيف أثّر الصراع الروسي – البريطاني في هذه الانتفاضات الكوردية بطريقة سلبية.
كانت انتفاضة الأمير السوراني ميركور (محمد باشا الراوندوزي) بين عامي 1832 و1836م في كوردستان العراق تحدياً كبيراً للدولة العثمانية، إذ أراد الأمير السوراني أن يوحّد الكورد جميعهم داخل الدولة العثمانية لضمان حكمه. وكان ميركور محمد باشا الراوندوزي رجلاً سياسياً وعسكرياً ومصلحاً من الطراز الفريد في القرن التاسع عشر. وتُعدّ انتفاضته (1832 – 1836) أول انتفاضة كوردية في التاريخ المعاصر استهدفت جمع شمل الكورد في دولة كوردية مستقلة (كوردستان). وهناك العديد من الدراسات التي تناولت مختلف جوانب هذه الانتفاضة الكوردية (ثورة راوندوز) وأسباب إخفاقها، وقد أردنا في هذا الحديث أن نعرض للقارئ المساعي البريطانية الحثيثة التي ساعدت الدولة العثمانية على قمع انتفاضة راوندوز الكوردية. فلما بدأت هذه الانتفاضة تهدد الدولة العثمانية باستقلال الأجزاء الكوردية (كوردستان) عنها، بدأ الدبلوماسيون الإنجليز نشاطاً محموماً، وعلى مستويات عدة، لإنهاء هذه الانتفاضة الكوردية التي تدعو إلى استقلال كوردستان. إذ كان المقيم البريطاني في بغداد دبليو تايلر والسفير البريطاني في إسطنبول آ. بوسبو يرسلان العديد من البرقيات إلى القناصل البريطانيين للاتصال بقادة الكورد وزعمائهم وإقناعهم بعدم تأييد جهود الأمير السوراني ميركور محمد باشا الراوندوزي في تحقيق استقلال كوردستان. كما عمل على ذلك الكابتن شيل والقنصل البريطاني في أورمية، اللذان كُلّفا بمهمة التنسيق بين القوات الإيرانية والعثمانية لتوجيه ضربة مشتركة إلى قوات الأمير السوراني الكوردي ميركور محمد باشا الراوندوزي، وإجباره على تسليم نفسه للسلطات العثمانية مقابل ضمان حياته. وعندما صدّق الأمير السوراني ميركور الوعود البريطانية سلّم نفسه لرشيد باشا، قائد القوات العثمانية المكلف بإنهاء الانتفاضة الكوردية، فانتهت الانتفاضة الكوردية بالخدعة البريطانية (11).
كما أن انتفاضة الأمير الكوردي بدرخان، أمير إمارة بوتان، بين عامي 1842 و1847م في شرق الأناضول (كوردستان تركيا) مثال آخر يبيّن كيف أخذ الصراع الروسي – البريطاني مداه في استمالة سلاطين الدولة العثمانية ضد الكورد، نكاية بالروس الطامعين بمناطق كوردستان. لقد كانت لهذه الانتفاضة الكوردية للأمير بدرخان أسباب إقليمية ومحلية، كما كانت هناك عوامل ذاتية أدت أخيراً إلى إخفاقها، وقد تناولتها العديد من الدراسات الحديثة. إلا أن المهم لنا نحن الكورد معرفة البعد الدولي وتأثيره على الكورد، وبالتحديد الصراع البريطاني – الروسي.
كان قائد الانتفاضة بدرخان باشا أميراً لإمارة بوتان الكوردية، واستطاع، بفضل شخصيته القوية واستقامته وتقواه، أن يفرض قيادته على معظم رؤساء الإمارات والقبائل الكوردية، فأراد بدرخان باشا أن يقود الكورد في محاولة لتحدي السلطان العثماني، الذي حاول فرض الإصلاحات الغربية في كوردستان باسم «التنظيمات». وفي عام 1847م دخلت الانتفاضة الكوردية مرحلة انضوت إليها فيها معظم القبائل الكوردية داخل الدولة العثمانية وإيران (كوردستان). ويبدو من التقارير التي أرسلها المسؤولون الإنجليز داخل الدولة العثمانية أن الحكومة البريطانية (وزارة الخارجية) كانت قلقة جداً من تبعات هذه الانتفاضة الكوردية، ثورة بدرخان باشا أمير إمارة بوتان الكوردية، إذ كان الدبلوماسيون الإنجليز يعتقدون أن الروس يقفون خلفها، وقد صرّح أحدهم عن هذا القلق بالقول: إنه في حالة نجاح انتفاضة بدرخان باشا أمير إمارة بوتان الكوردية ستُحرم الدولة العثمانية من (76) فوجاً من أفواج الفرسان الكورد الذين يشكلون عماد القوات العثمانية في مواجهة الروس (12).
ومن أجل الحيلولة دون حصول ذلك، وحرصاً على وحدة الدولة العثمانية وعدم تفككها، أوعز الإنجليز إلى دبلوماسييهم في مواقع الأحداث بتقديم كل أنواع المساعدات الممكنة للدولة العثمانية لإنهاء التمرد الكوردي في بوتان بقيادة بدرخان باشا. فأخذ المدعو نمرود رسام، مساعد القنصل البريطاني في الموصل، على عاتقه دعم الدولة العثمانية لإنهاء الانتفاضة الكوردية، وقام بدعوة المار شمعون، الذي كان الرئيس الدنيوي والروحي للطائفة المسيحية الشرقية المسماة «السريان» أو «النسطوريين» أو «الآشوريين» أو «الآثوريين»، الذين كانوا يسكنون في منطقة حكاري، وكانت في وقتها تابعة لنفوذ بدرخان باشا. وطلب نمرود رسام من المار شمعون عدم إطاعة بدرخان باشا، وإيجاد مشاكل بين المسلمين والمسيحيين، حتى تتاح للدولة العثمانية والدول الغربية فرصة التدخل في أمور كوردستان بحجة حماية المسيحيين.
وكان المار شمعون أداة طيّعة بيد نمرود رسام، فبدأ بإشعال الفتنة بين الآثوريين والكورد، وتمرد على سلطة بدرخان. وحين قام بدرخان باشا بحملة تأديبية ضد المار شمعون وأنصاره، بدأ نمرود رسام بكتابة تقارير مضخمة عن الوضع في حكاري وكوردستان، وعن ضحايا الآشوريين (الآثوريين) المسيحيين، لكسب الرأي العام الغربي، ولممارسة الضغط على الدولة العثمانية لإنهاء الانتفاضة الكوردية بالقوة. ونتيجة لهذه الحملة الإعلامية أرسلت كل من بريطانيا وفرنسا وروسيا مذكرة إلى السلطان العثماني تطلب فيها قمع الانتفاضة الكوردية بقيادة بدرخان باشا، وإلا فإن الدول الغربية سوف تتدخل لإيقاف ما أسمته «مذابح المسيحيين». ولتفادي شرور وجود قوات أوروبية، عمدت الدولة العثمانية إلى إنهاء انتفاضة بدرخان باشا الكوردية (13).
إن انتفاضة بدرخان باشا أُجهضت بفضل الدور البريطاني، وكان ذلك جزءاً من الصراع الروسي – البريطاني داخل الدولة العثمانية. كما أن هذه الانتفاضة الكوردية بقيادة بدرخان باشا تبيّن لنا أن الصراع الروسي – العثماني كان له بعد ثالث هو الدور البريطاني، وأن دور الكورد الوطني في هذا الصراع قد تأثر بوجود أقلية مسيحية، عرف الإنجليز كيف يستثمرونها بدلاً من إرسال قوة إلى كوردستان.
المصادر
Foreign Office, Historical Section, Armenia and Kurdistan (London: HMSO, 1920).
Foreign Office, Historical Section, Armenia and Kurdistan (London: HMSO, 1920).
David McDowall, A Modern History of the Kurds (London: I. B. Tauris, 1996), pp. 6–8.
M. Van Bruinessen, Agha, Shaikh and State: On the Social and Political Organization of Kurdistan (Utrecht, 1978), pp. 293–294.
Wadi Jwaideh, The Kurdish Nationalist Movement: Its Origins and Development, unpublished Ph.D. Dissertation, Syracuse University, 1960, pt. 1, pp. 213–214.
ن. خالفين، الصراع على كردستان، بغداد: مطبعة الشعب، 1963، ص 42–43.
مظهر، كمال، كردستان في سنوات الحرب العالمية الأولى، ترجمة: محمد الملا عبد الكريم، بغداد: دار آفاق عربية للطباعة والنشر، ص 43–44.
P. Aviarov, Osmanli, Rus ve Iran Savaslarinda Kurtler, trs. from Russian by Muhammed Varli (Ankara: Sipan, 1995), pp. 172–173.
P. Wallen, Caucasian Battlefields (Cambridge University Press, 1937), pp. 63–37.
نوار، سليمان، تاريخ العراق الحديث، القاهرة: دار الكتاب، 1968، ص 201.
Lieut. Col. J. Sheil, “Notes on a Journey from Tabriz Through Kurdistan Via Van, Bitlis, and Arbil to Sulaymaniyah, in July and August 1836”, Journal of the Royal Geographical Society, Vol. 3, December 1836.
نوار، سليمان، تاريخ العراق الحديث، مرجع سابق، ص 199، وانظر: F.O. 78/957, Rawlinson to Addington, June 14, 1853.
S. A. Waheed, The Kurds and Their History (Lahore: University Book Agency), pp. 143–144.