الدكتور عبدالعزيز المفتي
كوردستان في ظل حكم الاتحاد والترقي التركي 1908–1918
والقومية والفكر القومي الكوردي في الإطار الإقليمي ومعالم سياسة الاتحاد والترقي في كوردستان ودور الكورد في الحركة الدستورية (العثمانية – التركية)
أ- كوردستان في ظل حكم الاتحاد والترقي التركي 1908–1918
تعد هذه المرحلة من تاريخ كوردستان والحركة القومية الكوردية مرحلة دقيقة ومهمة في نمو الفكر القومي الكوردي وتبلوره، وستترك آثارها في الحركة الكوردية فيما بعد، طيلة القرن العشرين، نحاول هنا أن نبين العوامل الدولية والإقليمية والذاتية التي ساعدت على تبلور الفكر القومي بين الكورد. من الضروري أن نضع هنا ـ ولو بإيجاز شديد ـ تطور الأحداث في كوردستان في الإطار الأكبر: ظهور القومية في العالم الإسلامي وبالتحديد بين العرب والترك، وتأثير ذلك في الكورد، ومن ثم نتناول معالم سياسة الاتحاد والترقي التركي تجاه الكورد، وردود الفعل التي أحدثتها هذه السياسة في كوردستان، وفي معالجتنا هذا الموضوع نحاول اتباع منهجية تختلف في بعض جوانبها عن منهجية الباحثين الآخرين، وذلك من خلال التمييز بين ردود الفعل العامة وأصحاب الطرق الصوفية، وردود النخبة الكوردية؛ على الرغم من التداخل بينها تجاه سياسة الاتحاد والترقي، ولتبيان هذه المنهجية نتطرق إلى نشاطات النوادي الكوردية في استنبول، حركة الشيخ سعيد البرزنجي (الحفيد)، وملا سليم الخيزاني في تبليس، والشيخ عبد السلام البارزاني، وأخيراً نحاول الإجابة عن سؤال طالما حيّر الكثير من الكتّاب والمؤرخين والمهتمين بالشؤون الكوردية من سنة 1910 إلى 1914. وهو أنه كانت هناك كل المقومات في كوردستان لقيام ثورة كوردية شاملة بقيادة أبناء بدرخان وتحرير كوردستان من الحكم العثماني التركي، مثلما حرر (البلغار والرومان والقبارصة)(1) أنفسهم من هذا النظام في هذه الفترة. لماذا أخفق الكرد في حين أفلح الآخرين هناك؟ ... وأخيراً نؤكد أن هذه الدراسة لن تحسم الكثير من المسائل التي هي بحاجة إلى المزيد من الدروس والتحليل في ضوء الوثائق التي تعود إلى هذه الفترة، والموجودة في مكتبات كل من تركيا والعراق وإيران، ولم يصل الكثير منها إلى أيدي الباحثين والمؤرخين والمتابعين لحد الآن.
(1) عثمان علي، ص 155.
ب- القومية والفكر القومي الكوردي في إطاره الإقليمي
يتفق معظم الرحالة والباحثون والمؤرخين الغربيون المتخصصون في العالم الإسلامي على أن القومية العربية أو الكوردية، كحركة سياسية وفكرية، لم تكن معروفة عند عامة المسلمين، حتى نهاية القرن التاسع عشر، قبل سقوط الخلافة العثمانية، وجاء الفكر القومي من خلال تغلغل النفوذ الأوروبي في العالم الإسلامي. فـ (نابليون بونابرت) مثلاً، جلب أثناء حملته على مصر مجموعة من العلماء، الذين عملوا على مقاومة الإسلام، لأنه كان أيديولوجية الشعب المصري التي تطالبه برفض الحكم الأجنبي، لذلك قام العلماء الفرنسيون، وبرعاية نابليون بونابرت شخصياً بإذكاء الحس القومي الفرعوني عند المصريين، ومن هنا ظهرت فكرة مصر للمصريين، وكلّفت "مؤسسة مصر" بالقيام بهذه المهمة(2).
وقامت المؤسسات التبشيرية (التنصيرية/المسيحية) في أثناء حكم محمد علي باشا حاكم مصر (1805–1847م) بنشاط مكثّف لتشجيع فكرة اللادينية وتغريب المجتمع المصري، وأقدم (كرومر) الحاكم الإنجليزي في مصر (1880–1889م) العمل على تنمية الاتجاهات اللادينية، ومقاومة الفكر الإسلامي، بتشجيعه الأدباء والعلماء المصريين من أبناء الأقليات غير المسلمة على ممارسة نشاطات تناهض أفكار الدين الإسلامي، فكتب (جورج أنطونيوس) الموظف في السفارة البريطانية في القاهرة كتاب (يقظة العرب) وأصدر اليهودي يعقوب الصنوع مجلة (الوطن المصري) تحت إشراف (كرومر) الحاكم الإنجليزي في مصر. وهكذا بدأ الجيل المتغرب يردد كلمة (الوطن)، وقام النصارى العرب من أمثال بطرس البستاني وسليمان اليازجي وأنطوان سعادة وميشيل عفلق بغرس الأفكار القومية العربية بين المسلمين العرب في بلاد الشام، وذلك من أجل إيجاد كيان بديل عن الإسلام، يكون لهم فيها، وبدعم الغرب، السطوة والقيادة. وظهر في هذه المرحلة العديد من البحوث التي تمجد العصر الجاهلي في سوريا، وتدعو إلى قبلية سورية جديدة ضمن بلاد العرب باسم القومية السورية. وكانت هناك أيضاً دعوات لتمجيد الفراعنة والقومية المصرية، وتؤكد هوية شعب مصر باعتباره شعباً منفصلاً عن الشعوب الإسلامية الأخرى. وكان طه حسين الوليد الشرعي للقومية لهذه المرحلة من تاريخ مصر، حيث سعى جاهداً في كتابة (مستقبل الثقافة في مصر) لإثبات أن مصر مرتبطة بأوروبا ولا علاقة لها بالعالم الإسلامي، وقال يجب على المصريين أن يقبلوا الحضارة الغربية بما فيها من سيئات، لأن ذلك قدرهم في التطور، يقول ساطع الحصري ـ وهو من أشد المتحمسين للقومية العربية ـ "لم تكن القومية معروفة بين شعوب الخلافة العثمانية حتى الانقلاب الدستوري 1908 على السلطان العثماني عبد الحميد الثاني ..."(3). ويضيف: "نشأت السلطنة العثمانية مشربة بإيمان ديني عميق، متوجه نحو أهداف دينية صريحة، وأنها كانت دولة إسلامية، بكل معنى الكلمة، وأن العثمانيين كانوا بعيدين عن الشعور بالقومية التركية بعداً كبيراً"(4).
كان العثمانيون يعبرون عن القومية بكلمة "الملّة" وكانوا دوماً يقولون الدين والملة وجهان لعملة واحدة، وأن التذاكر والسجلات العثمانية كانت تقسم الرعية إلى مسلمين وغير مسلمين من أهل الذمة، ولم يستعمل مصطلح "الأتراك" أو "العرب" أو "الكورد" في الكتب الرسمية إلا في إطار اجتماعي غير مسيّس على الأغلب، ومن أجل التعريف بالمنطقة من الناحية السكانية، وفي الحقيقة كانت كلمة (التركي) كلمة غير مرغوبة في الأجواء الرسمية والأدبية، وكانت تستعمل للإشارة إلى السذج من الناس، وهي شبيهة بكلمة (الأعراب) بين العرب. وكانت إدارة الدولة العثمانية منذ بداية تأسيسها وإلى نهاية القرن التاسع عشر، بيد ضباط وإداريين من الغلمان الأوروبيين الذين يجندون للخدمة في الجيش والإدارة، وعرفت هذه الفئة (بالإنكشارية) وكما لم يتحرج السلاطين العثمانيون والملل العثمانية الأخرى في أن يكون للكورد القيادة الروحية للدولة العثمانية في مراحل متعددة من التاريخ العثماني، ممثلة بمنصب (شيخ الإسلام) المتنفذ، والذي احتكرته عائلة (البدليسي والعمادي والحيدري) الأكراد لفترات من الزمن، وقيادة الطرق الصوفية (كالقادرية والنقشبندية) من الأكراد.
بدأت القومية، كحركة فكرية، تؤثر في نخبة من العثمانيين أثناء عهد التنظيمات، 1836–1876 (فترة الإصلاحات الغربية)، ويقول المستشرق (برنارد لويس): "قبل أن يصل الفكر الغربي لم يكن هناك أي وجود للفكرة القومية، بل حتى في بداية القرن العشرين لم يشعر العثمانيون الأتراك أو العرب أو الكورد بأنهم غرباء بعضهم عن بعض فالعرب ارتضوا بأن يكونوا جزءاً من الإمبراطورية العثمانية بسبب الدين المشترك، فالكورد أيضاً ارتضوا بأن يكونوا جزءاً من الإمبراطورية العثمانية في حين كان الأتراك العثمانيون يعتزون بالعرب والكورد، ويعدون الثقافة واللغة العربية والكوردية من علامات الرقي والتقدم" ويضيف (برنارد لويس) ويعد "اليهودي" (أرتر لوملي ديفيد) أول رائد للفكر القومي التركي إذ ألّف كراساً بعنوان "دراسات تمهيدية عن تركيا"، حاول فيه إثبات استقلالية العرق التركي، وأفضليته على العرب والكورد وقام كل من (فؤاد باشا وجودت باشا) من رجال فترة التنظيمات السرية، من (رواد الماسونية في الدولة العثمانية) بترجمة كتابات (ديفيد مكدول) إلى اللغة التركية، وهكذا كما يقول (برنارد لويس) "أدرك الأتراك قوميتهم عبر الغربيين"(5).
وفضلاً عن ذلك كان معظم رواد (الفكر الطوراني) التركي، من غير الترك؛ فأحمد رضا الرئيس لحركة الاتحاد والترقي في نصفه شركسياً والنصف الآخر مجرياً أما أنور باشا أحد أبرز قيادات الاتحاد والترقي، فهو ابن رجل بولوني اعتنق الإسلام لفترة ثم ارتد. وإن جاويد باشا وعمانويل قرة صو اللذين يعدان من أهم القيادات العليا في الاتحاد والترقي، واللذين شغلا مناصب مهمة من ضمنها وزارة المالية كانا أصلاً من الطائفة اليهودية المعروفة في الدولة العثمانية بـ "الدونمة" أما طلعت باشا، وزير الداخلية والحرب في الدولة العثمانية، وأحد أركان ثالوث الاستبداد في الدولة العثمانية، فكان بلغارياً من أصل غجري. ويعد ضيا كولك ألب الكوردي، الديار بكري المتترك والمتأثر بالفكر الاشتراكي الديمقراطي، وبفلسفة دوركهايم، منظّراً للفكر القومي اللاديني التركي. ويعد عصمت أينونو باشا، الساعد الأيمن لمصطفى كمال أتاتورك، رائداً للحركة القومية التركية، ومن ألد أعداء الإسلام أيضاً كردياً متتركاً.
كما أن إثارة النزعة القومية عند الترك ولدت حقداً على العرب والكورد وبذلك تحققت سياسة "فرق تسد"، وتم لهم (الأتراك) هدفهم الذي كان يأملونه ويحلمون به، وهو إزالة الخلافة العثمانية الإسلامية وزرع الأحقاد بين الشعوب الإسلامية. ولكن ما تقدم لا يعني أن الكاتب يرى أن السلطنة العثمانية كانت في مرحلة من مراحلها دولة الخلافة الإسلامية التي يجب أن نقتدي بها، وننسى انحرافاتها عن الإسلام في تطبيق الشورى والعدالة وإضاعتها الحقوق الأساسية للإنسان المسلم، وإهدارها لثروات الأمة الإسلامية، من أجل إشباع نزوات السلاطين العثمانيين. ولكن الغرب الذي عرف الإسلام وطاقاته الكامنة في بث النهوض في الشعوب المسلمة، كان حريصاً على القضاء على الدولة العثمانية، المسلمة ككيان، رغم جميع أمراضها حتى لا تكون إطاراً يمكن إصلاحه من جديد، لوحدة الشعوب المسلمة، فقضيت على الدولة العثمانية بالقضاء على مسوغات وجودها، وذلك بغرس الفكر (اللاديني والقومية التركية) التي تبلورت في (حركة الاتحاد والترقي) ذات النزعة المركزية التركية في الحكم، والمعروفة بمحاولاتها لصهر الشعوب العثمانية في بوتقة الأمة التركية التي يدعون لها وإليها(6).
(2) الحصري، ساطع، ص 91–92، انظر عثمان علي، الحركة الكردية المعاصرة، ط3، سنة 2011، ص 156.
(3) عثمان علي، المصدر السابق، ص 157.
(4) الحصري، ساطع، مرجع سابق، ص 93.
(5) Bernard Lewis. Islam in History (London 1973), pp. 133–135.
(6) عثمان علي، المصدر السابق، ص 159.
ج- معالم سياسة الاتحاد والترقي التركية في كوردستان
إن الحديث عن سياسة الاتحاديين (الاتحاد والترقي) في الدولة العثمانية التركية وفي كوردستان يقتضي منا أن نعرض باختصار الخلفية الفكرية والسياسية للاتحاديين الأتراك الذين هيمنوا على الحكم، في الدولة العثمانية، في الفترة 1908–1918. ففي عام 1908 قامت مجموعة من الضباط العثمانيين المتمركزين في سالونيك في مقدونيا بتمرد عسكري، ثم انضمت إليهم فرقة من البلغار وتوجهوا نحو استنبول؛ لإجبار السلطان العثماني عبد الحميد الثاني على إعادة العمل بالدستور الذي ألّفه الصدر الأعظم السابق مدحت باشا، بدعم من الدول الأوروبية، والذي عطّله السلطان العثماني عبد الحميد الثاني في عام 1878، نظراً لكونه وثيقة أوروبية فرضت عليه قبل عامين، 1876م ولأنها لم تكن تصلح لتنظيم الدولة العثمانية المبنية على أساس التراث والحضارة الإسلاميين.
إن الخلفية الفكرية لجماعة الاتحاد والترقي تعود إلى كتابات الليبراليين الترك في عهد التنظيمات، من أمثال نامق كمال (المتأثر بالفيلسوف الفرنسي مونتسكيو) وشناسي أفندي وضياء باشا. وبدأت هذه الأفكار التغريبية تظهر آثارها في مجلة "تصوير الأفكار" ثم في أفكار جمعية (الاتحاد العثماني) وجريدتهم "العثماني"، التي أسسها عام 1893 الدكتور عبد الله جودت الكوردي (الكوردي الأصل) وصديقه الدكتور إسحاق سكوني الكوردي (الكوردي الأصل) أيضاً، وإبراهيم تمو الألباني ومحمد رشيد الشركسي، ثم تحولت هذه إلى (جمعية الاتحاد والترقي). إن معظم أنصار (تركيا الفتاة) كانوا ممن درسوا اللغات الأوروبية وآدابها، أو من تأثروا بحركة الترجمة من الأدب الأوروبي، أو عملوا في السلك الدبلوماسي، أو ممن تخرجوا في الكليات الحديثة العسكرية والطبية والهندسية في استنبول، إذ كان هناك المنهج الأوروبي والعديد من الأساتذة الأوروبيين(7). وتأثر أنصار (تركيا الفتاة) بالفكر الليبرالي الغربي عموماً، وأفكار (الثورة الفرنسية) بالخصوص: (المساواة، الحرية، الأخوة)، كان أعضاء (جمعية تركيا الفتاة) لا دينيين (علمانية ـ والتي تسمى خطأ بالعلمانية)، أي أرادوا تحويل الدولة العثمانية المستندة في دستورها على الشريعة والخلافة الإسلامية إلى دولة قومية وملكية (سلطنة) دستورية ومركزية تحكمها قوانين وضعية، أسوة بالدول الأوروبية. وفي عام 1896 نشر أحمد رضا (المجري المتترك)، وأول رئيس لجمعية الاتحاد والترقي في باريس، وتلميذ بيار لافيات، الذي كان بدوره تلميذاً لأوغست كونت، أحد فلاسفة الثورة الفرنسية، (جريدة مشورت) وكانت هذه الجريدة تروج لأفكار الثورة الفرنسية في الدولة العثمانية(8).
وكان هناك تيار فكري وسياسي منافس لأحمد رضا (المجري المتترك) يقوده الأمير صباح الدين (ابن الداماد محمود جلال الدين باشا كان من طرف أمه من العائلة العثمانية) وكان هذا أول (ماسوني) من العائلة العثمانية، واشتهر بكونه زيراً للنساء، وبأنه مقامر، وبأنه اختلس بعض الأموال من الناس، فأمر السلطان العثماني عبد الحميد الثاني بمحاكمته، فهرب مع عائلته إلى باريس وانضم إلى المعارضة. شكل (صباح الدين) جمعية باسم "منظمة المبادرات الفردية واللامركزية" أرادت هذه الجمعية نشر أفكار الكاتب الفرنسي (أدموند ديمولنس) الداعية إلى تبني الثقافة الأنجلو ـ سكسونية، من أجل أن تحقق الدول النامية التطور الاقتصادي والسياسي الحاصل آنذاك في بريطانيا ولما كان (الأمير صباح الدين) من دعاة التدخل الأوروبي في فرض الإصلاحات، داخل الدولة العثمانية، فقد تقرب منه الأرمن في الخارج، ودعموا مشروعه.
لم تكن (جمعية الاتحاد والترقي) قبل عام 1909 تنادي بالقومية التركية بل بالملة العثمانية، وكانت تطالب بالدستور والمركزية والقيم الليبرالية للعثمانيين جميعاً. فمثلاً يكتب عبد الله جودت في العدد الثالث من جريدة العثماني مقالاً يقول فيه: "لسنا نأمل التعرض للغة أي عثماني وقوميته ... ولكننا مطمئنون إلى أن حكماً دستورياً ما، لو باشر ممارسته في الحكم لجعل العثمانيين كافة متساوين، وحقق للغات القوميات العثمانية التطور والازدهار، وراقت العثمانية للعثمانيين جميعاً، ومن دون استثناء".
عقدت جمعية تركيا الفتاة مؤتمرها الأول في باريس 1902، بحضور فعّال لوفود الأرمن وممثليهم ووفد (عربي وكوردي وألباني) وبتأييد الدول الأوروبية و(المحافل الماسونية) ومباركتها في (سالونيك وباريس) والتي تكفلت بالاشتراك مع الأرمن في دفع مصروفات المؤتمر الذي ترأسه الأمير صباح الدين وفي مؤتمر 1907 أقرت جمعية الاتحاد والترقي في دستورها حق الشعوب في التعلم في المرحلة الابتدائية باللغات المحلية الخاصة بهم(9).
بعد انقلاب 1908 على الدولة العثمانية بدأت جمعية الاتحاد والترقي تتحول بسرعة إلى حزب شمولي، أسوة بالأحزاب الماركسية اللينينية والنازية الأوروبية. فرغم ادعائها بالحفاظ دستورياً على سلطان عبد الحميد الثاني خليفة المسلمين، فإنها جردته من أية سلطة حقيقية. وعلى الرغم من افتتاح مجلس المبعوثان (البرلمان)، وتشكيل (مجلس الأعيان) من أجل إعطاء المسلمين فرصة لممارسة حرياتهم إلا أن الاتحاديين (الاتحاد والترقي) تلاعبوا بنتيجة الانتخابات ليضمنوا الفوز الساحق لأنصارهم. كما أعطى الضباط من أنصارهم معظم المهام العسكرية والسياسية والثقافية. وأن كثيراً من هؤلاء الموظفين الجدد كانوا غير أكفاء، وظهرت في استنبول صحف (تهاجم الشريعة، وتروج للإباحية والأفكار الماسونية) خاصة (جريدة طنين) الرسمية التي كان يصدرها الماسوني (اليهودي الدونمي) حسين جاهيد(10). وتحولت الكثير من المساجد والثكنات العسكرية إلى مقاهي، وانتشرت بيوت الفساد كما تلقت الدولة العثمانية الكثير من المصائب والهزائم، وازدادت الهجرة اليهودية إلى فلسطين ازدياداً كبيراً، بفضل العلاقة الوطيدة بين الحركة الصهيونية وقيادات جمعية الاتحاد والترقي العثمانية التركية، وخاصة طلعت بيك الماسوني وزير الداخلية، وجاويد بيك اليهودي، الممثل النيابي عن سالونيك في مجلس (المبعوثان) ووزير المالية، وقرة صو، وداود كوهين اليهوديين الماسونيين، وأبرز الكوادر القيادية في جمعية الاتحاد والترقي(11).
أدى كل ذلك إلى ظهور استياء كبير بين الجماهير والتفاف الكثيرين من المستقلين حول راية جمعية مستقلة باسم (اتحاد جمعيتي محمدي) أي (حزب الأخوة المحمدية)، وكان حافظ درويش وحدتي رئيس الحزب وأصدر جريدته باسم (البركان)، وكان هدف هذه الجمعية (اتحاد جمعيتي محمدي) هو الحفاظ على الدستور والحريات؛ والعمل على الملاءمة بين الإصلاحات والإسلام، والحد من استبداد الاتحاديين (الاتحاد والترقي) واستئثارهم بالحكم وكان من أبرز كتاب هذه الجريدة الشيخ سعيد الكوردي (النورسي)، وفي نيسان 1909م ثارت بعض الوحدات العسكرية داخل استنبول، ورموا القبعات الأوروبية من على رأسهم، وهتفوا بحياة السلطان العثماني والشريعة الإسلامية، ودعوا إلى إبعاد الملاحدة الاتحاديين من المواقع القيادية في الجيش والإدارة والصحافة، وتلقت هذه الانتفاضة دعم العامة من الناس وعلماء الدين، ولكن الاتحاديين (الاتحاد والترقي) المسيطرين على الجيش والصحافة استطاعوا، بدعم وحدات عسكرية من سالونيك، الهجوم على استنبول وبقيادة الضابط العربي محمود شوكت وقمعوا الانتفاضة التي سمتها الصحافة الاتحادية بـ "الحركة الارتجاعية" (الرجعية). واتهم السلطان العثماني عبد الحميد الثاني بكونه وراء الانتفاضة الرجعية من أجل تعطيل الدستور والحريات العامة فخلع السلطان العثماني عبدالحميد الثاني من الحكم، ونصب بدلاً عنه (محمد رشاد) المصاب بالبله سلطاناً باسم (محمد الخامس)(12).
كان فشل انتفاضة نيسان 1909 بداية لعهد جديد من استبداد الاتحاديين (الاتحاد والترقي)، وبدأت مجموعة من الأشخاص القياديين ـ ذات الأصول الأوروبية والمتتركة من يهود دونمة والمجريين والألبان، والذين احتلوا مواقع قيادية في جمعية الاتحاد والترقي ـ تدعو إلى المزيد من المركزية والقضاء على المؤسسات الإسلامية. فيقول الدكتور ناظم بك الذي أصبح كبير الاتحاديين في هذه الفترة: "إننا نحن العثمانيين الأتراك لا يمكن أن نترقى إلا إذا نبذنا الدين الإسلامي وراء ظهورنا، وعصرنا العلماء المسلمين عصراً، ونمحقهم به محقاً، وسرنا وراء فرنسا خطوة خطوة"(13). كما ظهرت الدعوات الصريحة لتتريك الدولة العثمانية التركية، وإبعاد الكثيرين من قياديي الاتحاد والترقي السابقين، من أبناء الشعوب غير التركية. خاصة العرب والكورد، وأغلق المدارس والجمعيات الصحافة العائدة للشعوب غير التركية (العرب والكورد)، فيكتب حسين جاهد اليهودي المتترك في (جريدة طنين) مقالاً، يقول فيه:
"إن الترك يتمتعون بصفتهم فاتحين، بحقوق وامتيازات سامية، فلا مجال إذن للاعتراف بحقوق متساوية للعناصر الأخرى من الشعوب العربية والكوردية، وإن الدستور العثماني لا يمكن أن يكون في شكله النهائي سوى دستور تركي"(14).
وبدأت الفكرة الطورانية (بان طورانيزم) هي التي تهيمن كأيديولوجية للدولة، العثمانية وكان من أبرز دعاتها (ضياء كوك ألب ويوسف آقجرا)، وكانت مؤسسة "تورك أوجاغي" (النادي القومي التركي) هي التي تطور مقومات الفكر القومي التركي/الطوراني وخصائصه، ويبدو أن تحالف تركيا الاتحادية الوثيق مع الألمان عزز هذه النزعة في الدولة العثمانية، فخطب ويلهايم (الإمبراطور الألماني) للاتحاديين (الاتحاد والترقي) قائلاً: "لستم بحاجة إلى الشعوب الأوروبية، فبإمكانكم بناء دولة آسيوية متكونة من الشعوب التركية الموجودين في إيران وبخارى وتركستان وقفقاسيا، وتكون هذه الدولة التركية الطورانية أكثر من 180 مليون تركي (طوراني)"(15).
(7) استعمل اسم "Jeunes Turcs" "تركيا الفتاة" للإشارة إلى دعاة الإصلاح الغربي داخل الدولة العثمانية لأول مرة في سنة 1867 في جريدة بلجيكية، وهي بلا شك تقليد لاسم بريطانيا الفتاة وفرنسا الفتاة وألمانيا الفتاة التي كانت تطلق على الإصلاحيين الداعين لإصلاح تلك الدول في القرن التاسع عشر، انظر:
Bernard Lewis. The Emergence of Modern Turkey, pp. 150–152.
زين، نور الدين، نشوء القومية العربية مع دراسة في العلاقات العربية التركية، بيروت، دار النهار، 1972، ص 86.
(8) عثمان علي، الحركة الكردية المعاصرة، المصدر السابق، ص 161، Lewis, pp. 197–199، وانظر: مالميسانيز، القومية الكردية، وجودت عبد الله، مطلع القرن العشرين، ترجمة شكور مصطفى، ص 15، والمرجع ذاته، ص 194–195.
(9) Elie Kedourie, “Young Turks, Freeasons, and Jews”, Middle East Studies, No. 53, 1973, pp. 92–94.
(10) بر، توفيق، علي، بر، العرب والترك، ص 84–88. انظر: عثمان علي، المصدر السابق، ص 162.
(11) عثمان، علي، الحركة الكردية المعاصرة، ط3، 2011، ص 162، انظر:
Elie Kedourie, pp. 96–97.
(12) محمد فريد بك، تاريخ الدولة العليا، ص 711–713؛ جريدة المقطم، 20 نيسان، 1909.
(13) المنار، جزء 4، 1911.
(14) Kutlay, p. 203.
(15) عثمان، علي، المصدر السابق، ص 164، انظر: Kutlay, p. 197.
د- دور الكورد في الحركة الدستورية العثمانية (التركية)
وهذا مما دفع ممثلي الشعوب غير التركية (العرب والأكراد والأرمن) إلى الانضواء إلى راية (حزب الحرية والائتلاف) بقيادة الأمير صباح الدين والأحزاب والجمعيات المعارضة للاتحاد والترقي التركية. وكان حزب (الحرية والائتلاف) يدعو إلى الأفكار الليبرالية ويعطي الشعوب العثمانية (العرب والأكراد والأرمن) حق التدريس بلغاتها الخاصة، ويدعو إلى (اللامركزية) وكان (للعرب والكرد والأرمن) وجود ملحوظ فيه. إلا أن الاتحاديين كانوا يقمعون هذا الحزب (الحرية والائتلاف)، وهذا ما دفع هذا الحزب إلى القيام (بالانقلاب العسكري) في تموز 1912. إلا أن الاتحاديين لم يطيقوا هذا، وقاموا (بانقلابهم الثالث 1913)، وأن الانقلابات العسكرية لجماعة الاتحاديين وسياسة القتل والتشريد والإبادة للعناصر غير التركية (العرب والأكراد والأرمن) في عهدهم يقرب حكمهم من حكم الجاكوبينيين الدموي في فرنسا بعد الثورة الفرنسية، ففي السنين الأولى من حكمهم أبادوا وقتلوا ما لم يقدم عليه السلطان العثماني عبد الحميد الثاني خلال أربعين سنة من حكمه. علماً أن عادة السلطان العثماني عبد الحميد الثاني كانت تقوم على نفي خصومه، أو سجنهم بدلاً من قتلهم ولكن الإعلام الغربي رغم ذلك يسميه بالسلطان الأحمر لأن الكنيسة الأوروبية الداعمة للأرمن وقناصل الدول الأوروبية في الدولة العثمانية والصحافة كانوا يصورونه جلاداً للأرمن. وبعد انقلاب 1913 بدأ عهد (ثالوث الاستبداد الماسوني)، أنور باشا وطلعت باشا وجمال باشا، واعتلى الكوادر الماسونية معظم المناصب الإدارية في وزارة المالية والخارجية والداخلية. وسارع الكثير من الموظفين والضباط الصغار للانضمام (إلى المحافل الماسونية)، داخل الدولة العثمانية حتى يتقربوا من ثالوث الاستبداد (الماسوني)، وانتقلت هذه الظاهرة حتى إلى المقاطعات(16) وفي الحقيقة أصبح الانتماء إلى الماسونية عادة، لأبناء طبقة الأعيان والمثقفين في بغداد ودمشق والقاهرة والقدس.
لعب الكورد دوراً مهماً قيادياً، من الناحية الفكرية والسياسية، في التمهيد لظهور جماعة الاتحاد والترقي. ولكن سرعان ما سيطر الطورانيون الترك، (أو بالأحرى المتتركون) على زمام الأمور، خاصة بعد وصول الاتحاديين إلى الحكم، حيث بدؤوا يضطهدون زملاءهم من الكرد الذي نسميهم هنا "كوردستان الفتاة"، كان الدكتور (عبد الله جودت وإسحاق سكوتي) من مؤسسي (الاتحاد العثماني) الذي تحول فيما بعد إلى (الاتحاد والترقي)، ويعد عبد الله جودت المنظر الأساسي للاتحاديين، حيث كان محرراً لعدة جرائد كانت تروج لأفكارهم كالعنصرية التركية، وخاصة (جريدة العثماني) و(مجلة الاجتهاد) اللتين كانتا تصدران في أوروبا أولاً ثم انتقلتا إلى القاهرة حيث كانت الإدارة البريطانية هناك تؤمن لهما الدعم المالي والسياسي. وفضلاً عن الدعوة إلى إطاحة السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، كانت الصحيفتان المذكورتان تركزان ـ بالتعاون مع (جريدة كردستان)، التي أصدرها أولاً في القاهرة ثم جنيف، من قبل مدحت وعبد الرحمن بدرخان ـ التركيز على الأخوة الأرمنية الكوردية في العديد من المقالات، وذلك لإفشال فكرة التعاون بين رؤساء الكورد المنتمين إلى الألوية الحميدية والسلطان عبد الحميد الثاني(17). وكانت العلاقة بين الصحف الكوردية وعبد الرحمن بدرخان باشا والاتحاد والترقي أيضاً جيدة فكان الأخير يكتب العديد من المقالات في (جريدة العثماني)، الناطقة باسم الاتحاد والترقي كما لعب (الجنرال شريف باشا السليماني) ابن سعيد باشا من أهالي السليمانية، وزير الخارجية للدولة العثمانية السابق، دوراً مهماً في بداية تكوين (الاتحاد والترقي) تنظيمياً ومالياً في السويد وباريس. وقد وضع (شريف باشا السليماني) اللبنات الأساسية للعلاقات الوطيدة بين (الاتحاد والترقي والحكومة الألمانية)، والتي تطورت فيما بعد إلى تحالف أثناء الحرب العالمية الأولى. وانضم (السيد عبد القادر النهري) الكوردي إلى فرع استنبول للاتحاد والترقي في سنة 1896، كان له دور قيادي فيها، وله تأثير مهم في تنظيم علماء الدين الكورد في هذه الجمعية، وفي بداية 1900 كشف (الباب العالي) مؤامرة لاغتيال السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، وألقي القبض على بعضهم من الذين كانوا من مقربي الشيخ عبد القادر النهري الكوردي. لذلك ألقي القبض عليه ونفي هو وأقرباؤه جميعهم إلى المدينة المنورة، لأن معظم أعضاء هذه الفرقة الفدائية المتورطة في العملية كانوا من أنصاره الكورد. وكان للكورد أيضاً دور فعال في فرع مصر للاتحاد والترقي وكان أبناء بدرخان يديرون هذا الفرع المهم(18).
حضر حكمت بابان وعبد الرحمن بدرخان المؤتمر الأول للاتحاد والترقي في باريس 1902 ممثلان عن الكورد، وكان للوفد الكردي دور مهم هناك. وحضر عبد الرحمن بدرخان بيك المؤتمر الثاني للاتحاد في عام 1907 ولكن لم يدع إليه الدكتور عبد الله جودت، وذلك لأنه اتهم بالخيانة لوصوله إلى تفاهم مع السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، وتعيينه في السفارة العثمانية في فيينا(19).
كان للسلطان عبد الحميد الثاني علاقة خاصة بالعائلة البدرخانية، فكان أفرادها من خدمه الخاص، وممن يقربهم إليه بإعطائهم المناصب المهمة في الحكومة العثمانية. ولكن في عام 1906 اغتيل رضوان باشا مدير الحرس الخاص للسلطان عبد الحميد الثاني، واتهم علي شامل بيك بدرخان عبد الرزاق بدرخان في عملية الاغتيال. فبدأت نكبة البدرخانيين، فقام السلطان العثماني عبدالحميد الثاني بنفي نحو 100 رجل من العائلة البدرخانية، وفي ظروف مزرية جداً إلى طرابلس وفزان في ليبيا. وبهذا العمل أصبح للكورد دور فعال في الداخل ضمن المعارضة(20). مما يؤخذ على السلطان عبد الحميد الثاني خوفه المفرط على حياته من الاغتيال، وكان أكثر من يثق بهم في حاشيته المقربة هي العناصر غير التركية، خاصة العرب والكورد فينقل (كوتالي) عن السلطان عبد الحميد الثاني قوله: "هناك من ينتقدني بأنني مخطئ في الاعتماد على هذا العدد الكبير من الكورد، خاصة أبناء بدرخان في الإدارة في استنبول، ولكن أنا مقتنع بهذه السياسة"(21).
إن لقول السلطان عبدالحميد الثاني هذا دلالة على أنه كان هناك تذمر من أفراد حاشيته تجاه الكورد المهيمنين على الإدارة، خاصة في الحكومة العثمانية وفي "دوائر ما بين" و"دائرة الديوان" و"التشريفات" المهمة، وفي الحكومة المليئة بأبناء البابانيين والبدرخانيين الأكراد. وأن العناصر الحاقدة والحاسدة كانت تبحث عن فرصة للنيل منهم وهي التي دفعت السلطان عبدالحميد الثاني إلى معاملة البدرخانيين بهذه القسوة، وهذا ما يؤكد المؤرخ (لازاريف) بالقول: "إنهم أقنعوا السلطان عبدالحميد الثاني بخطر الكورد عليه" وهذا ما دفع السلطان عبدالحميد إلى التقليل من اعتماده على الكورد في الإدارة، وغلق عشيرت مكتبلري (المدارس الخاصة بأبناء القبائل والشيوخ العرب والكورد في استنبول والمدن الكوردية)، علماً أن خريجي هذه المدارس غالباً ما يعينون ضباطاً وإداريين في المنطقة(22).
تحول الاتحاد والترقي بعد عام 1908 شيئاً فشيئاً إلى منظمة طورانية (بان طورانزم) وبدأت النخبة الكوردية تعمل في اتجاهين متوازيين؛ أولهما: تكوين منظمات كوردية، وثانيهما: العمل ضمن المنظمات العثمانية المعارضة للاتحاد والترقي. وكان دورهم هنا أيضاً دوراً مهماً، وفي بعض الأحيان كانوا في قيادة تلك المعارضة. وأهم هذه الرموز هنا هو (مولانا زادة رفعت، والجنرال شريف باشا سعيد وزين العابدين فاني زادة الراوندوزي، وعبد الله جودت، ولطفي فكري) يعتقد الكاتب الكردي (روحات)، صاحب سيرة شريف باشا السليماني، أن "شريف باشا كان من أقوى معارضي ثلاثي الاستبداد الاتحادي في تركيا في الفترة 1909–1918 وأشجعهم، لذلك تعرض شريف باشا عدة مرات لمحاولات الاغتيال التي دبرها له الاتحاديون. ولم يدخر شريف باشا جهداً من الناحية المعنوية والمالية لتعرية الحقيقة الاستبدادية للاتحاديين، لذلك كان بمثابة شوكة في أعينهم". في عام 1909 يقدم شريف باشا استقالته من الاتحاد والترقي، ويورد الباحث عدة أسباب لهذه القطيعة:
1. يقال أن شريف باشا السليماني تعود إلى عدم ارتياحه من الاتحاديين لأنه كان يريد أن يكون سفيراً للحكومة العثمانية الجديدة في باريس أو لندن، ولم يوافق الاتحاديون على ذلك.
2. ويقال أيضاً بأن أحمد رضا بيك، رئيس الاتحاديين، كان يشك بأمره (شريف باشا) ودبر محاولة لقتله.
ولكن قراءة المذكرة التي كتبها شريف باشا، في شرح أسباب الاستقالة تبين وجود خلافات جوهرية سياسية بين تصوره للحكم وتصور الاتحاديين للمسألة، ويكتب شريف باشا السليماني:
"يجب ابتعاد العسكر كلياً من السياسة والتدخل في الأمور الإدارية للدولة العثمانية، وأن يعد (يصبح) مجلس (المبعوثان) المنتخب انتخاباً حراً المرجعية العليا في إدارة دفة الحكم للدولة العثمانية، وليس قيادة الاتحاد والترقي؛ من الضروري الإقرار بالخصوصيات جميعها، والتنوع السائد في المجتمع العثماني وإعطاء الحقوق للجميع، وبما أن الجيش هو جيش كل الشعب، فيجب ألا يكون تحت سيطرة حزب واحد"(23).
ويذكر (لازاريف) أن تأسيس لطفي فكري لـ(حزب المجدد) وهو، عضو مجلس (المبعوثان) الكوردي والمعارض للاتحاديين ومؤسس (حزب المجدد) وكان هذا الحزب لا دينياً، ويدعو إلى فصل الدين عن الدولة، وإلغاء السلطنة العثمانية، وكان معظم أعضائه من النخبة الكردية في استنبول(24).
ومنذ خروجه (شريف باشا) من جمعية الاتحاد والترقي، بدأ شريف باشا قيادة المعارضة العثمانية للاتحاديين حتى بدء الحرب العالمية الأولى، فأسس في عام 1909 في باريس (فرقة الإصلاحات الأساسية العثمانية) والتف حول هذه الفرقة (الحزب) عدد كبير من منظري تركيا الفتاة من أمثال (علي كمال، ومولانا زادة رفعت، وبيرتف توفيق، ورفيق نوزاد، وكمال عوني بيك)، وبعد فترة وجيزة تمكنت الفرقة (الحزب) من تنظيم أنصارها في الداخل وعرف هؤلاء باسم (الجمعية السرية)، وكان رضا نور، أحد قادة (حركة الاستقلال والحركة الكمالية)، وعضواً سرياً في هذه الجمعية وكشف أمره، واعتقل في عام 1910.
وفي سنة 1911 انضمت (فرقة الإصلاحات العثمانية) إلى (فرقة الائتلاف والحرية المعارضة في استنبول)، وظل شريف باشا السليماني الرئيس الفعلي في الخارج للحزب، ومموله الأساسي مالياً، ويكون الحزب الجديد منبراً لدعاة الديمقراطية في تركيا، ومسانداً للحقوق القومية للشعوب العثمانية غير التركية (العرب والأكراد والأرمن). وكانت للشخصيات الكوردية المعارضة للاتحاديين دور مهم، في الداخل. إن من مؤسسي هذا الحزب، ويعد (السيد عبد القادر النهري) أحد مؤسسي (فرقة الحرية). وكان شريف باشا يصدر جريدتها (مشروطيت) الناطقة باسمها(25)، وأخيراً أدى العلامة سعيد الكوردي (الذي عرف فيما بعد بالنورسي) دوراً مهماً في مقارعة الفكرة العنصرية التركية عند الاتحاديين، (الاتحاد والترقي) قبل مجيئهم إلى الحكم وبعده، فطرح سعيد النورسي الكوردي فكرة (الجامعة الإسلامية) لتكون إطاراً فكرياً للعثمانية وقال: إن ما يطرحه الاتحاديون من الفكر القومي التركي العرقي لا تستند إلى أسس إسلامية، وتخالف قواعد العلم التي تثبت خرافة وجود العرق (الدم) الصافي. وكانت مقالاته تنشر في مجلة (بركان) التي كانت منبراً لمعارضي الاتحاديين(26).
إن الخطبة (العنصرية) التي ألقاها (ضياء كوك ألب) الكوردي الأصل في دياربكر ونقلتها مجلة (بيمان) التابعة للاتحاديين، هناك، تلخص العقلية (العنصرية التركية) التي كان الاتحاديون ينظرون بها إلى الحكم التركي في كوردستان:
"إن العسكرية واجب ديني مقدس، وهو عنوان للجهاد، ولن يستطيع أن يتفاداه أحد وإن الأعشار وضريبة الأغنام ضرائب شرعية. ومن الآن فصاعداً، سيكون هناك الصحف والمجلات بلغة الكورد والأطفال الكورد يدرسون في المدارس بلغتهم الكوردية وتطبق القرارات والقوانين: القاتل يقتل والفار من العسكرية يحاسب، إن (المشروطة) ألغت لقب الشيوخ والآغا والعشيرة وإن عشيرتنا الآن جميعاً هي العثمانية"(27).
الدكتور عبد العزيز المفتي
(16) Elie Kedourie, pp. 96–96; Shaw, vol. 2, pp. 299–301.
(17) مالميسانيز، ص 20–20.
(18) Naci Kutlay. Ittihat Ve Kurtler (Ankara: Rebun Yayinlari), S. 82–85.
(19) مالميسانيز، ص 17–18، 31، انظر: عثمان علي، المصدر السابق، ص 166.
(20) مالميسانيز، المرجع السابق، ص 27–28.
(21) Ittihat Terakki Ve Kurtler, pp. 203–204.
(22) كيشه ي كورد، ص 189، أسست عشيرت مكتبلري بدعم من قبل السلطان عبد الحميد في سنة 1892 وذلك كوسيلة لخلق الكوادر الإدارية والسياسية بين أبناء القبائل العربية والكردية التي تستوعب سياسة الجامعة الإسلامية، وتعمل لها في الولايات. كانت فترة الدراسة فيها سبع سنوات، حيث يتعلم الطالب فيها بالإضافة إلى العلوم الشرعية العلوم الإدارية والعسكرية واللغات التركية العربية والفارسية والفرنسية، وقد كانت التجربة، استناداً إلى الباحث يوجين روغمان، ناجحة جداً في خلق الكوادر في الولايات ذات الولاء القوي للدولة العثمانية. انظر:
Eugene L. Rogman, “Asiret MektebI: Abdulhamid its school for Tribes (1892–1907)”, International Journal of Middle East Studies 28 (1996) 107–183.
(23) Rohat. Alakom Bir Kurt Diplomatinin Firtanali Yellari: General Serif Pasa (Stockholm: Apec 1995), pp. 44–45.
(24) لازاريف، مرجع سابق، ص 226–227.
(25) Kutlay, pp. 82–85. مالميسانيز، مرجع سابق، ص 50.
(26) Kutlay, 140–143.
يقول عبد الرزاق بدرخان في مذكراته إنه كان على اتصال دائم بشريف باشا في باريس، وحضر عام 1911 مؤتمراً لحزب الائتلاف الحاكم في باريس، وبموافقة مسبقة من الحكومة الروسية، وبقي هناك ثلاثة أشهر. انظر: بيره وه رى، عه بدوره زاق به درخان، وخر كير ناماده كوردن جه ليل جه ليلى، ص 30–31.
(27) مالميسانيز، مرجع سابق، ص 34–38. انظر: عثمان علي، المصدر السابق، ص 170.