الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

الأطماع الاستعمارية بكوردستان العراق (الجزء الثاني): السياسة البريطانية ومصير كوردستان العراق

الاطماع الاستعمارية بكوردستان العراق مع الجزء الثاني والسياسة البريطانية وآراء البريطانيين حول مصير كوردستان العراق والشعب الكوردي واحتلال بريطانيا للعراق (ميتسوبوتاميا) وتأسيس الدولة القومية العربية العراقية ودولة كوردستان الكوردية والكورد في الصراع الروسي - العثماني 1828 - 1880 والصراع الروسي البريطاني داخل الدولة العراقية

أ- السياسة البريطانية في كوردستان العراق/ولاية الموصل

تدع خطوات الاحتلال العسكرية البريطانى لولاية الموصل/كوردستان العراق ذات الاغلبية الكوردية مجالاً للشك فى نوايا بريطانيا الحقيقية، فقد جاء الإنجليز إلى كوردستان العراق غزاة وتصرفوا بما يتفق مع ذلك، وكانت الذريعة المباشرة للاحتلال البريطاني هي إعادة (القوانين والنظام) إلى نصابها وبالدرجة الأولى بين العشائر الكوردية في كوردستان الجنوبية، وعلى عكس ولايتي بغداد والبصرة أقيمت في ولاية الموصل/كوردستان العراق إدارة عسكرية صرفة وليست إدارة مدنية، وعللها الإنجليز ذلك بالغموض الذي يكتنف مستقبل ولاية الموصل/كوردستان العراق السياسي التي وعدت بها لفرنسا طبقاً لاتفاقية سايكس بيكو عام 1916.

ولكن يبدو أن ذلك لم يكن السبب الرئيسي وإنما موقف العشائر الكوردية التي تتمتع بروح قتالية والرافضة إلى الخضوع طواعية للغزاة الجدد البريطانيين والفرنسيين. ذلك هو ما أجبر السلطات البريطانية على تحسين علاقاتها مع القيادات الكوردية العشائرية الإقطاعية حتى انتهاء العمليات العسكرية ضد العثمانيين في تركيا، وساعد على ذلك وجود هدف مشترك ألا وهو طرد العثمانيين الأتراك المسلمين من العراق.

عقدت القيادة العسكرية السياسية البريطانية فى العراق آمالاً خاصة على التعاون مع الشيخ محمود الحفيد البرزنجي الذي كان لديه آمال والى حين حول نوايا الإنجليز بتشكيل حكومة كوردية مؤقتة. وفي مطلع خريف عام 1918م وجدت التناقضات الأنجلو كوردية وكأنها في الخفاء، فعندما عانى الإنجليز من مصاعب مؤقتة في الجبهة حاولوا إثارة الكورد ولكنهم أخفقوا في ذلك وجرت مباحثات مكثفة مع أبرز زعماء الكرد سواء في العراق أو في المهجر.

ولكن النجاحات الكوردية لم تكن كبيرة فقد عبر كل من شريف باشا وسيد طه الزعيم الشمديني عن استعدادهما في تلك المرحلة للتعاون مع الإنجليز؛ ولكن كليهما لم يكن لهم نفوذ سياسي في كوردستان، حيث أن الأول لم تكن له صلات بكوردستان ولم يتمتع بنفوذ فيها، أما الثاني فلم تكن له أهمية كبيرة، فضلاً عن ذلك فإنه كان على خصام دائم مع الزعماء الكرد الآخرين ولقد أثارت نوايا الإنجليز فى المسألة الكوردية شكوكاً متزايدة لدى القيادات الكوردية، حيث أعطت المسألة الأرمنية حجر الزاوية في علاقات بريطانيا مع الكورد ورموزهم حتى مع الشخصيات الكوردية الموالية لها.

وبعد أن أصبحت بريطانيا سيدة الموقف في العراق شددت وضغطت على القيادات الكوردية في محاولة لإرغامها على خدمة أغراضها العسكرية السياسية في المنطقة وتبين أنها آثرت في المرحلة الأولى اتخاذ إجراءات ذات طابع سياسي مع استغلال (مشاعر الكورد القومية) في كوردستان الجنوبية/العراق.

لقد حمل لواء السياسة البريطانية الاستعمارية في هذه المنطقة الضباط السياسيون البريطانيون الأوفياء لقوات الاحتلال، والذين ترتب عليهم قيادة زعماء العشائر الكوردية، وكان هؤلاء ذوي حنكة سياسية متمرسين على فن (الدبلوماسية الشرقية) وعلى دراية حسنة بالظروف المحلية ولهم صلات وثيقة مع القيادات العشائرية الكوردية والعربية. ذلك ما دفع العقيد (أرنولد ويلسون) نائب كبير الضباط السياسيين السيد برسي كوكس المندوب السامي البريطاني في العراق للقوات العسكرية البريطانية في ميزوبوتاميا إلى طرح أسس السياسة البريطانية تجاه الكرد خلال الحرب العالمية الأولى وفي العامين الأولين بعد انتهائها وأعلن ارنولد ويلسون في مذكراته الشخصية والتاريخية عن (عدم حل القضية الكوردية طالما ظلت العشائر الكوردية منقسمة على نفسها، ويفتقر قادتها الكورد إلى سياسة عامة، وهم متفقون فقط في معارضة كل شكل من أشكال الإدارة التي من شأنها وضعهم تحت السيطرة العربية).

لقد كان أرنولد ويلسون نائب السيد برسي كوكس المندوب السامي البريطاني في العراق نفسه والضباط السياسيون الخاضعون له يعملون على بث الفرقة بين صفوف الشعب الكوردي واذكاء نار الخلافات الكوردية العربية مع بعضهم البعض كي يتمكنوا من فرض السيطرة البريطانية على العراق من خلال المواجهة بين القوميتين العربية والكوردية.

في البداية حاولت الإدارة البريطانية تطبيق سياسة الإشراف غير المباشر بالاعتماد على القيادة الإقطاعية الكوردية، هذه السياسة التي تم اختبارها وتطبيقها كثيراً في الهند وفي غيرها من المستعمرات وأثبتت نجاحها ووعدت هذه القيادة بالحرية التامة في التصرف في الشؤون الداخلية، وذلك تحت إشراف الضباط السياسيين الإنجليز وجاء في تعليمات الرائد (ميجر نوئيل) أحد حاملي لواء السياسة البريطانية في كوردستان والذي جرى تعيينه ضابطاً سياسياً في مقاطعة كركوك في الأول من نوفمبر / تشرين الثاني عام 1918م؛ والسماح بتعيين الشيخ محمود البرزنجي ممثلاً للإنجليز في السليمانية، وجرت تعيينات مماثلة لزعماء الكرد في جمجمال وحلبجة وغيرهما من المراكز الهامة في كردستان الجنوبية وحدد مقر ميجر نوئيل في السليمانية ليكون على قرب من الشيخ محمود الحفيد محافظاً (حاكمدار) واستبدل جميع الموظفين الأتراك والعرب بموظفين كورد.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه ما هي المشاريع البريطانية في كوردستان العراق؟ لقد كان واضحاً أن بريطانيا لم يكن لها سياسة واضحة محددة فيما يختص بالعراق عامة وكوردستان بوجه خاص. فلقد اجتمعت اللجنة الفرعية لمجلس الوزراء البريطاني في 27 نوفمبر / تشرين الثاني عام 1918م للنظر في السياسة البريطانية في العراق، وقد أعطت اللجنة صلاحيات (لأرنولد ويلسون) ليضع أمام الشعب العراقي ثلاثة استفسارات للتعرف على وجهة نظرهم السياسية وهي:

1. هل يحبذون الكورد قيام دولة عربية تحت إشراف بريطانيا تمتد حتى الحدود الشمالية لولاية الموصل ذات الاغلبية الكوردية (كوردستان العراق) وإلى الخليج العربي؟

2. في هذه الحالة هل يرون الكورد أن يوضع حاكم عربي على رأس هذه الدولة العراقية العربية الجديدة؟

3. وفي هذه الحالة الكورد من يفضلون أن يكون على رأس الدولة العراقية الجديدة؟

ولقد طرحت هذه الأسئلة فقط في كوردستان الجنوبي/العراق (ولاية الموصل) ذات الاغلبية الكوردية وسرعان ما بدأ ويلسون في تنفيذ الاستفتاء بين القادة والشيوخ الكورد، متجاهلاً الجماهير الكوردية العريضة من المزارعين والتجار والعمال والضباط السابقين والحاليين الكورد (حينذاك) والذين هم في الحقيقة يمثلون الجزء الأكبر من الطبقة المتعلمة الكوردية، حيث حرمهم البريطانيون (ارنولد ويلسون) حق إبداء وجهة نظرهم.

وفي التقارير البريطانية هناك وجهات نظر مخالفة بشأن الاستفتاء تبين أن أغلبية الكورد كانت راغبة في تشكيل إدارة كوردية مستقلة أو بالانضمام إلى كوردستان تركيا (كوردستان الشمالية) خاصة وأن معاهدة سيفر عام 1920 كانت لا تزال قائمة.

لقد كان هذا الاستفتاء يمثل أهمية بالنسبة لبريطانيا من حيث أن يكون لها وسبب إلى سياسة خاصة في كوردستان العراق.

ولقد انقسم المسؤولون البريطانيون حول مستقبل السياسة البريطانية في عموم العراق، وكوردستان حيث تبنت حكومة الهند البريطانية والسير (أرنولد ويلسون) فكرة وضع العراق كلياً تحت السيطرة البريطانية كما هو متبع في الهند، أي تحت حكم بريطاني مباشر. وبينما تعاطف فريق آخر من البريطانيين الخبراء بأمور الشرق الأوسط مع الأماني الوطنية العربية غير أن واقعه لم يكن تعاطفاً مع هذه الأماني بل أن وجهة نظرهم/البريطانيون أن ظروف العراق لا تسمح بوضعه تحت السيطرة البريطانية المباشرة مثلما هو حال الهند.

لقد بدأ ارنولد ويلسون في بناء الإدارة المدنية في المناطق المحتلة من العراق بتوجيه من بيرسي كوكس المندوب السامى البريطاني في العراق ثم بعد ذلك من تلقاء نفسه. لقد كان أرنولد ويلسون مؤمناً بنظام يشبه نظام اللورد (كرومر) في مصر، وحينما تبين له (ارنولد ويلسون) أن الحكومة البريطانية تزمع اتخاذ سياسة مغايرة لسياسته لذلك دافع عن أفكاره بقوة في وجه حكومة لندن.

لقد كان أرنولد ويلسون يرى إلحاق كوردستان الجنوبية/كوردستان العراق بالعراق العربي الجديد، ما بين النهرين في البرقية التي أرسلها ارنولد ويلسون إلى حكومة الهند البريطانية في 20 شباط عام 1919 والتي تلخصت في الآتي:

1. إن الدولة الجديدة في العراق العربي لا بد أن تشتمل على الولايات الثلاث البصرة وبغداد والموصل/كوردستان العراق ذات الاغلبية الكوردية بالإضافة إلى دير الزور.

2. إن هذه المنطقة العراق العربي الجديد لن يحكمها أمير عربي ولكن تدار بواسطة المندوب السامي البريطاني.

3. إن السيطرة البريطانية المؤثرة في العراق العربي الجديد سوف تدعمها القوات العسكرية وسلاح الطيران البريطاني.

4. يكون تحت سلطة المندوب السامي البريطاني أربعة مندوبين له على رأس الولايات الآتية (البصرة بغداد الفرات الاوسط الموصل/كوردستان العراق)

5. إن منح بعض الاستقلال الداخلي الذاتي لكردستان/ولاية الموصل ينبغي أن يترك لمشيئة بريطانيا ولا يوضع في مؤتمر السلام القادم في باريس 1919م إذا كان ممكناً وإذا ما أعطيت كردستان/ولاية الموصل وضعاً منفصلاً فتكون الولايات التابعة لحكم المندوب السامي البريطاني في العراق خمس ولايات بدلاً من أربع.

وبهذا الشكل اتسم مشروع ويلسون بطابع توسعي استعماري ليس للكورد فيه وجهة نظر حين تطاول أرنولد ويلسون على جزء كبير من حصة فرنسا التي أعطيت لها في اتفاقية (سايكس - بيكو)، بإقامة حكم استعماري بريطاني على العراق وليس حكماً وطنياً وهذا مخالف لما وعد به الإنجليز العرب أثناء الحرب العالمية الاولى (ملك الحجاز الشريف الحسين بن علي أثناء الحرب العالمية الاولى).

وكان على الكورد التخلي عن حلمهم في الاستقلال (كوردستان). وفي أفضل الأحوال وعدوا باستقلال ذاتي كاذب تحت رقابة بريطانية شديدة، والتي توفرت فعاليتها بالاقتسام الإداري الذي خطط له سابقاً. ذلك عندما طرح المندوب السامي البريطاني السيد برسي كوكس منذ نوفمبر / تشرين الثاني عام 1918م مسألة بناء الخطوط السكك الحديدية التي من شأنها المساهمة في تطوير مناطق كفري، كركوك، التون كوبري، أربيل، رانية، والسليمانية بثرواتها الاقتصادية الغنية ولقد كان هذا الخط الحديدي/سكة الحديد ضرورياً جداً لفرض الإشراف البريطانى على كوردستان، ولذلك نجد الموافقة السريعة من وزارة الحربية البريطانية عليه دون مماطلة.

وفى 13 يونيو / حزيران عام 1919 صدرت عن الإدارة السياسية فى بغداد وثيقة مخصصة لوزير شؤون الهند ويبدو أن ارنولد ويلسون هو الذي وضعها. وتضمنت الوثيقة مشروعاً جديداً لحل المسألتين العربية والكوردية. والجديد في هذا المشروع هو استبعاد كوردستان الشرقي (إيران) عن مجال مناقشة المسألة الكوردية وحدد من خلال هذا المشروع حدود الأراضي الشرقية التي تكون كوردية على الأغلب بالحدود التركية الفارسية، ومن ثم جرى تعداد المناطق التي يعيش فيها الكورد والتي يجب أن تدخل بلا شك في عداد ميزوبوتاميا بلاد ما بين النهرين (العراق العربي الجديد) الواقعة تحت الحكم البريطاني؛ وقد حذفت جميع هذه المناطق الكوردية من مفهوم كوردستان عملياً. ويجب أن تمر الحدود الجنوبية للأراضي الكوردية غالباً إلى الشمال قليلاً عن الجزيرة (جزيرة بوتان) وشمال نصيبين، وإلى الجنوب من ماردين وشمال رأس العين ومن ثم بمحاذاة خط العرض 37 درجة حتى بيردجيك من الغرب حتى الحدود الجنوبية من ولايات خربوط، بدليس، ووان.

وأكدت الوثيقة أن الكورد بوسعهم الاتحاد فقط على الأراضي الواقعة شمال الخط المشار إليه في دولة كوردية مستقلة يكون مركزها بدليس أو وان، ومن الضروري أن تكون تحت إشراف إداري أجنبي صارم ويفضل أن تكون بريطانيا، دون السماح بتوطين الأرمن في هذه الأراضي الكوردية/كوردستان.

وأكدت الوثيقة إلى أن الكورد منقسمون إلى فريقين رئيسيين: أحدهما موالٍ لبريطانيا في حين أن الآخر يقف بجانب الأتراك. وفي حال نجاح الفريق الثاني فإن الآمال المعقودة على تشكيل الدولة الكوردية (كوردستان) سوف تنهار.

وفي ختام الوثيقة اقترح المخطط التالي للتسوية السياسية في ميزوبوتاميا (بلاد ما بين النهرين) اي ولايتي بغداد والبصرة وفي شرق الأناضول المنطقة الجغرافية لكوردستان، وهو أن تؤلف ولايتا طرابزون، وأرضروم الدولة الأرمينية على أن تكون تحت الوصاية الأمريكية، وتؤلف ولايات ديار بكر، خربوط، وان، بدليس الدولة الكوردية على أن تكون تحت الوصاية البريطانية، وتؤلف ولايات الموصل (كوردستان العراق) وبغداد والبصرة الدولة العربية على أن تكون تحت الوصاية البريطانية أيضاً. وفي النهاية عبر كاتب الوثيقة (ارنولد ولسن) عن خشيته على مستقبل بريطانيا في كوردستان. واختتم كلامه بلهجة تشاؤمية قائلاً: "أفضل أن أرى أمريكا أو حتى تركيا في كوردستان بدلاً من الاستقلال الكوردي في كوردستان".

ولكن من الملاحظ أن وجهات النظر الواردة حول وضع المسألة الكوردية في كوردستان الجنوبية كوردستان العراق/ولاية الموصل والمناطق المجاورة لها من كوردستان الجنوبية - الغربية لم تكن ثابتة، فقد تغيرت مع التحولات السريعة الجارية على الساحتين الدولية والشرق أوسطية. ففي يوليو / تموز عام 1919م كتب (ميجر نوئيل) الضابط السياسي البريطاني في السليمانية عن عدد من الظروف الجديدة في حياة تركيا السياسية ما بعد الحرب العالمية الأولى والتي كانت لها علاقة مباشرة بالقضية الكوردية سواءً في هذه البلاد أو في البلاد المجاورة وخاصة العراق.

ففي 15 أيار /مايو عام 1919م تم بموافقة قوات الحلفاء إنزال القوات اليونانية في أزمير التركية وكانت تلك الخطوة هي الأولى لتقسيم علني للأراضي التركية نفسها. وفي اليوم التالي أي في 16 أيار / مايو 1919 غادر اسطنبول الجنرال مصطفى كمال باشا/اتاتورك الذي اكتسب شهرة عظيمة أثناء الحرب العالمية الأولى لكى يقود حركة الشعب التركى الوطنية التحررية فى الأناضول. ولقد أثرت معظم هذه الأحداث مباشرةً على الوضع في كوردستان وربما يرجع ذلك إلى نشوء مراكز مقاومة للشعب التركي للغزو اليوناني. وعلاوة على ذلك ظهر شبح قيام دولة أرمنية مستقلة كانت عملياً صنيعة الحلفاء وبقيادة زعماء حزب (الطاشناق) القومي الارمني المتطرف والمتشبع بروح العداء للكورد. وشكلت جميع هذه العوامل تربة خصبة لتصعيد التوتر السياسي في المناطق الكوردية كوردستان، وتدل هذه الوقائع على التأرجح الشديد في سياسة التوازن في كوردستان. وفي أواخر آب / أغسطس عام 1919م اقترح وزير شؤون الهند إقامة شريط (Fringe) لدويلات كوردية ذات حكم ذاتي بقيادة الزعماء الكرد وذلك لنشر النفوذ البريطاني في كوردستان الجنوبية. وفي حينها قدم (ميجر نوئيل) الضابط السياسي البريطاني في السليمانية مشروعاً آخر في نوفمبر / تشرين الثاني من العام نفسه 1919 وكان المشروع (لميجر نوئيل) يتضمن حل المسألة الكوردية على أساس ثلاثة شروط وهي:

1. إخلاء كردستان من الأتراك تماماً.

2. ضمان وحدة أراضي كوردستان.

3. فيما إذا جرى تعيين حدود كوردستان تقريباً وفق الخط العرقي بين الأراضي التي يسكنها الكورد والعرب، فإن حصول الكورد على الحكم الذاتي سوف يجعلهم يميلون أكثر للإنجليز وسوف يكون أكثر عداء للأتراك. وكذلك فإن إنشاء دويلات كوردية ذات حكم ذاتى سوف تجعلها تتنازع فيما بينها دون أن تسبب أي مشاكل لميزوبوتاميا (لبلاد ما بين النهرين) العراق العربي (ولايتي) بغداد والبصرة فقط.

ولقد عرض وزير شؤون الهند البريطانية (أ. س. مونتيجيو) المبادئ التالية لسياسة الحكومة حول كوردستان الجنوبية:

1. يجب أن تكون حدود ميزوبوتاميا (بلاد ما بين النهرين) ولايتي بغداد والبصرة فقط أقصر حسب الإمكانية من وجهة النظر العسكرية والسياسية البريطانية.

2. يجب تفادي النشاط العسكري البريطاني خارج هذه الحدود.

3. لا تقوم بريطانيا بالانتداب على كوردستان مهما كانت الظروف.

4. عدم السماح لعودة السيطرة التركية على كوردستان.

فقط شكل ما لخطة شاملة حول تكوين سياسي في المناطق الكوردية الجنوبية كوردستان العراق والذي من شأنه أن يقوم بدور حاجز لضمان حماية المستعمرة الجديدة (العراق العربي) مما يرفع العبء عن الجيش الإنجليزي ويوفر كذلك الكثير من الأموال، والى جانب ذلك كان ينبغي درء خطر نشوء دولة كوردية مستقلة (كوردستان) استقلالاً حقيقياً وموحدة على أرض ميزوبوتاميا (بلاد ما بين النهرين). ولقد ورد هذا التحليل الأخير في تقرير (أرنولد ويلسون) عندما أعلن أنه لا يوافق أبداً على مقترحات (ميجر نوئيل)؛ وحسب رأيه فإن السلطة العثمانية التركية في كوردستان موجودة وسوف تتعزز بسبب سياسة التدخل التي تنتهجها دول الحلفاء في (سميرنا - كليكيا) لكنها لن تمس قضية أمن ميزوبوتاميا (بلاد ما بين النهرين). ولم تكن كوردستان موحدة أبداً، أما السليمانية وأربيل فليس بينهما وبين أجزاء كوردستان الأخرى أي شيء مشترك وبوسعهما الانضمام إلى كوردستان فيما إذا اتحدتا تحت سلطة دولة منتدبة واحدة، الأمر الذي لا يبدو واقعياً في المرحلة الحالية، وفضلاً عن ذلك فأن سكان السليمانية راضون عن الإدارة البريطانية الحالية.

ولم يشاطر ارنولد ويلسون وجهة نظر ميجر نوئيل حول أن الكرد في حالة حصولهم على الاستقلال الذاتى سوف يصبحون موالين للانجليز. كما أن الحدود العراقية بالنسبة لكردستان لم تكن أفضل الحلول وانما ينبغي إعطاء أهمية أكبر للاعتبارات الاقتصادية والجغرافية (الإستراتيجية). ويرى ارنولد ويلسون أن أفضل سياسة لضمان أمن حدود ميزوبوتاميا الشمالية هي إنشاء حزام من الدويلات الكردية تتمتع بحكم ذاتي؛ ومن الضروري حمل الآثوريين على التوطن في منطقة العمادية واعادة الحكم القديم للبدرخانيين في شمال العراق على أن يتم ذلك تحت إشراف بريطاني صارم. وعندئذ يستحيل تماماً تصور وحدة كوردستان السياسية.

وهكذا فإن (ارنولد ويلسون) يعرض برنامجا كاملا لحل المسألة الكوردية يستجيب عملياً للأهداف البريطانية.

انعقد في 6 كانون الأول / ديسمبر عام 1919 مؤتمر لبحث المسألة الكوردية في (انديا أوفيس) بغية الاتفاق على التفاصيل الجزئية لوحدة كوردستان وعرض وزير شؤون الهند البريطانية (أ. س. مونتيجيو) في المؤتمر وبإسهاب خطة عامة لتسوية القضية الكوردية في المنطقة (يجب أن تظل كوردستان الجنوبية العراق ضمن مجال نفوذنا) وهذه هي الفكرة الأساسية لهذه الخطة وبناء عليها برهن الوزير البريطاني لشؤون الهند (أ.س.مونتيجيو) على ضرورة التدخل في شؤون الكورد الداخلية معللاً ذلك بضرورة حماية ولاية الموصل كوردستان العراق من الشمال والخليج من الشرق. وأن تظل ولاية الموصل ذات الاغلبية الكوردية ضمن (دولة ميزوبوتاميا) بلاد ما بين النهرين العراق العربي الجديد، ولكن في هذه الحالة ولاعتبارات إستراتيجية يجب الاحتفاظ بمدن زاخو والجزيرة ودهوك؛ كما يجب وضع السليمانية تحت الإشراف البريطاني المباشر للدفاع عنها ضد أطماع بلاد فارس وتجنب أن تبقى المناطق الكوردية كوردستان على الأغلب خارج إطار ميزوبوتاميا (بلاد ما بين النهرين) العراق العربي الجديد.

وحسب رأي مونتيجيو يجب ان تمر الحدود بين كوردستان وميزوبوتاميا (بلاد ما بين النهرين) إلى الشمال عند خانقين ومن ثم باتجاه كفري وكركوك والتون كوبري واربيل ودهوك وزاخو وفيش خابور، وينبغي أن تضم جميع هذه المدن إلى ميزوبوتاميا (بلاد ما بين النهرين) باستثناء أربيل التي يترك مصيرها لما يقرره الزعماء المحليون الكورد. أما الحدود الشرقية لكوردستان الجنوبية فتكون مطابقة للحدود القائمة والمعترف بها بين الولايات العراقية والإيرانية.

وبهذا الشكل اختتم الوزير لشؤون الهند البريطانية (أ.س مونتيجيو) كلامه قائلاً: إنه إذا وافق اللورد كيرزون وزير خارجية بريطانيا على هذا المشروع فسوف تتم حماية حدود ميزوبوتاميا (بلاد ما بين النهرين العراق العربي الجديد) من العثمانيين الأتراك شمالاً وشرقاً بدولة بوتان الكوردية الصديقة (في الجزيرة الكوردية) في كوردستان وشمالاً بمنطقة الموصل الحصينة، أما من الشمال الشرقي بدولة كوردية حرة منفصلة عن كوردستان الوسطى ستكون محمية بجبال منيعة صعبة المسالك؛ كما أن وجود المسيحيين الأصدقاء في أورمية يمثل ضماناً إضافياً لحماية حدود ميزوبوتاميا (بلاد ما بين النهرين) الشرقية.

إن الآراء السابقة لا تتناول فقط رغبة سلطات الاحتلال البريطاني المعروفة فى إخضاع كوردستان, ولكنها تؤكد على سعيها في تثبيت الانقسام السياسي للمجتمع الكردي وجعل هذا الانقسام أبد الدهر وقد استبعدت من هذه الولاية الكوردية (المستقلة) التي جرى التخطيط لها معظم المراكز التي اتسمت بشيء من الأهمية من الناحيتين الاقتصادية والإستراتيجية. ومركزاً للكورد عملياً المرتفعات الجبلية، حيث سمح للزعماء الكورد الذين برهنوا على إخلاصهم للتاج البريطاني بالإشراف عليها. ومن الواضح أن مثل هذه الظروف استبعدت إمكانية قيام تطور اجتماعى - اقتصادي وسياسي وثقافي في المجتمع الكوردي. وبعبارة أخرى كان النهج المقترح مشحوناً بعواقب رجعية متطرفة على مصير الشعب الكوردي. فقد رغب الإنجليز في نقل السياسة التي قاموا باختبارها في شمال - شرق وفي الشمال وشمال غرب مناطق الهند البعيدتان عن المركز، ورغبوا في تطبيقها في كوردستان، حيث كان يوجد في تلك المناطق في الهند نظام تابع كلياً لبريطانيا من الممتلكات العشائرية والإقطاعية ويتم توظيفه في خدمة الاستعمار البريطاني.

ولكن لم تأخذ الآراء السابقة كلها شكل نشاطات سياسية فعلية ولم تطبق في ذلك الوقت على أرض الواقع، لأنها ما زالت أحكاماً فقط للإدارة العراقية المحلية والأوساط الأنجلو هندية بشأن المسألة الكوردية، وعلى نطاق العراق وحده بصورة رئيسة. ولم تتم المصادقة عليها من القيادة العليا أي من الحكومة البريطانية، ولم يوافق عليها رئيس الوزراء لويد جورج ووزير الخارجية كيرزون وذلك لأن المسألة الكوردية كجزء من المسائل العثمانية التركية والإيرانية الفارسية والسورية العربية أو كجزء من مسألة عامة حول مصير الدولة العثمانية، ما زالت تستوجب الحل على الصعيد الدولي، في حين أن المجال ما زال أمامه مفتوحاً.

ومما سبق يتضح أن هناك إشكاليات متعددة تبحث عن إجابات منطقية تدور حول الإطار الجغرافي لكوردستان ومظاهر الحضارة الكوردية وحقوقية التبعية السياسية لهذه المنطقة كوردستان التي أثارت وما زالت تثير الجدل في المعترك السياسي الإقليمي والدولي، وأخيراً التكالب الاستعماري حول هذه المنطقة (كوردستان) والأبعاد المختلفة التي كانت تدفع الدول الاستعمارية للانقضاض على المنطقة الكوردية (كوردستان) والحرص على أن تكون لها مناطق نفوذ دائمة فيها، حتى انفردت بريطانيا بالسيطرة على العراق وكوردستان الجنوبية/ولاية الموصل خاصة خلال أحداث الحرب العالمية الأولى وما بعدها.

ب- آراء بريطانية حول مصير الشعب الكوردي في كوردستان

كانت للبريطانيين آراء إزاء مصير منطقة كوردستان هي:

1. تشكيل حكومة كردية في كوردستان الجنوبية (كوردستان العراق).

2. تشكيل حكومات كوردية ذات الحكم الذاتي في كوردستان العراق.

3. الموافقة على المشروع الكوردي الأرمني الرامي إلى تشكيل حكومتين في كوردستان وتكون تحت السيطرة التركية الحالية حكومة أرمنية فى القسم الشمالى وحكومة كوردية فى القسم الباقى. ناقش (ميجر نوئيل) في تقريره (ملاحظة في الوضعية الكوردية) هذا المشروع بصورة مفصلة وذكر رأي الحاكم السياسي البريطاني في العراق (السير برسي كوكس) بشأن المشروع فقال: "إن الاختيارين العمليين الوحيدين هما المقترحان من قبل (الكولونيل ارنولد ويلسن) في برقيته المرقمة 6666 والمؤرخة 13 حزيران (1919) المرسلة إلى سكرتير حكومة الهند البريطانية: ولايتا طرابزون وارضروم تشكل حكومة أرمنية واحدة تحت حماية أمريكا والولايات الأربع الكوردية الباقية تشكل حكومة كوردية تحت الحماية البريطانية ترجيحاً والاختيار الوحيد هو إعادة السلطة العثمانية التركية في البلاد الستة تحت المراقبة الأوروبية بصورة ما".

والجملة الأخيرة من البرقية تدل على أن البريطانيين أو بعضاً منهم لم يكونوا يريدون إنشاء دولة كوردية في كوردستان الشمالية (كوردستان تركيا) لأنه لو أنشئت هذه الدولة الكوردية لضمت إليها كوردستان الجنوبية (كوردستان العراق) التي كان بعض البريطانيين يريدون إلحاقها (كوردستان العراق/ولاية الموصل) بالعراق العربي الجديد. رغم إقرار (مؤتمر سيفر سنة 1920) هذا المشروع إلا أن بريطانيا حسب رأي عدد من المؤرخين ساعدت تركية على إلغائه في (مؤتمر لوزان عام 1923م) لتنفيذ مشروعها الاستعماري بإلحاق أهم وأغنى جزء من الوطن الكوردي (كوردستان العراق) بالعراق العربي الجديد.

أما (ميجر نوئيل) الضابط السياسي البريطاني المختص بشؤون كوردستان فإنه عارض اقتراح إعادة السلطة العثمانية التركية إلى الولايات الستة الكوردية فى كوردستان تركيا كما عارض تقسيم كوردستان.

4. مبدأ اتحاد كوردستان: دعا (ميجر نوئيل) إلى توحيد أجزاء كوردستان بما فيها كوردستان ايران التابعة لإيران في إطار دولة كوردية واحدة وبذل جهوداً جسيمة لتحقيق هذه الغاية سواء في داخل كوردستان أو لإقناع بريطانيا وقال: "ليس من صالح بريطانيا أن تقف محايدة تجاه المسألة الكوردية وان لا تفسح المجال للبعثات الأمريكية في كوردستان" كما عارض فكرة ضم جزء من كوردستان العراق إلى العراق العربي الجديد ووصفها بأنها عمل غير مشكور وأنها توجب حقداً تقليدياً لدى الأكراد على بريطانيا وعارض إعادة السلطة العثمانية التركية إلى كوردستان تركيا وقال في تقريره الذي رفعه في استنبول في الثامن من تموز 1919 ورفعه إلى المراجع البريطانية العليا بشأن كوردستان وهو يوصي بريطانيا بالعمل على توحيد أجزاء كوردستان في دولة كوردية واحدة: ذكر فيه أمثلة على قابلية الأكراد وقال إنها "تفضي إلى بيان أن الكوردي قابل للتربية الحديثة وأنه بهذا الاعتبار ان الكوردي يفوق على العربي والتركي والعجمي في ذكائه وقابليته وشجاعته أن الحكم المعتبر لملاحظته وهو خبير هو أن الكوردي أقدر من جميع الملل الشرقية على كشف الفائدة والاستفادة من تأسيس شكل حكومة راقية ثابتة فى مملكته كوردستان".

أما ما يتعلق بكوردستان إيران بشأن مبدأ اتحاد كوردستان فقد بذلت جهود لاتحادها مع الأجزاء الأخرى سواء من قبل الأكراد أنفسهم أو من قبل (ميجر نوئيل) الضابط السياسي البريطاني في كوردستان فقد قدم أربعون من زعماء الأكراد في كوردستان إيران مذكرة موقعة من قبلهم إلى الحاكم السياسي البريطاني الحاكم في العراق السير برسي كوكس طالبين ضم هذا الجزء الكوردي كوردستان ايران إلى كوردستان الجنوبية (كوردستان العراق) تحت قيادة الشيخ محمود الحفيد كما أن السيد طه الشمزيني قابل (ارنولد ويلسن) وكيل الحاكم السياسي البريطاني في بغداد في أيار سنة 1919 وطلب منه العمل على توحيد كوردستان على أن تشمل كوردستان إيران ولكن ارنولد ويلسن نائب الحاكم السياسي البريطاني في العراق لم يلب طلبه ولا طلب الزعماء الأكراد الآخرين لأنه كان يحمل سياسة عقيمة ومعادية للشعب الكوردي وكانت سياسته وسياسة الحاكم السياسي البريطاني العام في العراق برسي كوكس هي تجزئة كوردستان بدلاً من توحيدها وذلك بإلحاق جزء منها بالعراق العربي وترك جزء آخر لظلم الأتراك كما ضمت فرنسا جزءاً آخر إلى سورية والقسم الباقي تحت حكم ايران.

لقد عبر (ارنولد ويلسن) عن سياسة بريطانيا إزاء المسألة الكردية قائلاً: "كنا نهدف إلى تأخير أية محاولة من جانب الأكراد للانفصال عن الحكم الإيراني بكل وسيلة ممكنة في أيدينا وكنا نهدف إلى ترك الأكراد فى خارج ولاية الموصل ذات الاغلبية الكوردية كوردستان العراق لمصيرهم ولرحمة الحكومة التركية".

أما (سكرتير حكومة الهند البريطانية) فإن وجهة نظره حول مصير كوردستان كانت قريبة من وجهة نظر (ميجر نوئيل) إذ كان يقترح تشكيل اتحاد فدرالي من دول كوردية ذات حكم ذاتي وكان هذا الاقتراح إيجابياً معاكساً لتقسيم كوردستان. تتجسم وجهة نظر كل من (ميجر نوئيل) وسكرتير الحكومة الهندية البريطانية في برقية السكرتير التالية الموجهة إلى الحاكم البريطاني العام في العراق في 22 تشرين الثاني 1918: "يظهر أن كوردستان يجب تركها لمصيرها، القضية العملية هي كيف يمكن إنجاز هذا بصورة ثابتة وبالسلام والأمن على حدود ميسوبوتاميا العراق العربي الجديد إن (ميجر نوئيل) ينصحنا بأن هناك ثلاثة شروط:

1. يجب إخراج النفوذ العثماني التركي من كوردستان.

2. يجب عدم تقسيم كوردستان.

3. يجب أن تتبع الحدود العراق العربي الجديد بقدر الإمكان الخط القومي الكوردي (اثنولوجي) بين الأكراد والعرب ويرى (ميجر نوئيل) بأن الأكراد عند تركهم لمصيرهم سيصبحون موالين لبريطانيا ولن يحتاجوا تشجيعاً أو مساعدة لإبقاء العثمانيين الأتراك في الخارج ويعتقد أيضاً بأن تقسيم البلاد (كوردستان) وبإلحاق أغنى أجزائه بما بين النهرين (ميسوبوتاميا) ولاية الموصل الكوردية ستقدم الفرص للدعاية القومية الكوردية المعادية لبريطانيا وفيما يخص بكوردستان فلا زلنا نعتقد أنه قد يكون عملياً تشجيع تشكيل فدرالي من الدول (الكوردية) ذات حكم ذاتي التي قد يتنازع بينها لكنها لن تؤذي ميسوبوتاميا العراق العربي الجديد". عارض (ارنولد ويلسن) (ميجر نوئيل) حيث أبرق إلى سكرتير حكومة الهند البريطانية قائلاً "لا أوافق على شروط (ميجر نوئيل) الثلاثة" وكانت البرقية بتاريخ 29 تشرين الثاني 1919.

ج- احتلال بريطانيا للعراق ميتسوبوتاميا (ولايتي بغداد والبصرة) العربية وثم ولاية الموصل (كوردستان الجنوبية العراق) وتأسيس الدولة القومية العربية العراقية ودولة كوردية في كوردستان

تشكلت الدول القومية العربية في العراق العربي الجديد والتركية في تركيا الحديثة والسورية وايران التى ضمت أجزاء من كوردستان وهي تركيا والعراق وسوريا وايران بعد الحرب العالمية الاولى. ونحن هنا نعالج قضية العراق وكوردستان الجنوبية. فقد احتلت القوات الإنكليزية بقيادة الجنرال مود بغداد في 19 آذار 1917. وفي نهاية عام 1918 احتلت القوات البريطانية أجزاء من كوردستان الجنوبية ولاية الموصل التي تسمى اليوم كوردستان العراق بعد معارك طاحنة مع القوات العثمانية. وقرر مجلس الحلفاء الأعلى وضع العراق تحت الانتداب البريطاني في 25 نيسان 1920. وقد وردت في المادة السادسة عشرة من "لائحة الانتداب البريطاني" في 9 كانون الأول عام 1920 بصدد القضية الكوردية ما يلي: "لا شيء ما في هذا الانتداب يمنع المنتدب من تأسيس حكومة كوردية مستقلة إداريا في المقاطعات الكوردية (كوردستان)".

د- الكورد في الصراع الروسي العثماني (1828 - 1880)

أدى الكورد دوراً مهما في الصراع الذي كان دائراً بين الدولة العثمانية وروسيا في القرن التاسع عشر. وان فهم طبيعة هذا الدور المهم لفهم مكانة الكرد ودورهم في الصراعات الإقليمية اليوم. ولذا جاء ذكرها كي نحاول إعطاء مميزات هذا الدور والعوامل المؤثرة فيه.

يبدو أن كلا من الدولة العثمانية وروسيا القيصرية حاولتا ضم الكرد إلى جانبهما طيلة فترة الصراع بينهما؛ كما حاول الكرد استغلال الصراع الدائر بين هاتين الإمبراطوريتين لإعادة استقلال الإمارات الكردية الذي أنهاه السلطان العثماني محمود الثاني، في النصف الأول من القرن التاسع عشر.

ولفهم دور الكورد في الصراع سنحاول إعطاء فكرة موجزة عن العوامل الفاعلة في المجتمع الكوردي في القرن الماضي. وقد كان لبريطانيا باعتبارها قوة عالمية ثالثة دور بارز في الصراع العثماني الروسي، لذلك كان من المفيد كذلك شرح الأسباب المؤثرة في الموقف البريطاني المؤيد للدولة العثمانية في الصراع الأخير مع روسيا، وفي جهود العثمانيين لقمع الانتفاضة الكوردية، ومن ثم نعرج على ذكر دور الكورد في الحروب الروسية العثمانية خاصة حروب الأعوام 1827 - 1828، حرب القرم 1854، وحرب 1878 - 1887.

ه- الصراع الروسي البريطاني داخل الدولة العثمانية

مع بداية القرن التاسع عشر اشتد الصراع الروسي البريطاني في الشرق الأوسط ووصل إلى مرحلة دقيقة، فالمكاسب التى حققتها روسيا القيصرية في حروبها مع كل من إيران والدولة العثمانية أثارت حفيظة بريطانيا، التى كانت تنظر بعين الشك إلى الأطماع التقليدية الروسية في الوصول إلى المياه الدافئة في الخليج العربي.

عدت بريطانيا هذا التوسع الروسي، باتجاه الجنوب، تهديداً لمصالحها في الخليج، وتصور الإنكليز أن الهدف الأخير للروس ليس الخليج ذاته ووحده، بل السيطرة على هذا الممر المائي الإستراتيجي، المؤدي إلى المستعمرة البريطانية المهمة في شبه القارة الهندية (الهند). ومن الجدير بالذكر أن إيران كانت قد مُنيت بهزيمة ساحقة أمام روسيا، واضطرت ايران في (اتفاقية كلستان) عام 1813 إلى التخلي عن مناطق (دربند، وقرباغ، وشيروان، وباكو، وداغستان وأبخازيا) الى روسيا وان (اتفاقية تركمنجاي) الموقعة في العام 1828 بعد الحرب الروسية الإيرانية عززت المكاسب الروسية في مناطق القفقاس؛ وأضافت إليها مناطق (يريفان ونخجفان).

ولم تكن المكاسب الروسية داخل الدولة العثمانية أقل أهمية من تلك التي حققتها في المناطق الإيرانية فبعد الهزيمة الكبيرة للقوات العثمانية أمام قوات محمد علي باشا والي وحاكم مصر (1805 - 1848)، والتي أدت بالنتيجة إلى سقوط معظم الولايات الشرقية الكوردية في أناضول (كوردستان التركية) ووقوعها بيد قوات محمد علي باشا والي وحاكم مصر، شعر السلطان العثماني بأن عرشه مهدد في استنبول، وأجبر على توقيع (اتفاقية أنكيار أسكلسي) في عام 1833 وأصبحت الدولة العثمانية بموجب هذه الاتفاقية بمثابة (محمية روسية)؛ وكانت للاتفاقية السابقة الذكر تأثير كبير في تأجيج الصراع البريطاني الروسي من أجل النفوذ داخل الدولة العثمانية، لذلك تحوّل كل من (بالمرستون) رئيس الوزراء البريطاني و(ستافورد كانينغ) السفير الإنجليزي المتنفذ لدى الدولة العثمانية إلى ألد الخصوم للروس.

كما يستحب الإشارة هنا إلى أن الصراع الروسي الإنجليزي في الشرق الأوسط إبان هذه الفترة كان مرتبطاً بمعادلة توازن القوى في المسرح الأوروبي؛ حيث شعرت بريطانيا بأن حصول الروس على مناطق نفوذ ومستعمرات في خارج أوروبا سيقوي نفوذهم على المسرح الأوروبي، ويخل بمعادلة توازن القوى التي أرادت بريطانيا أن تكون راعية لها، وأن تحتفظ بقوتها المتمثلة بالمستعمرات وردع الآخرين من الإخلال بهذه المعادلة؛ لذا أصبح الحفاظ على الدولة العثمانية، ومنع الروس من الزحف جنوباً باتجاه المياه الدافئة (الخليج العربي والمحيط الأطلسي)؛ من أولويات السياسة البريطانية طيلة القرن التاسع عشر.

الدكتور عبد العزيز المفتي


الهوامش

(1) جيرترود بيل، فصول من تاريخ العراق القريب، ترجمة جعفر خياط، دار الطليعة، بيروت، 1971م، ص155.

(2) جيرترود بيل، المصدر السابق، ص 60.

(3) Wilson, op. cit., p. 5.

(4) لازاريف، مرجع سابق.

(5) Ghassan, op. cit.

(6) لازاريف، مرجع سابق، ص 88.

(7) لازاريف، مرجع سابق، ص 90.

(8) حامد عيسى، مرجع سابق، ص 50.

(9) لازاريف، مرجع سابق، ص 95.

(10) التقرير هو (ملاحظة في الوضعية الكردية) عثر المرحوم أحمد نيله أمين المكتبة العامة بالموصل قبل سنة 1961 على نسخة عربية مخطوطة منه وذلك بين كومة من المخطوطات كانت قد عرضت للبيع في استنبول فاشتراها كلها وعندما رجع إلى الموصل وفحص المخطوطات وجد من بينها هذا التقرير أو هذا الكتاب ولما علم أنه النسخة الوحيدة اعتز به كثيراً وضمه في مجر منضدته وبوساطة من أستاذي مؤرخ الموصل ومدير دائرة آثارها سعيد الديوه جي سلمه إلى عبد الرقيب لمدة يوم واحد فقط في أوائل أيلول 1961 فكتب نسخة عليه وسلمه إياه ثم أراد نشره وكتب له مقدمة وترجمة للحياة السياسية (لميجر نوئيل) ونشاطه السياسي في كردستان. كتب (ميجر نوئيل) فى نهايته تاريخ الانتهاء منه وهو "استنبول جولاي 1919" وهو غير كتابه المعروف بـ "يوميات نوئيل" الذي طبع بالبصرة سنة 1919 والذي ترجمه إلى العربية السيدان حسين جاف وحسين نيركزه. من المحتمل أن أحد السياسيين الأكراد الذين رافقوا (ميجر نوئيل) فى جولته فى كردستان الشمالية فى مناطق دياربكر وعينتاب وغيرها ترجم التقرير من الإنكليزية إلى العربية مع ضعف قليل في عربيته وقد رافقه أيضاً أكرم جميل بك الدياربكري. في 1971 زار عبد الرقيب المرحوم أكرم جميل بك في (حاجي عمران) حيث كان مع شيخوخته والتحق بالثورة الكردية وسأله عمن ترجمه إلى العربية فقال لا أعلم بذلك. في حوالي اليوم الأول من تموز 1977 أخبره أستاذي سعيد الديوه جي أن الحكومة سحبت نسخة التقرير من المكتبة العامة بالموصل فلا يعلم له مصير. ومن الجدير بالذكر أن مجمع اللغة الكردية ببغداد حصل على نسخة منه بواسطة استاذي الديوه جي الذي كان قد استنسخ النسخة الأصلية بعد عبد الرقيب. في سنة (2001) بعد أن ترجم الأخ صديق صالح التقرير إلى اللغة الكردية مع ما كتبه عبد الرقيب بخصوص نشاط (ميجر نوئيل) السياسي في كردستان طبعه مشكوراً الأخ عثمان عبد الكريم حمه مراد بالسليمانية.

(11) علق (ميجر نوئيل) على هذا الموضوع بقوله وهو يشير إلى خطأ سياسة بريطانيا تجاه القضية الكردية في إيران: "وتبين أن كل تشبث من قبلنا لمهادنة سلطة الحكومة الإيرانية سيكون له تأثير سيئ على علاقتنا مع الأكراد على طول الحدود الشمالية للعراق، إن الحركة الحاضرة للاتحاد الملي فى القسم الشمالي لكردستان العجم هي حركة طبيعية ومبنية على أسس اقتصادية وقومية بالعكس أن السلطة الإيرانية ثابتة على أساسات وسياسات غير طبيعية ويلزم أن نتجنب إذن من أن نرمي إلى السعي لمعارضتها لأنه مثل هذا الإجراء ولأجل أن يكون مؤثراً يلزم أن يكون دائمياً ويستند على الإصرار بعلاقاتنا الودية مع الأكراد عموماً".

(12) جلال الطالباني: كردستان والحركة التحررية الكردية، الطبعة الثانية، ص 209.

(13) عثمان علي، الحركة الكردية المعاصرة، الطبعة الثالثة، سنة 2011، ص 23.

(14) G. Lenczowski. The Middle East in World Politics (Cornell University Press, 1980), pp. 38 — 39.

(15) England and the Near East, (London: Frank Cass and Company Ltd., 1964). P. 74.

(16) عثمان علي، المصدر السابق، ص 26.