الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

الأطماع البريطانية المشروعة لحكم كوردستان

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

مشروع الدويلات الكوردية

بعد اندلاع ثورة الشيخ محمود الحفيد في السليمانية في أيار/مايو سنة 1919، تخلى السيد طه شمزينان عن الشيخ محمود الحفيد وذهب إلى بغداد، حيث قابل ولسون، المندوب السامي البريطاني في العراق، وعرض عليه عدة اقتراحات، منها أن تعمل بريطانيا على إنشاء إدارات كوردية عديدة ذات حكم ذاتي. وقد لقي هذا الاقتراح قبولاً في لندن، إذ اتجهت السياسة البريطانية إلى إنشاء إدارات كوردية متعددة تحت سلطة رؤساء أكراد متنفذين وعشائرهم، وتحت الإشراف البريطاني، حتى تكون هذه الإدارات مصيدة للمواطنين الأكراد خارج النفوذ العسكري البريطاني. وكان ذلك الأسلوب الاستعماري المفضل آنذاك لدى وزارة المستعمرات البريطانية، فهو يحقق رغبات الأهالي الكورد، والموالين للبريطانيين منهم خاصة، ويمنع تحقيق الوحدة الوطنية الكوردية في كوردستان.

وقد أيد هذا الرأي المؤتمر الذي عُقد برئاسة السير آرثر هرتزل يوم السبت السادس من كانون الأول/ديسمبر سنة 1919 في دائرة الهند البريطانية، ومفاد ما انتهى إليه أنه يجب أن تكون هناك ولاية كوردية في السليمانية تحت الرعاية البريطانية، وأن يكون هناك مجلس يعالج شؤون المقاطعة الكوردية الواقعة بين الزابين الكبير والصغير، مع استثناء راوندوز إلى أن تطلب الانضمام، وأن تكون منطقة الجزيرة الكوردية مركزاً لدولة ذات حكم ذاتي تحت رعاية فرد من عائلة بدرخان.

وكانت بريطانيا تهدف إلى جعل الوطنيين الأكراد تحت سيطرتها، في الوقت الذي كان فيه الوطنيون الأكراد يأملون تحويل هذه الإدارات والدويلات الكوردية التي كانت بريطانيا تزمع تأسيسها إلى حكومة كوردية مستقلة. ولكن فكرة إنشاء الإدارات والدويلات الكوردية فشلت، لأن الأكراد، بدلاً من الترحيب بالنفوذ البريطاني كما كانت تأمل بريطانيا، أظهروا لها عداءً شديداً.

مشروع الدولة الكوردية

بعد الحرب العالمية الأولى كان البريطانيون قد لعبوا بفكرة تأسيس دولة كوردية مستقلة تحميها بريطانيا، للأسباب الآتية:

  1. محاولة دفع نفوذهم إلى المنطقة الاستراتيجية المجاورة للقوقاز، في مواجهة الاتحاد السوفيتي الذي أصبح العدو الأول لبريطانيا بعد ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا سنة 1917.
  2. إن تأييد الأماني الكوردية يمكن أن يُتخذ وسيلة للضغط على تركيا الكمالية، وللقضاء على كل ادعاء تركي في ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية الغنية بالنفط.
  3. جعل كوردستان وسيلة للضغط على العراق الجديد وعلى الحركة الاستقلالية العربية، التي تضطر من ناحية أخرى إلى الاستنجاد ببريطانيا.
  4. كسب أنصار لبريطانيا من الأكراد في كوردستان، وبالتالي فرض السيطرة البريطانية عليها، خاصة أن المتوقع كان أن تجبر الظروف في المنطقة هذه الحكومة الكوردية على التودد إلى بريطانيا والتقرب منها لصيانة وجودها من الخطر التركي بوجه خاص.

وكان يدافع عن فكرة الدولة الكوردية كلٌّ من الميجر نوئيل، الذي عُيّن مستشاراً سياسياً للشيخ محمود الحفيد في السليمانية، واللورد كيرزون وزير خارجية بريطانيا. ولذلك فحين ذهب ولسون، المندوب السامي البريطاني في العراق، إلى لندن في أوائل سنة 1919 ليطالب بإنشاء دولة عراقية تخضع للحكم البريطاني وتشتمل على ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية كلها، عارض اللورد كيرزون ضم ولاية الموصل، وفضّل أن يضمها إلى دولة كوردستان التي حاولوا إنشاءها في ذلك الوقت. كما كان الميجر نوئيل يرى عدم تجزئة كوردستان (ولاية الموصل) وتشكيل دولة كوردية فيها، وكان يرى أن ذلك يمكن تحقيقه عن طريق:

  1. إخراج النفوذ التركي من المنطقة الجغرافية الكوردية في كوردستان.
  2. عدم تقسيم المنطقة الكوردية (كوردستان).
  3. أن تتبع الحدود الكوردية، بقدر الإمكان، الخط القومي الفاصل بين الأكراد والعرب.

وقد تبلورت سياسة إقامة دولة كوردية في معاهدة سيفر في 10 آب/أغسطس سنة 1920، ولكن نصوص هذه المعاهدة لم تخرج إلى حيز التنفيذ بسبب تغير الظروف الدولية.

لقد صرفت بريطانيا النظر عن فكرة استقلال الأكراد أو حصولهم على الحكم الذاتي وإقامة دولتهم الكوردية، للأسباب التالية:

  1. إن الميثاق الوطني التركي الذي وُضع سنة 1920 طالب بالسيادة على ولاية الموصل، وقد خشي الإنجليز أن يؤدي قيام دولة كوردية إلى إغراء الأكراد بالانضمام إلى الدولة الجديدة في تركيا، فيؤثر ذلك في الدولة العراقية الناشئة، ويؤدي إلى ضياع منابع النفط من أيدي البريطانيين.
  2. إن قيام هذه الدولة الكوردية يمكن أن يهدد بالانفجار وبالإخلال بتوازن الشرق الأوسط واستقراره، إذ إن تأسيسها سيؤدي في النهاية إلى انتفاع الاتحاد السوفيتي بها أكثر من أي جهة أخرى.
  3. كانت بريطانيا تتطلع إلى كسب الرأي العام العربي، وقد وجدت من الصعب عليها أن تشجع في الوقت نفسه الخطط التي من شأنها تضييق المنطقة التي يطالب بها العرب.
  4. ظهر للبريطانيين أنه لا يمكن إقامة دولة كوردية مستقلة، لأن مصطفى كمال أتاتورك كان قد رفض السماح لأكراد تركيا بالمشاركة في مثل هذه الدولة، وفرض عليهم البقاء داخل حدود تركيا الحديثة. فعملت بريطانيا على إمساك العصا من الوسط، وقررت ضم بعض مناطق الأكراد، وهي ولاية الموصل (كوردستان العراق)، إلى العراق، على أن تقام في مناطقهم الكوردية إدارة خاصة بهم، ويُنص على ضمان حقوقهم القومية. وكان هذا الوضع المعتدل بالنسبة للدبلوماسية البريطانية يسمح بنشوء مشكلات جديدة بين العرب والأكراد، ويسمح لبريطانيا بالتدخل حكماً بينهما، كما كان يسمح لها باستمرار الحصول على موارد النفط من شمال العراق (ولاية الموصل)، أي كوردستان الجنوبية، مختبئةً وراء الدولة العراقية الجديدة في بغداد.
  5. إن البريطانيين لم تكن في نيتهم أن يحسموا القضية الكوردية في العراق نهائياً، وبطبيعة الحال لم تكن السياسة الاستعمارية تستطيع أن تتقبل فكرة ضمان الاستقلال لسكان منطقة مهمة كولاية الموصل. ومن الناحية الأخرى لم يكن الموقف العدائي الذي وقفه الأكراد من الحكومة العراقية الجديدة بالأمر السيئ لبريطانيا، فقد كان ينطوي على تنبيه دائم للملك فيصل الأول وأصحابه إلى أن بريطانيا قد تعلن موافقتها على استقلال الأكراد في ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية (كوردستان الجنوبية) إذا جرت الأمور في العراق الجديد مجرى لم تُستشر فيه بريطانيا ولم توافق عليه.
  6. إن الأكراد أنفسهم لم يوحدوا صفوفهم، ولم يبرهنوا لبريطانيا على أنه يمكن الاعتماد عليهم في إقامة دولة كوردية مستقلة تستطيع أن تحافظ على نفوذ بريطانيا وأهدافها.
  7. إن العرب كانوا يطالبون بضم ولاية الموصل إلى العراق الجديد، وقد وقف العرب إلى جانب الإنجليز في الحرب العالمية الأولى ضد تركيا، بينما وقف الأكراد إلى جانب تركيا ضد الإنجليز، فلم يكن منتظراً من بريطانيا أن تتبنى مطالب الأكراد بتشكيل دولتهم في ظل هذه الظروف.